مناسبات الشهر
مناسبات شهر جمادي الثاني   -- 2 جمادي الثاني * وفاة سنة 656 الوزير الشيعي أبو طالب مؤيد الدين محمد بن محمد بن علي العلقمي البغدادي المعروف بـ(ابن العلقمي)، وكان وزير المستعصم آخر الخلفاء العباسيين وكان كاتباً خبيراً بتدبير الملك ناصحاً لأصحابه، وكان رفيع الهمة محباً للعلماء والزهاد كثير المبار. دفن عند الإمام موسى الكاظم(ع).   -- 3 جمادي الثاني * استشهاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(ع) سنة 11هـ، على الرواية التي تقول ببقائها(ع) بعد أبيها(ص) بـ 95 يوماً، وتسمى هذه المناسبة بـ (الفاطمية الثالثة).. وهو يوم تتجدد فيه الأحزان، فلا بد للشيعة من إقامة العزاء على هذه المظلومة وزيارتها ولعن ظالميها وغاصبي حقها.   -- 4 جمادي الثاني * هلاك هارون العباسي في خراسان بقرية سناباد سنة 193هـ، وقبره خلف قبر الإمام الرضا(ع). وكان شديداً على آل البيت(ع)، حتى بلغ به الأمر أن دسَّ السُّمَّ للإمام الكاظم(ع) في سجن السندي ببغداد.   -- 5 جمادي الثاني * وفاة السلطان البويهي بهاء الدولة بن عضد الدولة الديلمي سنة 404هـ. * وفاة الشاعر الإمامي الكبير أبي الحسن مهيار الديلمي سنة 428هـ، الذي أسلم على يد الشريف الرضي(ره)، وصار تلميذاً له. وهو من أولاد أنوشيروان. ترك ديواناً كبيراً في أربعة مجلدات، وله شعر كثير في مدح أهل البيت(ع) والدفاع عنهم. * ولادة العالم الرجالي المعروف الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داوود الحلي(ره) الشهير بـ (ابن داوود) سنة 647هـ، وله من المصنفات في شتى العلوم بلغت ثلاثين مصنفاً، والمتوفى بعد سنة 707هـ.   -- 6 جمادي الثاني * اندلاع ثورة النجف الأشرف ضد حكومة الاحتلال البريطاني سنة 1336هـ وتولت قيادتها (جمعية النهضة الإسلامية) برئاسة السيد محمد علي بحر العلوم(ره)، وهي التي مهدت لاندلاع الثورة العراقية الكبرى في 1920م. * غزوة مؤتة واستشهاد جعفر بن أبي طالب(ع) الملقب بـ (الطيار) عام 8هـ.   -- 11 جمادي الثاني * وفاة الشاعر الإمامي بديع الزمان الهمداني أحمد بن الحسين الفاضل(ره) في هرات سنة 398هـ بعد أن دُس إليه السم. ومن مؤلفاته الأدبية القيّمة: المقامات، الرسائل، وديوان شعر.   -- 12 جمادي الثاني * تحرك النبي(ص) بأربع مئة من المسلمين نحو حصون خيبر اليهودية سنة 7هـ، ووصلوا هناك بعد يومين.   -- 13 جمادي الثاني * وفاة مولاتنا أم البنين(ع) السيدة فاطمة بنت حزام أو حرام الكلابية زوجة أمير المؤمنين(ع) ووالدة العباس وإخوته(ع) سنة 64هـ، ودُفنت في البقيع الغرقد.   -- 14 جمادي الثاني * مقتل عبد الله بن الزبير على يد الحجاج الثقفي سنة 73هـ، وقد صلبه بعد قتله مقلوباً، بعد أن التجأ بالكعبة، وقد حاصره جيش الحجاج وهدم الكعبة المشرفة، وذلك في أيام عبد الملك بن مروان. وكان ناصب العداء لأهل البيت(ع) ومن الناكثين المحاربين لأمير المؤمنين(ع) في معركة الجمل، وكان يسب أمير المؤمنين(ع)، وفي فترة سيطرته على مكة حصر بني هاشم في الشعب وجمع لهم الحطب العظيم ليحرقهم فأنقذهم المختار، وقام أخيراً بقتل المختار الثقفي(ره) عن طريق أخيه مصعب. * هلاك الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة 96هـ بدمشق، وهو أحد ملوك الدولة الأموية، وهو مَن دس السم للإمام السجاد(ع). وقد سئل عنه الحسن البصري فقال: ما أقول في رجل كان الحجّاجُ سيئةً من سيئاته.   -- 19 جمادي الثاني * زواج والدي النبي الأعظم(ص) عبد الله بن عبد المطلب(ع) من السيدة آمنة بنت وهب(ع). * وفاة الشيخ محمد بن همام البغدادي الكاتب الإسكافي(ره) سنة 336هـ، وهو من كبار المحدثين، وله كتاب: الأنوار في تاريخ الأئمة الأطهار(ع). توفي في بغداد بمحلة سوق العطش، ودُفن في مقابر قريش. * استشهاد العلامة المجاهد القاضي نور الله التستري(ره) سنة 1019هـ، . وقد لقب بـ(الشهيد الثالث). ترك مؤلفات قيمة، أبرزها: إحقاق الحق.   -- 20 جمادي الثاني * ولادة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء(ع) في السنة الخامسة من البعثة الشريفة (8 قبل الهجرة) بمكة المشرفة. * ولادة الخطيب الحسيني الشهير الشيخ عبد الزهراء الكعبي(ره) سنة 1327هـ القارئ لقصة مقتل الإمام الحسين(ع).   -- 21 جمادي الثاني * وفاة أم كلثوم بنت أمير المؤمنين(ع) سنة 61هـ، بعد أربعة أشهر من رجوعها مع السبايا من كربلاء إلى المدينة المنورة.   -- 22 جمادي الثاني * هلاك هند آكلة الأكباد أم معاوية وجدة ابنه يزيد سنة 13 أو 14هـ، وهي التي لاكت كبد الحمزة سيد الشهداء(ع) بعد استشهاده وقطعت أذنيه وأنفه وعملت بهن قلادة ودخلت بها إلى مكة مفتخرة.   -- 25 جمادي الثاني * وفاة العالم الجليل فخر المحققين الشيخ أبي طالب محمد بن الحسن بن يوسف نجل العلامة ابن المطهر الحلي(ره) صاحب كتاب: إيضاح الفوائد في شرح القواعد، وذلك سنة 771هـ. وكان قد نال درجة الاجتهاد في العاشرة من عمره الشريف.   -- 27 جمادي الثاني * استشهاد الشريف السلطان علي ابن الإمام الباقر(ع) سنة 116هـ على يد النواصب في أردهال بكاشان. * وفاة الحسين بن أحمد الشاعر الإمامي المعروف بـ (ابن الحجاج) سنة 391هـ، ودفن عند الإمام الكاظم(ع)، وقد أوصى بأن يكتب على قبره: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾. وله القصيدة المشهورة: يا صاحبَ القبةِ البيضا في النجفِ.   -- 28 جمادي الثاني * بدء رضاع النبي(ص) عندما سلمه جده عبد المطلب(ع) إلى حليمة السعدية.   -- 30 جمادي الثاني * ذكرى وفاة السيد محمد بن الإمام الهادي(ع) المعروف بـ (سبع الدجيل) سنة 252هـ في سامراء.أو 20 رجب * وفاة مقتل الأمير الشيعي صدقة بن منصور المزيدي الأسدي الملقب بـ(سيف الدولة) سنة 501هـ في حربه مع السلطان السلجوقي محمد ملكشاه. وكان رجلاً حكيماً كريماً شجاعاً ومن الشيعة المخلصين، وهو الذي بنى مدينة الحلة سنة 495هـ، وسُميت بـ(السيفية)، وأصبحت يومها مركز الزعامة الشيعية خرج منها عائلة المحقق الحلي وفخر المحققين وغيرهم الكثير.

