المجلد الخامس
تتمة الفصل الخامس
31
الخطبة ( 3 ) و من خطبة له ع و هي المعروفة بالشقشقية أَمَا وَ اَللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلاَنٌ وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ اَلْقُطْبِ مِنَ اَلرَّحَى يَنْحَدِرُ عَنِّي اَلسَّيْلُ وَ لاَ يَرْقَى إِلَيَّ اَلطَّيْرُ فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا اَلْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا اَلصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ اَلصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَ فِي اَلْعَيْنِ قَذًى وَ فِي اَلْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً حَتَّى مَضَى اَلْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلاَنٍ بَعْدَهُ ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلْأَعْشَى :
شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا
وَ يَوْمُ ؟ حَيَّانَ ؟ أَخِي جَابِرِ
فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ
[ 2 ]
مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ اَلْعِثَارُ فِيهَا وَ اَلاِعْتِذَارُ مِنْهَا فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ اَلصَّعْبَةِ إِنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ وَ إِنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ اَلنَّاسُ لَعَمْرُ اَللَّهِ بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ وَ تَلَوُّنٍ وَ اِعْتِرَاضٍ فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ اَلْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ اَلْمِحْنَةِ حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ فَيَا لَلَّهِ وَ لِلشُّورَى مَتَى اِعْتَرَضَ اَلرَّيْبُ فِيَّ مَعَ اَلْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ اَلنَّظَائِرِ لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا وَ طِرْتُ إِذْ طَارُوا فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ وَ مَالَ اَلْآخَرُ لِصِهْرِهِ مَعَ هَنٍ وَ هَنٍ إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ اَلْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ وَ قَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اَللَّهِ خِضْمَةَ اَلْإِبِلِ نِبْتَةَ اَلرَّبِيعِ إِلَى أَنِ اِنْتَكَثَ فَتْلُهُ وَ أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَ كَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ وَ اَلنَّاسُ كَعُرْفِ اَلضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ اَلْحَسَنَانِ وَ شُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ اَلْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَ مَرَقَتْ أُخْرَى وَ قَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلاَمَ اَللَّهَ حَيْثُ يَقُولُ تِلْكَ اَلدَّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ اَلْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ 1 16 28 : 83 بَلَى وَ اَللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا وَ لَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ اَلدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا أَمَا وَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ لَوْ لاَ حُضُورُ اَلْحَاضِرِ وَ قِيَامُ اَلْحُجَّةِ بِوُجُودِ اَلنَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اَللَّهُ عَلَى اَلْعُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لاَ سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ
[ 3 ]
قالوا : و قام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا ، فأقبل ينظر فيه . قال له ابن عباس رضى الله عنه يا أمير المؤمنين لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت . فقال : هيهات يا ابن عباس . تلك شقشقة هدرت ثم قرت . قال ابن عباس : فو الله ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السّلام بلغ منه حيث أراد .
قوله : " كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحم " : يريد أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزمام ، و هي تنازعه رأسها خرم أنفها ، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها . تقحمت به فلم يملكها . يقال " أشنق الناقة " إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه " و شنقها " أيضا ذكر ذلك ابن السكّيت في " إصلاح المنطق " و إنّما قال " أشنق لها " و لم يقل " أشنقها " لأنّه جعل في مقابل قوله : " أسلس لها " فكأنّه عليه السّلام قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها .
أقول : و رواها الصدوق في ( علل شرائعه ) ، و ( معاني أخباره ) ، و المفيد في كتاب ( إرشاده ) و كتاب ( جمله ) ، و الشيخ الطوسي في ( أماليه ) ، و الراوندي في ( شرحه ) و الطبرسي في ( احتجاجه ) ، و سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) ،
و جمع آخر من العامّة و الخاصّة من المتقدّمين و المتأخرين كابن قبة و أبي القاسم البلخي ، و أبي عمرو الزاهد غلام ثعلب ، و أبي أحمد العسكري و غيرهم 1 .
أما الصدوق . فروى في ( علله ) عن محمّد بن علي ماجيلويه ، عن محمّد
-----------
( 1 ) رواها الصدوق في علل الشرائع 1 : 150 و 153 ح 12 و 13 ، و في معاني الأخبار : 360 ح 1 ، و المفيد في الارشاد :
152 ، و في الجمل : 62 ، و ابو علي الطوسي في أماليه 1 : 382 ، جزء 13 ، و الراوندي في شرحه 1 : 131 و الطبرسي في الاحتجاج 1 : 191 و السبط في التذكرة : 124 ، و رواها عن ابن قبة ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 206 ، و غيره و عن البلخي ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 205 ، و عن أبي عمر و الزاهد الكيندري في شرحه 1 : 193 ، و غيره ، و عن العسكري الصدوق في علل الشرائع 1 : 152 ، و معاني الاخبار : 362 ، و غيرهم .
[ 4 ]
بن أبي القاسم ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب ، عن عكرمة عن ابن عباس .
و رواه في ( معانيه ) مثله و زاد إسنادا آخر محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي ، عن أحمد بن عمّار بن خالد ، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن عيسى بن راشد ، عن علي بن خزيمة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : " و الله لقد تقمّصها أخو تيم ، و انّه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ، و لا يرتقي إليه الطير . فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا ،
و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخيّة عمياء . يشيب فيها الصغير ، و يهرم فيها الكبير ، و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى اللّه . فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى . فصبرت و في العين قذى ، و في الحلق شجا . أرى ترائي نهبا ،
حتّى إذا مضى الأوّل لسبيله . عقدها لأخي عدي بعده . فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته . إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، فصيّرها و الله في حوزة خشناء يخشن مسّها ، و يغلظ كلمها ، و يكثر العثار و الاعتذار . فصاحبها كراكب الصعبة ان عنف بها حرن ، و إن سلس بها غسق . فمني الناس بتلوّن و اعتراض ، و بلوا مع هن ، و هنّي . فصبرت على طول المدّة و شدّة المحنة . حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي منهم ، فيا لله لهم و للشورى ، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن بهذه النظائر . فمال رجل بضبعه ، و أصغى آخر لصهره ، و قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله و متعلفه ، و قام معه بنو أبيه يهضمون مال الله هضم الإبل نبتة الربيع . حتّى أجهز عليه عمله . فما راعني إلاّ و الناس إليّ كعرف الضبع ، قد أنثالوا عليّ من كلّ جانب حتّى لقد و طئ الحسنان ، و شقّ عطافي ، حتىّ إذا نهضت بالأمر نكثت
[ 5 ]
طائفة ، و فسقت اخرى و مرق آخرون كأنّهم لم يسمعوا قول الله تعالى : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين 1 بلى و اللّه لقد سمعوا ، و لكن أحلولت الدنيا في أعينهم ، و راقهم زبرجها . و الّذي فلق الحبّة و براء النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر ، و ما أخذ الله تعالى على العلماء أن لا يقرّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها ،
و لألفيت دنياكم أزهد عندي من عفطة عنز قال و ناوله رجل من أهل السواد كتابا . فقطع كلامه و تناول الكتاب . فقلت : لو اطردت مقالتك إلى حيث بلغت .
فقال : هيهات يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت . . . " .
و رواها ( العلل ) أخيرا بالسند الثاني في متنه مثل المتن : " إن أشنق لها خرم و أن أسلس لها تقحم " .
و أمّا المفيد فقال في ( إرشاده ) : روى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس قال : كنت عند أمير المؤمنين عليه السّلام بالرحبة . فذكرت الخلافة و تقدّم من تقدم عليه . فتنفّس الصعداء ثم قال : " أم و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة . . . . " و فيه بدل " حتّى مضى الأول إلى بعده " " إلى أن حضره أجله فأدلى بها إلى عمر " و فيه بعد " ضرعيها " الشعر ثم " فصيرها و الله في ناحية خشناء يجفو مسّها و يغلظ كلمها ، صاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها عسف ، يكثر فيها العثار و يقل منها الإعتذار " .
و قال في جملة : فأمّا خطبته عليه السّلام الّتي رواها عبد الله بن عباس فهي أشهر من أن تدلّ عليها لشهرتها ، و هي الّتي يقول عليه السّلام في أوّلها : " و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة . . . " .
-----------
( 1 ) القصص : 83 .
