مناسبات الشهر
مناسبات شهرصفر   1 -- * دخول قافلة سبايا أهل البيت(عهم) والرؤوس المقدسة إلى دمشق الشام على جِـمال هزيلة بلا وطاء، وذلك سنة 61هـ. وقد اتخذ بنو أمية وأتباعهم هذا اليوم عيداً ابتهاجاً بقتل الإمام الحسين(عه). * اندلاع حرب صفين سنة 37هـ بين جيش أمير المؤمنين(ع) وجيش الشام من القاسطين بقيادة معاوية قرب الفرات. واستُشهد فيها أفضل أصحاب الإمام(ع) ومنهم: عمار بن ياسر، وهاشم المرقال، وخزيمة بن ثابت (رضوان الله عليهم). * انطلاق ثورة زيد الشهيد ابن علي السجاد(عهما) في الكوفة سنة 121هـ، ضد طغيان بني أمية واستبدادهم، وثأراً للمجازر التي ارتكبوها بحق بني هاشم.   -- 2 * استشهاد زيد ابن الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عه) في الكوفة سنة 121هـ. قُتل على يد أعوان هشام بن عبد الملك، وقد نبشوا قبره وحزوا رأسه، ثم صلبوه أربع سنوات منكوساً عارياً، وبعد ذلك أحرقوا جسده الشريف وذرّوه في الماء.   -- 3 * مولد الإمام محمد بن علي الباقر(ع) سنة 57هـ (على رواية). * حرق أستار الكعبة المشرفة ورمي حيطانها بالنيران من قبل قائد جيش يزيد (مسلم بن عُقبة) أثر حربه مع عبد الله بن الزبير سنة 64هـ.   -- 4 * إخراج زيد بن علي(ع) من قبره عام 121هـ، وصلبه منكوساً عارياً لمدة أربع سنوات.   -- 5 * شهادة السيدة رقية بنت الإمام الحسين(ع) سنة 61هـ في دمشق، وذلك عندما بكت بكاءً مريراً على رأس أبيها في خربة الشام. ودُفنت هناك حيث مرقدها الآن في منطقة العَمارة. * الهجوم الوهابي الآثم على مدينة النجف الأشرف سنة 1221هـ.   -- 7 * استشهاد الإمام الحسن بن علي المجتبى(ع) مسموماً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس بتخطيط من معاوية سنة 50هـ عن عمر 47 سنة. * ولادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع) سنة 128هـ في الأبواء بين مكة والمدينة. وأمه الطاهرة: السيدة حميدة المصفاة(ع).   -- 8 * وفاة الصحابي الجليل سلمان المحمدي(رض) عام 36هـ في المدائن بالعراق عن عمر يناهز 250 عاماً أو أكثر، ودفن هناك حيث مرقده الآن. * خروج حرم وسبايا الإمام الحسين(ع) من الشام متوجهين إلى العراق سنة 61هـ. * هلاك وزير المتوكل محمد بن عبد الملك الزيات سنة 233هـ، الذي صنع تنوراً في أيام وزارته من الحديد ووضع فيه المسامير من الداخل ليزيد في ألم وتعذيب الأبرياء، فغضب عليه المتوكل ووضعه في نفس التنور أربعين يوماً حتى مات.   -- 9 * شهادة الصحابي الجليل عمار بن ياسر(رض) سنة 37هـ في معركة صفين ضد القاسطين عن عمر 93 سنة، بعد أن حمل عليه ابن جون السكوني وأبو العادية الفزاري، ودفن هناك حيث مزاره قرب أويس القرني(رض) بمحافظة الرقة السورية. وقد قامت زمرة النواصب مؤخراً بتفجيره وتهديم قبره الشريف. * شهادة خزيمة بن ثابت الأنصاري ذي الشهادتين(رض) سنة 37هـ في معركة صفين. * نشوب معركة النهروان سنة 38هـ بين جيش أمير المؤمنين(ع) وجيش المارقين من الخوارج. وقد قتل الخوارج بأجمعهم إلا تسعة أنفار، وقتل من معسكر الإمام(ع) عشرة أنفار مثلما أخبر أمير المؤمنين(ع) بذلك.   -- 11 * ليلة الهرير في وقعة صفين عام 38هـ، ورفع أهل الشام المصاحف والمطالبة بالتحكيم.   -- 12 * يوم التحكيم بعد معركة صفين سنة 38هـ.   -- 13 * شهادة عابد قريش وحواري أمير المؤمنين(ع) محمد بن أبي بكر(رض) عطشاناً في مصر عام 38هـ، في معركة نشبت بينه وبين عمرو بن العاص قائد جيش معاوية. وبعد شهادته وضعوه في بطن حمار ميت وأحرقوه في موضع بمصر يقال له: (كوم شريك).   -- 14 * بداية أيام مرض الرسول الأعظم(ص) الذي أدى إلى وفاته في 28 صفر سنة 11هـ. * وفاة العالم الرجالي الشيخ الحسين بن عبيد الله الغضائري في سنة 411هـ، وهو والد ابن الغضائري صاحب كتاب الضعفاء.   -- 15 * اندلاع واقعة فخ سنة سنة 169هـ في المدينة المنورة أيام الهادي العباسي بين الثوار المعارِضة للعباسيين بقيادة الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى ابن الحسن المجتبى(ع)، وبين القوات العباسية بقيادة عيسى بن موسى، ولكن سرعان ما قُمعت الثورة واستشهد الحسين(رض).   -- 17 * استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا(ع) سنة 203هـ (على رواية)، مسموماً على يد المأمون العباسي.     -- 18 * استشهاد الصحابي الجليل أويس القرني(رض) في حرب صفين سنة 38هـ، ودفن إلى جنب عمار بن ياسر(رض) بمدينة الرقة السورية حيث مرقدهما الشريف هناك يؤمه آلاف الزائرين، وقد قامت الزمر التكفيرية الإرهابية في السنوات الأخيرة بتفجير المرقدين الطاهرين.   -- 19 * آخر يوم نزلت فيه الدماء من السماء بعد واقعة كربلاء. * وفاة الحكيم والأديب وشاعر أهل البيت(ع) الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي الكركي(ره) سنة 1076هـ في مدينة حيدر آباد الهندية. ومن مؤلفاته: شرح نهج البلاغة، الإسعاف، هداية الأبرار، مختصر الأغاني، أرجوزة في المنطق، أرجوزة في النحو، ورسائل في الطب.   -- 20 * يوم أربعينية الإمام الحسين(ع) الذي رُدت فيه رؤوس شهداء الطف إلى كربلاء ودفنت مع الأجساد برجوع موكب سبايا أهل البيت(ع) عام 61هـ، ومن ثم رحلوا إلى مدينة جدهم الرسول الأكرم(ص). * وصول الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري(رض) إلى كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين(ع). * وفاة الشاعر الشيعي أبو القاسم علي بن إسحاق البغدادي عام 352هـ، ودفن في مقابر قريش ببغداد. وله قصائد كثيرة في مدح أهل البيت(ع).   -- 23 * وفاة السيدة الطاهرة مولاتنا فاطمة بنت أسد(ع) أم الإمام علي(ع) سنة 4هـ. ودفنت في البقيع الغرقد.   -- 25 * وفاة السيدة مريم بنت عمران(ع) والدة نبي الله عيسى المسيح(ع) في بيت لحم بفلسطين. * اشتداد مرض النبي(ص) سنة 11هـ، فطلب دواةً وقرطاساً ليكتب لأُمته كتاباً ينصّ على اتّباع الثقلين والتمسّك بولاية أمير المؤمنين(ع) من بعده، فلم يعطوه ذلك واتهموه بالهجران والهذيان، وكثر نزاع الحاضرين فطردهم النبي(ص)... وتُسمّى هذه الحادثة بـ (رزيّة الخميس).   -- 26 * أمر النبي(ص) بتجهيز جيش أسامة بن زيد حارثة، ولعن مَن يتخلف عنه.   -- 27 * استشهاد نبي الله يحيى(ع) وقطع رأسه الشريف على يد طاغية زمانه هيرودس عام 30 م.   -- 28 * وفاة الرسول الأعظم محمد(ص) سنة 11هـ، وكان عمره الشريف 63 سنة، فتولى أمير المؤمنين(ع) تغسيله وتحنيطه وتكفينه، وصلى عليه وحده، ثم أذِن أن يُصلى عليه فصلى المسلمون إلا بعضاً منهم، ثم دفنه في حجرته(ص). * بدء إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع). * بداية غصب الخلافة ونكث بيعة الغدير، وذلك باجتماع القوم في سقيفة بني ساعدة وإجبار الناس على البيعة.   -- 30 * اجتماع كفار قريش في دار الندوة تمهيداً لاغتيال النبي(ص)، وذلك قبل هجرته إلى يثرب. * شهادة ثامن الحجج الإمام علي بن موسى الرضا(ع) (على رواية) سنة 203هـ في خراسان (مشهد) بإيران.    

