مناسبات الشهر
مناسبات شهر ذو القعدة   -- 1 ذو القعدة * واعد الله سبحانه وتعالى نبيه موسى بن عمران(ع) أربعين ليلة لنزول التوراة بجبل الطور، فاختار من قومه سبعين رجلاً ليسمعوا تكليمه تعالى إياه، فلما سمعوا قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الـلَّهَ جَهْرَةً}، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. * وقعت معركة بدر الصغرى عام 4هـ، وتسمى (بدر الموعد) و(بدر الثالثة). * زواج النبي(ص) من السيدة زينب بنت جحش الأسدية(رض) سنة 5هـ، وهي ابنة عمته ميمونة بنت عبد المطلب(رض). * عقد صلح الحديبية (تبعد فرسخين عن مكة) عام 6هـ، بين النبي الأكرم(ص) مع المشركين الذين منعوا المسلمين من دخول مكة. وتمّ الاتّفاق على أن يكفّ كلّ من الطرفين عن شنّ الحرب، وألّا يحرّضا حلفاءهما على ذلك، أو يدعموهم في حرب. لكنّ قريش نكثت المقرّرات بتجهيز حلفائهم من بني بكر على خزاعة -حليفة المسلمين- في قتالٍ ضدّها. * ذكرى ولادة السيدة الجليلة كريمة أهل البيت(ع) فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم(ع) عام 173هـ.   -- 8 ذو القعدة * نزول الوحي على رسول الله(ص) في السنة الثامنة أو التاسعة للهجرة، يبلّغه بفرض الحج على المسلمين.   -- 9 ذو القعدة * إرسال مولانا مسلم بن عقيل(ع) رسالته للإمام الحسين(ع) سنة 60هـ، تخبره ببيعة أهل الكوفة له وانتظارهم لقدومه.   -- 10 ذو القعدة * وفاة العالم الفاضل حفيد الشهيد الثاني الشيخ محمد بن الحسن العاملي سنة 1030هـ، صاحب كتاب (شرح تهذيب الأحكام)، ودفن في مكة المكرمة بالقرب من قبر السيدة خديجة(ع). وله قصيدة رائعة في الإمام الحسين(ع).   -- 11 ذو القعدة * مولد مولانا ثامن الحجج الأطهار الإمام علي بن موسى الرضا(ع) سنة 148هـ في المدينة المنورة، وأمه الطاهرة: السيدة تكتم(ع)، وقيل: (نجمة)، وبعد ولادتها للإمام(ع) سُميت بـ (الطاهرة)، وتكنى بـ (أم البنين). تولى منصب الإمامة الإلهية بعد شهادة أبيه الإمام الكاظم(ع) سنة 183هـ. * ولادة الفقيه المشهور الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري الحارثي(ره) صاحب كتاب (الإرشاد) سنة 336هـ.   -- 12 ذو القعدة * وفاة الحكيم الإلهي أبو جعفر محمد بن محمد البويهي(ره) المعروف بـ (القطب الرازي) سنة 776هـ، المنسوب لسلاطين بني بويه الذين روّجوا للتشيع، وهو من تلامذة العلامة الحلي(ره).     -- 16 ذو القعدة - سنة 326ه ولد الوزير الصاحب بن عباد.     -- 17 ذو القعدة - ولادة الإمام الكاظم(عليه السلام).   -- 18 ذو القعدة * إخراج الإمام الكاظم(عه) من المدينة المنورة بأمر هارون العباسي سنة 179هـ، وأُنزل في سجن البصرة ثم نُقل إلى سجن بغداد. * ذكرى القصف العثماني الأثيم لمدينة كربلاء المقدسة سنة 1258هـ بأمر الوالي العثماني نجيب باشا، ثم دخلوا المدينة وقد استباحها جنود الجيش العثماني، وارتكبوا مجزرة مروعة بأهالي المدينة راح ضحيتها قرابة العشرين ألف شخص وفيهم الكثير من النساء والأطفال.   -- 23 ذو القعدة * شهادة الإمام الرضا (عه) عام 203هـ (على رواية)، ومن المستحب زيارته في هذا اليوم من قُرب أو بُعد. * غزوة بني قريظة سنة 5هـ، وهم قوم من يهود المدينة كان بينهم وبين رسول الله(ص) عهد فنقضوه، فأرسل رسول الله(ص) سعد بن معاذ لاستطلاع الأمر، فحاول إقناعهم بالتخلي عن نقض العهد، فسمع منهم ما يكره. فحاصرهم المسلمون ودعاهم النبي(ص) في بادئ الأمر إلى الإسلام فأبوا، وأرسل(ص) إليهم أكابر أصحابه فانهزموا، فبعث علياً(ع) فكان الفتح على يديه.   -- 24 ذو القعدة * هبوط نبي الله آدم(ع) من الجنة إلى الأرض. * ليلة دحو الأرض، ونزول الرحمة الإلهية (الكعبة) من السماء، وتعظيم الكعبة على آدم(عه).     -- 25 ذو القعدة * يوم دحو الأرض وهو (انبساط الأرض على الماء وبداية تكونها من تحت الكعبة ثم اتسعت). * خروج النبي(ص) من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة سنة 10هـ لأداء حجة الوداع، وفي هذه الحجة نصّب النبيُّ(ص) الإمامَ عليٍّ(ع) ولياً وأميراً للمؤمنين. * ولادة محمد بن أبي بكر (رضوان الله عليه) سنة 10هـ في ذي الحليفة، من خُـلّص أصحاب أمير المؤمنين(ع) وواليه على مصر.     -- 26 ذو القعدة * شهادة إبراهيم بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن المجتبى(عهم)، وذلك سنة 145هـ على يد جيش المنصور الدوانيقي بقيادة عيسى بن موسى في منطقة باخمرى (بين واسط والكوفة) ودفن فيها. وهو غير إبراهيم الغمر ابن الحسن المثنى المدفون بالكوفة. * إخراج الإمام علي بن موسى الرضا(ع) قسراً من المدينة المنورة إلى مرو (خراسان أو طوس) سنة 200هـ بأمر المأمون العباسي.     -- 27 ذو القعدة * وفاة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة (رضوان الله عليه) سنة 32هـ في الربذة (من قرى المدينة) بعد أن نفاه عثمان إليها.   -- 30 ذو القعدة * شهادة الإمام محمد بن علي الجواد(ع) سنة 220هـ، أثر سمّ دسّته له زوجته أم الفضل ابنة المأمون العباسي، وبأمر من المعتصم. وكان عمره الشريف آنذاك 25 عاماً.    