[ 6 ]
و أما الشيخ ، فروى في ( أماليه ) : عن الحفّار ، عن أبي القاسم الدعبلي ، عن أبيه ، عن أخيه دعبل ، عن محمّد بن سلامة الشامي ، عن زرارة ، عن أبي جعفر محمّد بن علي ، عن ابن عباس ، و عن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : " و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة . . . " .
و فيه : " يضيع فيها الصغير و يدبّ فيها الكبير " و فيه : " أرى تراث محمّد صلّى اللّه عليه و آله نهبا إلى أن حضرته الوفاة فأدلى بها إلى عمر " .
و أما الراوندي ، فروى في ( شرحه ) عن أبي نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم ، عن الحاجب أبي الوفاء محمّد بن بديع و أحمد بن عبد الرحمن ، عن الحافظ أبي بكر بن مردويه ، عن الطبراني ، عن أحمد بن علي الأبّار ، عن إسحق بن سعيد أبي سلمة الدمشقي ، عن خليد بن دعلج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : كنّا مع عليّ عليه السلام بالرحبة . فجرى ذكر الخلافة ، و من تقدّم عليه .
فقال : . . . إلى آخر الخطبة .
و أما الطبرسي ، فقال : روى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس قال : كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام بالرحبة فذكرت الخلافة ، و تقدّم من تقدّم عليه فتنفّس الصعداء ثم قال : " أما و الله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة . . . " .
و أما سبط ابن الجوزي ، فقال : أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عبّاس . قال : لمّا بويع أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة ناداه رجل من الصف ، و هو على المنبر ما الّذي أبطأبك إلى الآن ؟ فقال بديها :
" و الله لقد تقمّصها أخو تيم أو ابن أبي قحافة أو فلان و هو يعلم انّ محلّي منها محل القطب من الرحى . ينحدر عنّي السيل ، و لا يرقى إليّ الطير ، و لكنّي سدلت دونها ثوبا ، و طويت عنها كشحا ، و طفقت امثّل بين أن أصول بيد جذاء ماضية ، أو أصبر على ظلمة طخياء يوضع منها الكبير ، و يدبّ فيها الصغير
[ 7 ]
( و في رواية ) طفقت أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها الصغير و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه . فرأيت الصبر أجدر ، فصبرت و في العين قذى ، و في الحق شجا إلى أن حضرت الأوّل الوفاة ( و في رواية ) فصبرت إلى أن مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده و في رواية ( فأدلى بها إلى الثاني ) فيا لله العجب بينا هو يستقيلها في حال حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته فعقدها في ناحية خشناء . يصعب مسّها ،
و يغلظ كلمها ، و يكثر فيها العثار ، و يقلّ منها الاعتذار . فمني الناس بمن عقدها له حتّى مضى لسبيله و في رواية " بينا هو يقتال منها في حياته إذ عقدها لآخر بعد مماته لشدّ ما تشطّر أضرعها في حوزة خشناء . فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحّم و في رواية فمنى الناس بخبط و شماس و تكوّر و اعتراض ، فصبرت حتّى إذا مضى لسبيله ، جعلها شورى بين ستّة زعم أنّي أحدهم ، فيا لله و للشورى ، فيم و ممّ و بم و لم يعرض عنّي ، و لكنّي أسففت معهم حين أسفّوا ، و طرت معهم حيث طاروا ، و صبرت لطول المحنة و أنقضاء المدّة إلى أن قام الثالث و في رواية " فيا لله و الشورى متى اعترض الريب فيّ حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، فصغا رجل منهم لضغنه ، و مال الآخر لصهره . مع هن و هن إلى أن قام الثالث نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه ، و بنو امية يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبت الربيع ، حتّى إذا أجهز عليه عمله ، و أسلمه إلى الهلاك أجله ، و كبت به مطيته فما راعني إلاّ و الناس أرسالا إليّ كعرف الفرس ، و يسألوني البيعة ، و انثالوا عليّ انثيالا ،
حتّى لقد و طئ الحسنان و هما عطفاي و في رواية " و شقّ عطفاي " و هم مجتمعون حولي كربيضة الغنم ، فلمّا نهضت بالأمر ، نكثت طائفة ، و فسقت شرذمة ، و مرقت اخرى ، و قسط قوم ، كأنّهم لم يسمعوا قول اللّه تعالى : تلك
[ 8 ]
الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين 1 بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها ، و لكن راقتهم دنياهم ، و أعجبهم رونقها ، أما و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو لا ما أخذ الله على الأولياء لألقيت حبلها على غاربها ، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها و أنشد :
شتان ما يومي على كورها
و يوم حيّان أخي جابر
و في رواية و الّذي فلق الحبة ، و برأ النسمة لو لا حضور الحاضر ،
و قيام الحجّة بوجود الناصر ، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ، و لا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها و في رواية و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز .
هذا الّذي وقفت عليه من أسانيد العنوان ، و أمّا ما عن رابع عشر ( البحار ) عن بعض مؤلّفات القدماء ، عن القاضي الطبري ، عن سعيد المقدسي ، عن المبارك ، عن خالص بن أبي سعيد ، عن وهب الجمّال ، عن عبد المنعم بن سلمة عن وهب الأسدي عن يونس بن ميسرة ، عن الشيخ المعتمر الرقي رفعه إلى ميثم قال : كنت بين يدي مولاى أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أن قال ركب السحابة ، و قال لعمّار اركب معي إلى أن قال في رجوعه بعد ساعة في مسجد الكوفة صعد المنبر ، و أخذ بالخطبة المعروفة بالشقشقية الخ 2 فهي رواية تخليطية من الغلاة و الحشوية ، و إن تبجّح بها الخوئي 3 و سرّ بها .
قول المصنّف : " و من خطبة له عليه السّلام " ظاهر خبر ( العلل ) و ( الإرشاد ) و ( الأمالي ) و ( الراوندي ) كونه كلاما في غير خطبة لتضمنها أنّه ذكر الخلافة
-----------
( 1 ) القصص : 83 .
-----------
( 2 ) رواه المجلسي في بحار الانوار 57 : 344 ح 36 .
-----------
( 3 ) شرح الخوئي 1 : 285 .
[ 9 ]
عنده عليه السّلام . فقال هذا الكلام ، لكن الصواب كونه خطبة كما صرّح به في ( المعاني ) و ( الجمل ) كالمصنّف و يشهد له رواية ابن الجوزي من كون ذكر الخلافة عنده عبارة عن أنّه قيل له عليه السّلام : ما الّذي أبطأ بك عن تصدّي الأمر ؟
و كان على المنبر فقال بديها ما قال .
" و هي " : هكذا في ( المصرية ) ، و الكلمة زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 1 .
" المعروفة بالشقشقية " : و في ابن أبي الحديد : " تعرف بالشقشقية " ،
و في ابن ميثم مثل المتن لكن زاد : " و تعرف بالمقمصة " 2 و نسخته بخطّ المصنّف فإن صحت النسبة فوجهه اشتمال الخطبة على قوله عليه السّلام : " لقد تقمّصها " و يأتي وجه معروفيتها بالشقشقية في آخر الخطبة .
و لبعض خطبه عليه السلام اسم غير هذا أيضا مثل الخطب المعروفة بالأشباح ،
و التوحيد ، و الهداية ، و الملاحم ، و اللؤلؤ ، و الغرّاء ، و القاصعة ، و الافتخار ،
و الدّرة اليتيمة ، و الزهراء ، و الأقاليم ، و الوسيلة ، و الطالوتية ، و القصبية ،
و النخيلة و السليمانية ، و الناطقة ، و الدامغة ، و الفاضحة ، و البالغة ، و المونقة ،
و هي الخالية عن الألف ، و بعضها مذكور في الكتاب و بعضها في غيره .
قوله عليه السّلام : " أما و الله لقد تقمّصها " قال ابن أبي الحديد : الضمير للخلافة ،
و لم يذكرها للعلم بها كقوله سبحانه حتى توارت بالحجاب 3 .
قلت : لم يراجع أسانيد الخطبة ، و إلاّ فقد عرفت أنّ كلّها اشتمل على أنّه ذكر عنده عليه السلام الخلافة ، و تقدّم من تقدّم عليه فيها . فقال ما قال .