شكر-الله-راس-الحكمة

شكر الله رأس الحكمة

"الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلاّ المرضى"..

في ظروف صعبة يعيشها الانسان بين أروقة المستشفيات لينقذ خلالها مريضه؛ فبعض الأطباء يوصي بإجراء عملية جراحية عاجلة، وآخر رأيه يختلف عن ذلك.. قلب هذا الإنسان يعتصره الاضطراب والألم والخوف، وبعد أن تجرى العملية بنجاح بعد أن كان المريض يعيش بين الموت والحياة، يطمئن صاحبه للشفاء الذي منّ الله به على مريضه فيحسّ بأهمية العافية التي كان يتمتع بها في اللّيلة الماضية.

وفي نهار قائض يصوم المؤمن ويكدح، فيكضه العطش والجوع، ويهيمن عليه الضعف والوهن حتى تقترب ساعة الإفطار، فتمد مائدة الطعام وعليها أصناف المأكولات والمشروبات، وحينما يمدّ هذا المؤمن يده الى لقمة طعام أو شربة ماء لا يسعه - إذ ذاك - إلاّ حمد الله وشكره، بعد أن تلمّس بالفعل ألم الجوع والعطش ونعمة الطعام والشراب.

ورجل آخر؛ مضطرب الحال، لا يعرف كيف يهرب من الطاغوت الظالم، فيبحث عن مخرج من مآزق أجهزة المخابرات، وبين عشية وضحاها يفتح الله تبارك وتعالى له ويفرّج عنه، فإذا به يجد نفسه في رحاب الأمن والحرية، ويحسّ بعظمة هاتين النعمتين.

... وكثيرة هي الأمثلة والمواقف التي تكتشف فيها النعم بعد طول غفلة أو تغافل، فيعود للمرء وعيه، فيعود بدوره الى فطرته غير الملوثة برجس الجهل وظلم النفس والتجبّر في الحياة.

أقول: لولا الظلام الذي يهيمن على الوجود في الليل، ما أحسّ أحد بأهمية النور وبسنى ضياء النهار. فمشكلة ابن آدم أنّ النعم التي تواترت عليه قد أذهلته عن حقيقته وعن وجودها هي أيضاً، علماً أن حقيقة الإنسان حقيقة عدمية، من منطلق أنّ كل نعمة من نعم الله عليه المحيطة به لا تمت بصلة به، بل هي فضل من الله تبارك وتعالى يؤتيها من يشاء ويسلبها ممن يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء.

لقد كان رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يشكر ربّه في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة، وكان يؤكد أنّ في جسم الإنسان ثلاثمائة وستّون عرقاً، وأنّه لو ضرب -أخطأ- عرق واحد من هذه العروق طريقة أدائه لمهمّته، فإن هذا الإنسان ستسلب منه العافية. وجاء في مناجاة الشاكرين للإمام زين العابدين عليه السلام: "إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك، وأعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك وأعياني عن نشر عوارفك توالي أياديك، وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعماء وقابلها بالتقصير، وشهد على نفسه بالاهمال والتضييع، وأنت الرؤوف الرحيم البرّ الكريم الذي لا يخيّب قاصديه، ولا يطرد عن فنائه آمليه، بساحتك تحط رحال الراجين، وبعرصتك تقف آمال المسترفدين، فلا تقابل آمالنا بالتخييب والاياس ولا تُلبسنا سربال القنوط والابلاس". (1)