ما تستحقه الزوجة من المهر بموت الزوج قبل الدخول

الروايات في ذلك مختلفة، فطائفةٌ منها أفادت انَّ للزوجة نصف المهر المسمَّى بموت زوجها قبل الدخول، وهذه الطائفة هي الأكثر عدداً، وقد وُصفت بالمستفيضة بل وصفها صاحب الوسائل (رحمه الله) بالمتواترة.

والطائفة الثانية أفادت انَّ للزوجة غير المدخول بها تمام المهر بموت زوجها، وهذه الطائفة وإن كانت أقلَّ عددًا من الطائفة الأولى إلا انَّ المشهور قد أفتى بمضمونها، فقد أفاد صاحب الجواهر (رحمه الله) انَّ: " إستقرار المهر بموت الزوج قبل الدخول هو خيرة الشيخين والمرتضى والقاضي وابني حمزة وإدريس وكافه المتأخرين، ولعلَّه لذا نسبه في محكي غاية المراد والمهذَّب البارع إلى فتوى الأصحاب، نحو ما عن ابن إدريس من انَّ الموت عند محصِّلي أصحابنا يجري مجري الدخول في إستقرار المهر جميعه، بل في ناصريَّات المرتضى الإجماع عليه، وفي الغنية نفي الخلاف فيه"(1).

ثم إنَّ صاحب الجواهر أفاد انَّه لم يجد مخالفاً فيما عليه المشهور من إستقرار تمام المهر بموت الزوج قبل الدخول إلا ما يُحكى عن الشيخ الصدوق في المقنع وظاهر الفقيه.