ثم تشبيه الخلافة و السلطنة بقميص يلبس ، أمر معروف . خطب
-----------
( 1 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 50 ، و شرح ابن ميثم 1 : 249 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 50 ، و شرح ابن ميثم 1 : 249 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 50 .
[ 10 ]
المنصور بعد قتله لأبي مسلم ، فقال : من نازعنا هذا القميص أجززناه خبئ هذا الغمد و أشار إلى غمد سيفه .
و كما شبّهها عليه السّلام بقميص ، أثبت بعض الشعراء لها سربالا . فقال في المعتز أبن المتوكل :
خلافة كنت حقيقا بها
فضّلك الله بسربالها
" فلان " و بدّله ابن أبي الحديد : بقوله " إبن أبي قحافة " 1 و الصواب : كون النهج بلفظ " فلان " و إن كان أكثر أسانيد الخطبة بلفظ " ابن أبي قحافة " لتصديق ابن ميثم 2 الّذي نسخته بخطّ المصنّف ، و قد عرفت أنّ الصدوق بدّله في كتابيه بقوله " أخو تيم " 3 كما عرفت أنّ سبط ابن الجوزي قال في نقله :
" فلان أو ابن أبي قحافة أو أخوتيم " 4 .
و لنتكلّم على كلّ من الثلاثة : أمّا فلان . فقالوا : فلان و فلانة يكنّى بهما عن الآدمييّن قال تعالى : و يوم يعضّ الظالم على يديه إلى يا ويلتى ليتني لم أتّخذ فلانا خليلا 5 و الفلان و الفلانة يكنّى بهما عن غير الآدميّين . صرّح بذلك ابن السكّيت و غيره 6 .
و أمّا " إبن أبي قحافة " فكان أبو قحافة في قريش خاملا من حيث الشخص و من حيث العشيرة . ففي أنساب البلاذري لمّا غز النبي صلّى اللّه عليه و آله الطائف رأى قبر أبي أحية مشرفا . فقال أبو بكر : لعن اللّه صاحب هذا القبر ،
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 50 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 1 : 249 .
-----------
( 3 ) العلل 1 : 150 ، و المعاني : 361
-----------
( 4 ) التذكرة : 124 .
-----------
( 5 ) الفرقان : 27 .
-----------
( 6 ) نقله عنه و عن غيره ابن منظور في لسان العرب 13 : 324 ، مادة ( ظن ) .
[ 11 ]
فإنّه كان ممّن يحادّ اللّه و رسوله . فقال إبناه عمر و أبان ( و كانا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ) : لعن اللّه أبا قحافة . فإنّه لا يقري الضيف ، و لا يدفع الضيم 1 .
و في ( طرائف ابن طاووس ) عن ( مثالب ابن الكلبي ) : كان أبو قحافة ،
و سفيان بن عبد العزيز يناديان على طعام عبد اللّه بن جدعان . قال أمية بن أبي الصلت في رثاء ابن جدعان :
له داع بمكّة مشمعلّ
و آخر فوق دارته ينادي
قال : المراد بالمشمعلّ سفيان ذاك و بقوله " و آخر " أبو قحافة 2 .
و قال الإسكافي في ( نقض عثمانيته ) : كان أبو قحافة أجيرا لابن جدعان على مائدته يطرد عنها الذبان 3 .
و في ( معارف ابن قتيبة ) : أسلم أبو قحافة يوم فتح مكّة و أتى به إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و كأن رأسه ثغامة ( أي نبت جبلي يبيض إذا يبس يقال له بالفارسية درمنه اسبيد ) فأمرهم أن يغيّروه و بايعه 4 .
و رواه الإسكافي في نقض عثمانيته و زاد إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا رآه نفر منه و قال : غيّروا هذا فخضبوه ثم جاءوا به مرّة اخرى فأسلم 5 .
و من الغريب أنّ الجاحظ الصليب الوجه في ( الجعل ) قال : أقبل أبو بكر في الفتح بأبيه ، و هو يومئذ شيخ مكفوف له غديرتان حتّى هجم به على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال له : أتيتك بأبي . فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : " هلاّ تركت الشيخ في
-----------
( 1 ) أنساب الاشراف 1 : 142 .
-----------
( 2 ) الطرائف 2 : 406 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 278 ، شرح الخطبة 190 .
-----------
( 4 ) المعارف : 167 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 5 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 277 ، شرح الخطبة 190 .
[ 12 ]
رحله حتّى آتيه ، ثم مسح يده على صدره ، و دعاه إلى الإسلام . . . " 1 .
هب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان كالامراء الدنيوية ، هل كان أبو قحافة ذا شرف دنيوي حتىّ يأتيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .
و أما كونه أخاتيم . ففي ( المروج ) قال المدائنى : رئى بالبصرة رجل مصطلم الأذن فسئل عن قصّته . فذكر أنّه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى .
فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه و يرفعه و هو يقول :
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا
فلم ننصرف إلاّ و نحن رواء
أطعنا بني تيم لشقوة جدّنا
و ما تيم إلاّ أعبد و إماء
فقلت : سبحان اللّه أتقول هذا عند الموت . قل : لا إله إلاّ الله . فقال : يا ابن اللخناء إيّاى تأمر بالجزع عند الموت . فولّيت عنه متعجبّا . فصاح بي أدن منّي لقّنّى الشهادة . فصرت إليه . فلمّا قربت منه استدناني ثم التقم اذني فذهب بها ،
فجعلت ألعنه و أدعو عليه . فقال : إذا صرت إلى أمّك فقالت : من فعل بك هذا . فقل :
عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التّي أرادت أن تكون أمير المؤمنين 2 .
و في ( دلائل الإعجاز ) : و روى أنّ سودة أنشدت
" عدي و تيم تبتغي من
تحالف "
و جرى بينهنّ كلام في هذا المعنى . فأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فدخل عليهنّ ،
و قال : " يا ويلكنّ ليس في عديّكنّ ، و لا تيمكنّ قيل هذا ، و إنّما قيل هذا في عديّ تميم و تيم تميم 3 .
قلت : الظاهر أنّ سودة عرّضت بهما تمثّلا بالبيت ، و هما أيضا علمتا أنّها
-----------
( 1 ) أخرج الحديث أحمد في مسنده 3 : 160 ، و الحاكم في المستدرك 3 : 244 و 245 ، و ابن حبّان في صحيحه ، و عنه الاصابة 2 : 461 ، و ابن هشام في السيرة 4 : 35 ، و أبو عوانة في مسنده و ابن النجار في تاريخه و عبد الرزاق في جامعه ، و عنهم منتخب كنز العمال 5 : 239 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 2 : 370 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) دلائل الاعجاز : 17 .
[ 13 ]
تمثّلت به تعريضا ، و إنّما أراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قطع نزاعهن .
و في ( أمثال الكرماني ) : قال المفضل : أوّل من قال " البلاء موكّل بالمنطق " أبو بكر قال ابن عباس : قال عليّ عليه السّلام : لمّا أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج و أنا معه و أبو بكر ، فدفعنا إلى مجلس .
فتقدّم أبو بكر ، و كان نسّابة . فقال : ممّن القوم ؟ قالوا : من ربيعة . فقال : أمن هامتها أم لهازمها ؟ قالوا : من هامتها العظمى . قال : فأيها أنتم ؟ قالوا : ذهل الأكبر . قال : أفمنكم عوف الّذي يقال له " الاحرّ بوادي عوف " ؟ قالوا : لا . قال :
أفمنكم بسطام ذو اللواء و منتهى الأحياء ؟ قالوا : لا . قال : أفمنكم جسّاس بن مرّة حامي الذمار و مانع الجار ؟ قالوا : لا . قال : أفنكم الحوفزان قاتل الملوك ،
و سالبها أنفسها ؟ قالوا : لا . قال : أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟
قالوا : لا . قال : أ فأنتم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا : لا . قال : فلستم ذهل الأكبر أنتم ذهل الأصغر . فقام إليه غلام قد بقل وجهه يقال له دغفل فقال :
إنّ على سائلنا أن نسأله
و العبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا إنّك سألتنا فلم نكتمك شيئا . فمن الرجل ؟ قال : من قريش ، قال :
بخ بخ أهل الشرف و الرياسة . فمن أيّ قريش ؟ قال : من تيم بن مرّة ، قال :
أمكنت و الله الرامي من صفاء الثغرة . أفمنكم قصيّ الّذي جمع القبائل من فهر و كان يدعى مجمّعا ؟ قال : لا . قال : أفمنكم هاشم الّذي هشم الثريد لقومه ، و رجال مكّة مسنتون عجاف ؟ قال : لا . قال : أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء الّذي كان وجهه قمرا مضيئا يضيء ليل الظلام الداجي ؟
قال : لا . قال : أفمن المفيضين بالناس أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل الندوة أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل السقاية أنت ؟ قال : لا و اجتذب أبو بكر زمام ناقته ، و رجع . فقال : دغفل " صادف درء السيل درء يصدعه " أما و اللّه
[ 14 ]
لو ثبت لأخبرتك أنّك من زمعات قريش .