شكر-الله-راس-الحكمة

شكر الله رأس الحكمة

"الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلاّ المرضى"..

في ظروف صعبة يعيشها الانسان بين أروقة المستشفيات لينقذ خلالها مريضه؛ فبعض الأطباء يوصي بإجراء عملية جراحية عاجلة، وآخر رأيه يختلف عن ذلك.. قلب هذا الإنسان يعتصره الاضطراب والألم والخوف، وبعد أن تجرى العملية بنجاح بعد أن كان المريض يعيش بين الموت والحياة، يطمئن صاحبه للشفاء الذي منّ الله به على مريضه فيحسّ بأهمية العافية التي كان يتمتع بها في اللّيلة الماضية.

وفي نهار قائض يصوم المؤمن ويكدح، فيكضه العطش والجوع، ويهيمن عليه الضعف والوهن حتى تقترب ساعة الإفطار، فتمد مائدة الطعام وعليها أصناف المأكولات والمشروبات، وحينما يمدّ هذا المؤمن يده الى لقمة طعام أو شربة ماء لا يسعه - إذ ذاك - إلاّ حمد الله وشكره، بعد أن تلمّس بالفعل ألم الجوع والعطش ونعمة الطعام والشراب.

ورجل آخر؛ مضطرب الحال، لا يعرف كيف يهرب من الطاغوت الظالم، فيبحث عن مخرج من مآزق أجهزة المخابرات، وبين عشية وضحاها يفتح الله تبارك وتعالى له ويفرّج عنه، فإذا به يجد نفسه في رحاب الأمن والحرية، ويحسّ بعظمة هاتين النعمتين.

... وكثيرة هي الأمثلة والمواقف التي تكتشف فيها النعم بعد طول غفلة أو تغافل، فيعود للمرء وعيه، فيعود بدوره الى فطرته غير الملوثة برجس الجهل وظلم النفس والتجبّر في الحياة.

أقول: لولا الظلام الذي يهيمن على الوجود في الليل، ما أحسّ أحد بأهمية النور وبسنى ضياء النهار. فمشكلة ابن آدم أنّ النعم التي تواترت عليه قد أذهلته عن حقيقته وعن وجودها هي أيضاً، علماً أن حقيقة الإنسان حقيقة عدمية، من منطلق أنّ كل نعمة من نعم الله عليه المحيطة به لا تمت بصلة به، بل هي فضل من الله تبارك وتعالى يؤتيها من يشاء ويسلبها ممن يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء.

لقد كان رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يشكر ربّه في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة، وكان يؤكد أنّ في جسم الإنسان ثلاثمائة وستّون عرقاً، وأنّه لو ضرب -أخطأ- عرق واحد من هذه العروق طريقة أدائه لمهمّته، فإن هذا الإنسان ستسلب منه العافية. وجاء في مناجاة الشاكرين للإمام زين العابدين عليه السلام: "إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك، وأعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك وأعياني عن نشر عوارفك توالي أياديك، وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعماء وقابلها بالتقصير، وشهد على نفسه بالاهمال والتضييع، وأنت الرؤوف الرحيم البرّ الكريم الذي لا يخيّب قاصديه، ولا يطرد عن فنائه آمليه، بساحتك تحط رحال الراجين، وبعرصتك تقف آمال المسترفدين، فلا تقابل آمالنا بالتخييب والاياس ولا تُلبسنا سربال القنوط والابلاس". (1)

 ولكي يكون الإنسان جديراً بنعماء الله؛ عليه أن يعاود الكرّة أو الكرّات في متابعة حقيقة نفسه العدمية، ليذهب الى المستشفيات ليرى من خلال المرضى نعمة الصحة التي يتمتع بها، وليذهب الى المقابر ليلمس نعمة الحياة التي يعيشها وفرصة القيام بالعمل الصالح لإثبات إنسانيته، وليذهب الى السجون ليرى بأم عينيه عظمة الحرية التي يتلوع من أجلها السجناء ويتنعم هو بها... وليتابع بوعي وإصرار حقيقة الأحداث الجارية في البلدان حول بلده، ليتأكد بنفسه ما تعانيه شعوب العراق وأفغانستان وفلسطين وأغلب الدول الأفريقية من مآسٍ وويلات على الصعيد المادي، فضلاً عن الجانب المعنوي الذي أول ملامحه الجهل والظلم والتيه الحضاري.. بما للكلمة من معنى؛ بل ليلقِ نظرة على جيرانه ممن قد يضطرب للأخطار التي تداهمه أو الديون التي تعاجله أو الأمراض التي تؤلمه أو الأعزاء الذين يفقدهم... هنالك فقط يتلمس بمصداقية تامة حقيقة وجود نعم الله المحيطة به.