هذا وقد شكَّك صاحب الحدائق (رحمه الله) في نسبة الخلاف إلى الصدوق في المقنع، وأفاد بأنَّ النسخة التي بيده من كتاب المقنع تقتضي خلاف ما نُسب اليه من البناء على انَّ للزوجة نصف المهر بموت زوجها قبل الدخول فهو انَّما ذكر ذلك بعد قوله: " وفي حديث آخر" وكان قد أفاد قبل ذلك انَّ للزوجة بموت زوجها قبل الدخول تمام المهر، وظاهر ذلك هو انَّه يُفتي باستقرار تمام المهر للزوجة بموت زوجها قبل الدخول، غايته انَّه أراد من قوله بعد ذلك: " وفي حديث آخر " التنبيه على وجود ما يقتضي انَّ لها نصف المهر في الروايات وإلا فإنَّ فتواه هي ما صدَّر به حديثه عن المسألة.

ومنشأ نسبة الخلاف إلى الصدوق في المقنع هو انَّه بعد ما أفاد بقوله "وفي حديث آخر إنْ لم يكن دخل بها وقد فرض لها مهراً فلها نصفه " قال: " وهو الذي أعتمده وأُفتي به " (2).

وهذه الفقرة هي التي أفاد صاحب الحدائق انَّها غير موجودة في النسخة التي عنده، وهي كذلك غير موجودة في النسخة المطبوعة التي وقفنا عليها، وقد وضع محقق الكتاب الفقرة المذكورة بين معقوفين وذكر انه أثبتها نقلا عن كتاب المختلف للعلامة الحلي، فيقوى في الظن انَّ هذه الفقرة غير موجودة في النسخ المخطوطة والحجرية التي حقق منها كتاب المقنع المطبوع فعلاً، وعلى أي تقدير فإنَّ نسبة الخلاف إلى الشيخ الصدوق في المقنع غير مُحرَزة، وأما نسبة الخلاف اليه في الفقيه فمنشأه انه لم ينقل فيه إلا روايات التنصيف. وكذلك هو منشأ نسبة البعض الخلاف للكليني (رحمه الله).

وكيف كان فلا بد من ملاحظة الطائفتين من الروايات الواردتين في هذه المسألة للوقوف على كيفية المعالجة للإختلاف الواقع بينهما.

أما الطائفة الأولى المقتضية لعدم إستحقاق الزوجة لأكثر من نصف المهر إذا مات زوجها قبل الدخول بها فنذكر منها أربع روايات:

الأولى: معتبرة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليه السلام) في الرجل يموت وتحته إمرأة لم يدخل بها، قال: لها نصف المهر، ولها الميراث كاملا ً، وعليها العدة كاملة "(3).

الثانية: معتبرة علي بن رئاب، عن زرارة، قال: سألتُه عن المرأة تموت قبل أنْ يدخل بها؟ أو يموت الزوج قبل أنْ يدخل بها؟ قال: أيُّهما مات فللمرأة نصف ما فرض لها، وإنْ لم يكن فرض لها فلا مهر لها" (4).

الثالثة: معتبرة عبيد بن زرارة وفضل أبي العباس قالا: قلنا لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجلٍ تزوج امرأةً ثم مات عنها وقد فرض الصداق؟ قال: لها نصف الصداق وترثه من كلِّ شيء، وإنْ ماتت فهو كذلك "(5).

الرابعة: معتبرة عبيد بن زرارة، قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلٍ تزوَّج إمرأة ولم يدخل بها؟ قال: إنْ هلكت او هلك او طلَّقها فلها النصف، وعليها العدة كملاً، ولها الميراث " (6).

 وأما الطائفة الثانية المقتضية لإستحقاق الزوجة لتمام المهر المسمَّى بموت الزوج قبل الدخول فنذكر منها ثلاث روايات:

الأولى: معتبرة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال في المتوفى عنها زوجها اذا لم يدخل بها: إنْ كان فرض لها مهراً فلها مهرها الذي فرض لها، ولها الميراث، وعدتها أربعة اشهر وعشراً كعدة التي دخل بها، وإنْ لم يكن فرض لها مهرًا فلا مهر لها، وعليها العدة، ولها الميراث" (7).