قلت : و ما قاله المفضل من أن أبا بكر أوّل من قال ذاك المثل ، ليس كذلك .
فروي أن الأصل فيه عبيد بن شربة الجرهمي في الجاهلية ، و انما تمثّل به أبو بكر لمّا أراد إظهار إطّلاعه بالأنساب عند دغفل فأخزاه .
و لم يكن في تيم شريف إلاّ ابن جدعان الّذي مرّ انّ أبا قحافة كان ينادي على طعامه ، و يطرد الذباب عن مائدته ، و مع ذلك كان كسب ابن جدعان من بعث جواريه للزنا ، و بيع أولادهن كما صرّح به ابن قتيبة في ( معارفه ) 1 .
و في ( أمثال الكرماني ) أيضا : ارتدّ الأشعث بن قيس الكندي في جملة أهل الردّة . فأتى به أبا بكر أسيرا . فأطلقه ، و زوّجه اخته فروة رغبة منه في شرفه فخرج من عند أبي بكر ، و دخل السوق ، فاخترط سيفه . ثم لم تلقه ذات أربع إلاّ عرقبها من بعير و فرس و بقر ، و مضى فدخل دارا من دور الأنصار .
فصار الناس حشد إلى أبي بكر . فقالوا : هذا الأشعث قد ارتدّ ثانية . فبعث أبو بكر إليه فأشرف إلى السطح ، و قال : يا أهل المدينة إنّي غريب في بلدكم . و قد أولمت بما عرقبت . فليأكل كلّ انسان ما وجد وليغد عليّ كلّ من كان له قبلي حقّ ، فلم يبق دار من دور المدينة إلاّ دخلها من ذلك اللحم ، و لا رئي أشبه بيوم الأضحى من ذاك اليوم ، فضرب أهل المدينة به المثل فقالوا : أو لم من الأشعث 2 . و قال الأصبغ بن حرملة الليثي متسخّطا لهذه المصاهرة مخاطبا أبا بكر :
أتيت بكندي قد ارتدّ و انتهى
إلى غاية من نكث ميثاقه كفرا
فكان ثواب النكث إحياء نفسه
و كان ثواب الكفر تزويجه البكرا
-----------
( 1 ) المعارف : 576 .
-----------
( 2 ) انظر ايضا : الاصابة لابن حجر 1 : 51 .
[ 15 ]
و لو أنّه يأبى عليك نكاحها
و تزويجها منه لأمهرته مهرا
و لو أنّه رام الزيادة مثلها
لأنكحته عشرا و أتبعته عشرا
فقل لأبي بكر لقد شنت بعدها
قريشا و أخملت النباهة و الذكرا
أما كان في تيم بن مرّة واحد
تزوّجه لو لا أردت به الفخرا
و لو كان لمّا أن أتاك قتلته
لأحرزتها ذكرا و قدّمتها ذخرا
فأضحى يرى ما قد فعلت فريضة
عليك فلا حمدا حويت و لا أجرا
و في ( موفقيات الزبير بن بكار ) و قد نقله ابن أبي الحديد في شرح قوله : " و اعتبروا بحال ولد إسماعيل " أنّ أبا بكر قال في الجاهلية لقيس بن عاصم المنقري : ما حملك على أن و أدت ؟ قال : مخافة أن يخلف عليهنّ مثلك 1 .
و في ( نقض عثمانية الاسكافي ) : روى الواقدي و غيره : أنّ عائشة رأت رجلا من العرب خفيف العارضين ، معروق الخدّين . غائر العينين . أجنى لا يمسك إزاره فقالت : ما رأيت أشبه بأبي بكر من هذا قال الاسكافي بعد نقل الرواية ردّا لقول الجاحظ : " كان لأبي بكر وجه عتيق " " فلا نراها دلّت على شيء من الجمال في صفته " 2 .
و حيث انّ البكر الفتيّ من الإبل و به كني أبو بكر قال أبو سفيان لمّا بويع أبو بكر : يا بني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل ابن الرذل ؟ 3 .
و كانت هوازن تسمّيه ذا الجلال . فلمّا أتاهم بيعته قالوا : لا نبايع ذا
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 243 ، شرح الخطبة 190 .
-----------
( 2 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 276 ، شرح الخطبة 190 .
-----------
( 3 ) روى هذا المعنى عن أبي سفيان ، الجوهري في السقيفة : 38 ، و الطبري في تاريخه 2 : 449 ، سنة 11 ، و غيرهما .
[ 16 ]
الجلال و إنّما سمّوه بذلك لأنّه كان له كساء فدكي يحله عنه إذا ركب و يلبسه إذا نزل .
و لكسائه ذاك سمّاه أهل نجد ذا العباءة . ففي ( سيرة ابن هشام ) : لمّا أتاهم بيعة أبي بكر قالوا : أ نحن نبايع ذا العباءة ؟ قال : كان أبو بكر في غزوة ذات السلاسل الّتي أمّر عليه و على صاحبه عمرو بن العاص عليه عباءة له فدكية يبسطها إذا نزل و يلبسها إذا ركب ، ثمّ يشكّها عليه بخلال له 1 . و في ( شعراء ابن قتيبة ) : قال الحطيئة :
أطعنا رسول الله إذا كان حاضرا
فيالهفتي ما بال دين أبي بكر
أ يورثها بكرا إذا مات بعده
و تلك و بيت الله قاصمة الظهر 2
و في ( ادباء الحموي ) قال الناشي : قال لي الراضي : أنشدني من شعرك في بني هاشم فأنشدته :
بني العباس إنّ لكم دماء
أراقتها اميّة بالذحول
فليس بها شمي من يوالي
اميّة و اللعين أبا زبيل
فقال : ما بينك و بين أبي زبيل ، فقلت : أمير المؤمنين أعلم . فابتسم 3 .
و في ( بلدانه ) في عنوان حضر موت قال حارثة بن سراقة :
أطعنا رسول اللّه ما دام بيننا
فيا قوم ما شأني و شأن أبي بكر
أ يورثها بكرا إذا مات بعده
فتلك لعمر اللّه قاصمة الظهر 4
و روى محمّد بن محمّد بن النعمان في ( أماليه ) أنّ أبا قحافة لما سمع أنّ ابنه ولي الأمر قال : أرضيت بذلك بنو المغيرة و بنو عبد شمس ؟ قالوا : نعم .
-----------
( 1 ) سيرة ابن هشام 4 : 200 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) الشعر و الشعراء : 110 .
-----------
( 3 ) معجم الادباء 13 : 284 .
-----------
( 4 ) معجم البلدان 2 : 271 .
[ 17 ]
قال : أ ينكرون النبوّة و يقرّون بالخلافة إن هذا لشيء يراد 1 ؟ و في خطبة أمير المؤمنين عليه السّلام الطالوتية المروية في روضة الكافي قال عليه السّلام : لو أنّ لي رجالا ينصحون لله و لرسوله ( و كان عليه السلام مرّ على ثلاثين شاة ) بعدد هذه الشياه لأزلت أبن آكلة الذّباب عن ملكه 2 .
و في كتاب سليم بن قيس قال أمير المؤمنين عليه السلام لعمر : يا ابن صهاك أليس لنا فيها حق ، و هي لك ، و لابن آكلة الذباب ؟ فقال عمر : إنّ العامّة رضوا بصاحبي و لم يرضوا بك فما ذنبي ؟ فقال عليه السّلام : و لكنّ الله و رسوله لم يرضيا إلاّ بي 3 .
قال ابن أبي الحديد : اسم أبي بكر القديم عبد الكعبة . فسمّاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عبد الله و اختلفوا في عتيق . فقيل : كان اسمه في الجاهلية ، و قيل : بل سمّاه به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله 4 .