إن أهم صفة من صفات الفرد المؤمن أنّه يتمتع بالوعي والحكمة، حيث يعي ويستوعب استيعاباً حكيماً حقيقة ذاته؛ يعي أنّ نفسه عدميّة وليست وجودية، بدليل أنّ بعض الناس أو كثيراً منهم يفتقرون الى الكثير من النعم والإمكانات رغم أنهم متساوون مبدئياً من حيث التكوين، والى ذلك أشار الإمام علي عليه السلام: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه". ومن الطبيعي جداً أن يكون العارف بربّه إنساناً مؤمناً واعياً وحكيماً.

نرى عدداً من الناس يفتقرون الى عدد من النعم، مما يعرضهم الى خسائر فادحة على مختلف الأصعدة. وقد يكون هذا الافتقار نابعاً ممّا جنوه هم على أنفسهم، وقد يكون أساسه تقديراً أو قضاءً إلهياً؛ الحكمة فيه يعلمها الله، من قبيل الابتلاء لإثبات الصبر والايمان بقضائه وقدره، كما هو الأمر بالنسبة الى وجود النعم نفسها، حيث من الممكن والطبيعي جداً أن يبتلي الله جل شأنه الإنسان عبر التفضل عليه بهذه النعمة أو تلك.

وفي الوقت الذي لا نرى من أكثر الناس أية ردود أفعال إيجابية تجاه تمتعهم بالنعم الوفيرة، نرى المؤمنين يحسنون استغلال كل نعمة ينعم الله بها عليهم، وفي مختلف المواقف والمناسبات. أما الإنسان الذي لا يتلمس النعم التي أنعم الله عليه ولا يستفيد منها استفادة واعية وحكيمة، فإنه محكوم بجهل حقيقة نفسه، وبالتالي فهو معرض في كل لحظة من لحظات عمره لأن يكابد العذاب ولأن يعيش عيشة ضنكاً. فهو يعتقد بضرورة أن يكون كل شيء بالنسبة له مناسباً، ويتصور أن وجوده في الحياة بمثابة كونه ضيف شرفٍ، يأكل ويشرب وينام دون أداء مهمة ما؛ إنّه يتوقع أن تكون حياته حياة محترمة الى أبعد الحدود دوماً... وهو حين يلتفت في لحظة من اللحظات الى بعض النقص، أو الى زوال بعض النعم، يهيمن عليه الانزعاج، وهذا الانزعاج يتصوره عذاباً أليماً، أو هو بالفعل يتحول الى عذاب أليم يخرجه عن المسار والطور الطبيعي له كإنسان.

وعلى الضفة الأخرى يقول تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } فكيف يا ترى يعيش الانسان مثل لقمان الحكيم؟

ويجيب تبارك وتعالى على لسان لقمان في معرض إرشاداته ووصاياه لابنه بالقول المبارك: { أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ } .

فالشكر إذن هو عنوان الوعي والحكمة، والشكر لله إذا ما قسمناه وحللناه نجده مبنياً على أساس معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية. فمن يدرك منّا أنّه لم يكن ثم كان، سيتّضح لديه أكثر بأن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليه بنعمة الوجود، وفي ذلك الفرصة الأكبر لإثبات ذاته ولتأكيد جدارته بأن يكون المخلوق المفضل من بين سائر المخلوقات الأخرى، وبالتالي يكون الأجدر بدخول الجنان الخالدة والاستظلال بظلال الرضوان الإلهي.

وهناك الكثير من النعم التي تلي نعمة الوجود، كنعمة حنان الأم على طفلها، أو لنقل نعمة تسخير الله تبارك وتعالى للأم لإيلاء طفلها مزيداً من الحنان، الذي لولاه لما أصبح الطفل سوى كائن معقد غريب المزاج والأطوار.