الثانية: معتبرة ابن مسكان، عن منصور بن حازم، قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتزوَّج المرأة فيموت عنها قبل أنْ يدخل بها؟ قال: لها صداقها كاملاً، وترثه، وتعتدُّ اربعة أشهر وعشراً، كعدة المتوفى عنها زوجها " (8).

الثالثة: معتبرة سليمان بن خالد قال: سألتُه عن المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها؟ فقال: إنْ كان فرض لها مهرًا فلها مهرها، وعليها العدة، ولها الميراث، وعدتها اربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن فرض لها مهراً فليس لها مهر، ولها الميراث، وعليها العدة " (9).

هذا وقد جمع الشيخ الطوسي (رحمه الله) بين الطائفتين بحمل روايات التنصيف على إستحباب ان تعفي الزوجة الورثة من المطالبة بحقها في النصف الثاني من المهر إلا انَّ ما يرد على هذا الجمع انَّه ليس عرفياً، وذلك لإستحكام التعارض بين الطائفتين، فمفاد الطائفة الأولى انَّ الزوجة لا تستحق النصف الثاني من المهر، ومفاد الطائفة الثانية انَّها تستحقه، وهذا من التعارض المستحكم الذي لا سبيل معه للجمع بنظر العرف، إذ لا يرى العرف وجهاً معقولاً لإثبات الحق ونفيه في آن واحد مع إتحاد الموضوع والمتعلق، فالطائفتان متكاذبتان وإحداهما منافية للواقع بنظر العرف ولذلك لابد من معالجة الإختلاف بين الطائفتين على أساس مرجِّحات باب التعارض وقد أفاد عددٌ من الأعلام انَّ الترجيح للطائفة الأولى المقتضية لعدم إستحقاق الزوجة لغير نصف المهر وذكروا وجوهاً عديدة أهمها:

الوجه الأول: انَّ الطائفة الأولى هي الأكثر عدداً لذلك يكون الظن بمطابقة مؤداها للواقع أقوى من الظن الحاصل من الطائفة الثانية.

وهذا الوجه لا يتم ألا بناءً على القول بأنَّ الترجيح في حالات التعارض يكون بمطلق المرجِّح وإن لم يكن منصوصاً، إذ من الواضح انَّ الترجيح بالأكثرية ليس من المرجحات المنصوصة، على انَّه لو تمَّ القبول بصحة هذا المبنى لكان مختصًا بفرضيَّة خلو الطائفة الأخرى من كلِّ مرجِّح، أما لو كانت كل طائفةٍ واجدة لمرجِّح وكانت الأخرى فاقدة له فإنَّ ترجيح إحداهما لمجرد وجدانها لمرجِّحٍٍ ما ليس بأولى من ترجيح الأخرى إلا ان يكون أحد المرجِّحين أقوى من الآخر و تكون أقوائيته بيِّنة، والأمر ليس كذلك في المقام ظاهراً فإنَّ الطائفة الثانية المقتضية لإستقرار تمام المهر بموت الزوج وإنْ كانت رواياتها أقل عدداً إلا انَّ المشهور قد عمل بها حتى أُدعي عدم وجدان المخالف إلا ما نُسب إلى الشيخ الصدوق في المقنع والفقيه، على انَّ نسبة الخلاف اليه في المقنع محل تشكيك ولا يبعد انَّ مبناه في المقنع هو مبنى المشهور.

فشهرة العمل إن لم تكن أجدر بالترجيح من الأكثرية فإنَّ الأكثرية في العدد ليست بأولى بالترجيح منها، وأما دعوى انَّ روايات التنصيف الأكثر عدداً تبلغ حد التواتر فهي دعوى يصعب الإطمئنان بصحتها، إذ انَّ ورود ما يُنافي مفاد الروايات الكثيرة يسترعي الحاجة إلى عددٍ أكبر مما عليه عدد روايات التنصيف حتى يصح وصفها بالمتواترة، إذ إنَّ الإحتمال بالمطابقة الناشئ عن كلِّ رواية يكون أضعف عندما يكون لهذه الرواية ما يُناقضها، ولهذا يُستعاض عن ضعف الإحتمال الناتج عن كلِّ رواية بمضاعفة العدد على انَّ غاية ما يُنتجه التواتر هو القطع او الإطمئنان بالصدور وليس ذلك مورداً للإشكال في المقام فإنَّ من المُحرَز صدور روايات التنصيف في الجملة، و الإشكال انَّما هو من جهة صدورها لبيان الحكم الواقعي.