قلت : أهل بيته أعرف به سئل عبد الرحمن بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر عن اسمه . فقال : إسمه عتيق . كان بنو أبي قحافة معتق و عتق و عتيق .
" و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها " أي : من الخلافة بعد مشاهدته مقاماته و سماعه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله استخلافه .
" محلّ القطب من الرحى " قال الجوهري : " يجوز في قطب الرحى ضمّ القاف و فتحها و كسرها " 5 ، و قال ابن دريد : " قطب الرحى : الحديدة
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 60 ح 7 ، المجلس 10 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) الكافي 8 : 33 ح 5 .
-----------
( 3 ) كتاب سليم : 91 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 52 .
-----------
( 5 ) صحاح اللغة 1 : 204 ، مادة ( قطب ) .
[ 18 ]
التي تدور فيها " 1 .
و روي عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر هكذا : " و إنّه و الله ليعلم أنّي أولى بها منّي بقميصي " 2 .
قال دعبل :
حللت محلاّ يقصر الطرف دونه
و يعجز عنه الطيف أن يتجشّما
و لقد أجاد الناشىء فقال فيه عليه السّلام :
و صارمه كبيعته بخم
مقاصدها من الخلق الرقاب
و لقد أجاد وفائي التستري فيه عليه السلام بالفارسية :
جز بتو آراستن سرير خلافت
نسبت افسر بمستحق فسار است
و روى الكنجي الشافعي في ( مناقبه ) عن سعيد بن المسيب قال : قلت لسعد أبن أبي وقاص : إنّي أريد أن أسألك عن شيء و إنّي أتّقيك . قال : سل عمّا بذالك . فإنّما أنا ابن عمّك . قلت : مقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيكم يوم الغدير . قال : نعم قام فينا بالظهيرة فأخذ بيد علي بن أبي طالب . فقال : " من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره " فقال أبو بكر و عمر : أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كلّ مؤمن و مؤمنة 3 .
و روى الجزري في ( اسده ) في وهب بن حمزة مسندا عنه قال : صحبت عليا عليه السّلام من المدينة إلى مكّة . فرأيت منه بعض ما أكره . فقلت : لئن رجعت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأشكونك إليه . فلمّا قدمت لقيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقلت : رأيت من عليّ
-----------
( 1 ) جمهرة اللغة 1 : 308 ، مادة ( بطق )
-----------
( 2 ) رواه المفيد في اماليه : 153 ح 5 ، المجلس 19 ، و لفظه : " قد علم و الله انى اولى الناس بهم مني بقميصي " و رواه غيره أيضا .
-----------
( 3 ) كفاية الطالب : 16 .
[ 19 ]
كذا و كذا . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لا تقل هذا فهو أولى الناس بعدي 1 .
و في ( مروج المسعودي ) : لمّا صرف عليّ عليه السّلام قيس بن سعد بن عبادة عن مصر وجّه مكانه محمّد بن أبي بكر . فلمّا وصل إليها كتب إلى معاوية " من محمّد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر إلى أن قال فكان أوّل من أجاب نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و أناب ، و آمن و صدّق ، و أسلم و سلّم أخوه و ابن عمّه عليّ بن أبي طالب صدّقه بالغيب المكتوم ، و آثره على كلّ حميم ، و وقاه بنفسه كلّ هول ، و حارب حربه و سالم سلمه ، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل و النهار ، و الخوف و الجزع حتّى برز سابقا لا نظير له في من اتّبعه ، و لا مقارب له في فعله ، و قد رأيتك تساميه ، و أنت أنت ، و هو هو أصدق الناس نيّة ، و أفضل الناس ذرّية ، و خير الناس زوجة ، و أفضل الناس ابن عم ، و أخوه الشاري بنفسه يوم موته ، و عمّه سيد الشهداء يوم احد ، و أبوه الذابّ عن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و عن حوزته ، و أنت اللعين أبن اللعين ، لم تزل أنت و أبوك تبغيان لرسول الله صلّى اللّه عليه و آله الغوائل ، و تجهدان في إطفاء نور الله . تجمعان على ذلك الجموع ، و تبذلان فيه المال ، و تؤلّبان عليه القبائل . على ذلك مات أبوك و عليه خلفته ، و الشهيد عليك من تدني ، و يلجأ إليك من بقيّة الأحزاب ، و رؤساء النفاق ،
و الشاهد لعلي مع فضله المبين القديم أنصاره الّذين معه الّذين ذكرهم الله و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار ، و هم كتائب ، و عصائب يرون الحق في اتباعه ، و الشقاء في خلافه . فكيف يا ويلك تعدل نفسك بعليّ عليه السّلام ، و هو وارث رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و وصيّه ، و أبو ولده أوّل الناس له اتّباعا ، و أقربهم به عهدا يخبره بسره ، و يطلعه على أمره ، و أنت عدّوه و ابن عدّوه . فتمتّع في دنياك بباطلك ، و ليمددك ابن العاص في غوايتك إلى أن قال
-----------
( 1 ) اسد الغابة 5 : 94 .
[ 20 ]
فكتب إليه معاوية : " من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمّد بن أبي بكر . أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته و قدرته . و ما اصطفى به رسوله ، مع كلام كثير لك فيه تضعيف ، و لأبيك فيه تعنيف ، ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب ، و قديم سوابقه ، و قرابته إلى الرسول ، و مواساته إيّاه في كلّ هول و خوف فكان احتجاجك عليّ و عيبك بفضل غيرك لا بفضلك .
فاحمد ربّا صرف هذا الفضل عنك ، و جعله لغيرك . فقد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب و حقّه ، لازما لنا مبروما علينا ، فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده ،
و أتمّ له ما وعده ، و أظهر دعوته و أفلج حجّته ، و قبضه إليه ، كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزه حقّه ، و خالفه على أمره . على ذلك اتفقا و اتّسقا . ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطا عنهما ، و تلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم ، و أرادا به العظيم ثمّ انّه بايع لهما ، و سلّم لهما ، و أقاما لا يشركانه في أمرهما ، و لا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضهما إليه . ثم قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما ، و سار بسيرهما . فعبته أنت ، و صاحبك . حتّى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ،
فطلبتما له الغوائل ، و أظهرتما عداوتكما حتى بلغتما فيه مناكما . فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، و قس شبرك بفترك . تقصر أن توازي أو تساوي من يزن الجبال بحلمه ، لايلين لمن قسر قناته ، و لا يدرك ذو مقال أناته ، مهّد أبوك مهاده و بنى ملكه و شاده ، فإن يك ما نحن فيه صوابا ، فأبوك أسسّه و نحن شركاؤه ،
و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، و لسلّمنا إليه ، و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا . فأخذنا بمثله . فعب أباك بما بدالك أو دع ذلك 1 .
و رواه نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) ، و فيه : " فإن يكن ما نحن فيه صوابا ، فأبوك أوّله ، و إن يك جورا ، فأبوك اسّسه ، و نحن شركاؤه ، و بهديه
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 11 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 21 ]
أخذنا ، و بفعله اقتدينا و لو لا ما سبقنا إليه أبوك ، ما خالفنا ابن أبي طالب و أسلمنا له ، و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك . فاحتذينا بمثاله ، و اقتدينا بفعاله . فعب أباك ما بدا لك أو دع " 1 .
و من العجب أن الطبري قال : لم أجز نقل هذا الكتاب لعدم احتمال العامّة له 2 . فيقال له : لا يحتمله إلاّ من انسلخ عن الإنسانية ، و جوّز التناقض و التضاد ،
و إنكار المتواترات ، و عدم بطلان الملزوم مع بطلان اللازم في دين الاسلام ،
و لازم صحّة خلافة أبي بكر و عمر و عثمان كون معاوية على الحق و هو هو و عليّ عليه السلام على الباطل و هو هو . أفّ لهم و لما يعبدون من دون اللّه .
و نقل ( طرائف ابن طاووس ) عن ( أنساب البلاذري ) : انّ الحسين عليه السلام لما قتل كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية : أما بعد فقد عظمت الرزيّة ،
و جلّت المصيبة ، و حدث في الإسلام حدث عظيم ، و لا يوم كيوم الحسين .
فكتب إليه يزيد : يا أحمق فانّا جئنا إلى بيوت متخذة ، و فرش ممهّدة ، و وسائد منضّدة . فقاتلنا عليها ، فان يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا ، و ان يكن الحق لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا و آثر و استأثر بالحق على أهله 3 .