وفي مقابل روعة وعظمة أن يعرف المرء حقيقة نفسه العدمية، وأن لا يتكبر على تعداد نعم الله عليه، وأن يشكر الخالق عليها قولاً وفعلاً، في مقابل ذلك يقف الشيطان الرجيم ونزعات النفس الأمّارة بالسوء متربصين للحيلولة دون تمكن الإنسان من السمو والارتفاع بايمانه ومعتقداته وعقليته. فالشيطان من طبيعته أن يوسوس ويثير ويشعل نار الحقد والعصبية والأنانية في قلب من لم يتوصل الى معرفة حقيقته العدمية تجاه من يتمتع ببعض النعم، وإن كان مطمئناً ومتأكداً من عدم ديمومتها. ولذلك فهو يعيش واقع الجهل المركّب، حيث يورط نفسه في العذاب النفسي دون شعوره بذلك، أو أنّه يشعر به ولكنه لا يتصور تأثيراته عليه، أو لا يريد تصور ذلك!

في حين إنّ الانسان المطمئن السوي العالم بحكمة ربّه في تقدير أرزاق الخلائق، الحكيم في نظرته الى الوجود، تراه متطلعاً الى ما عند الله لا الى ما يتمتع به الآخرون، راضٍ بما يرضاه له الربّ الوهاب. فهو يدعو كل صباح بالدعاء المأثور عن الإمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام: " يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني الى ما منحني به من مننه وإحسانه، وكفّ أكفّ السوء عني بيده وسلطانه..." (2)

الفرد المؤمن حيث تشبّع بالبصائر القرآنية لا يرى انفصالاً بين الشكر والصبر، فهو إذ يشكر الخالق على ما أنعم عليه يكون قد صبر على استمرار وعيه وحكمته؛ وهو إذ يصبر على فقده نعمة من النعم، يكون في واقع الأمر قد شكر خالقه على ما أنعم عليه من نعم أخرى. والآية المباركة تقول: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } والعطف - هنا - جاء دون أداة، مما يدلل على عمق الارتباط ووحدة الإشارة والمعنى.

وفي موقع آخر يقول ربّنا العزيز: { الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * اُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } فالمؤمن الذي يصبر على ما أصابه، واستذكر حقيقة نفسه وأنه عبدٌ خلقه الله عائد فرداً إليه، من المؤكد أن تشمله صلوات الله ورحمته، وهذه الصلوات وهذه الرحمة قد ينزلهما الله على هيئة نعمة أخرى تحلّ محل النعمة المسلوبة، بداعي الحكمة الإلهية الغائبة عن الأذهان، وقد تتنزّل على هيئة تكريس المزيد من الايمان والقناعة في قلب هذا المؤمن المصاب.

وقد لمست بنفسي نموذجاً مؤمناً من هذا القبيل، حيث قصدت في يوم من الأيام إحدى المقابر للمشاركة في تعزية أحد المؤمنين بفقد زوجته، وإذ بادرته بعبارات التعزية بعد تأنٍ مديد، أجابني بالقول: لقد أنعم الله عليّ بما لا يحصى من النعم، واليوم شاء أن يأخذ واحدة منها. فهذا القول لا يصدر من قلب ساهٍ في حال من الأحوال، وإنما هو نابع من قلب ملأته الحكمة والشكر والصبر، وعوضاً أن أقربه الى الإيمان والصبر كما كان يخيّل إليّ، أصبح هو الذي علّمني الحكمة وألهمني حقيقة الصبر. لقد أورد الأئمة المعصومون صلوات الله عليهم الكثير من الأدعية الهادفة الى النهوض بمستوى الانسان العقائدي والأخلاقي والتربوي، وهي بمثابة الترجمان الحيّ لبصائر القرآن الكريم، ومن لم يسعه أخذ الموعظة والحكمة المتعالية من خلال سيرة هؤلاء الأئمة وحياتهم، فإنه يسعه مطالعة أدعيتهم المباركة التي ما هي إلاّ نصوص غنية للغاية في التربية.