الوجه الثاني: هي دعوى شهرة العمل بروايات التنصيف عند القدماء كما أفاد ذلك صاحب الرياض، والشهرة من المرجِّحات المنصوصة لقوله (عليه السلام) في مرفوعة زرارة: " خذ بما إشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر" (10).

وكذلك قوله (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة: "يُنظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيُوخذ به من حكمنا ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك " (11).

إلا انَّ ما يرد على هذه الدعوى هو انَّ الشهرة ليست مسلَّمة في جانب روايات التنصيف فإنَّ الشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى وابن حمزة والقاضي يذهبون إلى إستحقاق الزوجة لتمام المهر المسمَّى بموت الزوج قبل الدخول بل ادَّعى السيد المرتضى وكذلك ابن زهرة الإجماع على ذلك، وأفاد صاحب الجواهر انَّه لم يجد مخالفا الا ما يُحكى عن الشيخ الصدوق، فدعوى شهرة عمل القدماء بروايات التنصيف ليست مُحرَزة، نعم قد يكون المقصود من القدماء هم الرواة الذين رووا عن الأئمة (عليهم السلام) روايات التنصيف، وذلك بأنْ يُستظهر من روايتهم لها الإفتاء بمضمونها، وهم كثيرون ومنهم زرارة ومحمد بن مسلم وعبيد بن زرارة وسماعة والحسن الصيقل وأبو العباس البقباق وغيرهم مضافا إلى الشيخ الكليني والشيخ الصدوق حيث انَّهما لم يُوردا في كتابيهما الكافي والفقيه إلا روايات التنصيف إلا انَّ ما يرد على ذلك هو انَّ مجرد روايتهم لما يقتضي التنصيف لا يُوجب الجزم أنَّ ذلك هو ما يُفتون به فكثيرًا ما ينقل الرواة عن الأئمة (عليهم السلام) أكثر من رواية، كلُّ واحدةٍ منها يقتضي خلاف ما تقتضيه الأخرى، نعم يصح نسبة الإفتاء بالتنصيف للشيخ الصدوق، وذلك لأنَّه أورد فيه روايات التنصيف ولم يُورد فيه روايات الإستقرار لتمام المهر، وذلك يقتضي إستظهار إفتائه بمضمون روايات التنصيف نظراً لكونه قد أخبر عن إلتزامه بذلك في مقدمة كتابه، وأما الكليني فلم يلتزم ظاهرًا بذلك، ولو سُلِّم ان كلاً منهما قد إلتزم بذلك إلا ان من غير المتاح إحراز إلتزام الرواة كزرارة ومحمد بن مسلم بذلك، على انَّ دعوى الإشتهار لمجرد إلتزام هذا العدد من الرواة فيه مجازفة واضحة، فإنَّ هذا العدد من فقهاء الرواة يسير في مقابل مجموع فقهاء الرواة، ودعوى إستكشاف رأي البقية من رأي هذا العدد فيه مجازفة واضحة.

هذا من جهة الصغرى، وأما الكبرى - وهي انَّ الشهرة من مرجِّحات باب التعارض - فهي غير تامة أيضاً، فما جاء في المرفوعة - بعد تجاوز السند - من ترجيح ما اشتهر ليس مورده الأخبار المتكافئة الواجدة لشرائط الحجية لولا التعارض بل انَّ مورده إنَّما هو تعارض الحجة باللاحجة، وذلك بقرينة قوله "ودع الشاذ النادر " فإنَّ جعل المشتهر بين الأصحاب في مقابل الشاذ النادر قرينة على انَّ المراد من المشتهر هو الظاهر البيِّن من السنَّة في مقابل المُحرَز منافاته للسنَّة الشريفة وأين هذا من محل البحث فإنَّه لو سُلِّم إشتهار العمل بروايات التننصيف فإنَّ ما يقابل ذلك ليس من الشاذ النادر كما اتضح ذلك من مذهب قدماء الفقهاء، وكذلك فإنَّ من روى ما يقتضي إستحقاق الزوجة لتمام المهر لا يصح توصيف عددهم بالشاذ النادر.