و لازم صحّة خلافة أبي بكر كون قتل يزيد السكّير القمّير للحسين سيّد شباب أهل الجنّة بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه و آله و ابن الرسول صلى الله عليه و آله بقوله جلّ و علا و أبناءنا و أبناءكم 4 و من أهل بيت العصمة بنصّ القرآن انّما يريد
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 120 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 557 ، سنة 36 .
-----------
( 3 ) رواه ابن طاووس في الطرائف 1 : 248 ح 348 ، لكن لم يوجد في ترجمة الامام الحسين عليه السلام و لا يزيد بن معاوية من انساب الاشراف .
-----------
( 4 ) آل عمران : 61 .
[ 22 ]
اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 1 حقّا ، و كفاهم بذلك خزيا .
و في ( الطبري ) : لما كتب عبيد اللّه بن زياد مع مالك بن النسير البديّ الكندي إلى الحرّ " جعجع بالحسين حين يبلغك كتابي " نظر إليه أبو الشعثاء الكندي من أصحاب الحسين عليه السلام و قال له : ثكلتك أمّك ماذا جئت فيه ؟ قال :
أطعت إمامي و وفيت بيعتي . قال له أبو الشعثاء : كسبت العار و النار ، قال الله عزّ و جلّ : و جعلناهم أئمّة يدعون إلى النار و يوم القيامة لا ينصرون 2 .
و في ( الطبري ) : أن الشيعة الّذين كانوا أصحاب جعفر بن محمّد قالوا لزيد بن عليّ لمّا أراد الخروج : ما قولك في أبي بكر و عمر ؟ قال : إنّ أشدّ ما أقول إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول الله صلى الله عليه و آله من الناس أجمعين ، و إنّ القوم استأثروا علينا ، و دفعونا عنه ، و لم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قالوا : فلم يظلمك هؤلاء إذا كان اولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين ؟ 3 و قولهم عين الحق . فإنّ المؤسس لبني اميّة هم الثلاثة أليس الثاني أحدث شورى لاختيار الثالث ؟ أليست خلافة الثالث عين سلطنة بني اميّة ؟
ثم الظاهر انّ زيدا اتّقى باقي أصحابه ، فروى عنه أيضا انّه سأله رجل عن الرجلين ، فلم يجبه . فلمّا وقع السهم في جبينه دعا الرجل ، و قال : لم يرمني بهذا السهم إلاّ الرجلان 4 .
و روى محمّد بن الحسن الصفار في ( بصائره ) عن الباقر عليه السلام في قوله جلّ و علا : انّا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن
-----------
( 1 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 308 ، سنة 61 ، و النقل بتلخيص . و الآية 41 من سورة القصص .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 15 : 498 ، سنة 122 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 4 ) روى هذا المعنى الهمداني في الالفاظ الكتابية : 143 .
[ 23 ]
يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان انّه كان ظلوما جهولا 1 : الأمانة :
الولاية حملها أبو فلان ، و أبت السماوات و الأرض و الجبال حملها 2 .
و قال الزبير بن بكار : روى محمد بن اسحق انّ أبا بكر لمّا بويع افتخرت تيم بن مرّة ، و كان عامّة المهاجرين ، و جلّ الأنصار لا يشكّون أن عليّا عليه السّلام هو صاحب الأمر بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله . فقال الفضل بن العباس : يا معشر قريش ،
و خصوصا يا بنى تيم إنّكم إنّما أخذتم الخلافة بالنبوّة ، و نحن أهلها دونكم إلى أن قال و انّا لنعلم انّ عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه 3 .
و روى الواقدي في ( شوراه ) كما نقله ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام :
" و من كلام له عليه السّلام و قد وقع بينه و بين عثمان مشاجرة " عن ابن عباس قال :
شهدت عتاب عثمان لعليّ عليه السّلام إلى أن قال قال عثمان لعلي عليه السّلام : فإن كنت تزعم انّ هذا الأمر جعله رسول الله صلّى اللّه عليه و آله لك ، فقد رأيناك حين توفي نازعت ثم أقررت إلى أن قال فقال له عليّ عليه السّلام : و امّا عتيق و ابن الخطاب . فإن كانا أخذا ما جعله رسول الله صلّى اللّه عليه و آله لي . فأنت أعلم بذلك و المسلمون 4 .
و روى الزبير بن بكار في ( موفقياته ) و ( الطبري في تاريخه ) في سيرة عمر ، عن عبد الله بن عمر قال : كنت عند أبي يوما ، و عنده نفر من الناس . فجرى ذكر الشعر فقال : من أشعر العرب ؟ فقالوا : فلان و فلان . فطلع ابن عباس . فقال عمر : جاء الخبير . من أشعر الناس يا عبد الله ؟ قال : زهير ابن أبي سلمى . قال :
فأنشدني مما تستجيده له . فقال : انّه مدح قوما من غطفان يقال لهم بنوسنان .
فقال فيهم :
-----------
( 1 ) الاحزاب : 72 .
-----------
( 2 ) بصائر الدرجات : 96 ح 3 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 8 ، شرح الخطبة 65 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 377 ، شرح الخطبة 133 .
[ 24 ]
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
قوم سنان ابوهم حين تنسبهم
طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا
انس اذا آمنوا جنّ اذا فزعو
مرزؤن بها ليل إذا جهدوا
محسّدون على ما كان من نعم
لا ينزع اللّه عنهم ماله حسدوا
فقال عمر : قاتله اللّه لقد أحسن ، و لا أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول اللّه . فقال له ابن عباس : و فّقك اللّه . فلم تزل موفّقا .
قال : يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال : لا . قال : لكنّي أدري . قال :
ما هو ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتجحفوا الناس جحفا ، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت ، و وفّقت فأصابت . فقال ابن عباس :
أتميط عنيّ غضبك فأقول ؟ قال : قل ما تشاء . قال : أمّا قولك إن قريشا كرهت فإن الله تعالى قال لقوم ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم 1 ،
و اما قولك إنّا كنّا نجحف بالخلافة فلو جحفنا بالقرابة ، و لكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الّذي قال تعالى له : و انّك لعلى خلق عظيم 2 و قال تعالى له صلّى اللّه عليه و آله : و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين 3 و اما قولك : انّ قريشا اختارت فإن الله تعالى يقول : و ربّك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة 4 ، و قد علمت انّ اللّه تعالى اختار من خلقه لذلك من اختار . فلو نظرت قريش لنفسها من حيث نظر الله لها لوفّقت و أصابت . فقال عمر : " على رسلك يا ابن عباس . أبت قلوبكم يا بنى هاشم إلاّ غشّا في أمر قريش لا يزول و حقدا عليها لا يحول " .
-----------
( 1 ) محمد : 9 .
-----------
( 2 ) القلم : 4 .
-----------
( 3 ) الشعراء : 215 .
-----------
( 4 ) القصص : 68 .
[ 25 ]
فقال ابن عباس : " مهلا ، لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ . فإنّ قلوبهم من قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الّذي طهّره اللّه ، و زكّاه ، و هم أهل البيت الّذين قال تعالى فيهم إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 1 و أما قولك : حقدا ، فكيف لا يحقد من غصب شيئه ، و يراه في يد غيره . فقال عمر : " أما أنت يا ابن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي " قال : و ما هو ؟ اخبرني . فإن يك باطلا فمثلي يميط الباطل عن نفسه ، و إن يك حقّا فإنّ منزلتي عندك لا تزول به . قال عمر : بلغني أنّك لا تزال تقول اخذ هذا الأمر منّا حسدا و ظلما . قال : أمّا قولك حسدا فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة . فنحن بنو آدم المحسود ، و امّا قولك ظلما فأنت تعلم صاحب الحقّ من هو . ثم قال : ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول اللّه ، و احتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟ فنحن أحقّ برسول اللّه من سائر قريش . فقال عمر : قم الآن فارجع إلى منزلك . فقام ، فلمّا ولى هتف به عمر أيّها المنصرف إنّي على ما كان منك لراع حقّك . فالتفت ابن عباس فقال : انّ لي عليك ، و على كلّ المسلمين حقّا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ ، و من أضاعه فحقّ نفسه أضاع . ثم مضى . فقال عمر لجلسائه : و اها لابن عباس ما رأيته لاحى أحدا قط إلاّ خصمه 2 .