 ولكي يكون الإنسان جديراً بنعماء الله؛ عليه أن يعاود الكرّة أو الكرّات في متابعة حقيقة نفسه العدمية، ليذهب الى المستشفيات ليرى من خلال المرضى نعمة الصحة التي يتمتع بها، وليذهب الى المقابر ليلمس نعمة الحياة التي يعيشها وفرصة القيام بالعمل الصالح لإثبات إنسانيته، وليذهب الى السجون ليرى بأم عينيه عظمة الحرية التي يتلوع من أجلها السجناء ويتنعم هو بها... وليتابع بوعي وإصرار حقيقة الأحداث الجارية في البلدان حول بلده، ليتأكد بنفسه ما تعانيه شعوب العراق وأفغانستان وفلسطين وأغلب الدول الأفريقية من مآسٍ وويلات على الصعيد المادي، فضلاً عن الجانب المعنوي الذي أول ملامحه الجهل والظلم والتيه الحضاري.. بما للكلمة من معنى؛ بل ليلقِ نظرة على جيرانه ممن قد يضطرب للأخطار التي تداهمه أو الديون التي تعاجله أو الأمراض التي تؤلمه أو الأعزاء الذين يفقدهم... هنالك فقط يتلمس بمصداقية تامة حقيقة وجود نعم الله المحيطة به.

إن أهم صفة من صفات الفرد المؤمن أنّه يتمتع بالوعي والحكمة، حيث يعي ويستوعب استيعاباً حكيماً حقيقة ذاته؛ يعي أنّ نفسه عدميّة وليست وجودية، بدليل أنّ بعض الناس أو كثيراً منهم يفتقرون الى الكثير من النعم والإمكانات رغم أنهم متساوون مبدئياً من حيث التكوين، والى ذلك أشار الإمام علي عليه السلام: "من عرف نفسه فقد عرف ربّه". ومن الطبيعي جداً أن يكون العارف بربّه إنساناً مؤمناً واعياً وحكيماً.

نرى عدداً من الناس يفتقرون الى عدد من النعم، مما يعرضهم الى خسائر فادحة على مختلف الأصعدة. وقد يكون هذا الافتقار نابعاً ممّا جنوه هم على أنفسهم، وقد يكون أساسه تقديراً أو قضاءً إلهياً؛ الحكمة فيه يعلمها الله، من قبيل الابتلاء لإثبات الصبر والايمان بقضائه وقدره، كما هو الأمر بالنسبة الى وجود النعم نفسها، حيث من الممكن والطبيعي جداً أن يبتلي الله جل شأنه الإنسان عبر التفضل عليه بهذه النعمة أو تلك.

وفي الوقت الذي لا نرى من أكثر الناس أية ردود أفعال إيجابية تجاه تمتعهم بالنعم الوفيرة، نرى المؤمنين يحسنون استغلال كل نعمة ينعم الله بها عليهم، وفي مختلف المواقف والمناسبات. أما الإنسان الذي لا يتلمس النعم التي أنعم الله عليه ولا يستفيد منها استفادة واعية وحكيمة، فإنه محكوم بجهل حقيقة نفسه، وبالتالي فهو معرض في كل لحظة من لحظات عمره لأن يكابد العذاب ولأن يعيش عيشة ضنكاً. فهو يعتقد بضرورة أن يكون كل شيء بالنسبة له مناسباً، ويتصور أن وجوده في الحياة بمثابة كونه ضيف شرفٍ، يأكل ويشرب وينام دون أداء مهمة ما؛ إنّه يتوقع أن تكون حياته حياة محترمة الى أبعد الحدود دوماً... وهو حين يلتفت في لحظة من اللحظات الى بعض النقص، أو الى زوال بعض النعم، يهيمن عليه الانزعاج، وهذا الانزعاج يتصوره عذاباً أليماً، أو هو بالفعل يتحول الى عذاب أليم يخرجه عن المسار والطور الطبيعي له كإنسان.

وعلى الضفة الأخرى يقول تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } فكيف يا ترى يعيش الانسان مثل لقمان الحكيم؟

ويجيب تبارك وتعالى على لسان لقمان في معرض إرشاداته ووصاياه لابنه بالقول المبارك: { أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ } .

فالشكر إذن هو عنوان الوعي والحكمة، والشكر لله إذا ما قسمناه وحللناه نجده مبنياً على أساس معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية. فمن يدرك منّا أنّه لم يكن ثم كان، سيتّضح لديه أكثر بأن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليه بنعمة الوجود، وفي ذلك الفرصة الأكبر لإثبات ذاته ولتأكيد جدارته بأن يكون المخلوق المفضل من بين سائر المخلوقات الأخرى، وبالتالي يكون الأجدر بدخول الجنان الخالدة والاستظلال بظلال الرضوان الإلهي.