وهكذا الحال بالنسبة لمقبولة عمر بن حنظلة فإنَّ المقابلة بين المجمع عليه بين الأصحاب وبين الشاذ من مقابلة الحجَّة باللاحجة، وذلك لأنَّ المراد من المجمع عليه في الرواية هو السنة القطعية بقرينة ما أفاده الإمام (عليه السلام) بعد ذلك: "وانَّما الامور ثلاثة أمر بيِّنٌ رشده فيُتبع، وأمرٌ بيِّنٌ غيِّه فيُجتنب، وأمرٌ مشكل يُردُّ حكمه إلى الله عز وجل والى الرسول" (12).

فإنَّ الظاهر الواضح من هذا التعقيب هو إرادة بيان منشأ الأمر بالأخذ بالمجمع عليه وأنَّه من البيِّن الرشد الواجب إتباعه، ومعنى البيِّن الرشد هو المُحرَز كونه من السنَّة، فالمقابل للبيِّن الرشد الذي وصفه الإمام (عليه السلام) بالشاذ هو إما البيِّن الغي الذي ليس من السنَّة قطعاً أو المشكل الساقط هو أيضاً عن الحجيَّة بنفسه بقطع النظر عن وقوعه طرفا في المعارضة، وعلى كلا التقديرين تكون المقابلة بين المجمع عليه وبين الشاذ من تقابل الحجَّة باللاحجَّة، فكما انَّ بيِّن الغي لا حجيَّة له في نفسه فكذلك المشكل، ومن الواضح عدم صحة توصيف الروايات المقابلة لروايات التنصيف بالبيِّنة الغي ولا بالمشكلة، وذلك لواجديتها لشرائط الحجيَّة في نفسها لولا المعارضة بخلاف المشكل من الروايات فإنَّها فاقدة لشرائط الحجيَّة حتى لولم تقع طرفًا في المعارضة.

الوجه الثالث: الترجيح لروايات التنصيف، لأنَّ رواتها أعدل وأورع وأفقه وأصدق من رواة الطائفة الثانية، والترجيح بصفات الراوي من المرجِّحات المنصوصة كما هو مقتضى مرفوعة زرارة ومقبولة عمر بن حنظلة.

والجواب انَّه لو سُلِّمت الصغرى فإنَّ الكبرى غير مسلَّمة، إذ الترجيح بصفات الراوي وإنْ نصَّت عليه المرفوعة إلا انَّها ضعيفة السند بل هي شديدة الضعف، وأما المقبولة فكانت بصدد ما يترجَّح به حكما الحاكمين في فرض الإختلاف، ولم تكن بصدد بيان ما يقتضي ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى في فرض التعارض بين مؤداهما، فالوارد في المقبولة هو قوله (عليه السلام): " الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يُلتفت إلى ما يحكم به الاخر" (13).

الوجه الرابع: الترجيح بمخالفة العامة، فإنَّ روايات التنصيف مخالفة لفتوى العامة، وأما روايات إستقرار تمام المهر للزوجة بموت الزوج قبل الدخول فهو مبنى أكثر العامة.

وهذا الوجه هو المتعيَّن لتماميته صغرىً وكبرىً، أما الصغرى فلثبوت انَّ مذهب العامة جارٍ على إستقرار تمام المهر للزوجة بموت الزوج قبل الدخول، فذلك إنْ لم يكن مورداً لإجماعهم فإنَّ مما لا ريب فيه أنه مذهب أكثرهم، نعم وقع الخلاف بينهم فيما لو مات قبل الدخول وهو لم يُسم لها مهراً، وأما في فرض تسمية المهر -والذي هو مورد البحث - فجلُّهم أو كلُّهم ذهب إلى إستحقاق الزوجة لتمام المهر.