و أقول : لله در ابن عباس أدّى حقّ الكلام ، و هل ما قاله لعمر إلاّ عين ما تقوله الإمامية للسنّة من أنّ قريشا ، و في رأسهم صدّيقهم و فاروقهم ، كرهوا ما أنزل اللّه تعالى من استخلاف أمير المؤمنين عليه السّلام فأحبط اللّه أعمالهم ، و أنّهم
-----------
( 1 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 2 ) رواه الزبير بن بكار في الموفقيات ، و عنه شرح ابن أبي الحديد 3 : 106 ، شرح الخطبة 226 ، و الطبري في تاريخه 3 :
288 ، سنة 23 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 26 ]
علموا من اختاره اللّه تعالى فتركوه عمدا ، و أنه ما كان لهم اختيار الإمام بل لله تعالى كاختيار النبيّ ، و أن أمير المؤمنين ، و أهل بيته عليه السّلام هم الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس ، و طهّرهم تطهيرا ، و أن أخلاقهم كأخلاق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قلوبهم كقلبه و أنهم حسدوهم ، و ظلموهم .
و أقول لعمر ، زيادة على ما قال ابن عباس : لم لا تقول : " أصابت قريش و وفّقت في اختيارها " و لو لم يكن فعلها لما كنت أنت و صاحبك تؤمّران على العالم .
و يا للّه من عرّ عمر . تارة ينسب إلى بني هاشم و مغزى كلامه و مرماه أمير المؤمنين عليه السّلام الغشّ ، و قد أخذه عنه معاوية ، و اخرى العجب و الجحف ،
و قد أخذ ذلك عنه ابن الزبير ، فكان لا يصلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في صلاته و خطبته و يقول : لئلا يشمخ أهله بآنافهم . و ثالثة الحرص و أخذه عنه ابن عوف يوم الشورى ، و رابعة الدعابة أخذه ابن النابغة . فكان يزعم ذلك لأهل الشام .
و روى الجوهري في ( سقيفته ) عن ابن عباس قال : تفرّق الناس ليلة الجابية عن عمر . فسار كلّ واحد مع إلفه . ثم صادفت عمر تلك الليلة في مسيرنا فحادثته فشكا إليّ تخلّف عليّ عليه السلام عنه إلى أن قال قال عمر : يا ابن عباس أوّل من ريّثكم عن هذا الأمر أبو بكر أنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوّة ، قلت : لم ذاك ألم تنلهم خيرا ؟ قال : بلى ، و لكنّهم لو فعلوا لكنتم عليهم جحفا 1 .
قلت : سبحان اللّه إعتقد عمر أنّ خلافة الإسلام بيد جمع أنكروا نبوّة نبي الإسلام حتّى قهرهم بالسيف ، فأسرّوا كفرهم به و أظهروه بعد وفاته .
و روى الزبير بن بكار في ( موفقياته ) عن ابن عباس قال : إني لأماشي
-----------
( 1 ) السقيفة : 52 ، و النقل بتلخيص .
[ 27 ]
عمر بن الخطاب في سكّة من سكك المدينة إذ قال لي : يا ابن عباس ما أرى صاحبك إلاّ مظلوما . فقلت في نفسي : و اللّه لا يسبقني بها . فقلت : فاردد إليه ظلامته . فانتزع يده من يدي ، و مضى يهمهم ساعة . ثم وقف فلحقته . فقال : يا ابن عباس ما أظنّ منعهم عنه إلاّ انّه استصغره قومه . فقلت في نفسي : هذه شرّ من الاولى . فقلت : و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك . فأعرض عنّي و أسرع . فرجعت عنه 1 .
و في ( فهرست ابن النديم ) : قال هشام بن الحكم : ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاّه اللّه من سمائه فعزلوه ، و إلى من عزله من سمائه فولّوه 2 .
و روى الزبير بن بكار أيضا في ( الموفّقيات ) : عن ابن عباس قال : كنت عند عمر . فتنفّس نفسا ظننت أنّ أضلاعه قد انفرجت . فقلت له : ما أخرج هذا النفس منك إلاّ هم شديد . فقال أي : و الله يا ابن عباس إنّي افتكرت فلم أدر في من أجعل هذا الأمر من بعدي . ثم قال : لعلّك ترى صاحبك لها أهلا قلت : و ما يمنعه من ذلك مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه ، قال : صدقت و لكنّه امرؤ فيه دعابة إلى أن قال قال عمر : من ان وليها يحملهم على كتاب ربّهم و سنّة نبيّهم لصاحبك أما ان ولي أمرهم حملهم على المحجّة البيضاء و الصراط المستقيم 3 .
قلت : سبحان اللّه مع اعترافه بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام لو ولي الأمر يحملهم على كتاب ربّهم و سنّة نبيّهم ، و على المحجّة البيضاء و الصراط المستقيم كيف دبّر الأمر لعثمان الّذي كان يعرف أنّه لو ولي يردّهم إلى
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 105 ، شرح الخطبة 226 .
-----------
( 2 ) تكملة الفهرس : 224 .
-----------
( 3 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 106 ، شرح الخطبة 226 ، لكن لا عن الزبير بن بكار بل روى حديثا آخر قبل هذا عن موفقيات الزبير بن بكار و النقل بتصرف يسير .
[ 28 ]
الجاهلية الاولى ؟ و كيف لا و ساعة جلوسه في الخلافة جاهر أبو سفيان في محضره : يا بني اميّة تداولوها تداول الكرة فلا جنّة و لا نار .
و أمّا رميه له عليه السلام بالدعابة ، فإنّما كان لأنّه عليه السلام لم يكن مثله عبوسا بصفة الجبّارين ، بل كان بشره في وجهه الّذي هو صفة المؤمنين .
و روى ابو عمر في ( استيعابه ) عن ابن عمر . قال : قال عمر لأهل الشورى : لله درّهم إن ولّوها الأصيلع كيف يحملهم على الحقّ ، و لو كان السيف على عنقه . فقلت : أتعلم ذلك منه و لا تولّيه . قال : إن لم أستخلف فأتركهم ، فقد تركهم من هو خير منّي 1 .
قلت : يالله للجواب ، و لحمق أتباعه ، لكن لا غرو . قال تعالى في فرعون :
فاستخفّ قومه فأطاعوه 2 ، و لو كان الأمر كما ذكروا من عدم لزوم تعيين النبي لخليفته و تكون بيعة الناس تجعل انسانا إماما يكون من خالفه خارجيا مباح الدم يلزم أن يصير ولي اللّه عدّوا لله ، و بالعكس لو بايع الناس مخالف الأول مع كون عملهما مع اللّه تعالى بعد ذلك عملهما معه جلّ و علا قبل بلا تغيير و لا تبديل ، و لا زيادة و لا نقصان .
و لمّا حارب المهلب مع الخوارج بسولاف من قبل مصعب بن الزبير ثمانية أشهر ثم قتل مصعب بلغ ذلك الخوارج ، و لم يبلغ المهلّب و أصحابه فناداهم الخوارج ألا تخبروننا ما قولكم في مصعب ؟ قالوا : إمام هدى . قالوا :
فهو وليّكم في الدنيا و الآخرة . قالوا : نعم . قالوا : فما قولكم في عبد الملك بن مروان ؟ قالوا : ذلك اللعين ابن اللعين نحن إلى اللّه منه براء ، و هو عندنا أحلّ دما منكم . قالوا : فأنتم منه براء في الدنيا و الآخرة ، قالوا : نعم . كبراءتنا منكم . قالوا :
-----------
( 1 ) الاستيعاب 3 : 64 .
-----------
( 2 ) الزخرف : 54 .
[ 29 ]
و أنتم له أعداء أحياء و أمواتا . قالوا : نعم . نحن له أعداء كعداوتنا لكم . قالوا : فإنّ إمامكم مصعبا قد قتله عبد الملك ، و نراكم ستجعلون غدا عبد الملك إمامكم و أنتم لا تتبرّؤون منه و تلعنون أباه . قالوا : كذبتم يا أعداء اللّه . فلّما كان من الغد تبيّن لهم قتل مصعب . فبايع المهلّب الناس لعبد الملك . فأتتهم الخوارج فقالوا :
ما تقولون في مصعب ؟ قالوا : يا أعداء اللّه لا نخبركم ما قولنا فيه ، و كرهوا أن يكذّبوا أنفسهم عندهم قالوا : فقد أخبرتمونا أمس أنّه وليّكم في الدنيا و الآخرة ، و أنّكم أولياؤه أحياء و أمواتا ، فأخبرونا ما قولكم في عبد الملك ؟
قالوا : ذاك إمامنا و خليفتنا و لم يجدوا إذ بايعوه بدّا من أن يقولوا هذا القول .