وهناك الكثير من النعم التي تلي نعمة الوجود، كنعمة حنان الأم على طفلها، أو لنقل نعمة تسخير الله تبارك وتعالى للأم لإيلاء طفلها مزيداً من الحنان، الذي لولاه لما أصبح الطفل سوى كائن معقد غريب المزاج والأطوار.

وفي مقابل روعة وعظمة أن يعرف المرء حقيقة نفسه العدمية، وأن لا يتكبر على تعداد نعم الله عليه، وأن يشكر الخالق عليها قولاً وفعلاً، في مقابل ذلك يقف الشيطان الرجيم ونزعات النفس الأمّارة بالسوء متربصين للحيلولة دون تمكن الإنسان من السمو والارتفاع بايمانه ومعتقداته وعقليته. فالشيطان من طبيعته أن يوسوس ويثير ويشعل نار الحقد والعصبية والأنانية في قلب من لم يتوصل الى معرفة حقيقته العدمية تجاه من يتمتع ببعض النعم، وإن كان مطمئناً ومتأكداً من عدم ديمومتها. ولذلك فهو يعيش واقع الجهل المركّب، حيث يورط نفسه في العذاب النفسي دون شعوره بذلك، أو أنّه يشعر به ولكنه لا يتصور تأثيراته عليه، أو لا يريد تصور ذلك!

في حين إنّ الانسان المطمئن السوي العالم بحكمة ربّه في تقدير أرزاق الخلائق، الحكيم في نظرته الى الوجود، تراه متطلعاً الى ما عند الله لا الى ما يتمتع به الآخرون، راضٍ بما يرضاه له الربّ الوهاب. فهو يدعو كل صباح بالدعاء المأثور عن الإمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام: " يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني الى ما منحني به من مننه وإحسانه، وكفّ أكفّ السوء عني بيده وسلطانه..." (2)

الفرد المؤمن حيث تشبّع بالبصائر القرآنية لا يرى انفصالاً بين الشكر والصبر، فهو إذ يشكر الخالق على ما أنعم عليه يكون قد صبر على استمرار وعيه وحكمته؛ وهو إذ يصبر على فقده نعمة من النعم، يكون في واقع الأمر قد شكر خالقه على ما أنعم عليه من نعم أخرى. والآية المباركة تقول: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } والعطف - هنا - جاء دون أداة، مما يدلل على عمق الارتباط ووحدة الإشارة والمعنى.

وفي موقع آخر يقول ربّنا العزيز: { الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * اُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } فالمؤمن الذي يصبر على ما أصابه، واستذكر حقيقة نفسه وأنه عبدٌ خلقه الله عائد فرداً إليه، من المؤكد أن تشمله صلوات الله ورحمته، وهذه الصلوات وهذه الرحمة قد ينزلهما الله على هيئة نعمة أخرى تحلّ محل النعمة المسلوبة، بداعي الحكمة الإلهية الغائبة عن الأذهان، وقد تتنزّل على هيئة تكريس المزيد من الايمان والقناعة في قلب هذا المؤمن المصاب.

وقد لمست بنفسي نموذجاً مؤمناً من هذا القبيل، حيث قصدت في يوم من الأيام إحدى المقابر للمشاركة في تعزية أحد المؤمنين بفقد زوجته، وإذ بادرته بعبارات التعزية بعد تأنٍ مديد، أجابني بالقول: لقد أنعم الله عليّ بما لا يحصى من النعم، واليوم شاء أن يأخذ واحدة منها. فهذا القول لا يصدر من قلب ساهٍ في حال من الأحوال، وإنما هو نابع من قلب ملأته الحكمة والشكر والصبر، وعوضاً أن أقربه الى الإيمان والصبر كما كان يخيّل إليّ، أصبح هو الذي علّمني الحكمة وألهمني حقيقة الصبر. لقد أورد الأئمة المعصومون صلوات الله عليهم الكثير من الأدعية الهادفة الى النهوض بمستوى الانسان العقائدي والأخلاقي والتربوي، وهي بمثابة الترجمان الحيّ لبصائر القرآن الكريم، ومن لم يسعه أخذ الموعظة والحكمة المتعالية من خلال سيرة هؤلاء الأئمة وحياتهم، فإنه يسعه مطالعة أدعيتهم المباركة التي ما هي إلاّ نصوص غنية للغاية في التربية.