وفي هذا الخصوص - معرفة الانسان حقيقة العدمية ولزوم الشكر والصبر- جاء في الدعاء المأثور: "اللهم اهدني من عندك، وأفض عليّ من فضلك، وانشر عليّ من رحمتك، وأنزل عليّ من بركاتك".(3) وهذه الكلمات النورانية جديرة بالتدبر والتحليل وليس ترديدها على الألسن فقط، ففيها الاشارات الواضحة الى ضرورة التسليم سلفاً لله سبحانه وتعالى في كل الأحوال، وفيها الدعوة الى طلب العون بمختلف صوره من الله الواحد فقط، وفيها أن موقع الانسان من الله جل جلاله موقع المتأثر أبداً.

وثَمّ ملاحظة مهمة ينبغي التوجه إليها، وهي أن القرآن الكريم يعرّف مصطلح الحكمة تعريفاً بعيداً عمّا يذهب إليه البعض، من أنّ الحكمة تلك التعقيدات الفلسفية المتقاطعة مع طبيعة الحياة وطبيعة مهمة الانسان في الأرض، بل هو يعرفها بأنها القدرة على التعامل مع الأحداث بوعي نابع من معرفة الإنسان بنفسه.

والمؤمن إذا ما شكر ربّه فسيؤتى الحكمة، ومن يرزق الشكر سيكون قلبه مطمئناً، وإذا ما كان قلبه مطمئناً فسيكون من الطبيعي له مواجهة مشاكل الحياة والهيمنة عليها بصورة واعية تجنّبه الكثير من المشاكل.

الشكر أساس الحكمة

 { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لإِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ اُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (لقمان/12-15)

ما هي الحكمة؟ وما هذه القيمة المثلى التي يقول عنها ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة المباركة: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً } أو يقول عنها في سورة الإسراء الكريمة مخاطباً نبيه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } وذلك تبيين جملة من الوصايا الأساسية، خلاصتها: الإحسان للوالدين، وصلة ذوي القربى والمساكين وابن السبيل، وعدم الإسراف، وعدم البخل، وحرمة قتل الأولاد، وحرمة الزنا، وحرمة النفس، وعدم أكل مال اليتامى، ووجوب الوفاء بالعهد، ووجوب استيفاء الكيل، وحرمة التدخل في شؤون الآخرين، وحرمة التكبر وضرورة التواضع..

فالله تبارك وتعالى يبين جملة هذه الوصايا ثم يؤكد لنبيه الأكرم أنها شيء من الحكمة التي أوحاها له، في حين يقول في موضع آخر من سورة لقمان: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } في سياق التعريف الذي يفيد الاطلاق أو العموم، فما هي تلك الحكمة يا ترى؟!

إن سياق الآيات التي تقدمت الحديث من شأنها تقديم الإجابة الكافية لهذا التساؤل الذي يبدو كبيراً وخطيراً في آن واحد، حيث يقول ربنا تبارك وتعالى: { أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ حَمِيدٌ } باعتبار أن حرف "أن" في هذا السياق القرآني غرضه تفسير ما سبقه من مفردات. بمعنى تلك الحكمة التي آتاه الله سبحانه وتعالى لقمان كانت تتلخص في كلمة؛ وهي كلمة الشكر، وعليه فإن خلاصة الحكمة وخلاصة المعرفة وخلاصة العقل وخلاصة الهدى وثمرته هي الشكر لله.(4)

(1)بحار الأنوار، ج91، ص146.

(2)مفاتيح الجنان، دعاء الصباح، ص60.

(3)مفاتيح الجنان، ص13، التعقيبات العامة.

(4) السيد محمد تقي المدرسي الأخلاق عنوان الإيمان ومنطلق التقدم

 

 

عن النبي صلى الله عليه واله: الرفق رأس الحكمة.                                                                                                                                            المواعظ العددية

الفيديو

أهمية الارتباط الروحي وسبله بالامام المنتظر - سماحة السيد محمد علي بحر العلوم
2018 / 01 / 07 93

أهمية الارتباط الروحي وسبله بالامام المنتظر - سماحة السيد محمد علي بحر العلوم

أخر الأخبار

الصوتيات

2018/2/8

دعاء التوسل

2018/2/8

دعاء التوسل

2018/2/8

دعاء التوسل

2018/2/8

دعاء التوسل



الصور