 وأما الكبرى فلا ريب في انَّ الترجيح بمخالفة العامة من المرجِّحات المنصوصة.

ويمكن تأييد البناء على صدور روايات الإستقرار لتمام المهر تقيةً بمعتبرة منصور بن حازم قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): رجلٌ تزوَّج امرأةً وسمَّى لها صداقاً ثم مات عنها ولم يدخل بها؟ قال: لها المهر كاملاً، ولها الميراث، قلتُ: فإنَّهم رووا عنك انَّ لها نصف المهر؟ قال: لا يحفظون عنِّي، إنَّما ذلك للمطلقة " (14).

فإنَّ إحتمال غفلة جميع رواة التنصيف عن مراد الإمام (عليه السلام) وعدم حفظهم في غاية البعد خصوصاً مع ملاحظة كثرتهم وما عُرف عنهم من التميُّز بالفقه والحفظ والتثبت مثل زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم والحلبي وغيرهم من رواة التنصيف، لذلك يتعيَّن صدور قوله (عليه السلام): "لا يحفظون عنِّي" تقية، فيكون ذلك قرينةً ظاهرة على أنَّ جوابه لمنصور بن حازم بأنَّ الزوجة تستحقُّ تمام المهر بموت زوجها قبل الدخول، يتعيَّن صدور هذا الجواب منه تقية.

وأما ما قد يُقال من انَّ الترجيح بمخالفة العامة لا تصل النوبة اليه إلا بعد فقدان المرجِّح بموافقة الكتاب المجيد، وحيث انَّ روايات الإستقرار لتمام المهر بموت الزوج قبل الدخول موافقة لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (15) لذلك يتعيَّن ترجيح روايات الإستقرار على روايات التنصيف وإنْ كانت روايات الإستقرار موافقة للعامة.

فالجواب انَّ الترجيح بمخالفة العامة وإنْ كان متأخراً رتبة عن الترجيح بموافقة الكتاب المجيد إلا انَّ انعقاد الظهور الجدي للآية في الإطلاق غير محرَز، فالظهور البدوي في الإطلاق للآية المباركة لو كان مسلَّماً إلا ان الحجة من الظهور إنَّما هو المستقر الكاشف عن الإرادة الجدية وهو ليس كذلك في الآية المباركة.

وبيان ذلك: إنَّ إطلاق الآية المباركة مقيَّد قطعاً بالدخول في فرض الطلاق، فمتى ما طلق الرجل زوجته قبل الدخول فإنَّها لا تستحق عليه أكثر من نصف المهر المسمى كما هو مفاد قوله تعالى: "وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضه فنصف ما فرضتم " وهنا يُمكن ان يدعى ظهور الآية في انَّ المناط في تحديد ما تستحقه الزوجة من تمام المهر أو نصف المهر المسمى هو الدخول وعدمه، فمتى ما إنتهت العلقة بينهما بطلاقٍ أو موت فإنْ كان قد دخل بها كان لها تمام المهر وإنْ لم يكن قد دخل بها فلها نصف المهر، فالمدار في إستحقاق التمام أو النصف هو الدخول وعدمه، فذلك هو موضوع إستقرار تمام المهر أو نصفه بمقتضى ظهور الآية، فيكون إطلاق الأمر بإعطاء النساء صدقاتهن مقيَّد بالدخول في الموردين أعني الطلاق والموت.

ومنشأ الإستظهار انَّ العرف يفهم من الآية انَّ الدخول هو تمام الموضوع في إستقرار تمام المهر طلَّق أو لم يطلِّق، وإذا كان قد طلق دون ان يتحقق منه الدخول فإنَّ موضوع الإستقرار لتمام المهر منتف عنه لا لخصوصية في الطلاق بل لأنَّه لم يدخل بزوجته، وعليه فإنَّ من مات ولم يدخل بزوجته فإنَّها كذلك لا تستحقُّ عليه تمام المهر لانتفاء موضوع الأستقرار لتمام المهر عنه وهو الدخول.