وفي هذا الخصوص - معرفة الانسان حقيقة العدمية ولزوم الشكر والصبر- جاء في الدعاء المأثور: "اللهم اهدني من عندك، وأفض عليّ من فضلك، وانشر عليّ من رحمتك، وأنزل عليّ من بركاتك".(3) وهذه الكلمات النورانية جديرة بالتدبر والتحليل وليس ترديدها على الألسن فقط، ففيها الاشارات الواضحة الى ضرورة التسليم سلفاً لله سبحانه وتعالى في كل الأحوال، وفيها الدعوة الى طلب العون بمختلف صوره من الله الواحد فقط، وفيها أن موقع الانسان من الله جل جلاله موقع المتأثر أبداً.

وثَمّ ملاحظة مهمة ينبغي التوجه إليها، وهي أن القرآن الكريم يعرّف مصطلح الحكمة تعريفاً بعيداً عمّا يذهب إليه البعض، من أنّ الحكمة تلك التعقيدات الفلسفية المتقاطعة مع طبيعة الحياة وطبيعة مهمة الانسان في الأرض، بل هو يعرفها بأنها القدرة على التعامل مع الأحداث بوعي نابع من معرفة الإنسان بنفسه.

والمؤمن إذا ما شكر ربّه فسيؤتى الحكمة، ومن يرزق الشكر سيكون قلبه مطمئناً، وإذا ما كان قلبه مطمئناً فسيكون من الطبيعي له مواجهة مشاكل الحياة والهيمنة عليها بصورة واعية تجنّبه الكثير من المشاكل.

الشكر أساس الحكمة

 { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لإِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ اُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (لقمان/12-15)

ما هي الحكمة؟ وما هذه القيمة المثلى التي يقول عنها ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة المباركة: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً } أو يقول عنها في سورة الإسراء الكريمة مخاطباً نبيه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } وذلك تبيين جملة من الوصايا الأساسية، خلاصتها: الإحسان للوالدين، وصلة ذوي القربى والمساكين وابن السبيل، وعدم الإسراف، وعدم البخل، وحرمة قتل الأولاد، وحرمة الزنا، وحرمة النفس، وعدم أكل مال اليتامى، ووجوب الوفاء بالعهد، ووجوب استيفاء الكيل، وحرمة التدخل في شؤون الآخرين، وحرمة التكبر وضرورة التواضع..

فالله تبارك وتعالى يبين جملة هذه الوصايا ثم يؤكد لنبيه الأكرم أنها شيء من الحكمة التي أوحاها له، في حين يقول في موضع آخر من سورة لقمان: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } في سياق التعريف الذي يفيد الاطلاق أو العموم، فما هي تلك الحكمة يا ترى؟!

إن سياق الآيات التي تقدمت الحديث من شأنها تقديم الإجابة الكافية لهذا التساؤل الذي يبدو كبيراً وخطيراً في آن واحد، حيث يقول ربنا تبارك وتعالى: { أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ حَمِيدٌ } باعتبار أن حرف "أن" في هذا السياق القرآني غرضه تفسير ما سبقه من مفردات. بمعنى تلك الحكمة التي آتاه الله سبحانه وتعالى لقمان كانت تتلخص في كلمة؛ وهي كلمة الشكر، وعليه فإن خلاصة الحكمة وخلاصة المعرفة وخلاصة العقل وخلاصة الهدى وثمرته هي الشكر لله.(4)

(1)بحار الأنوار، ج91، ص146.

(2)مفاتيح الجنان، دعاء الصباح، ص60.

(3)مفاتيح الجنان، ص13، التعقيبات العامة.

(4) السيد محمد تقي المدرسي الأخلاق عنوان الإيمان ومنطلق التقدم

 

 

عن امير المؤمنين عليه السلام: جاور العلماء تستبصر.                                                                                                                                          غرر الحكم

الفيديو

دور الحوزة العلمية في الحفاظ على الشعائر الحسينية - سماحة آية الله السيد عز الدين الحكيم
2017 / 10 / 12 105

دور الحوزة العلمية في الحفاظ على الشعائر الحسينية - سماحة آية الله السيد عز الدين الحكيم

أخر الأخبار

الصوتيات

2016/11/13

اللمعة الدمشقية-كتاب الطهارة-الدرس 2

2016/11/13

اللمعة الدمشقية-كتاب الطهارة-الدرس 1

2015/8/9

سورة التين

2015/8/9

سورة العلق



الصور