ولعل مما يؤيد ذلك هو ما ورد في العديد من الروايات من انَّ مناط وجوب المهر هو الدخول فمن ذلك ما ورد في معتبرة يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: لا يُوجب المهر الا الوقاع في الفرج" (16).

وما ورد في معتبرة محمد بن مسلم قال: سالتُ أبا جعفر (عليه السلام): متى يجب المهر؟ قال: إذا دخل بها " (17).

وكذلك معتبرة علاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سالتُه عن الرجل والمرأة، متى يجب عليهما الغسل؟ قال: اذا أدخله وجب الغسل والمهر والرجم "(18).

فإن تمَّ هذا الإستظهار من آية الطلاق فإنَّ آية: ﴿وآتوا النساء﴾ لا تكون ظاهرة في إرادة الإطلاق بالإضافة إلى موت الزوج قبل الدخول كماهي كذلك بالإضافة إلى الطلاق قبل الدخول، فلا تكون صالحة لترجيح روايات الإستقرار لتمام المهر بالموت قبل الدخول. بل تكون آية الطلاق مرجِّح آخر لروايات التنصيف مضافاً إلى مخالفة العامة وإن لم يتم القبول بظهور آية الطلاق في أنَّ مناط الإستقرار لتمام المهر وعدمه هو الدخول وعدمه فلا أقل من صلاحيتها للمنع من الإطمئنان بظهور آية: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء﴾ في الإطلاق، وحينئذٍ لا تكون صالحة للترجيح.

وبتعبير آخر: إن آية الطلاق وقوة إحتمالها إناطة الإستقرار لتمام المهر بالدخول تُحدث تشويشاً على ظهور آية " وآتوا النساء " في الإطلاق، ومع عدم وضوح الآية في الظهور للآية لا تكون صالحة للرجوع في مقام الترجيح لطائفةٍ على طائفةٍ أخرى من الروايات متكاثرة العدد واضحة الدلالة، ورواتها من فقهاء وأجلاء الرواة، وهي في ذات الوقت مناسبة لما هو محتملٌ قويا لمفاد آية الطلاق ومخالفة ما عليه العامة.

هذا مضافاً إلى انَّ روايات الباب من الطائفتين متفقة على انَّ الزوجة إذا ماتت قبل الدخول بها فإنَّها لا تستحق إلا نصف المهر المسمى رغم انَّ إطلاق آية: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء﴾ لو كان مراداً جداً لما كان قرقٌ بين موت الزوج قبل الدخول أو موت الزوجة، فليكن ذلك مؤيداً آخر.

والمتحصل مما ذكرناه ان الصحيح هو عد إستحقاق الزوجة أكثر من نصف المهر بموت الزوج قبل الدخول ومع ذلك فالأحوط هو التصالح مع الورثة على النصف الآخر.

والحمد لله رب العالمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- جواهر الكلام - الشيخ الجواهري - ج 39 ص 326.

2- المقنع - الشيخ الصدوق - ص 358.

3- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 326.

4- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 328.

5- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 329.

6- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 315.

7- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 332.

8- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 332.

9- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 331.

10- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 17 ص 303.

11- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 27 ص 106.

12- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 27 ص 157.

13- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 27 ص 106.

14- جواهر الكلام - الشيخ الجواهري - ج 39 ص 328.

15- سورة النساء آية رقم 4.

16- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 320.

17- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 320.

18- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 21 ص 320.

الشيخ محمد صنقور

عن امير المؤمنين عليه السلام: جاور العلماء تستبصر.                                                                                                                                          غرر الحكم

الفيديو

الحوزة العلمية .. الطبيعة والاهداف - الشيخ محمد حيدر
2017 / 07 / 23 160

الحوزة العلمية .. الطبيعة والاهداف - الشيخ محمد حيدر

أخر الأخبار

الصوتيات

2016/11/13

اللمعة الدمشقية-كتاب الطهارة-الدرس 2

2016/11/13

اللمعة الدمشقية-كتاب الطهارة-الدرس 1

2015/8/9

سورة التين

2015/8/9

سورة العلق



الصور