فقالت لهم الأزارقة : يا أعداء اللّه أنتم أمس تتبرؤون منه في الدنيا و الآخرة ،
و تزعمون أنّكم له أعداء أحياء و أمواتا . و هو اليوم إمامكم و خليفتكم ، و قد قتل إمامكم الّذي كنتم تتولّونه ، فأيهما المحق و أيهما المبطل ؟ و أيّهما المهتدي ،
و أيّهما الضالّ ؟ قالوا لهم : يا أعداء اللّه رضينا بذلك إذ كان وليّ أمورنا ،
و نرضى بهذا كما رضينا بذالك . قالوا لهم : لا و الله ، و لكنّكم إخوان الشياطين ،
و أولياء الظالمين ، و عبيد الدنيا .
و أقول للخوارج : إنّ ذلك يلزم عليكم بعد إقراركم بإمامة صديقكم و فاروقكم ، و خروجكم عن الإلتزام بلازمه لكونه واضح البطلان التزام بالتضاد و التناقض ، و خلاف المعقول . فمن أقرّ بملزوم لابد أن يقرّ بلازمه .
و أقول لفاروقهم قولك : " إن لم أستخلفهم فأتركهم فقد تركهم من هو خير منّي " مضحك للثكى . فكيف تركهم فقد أراد كتابة وصيّة و تعيين وصيّه كتابة حتّى لا يمكنك إنكاره ، و كنت تعرف ذلك كما أقررت به في اعتذارك عن منعه . فقلت : ان الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله ، مع عدم معرفتك بشيء منه حتّى سخط و أخرجك من عنده .
[ 30 ]
ثم كيف تركتهم ، و قد استخلفت بني امية الشجرة الملعونة في القرآن 1 .
و في ( إيضاح الفضل بن شاذان ) : روى يزيد بن هارون ، عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال : قال ابن عباس : لقي رجل من أهل الشام أبي بالجابية فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال : لست للمؤمنين بأمير و هو ذاك و أشار إلى عمر و كان بالقرب و انا و اللّه أحقّ بها منه ، فسمعها عمر . فقال له : أحقّ بها منّي و منك رجل خلّفناه في المدينة يعني عليّا عليه السّلام 2 .
قلت : نقلنا قصصا عن عمر في قوله عليه السّلام : " و إنّه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحى " مع كون المراد به أبا بكر لأنّهما كانا كنفس واحدة ،
و لأنّه إنّما كان هو الناصب لأبي بكر كما اعترف به النظام ، نصبه ليردّ الأمر إليه كما صرّح به أمير المؤمنين عليه السلام مع انّه كان أيّام خلافة أبي بكر شريكه في الخلافة أيضا كما لا يخفى عند من كان له إلمام بالتاريخ .
ثم إنّه كما علم أبو بكر أوّل من تقمّص بها بكونه عليه السلام أولى بها من كلّ أحد كذلك كلّ من تصدّى لها إلى الآخر إلاّ أنّهم تبعوا الأول و تظاهروا به لكونه أسّس لهم رياسة و دنيا عظيمة . فخطب داود بن علي لمّا بويع السفّاح ، و قال :
" لم يصعد هذا المنبر بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حقّا إلاّ عليّ بن أبي طالب و السفّاح " .
و روى الطبري في أحوال المهدي : أنّ أبا عون عبد الملك بن يزيد مرض فعاده المهدي و سأله حاجته . فقال : حاجتي أن ترضى عن عبد الله بن أبي عون و تدعو به . فقد طالت موجدتك عليه . فقال : يا أبا عون إنّه على غير الطريق و على خلاف رأينا و رأيك ، إنّه يقع في الشيخين أبي بكر و عمر و يسيىء القول
-----------
( 1 ) بالنظر الى قوله تعالى في الاسراء : 60 .
-----------
( 2 ) الايضاح : 90 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 31 ]
فيهما . فقال أبو عون : هو و اللّه على الأمر الّذي خرجنا عليه ، و دعونا إليه . فإن كان قد بدا لكم فمروا بما أحببتم حتى نطيعكم 1 .
و في ( الأغاني ) عن أبي سليمان الناجي قال : جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات أمر لهم بها و هو ولي عهد . فبدا ببني هاشم ثم بسائر قريش .
فجاء السيّد الحميري ، و دفع إلى الربيع رقعة مختومة و إذا فيها :
قل لابن عباس سميّ محمّد
لا تعطينّ بني عديّ درهما
و احرم بني تيم بن مرّة إنّهم
شرّ البرية آخرا و مقدما
إن تعطهم لا يشكروا لك نعمة
و يكافئوك بأن تذمّ و تشتما
و لئن منعتهم لقد بدؤوكم
بالمنع إذ ملكوا فكانوا أظلما
منعوا تراث محمّد أعمامه
و بنيه و ابنيه عديلة مريما
و تأمّروا من غير أن يستخلفوا
و كفى بما فعلوا هنالك مأثما
لم يشكروا لمحمّد إنعامه
أفيشكرون لغيره ان أنعما
و اللّه منّ عليهم بمحمّد
و كسا الجنوب و أطعما
ثم انبروا لوصيّه و وليّه
بالمنكرات فجرّعوه العلقما
فرمى بها إلى عبيد اللّه الوزير ثم أمر بقطع العطاء فانصرف الناس و أدخل السيّد عليه . فلمّا رآه ضحك ، و قال : قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل . . .
و يأتي كلام الناصر العباسي 2 .
و أمّا قول أبي بكر في إظهاره الشكّ في احتضاره . فقد قال كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) : " ليتني سألته ( أي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ) لمن هذا الأمر من بعده فلا ينازعه فيه أحد " 3 فيقال له في قوله " ليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده " ليت
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 6 : 400 ، سنة 169 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الأغاني 7 : 243 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 : 19 ، و الطبري في تاريخه 2 : 620 ، سنة 13 ، و غيرهما .
[ 32 ]
صاحبك خلاّه يقول ذلك ، لكن الرزية كلّ الرزية كما قال ابن عباس و كان كلّما ذكر ذلك قال ذلك و يبكي بكاء الثكلى منع صاحبك له عن ذلك مع أنّه يكفي في خزي اتباعه شكّ متبوعهم في أمر نفسه .
و روى محمّد بن يعقوب الكليني عن الأصبغ قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، و عدلوا عن وصيّه لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب ؟ ثم تلا هذه الآية : ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة اللّه كفرا و أحلّوا قومهم دار البوار جهنّم 1 ثم قال : نحن النعمة الّتي أنعم اللّه بها على عباده ، و بنا يفوز من فاز يوم القيامة 2 .
هذا . و في ( روضة المناظر ) : اتّفق الملك العادل أبو بكر أخو السلطان صلاح الدين ، و الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين على أخذ دمشق من الملك الأفضل علي بن صلاح الدين ، و حاصراه . فدخل أبو بكر من باب توما ،
و عثمان من باب العرج ، فسار علي إلى صرخد ، و كتب إلى الخليفة الناصر العباسي يشكو من عمّه و أخيه :
مولاي إنّ أبا بكر و صاحبه
عثمان قد أخذا بالجور حقّ علي
فانظر إلى حظّ هذا الأسم كيف لقي
من الأواخر ما لقى من الاوّل
فأجابه الخليفة الناصر العباسي :
غصبوا عليّا حقّه إذ لم يكن
بعد النبّي له بيثرب ناصر
فاصبر فإنّ غدا عليه حسابهم
و ابشر فناصرك الإمام الناصر 3
" ينحدر " أي : ينهبط .
-----------
( 1 ) إبراهيم : 28 و 29 .
-----------
( 2 ) الكافي 1 : 217 ح 1 .
-----------
( 3 ) روضة المناظر 2 : 106 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 33 ]
" عنّي السيل " من سال الماء .
" و لا يرقى " أي : لا يصعد .
" إلى الطير " شبّه عليه السّلام علوه المعنوي بجبل عال لا يقدر الطير من كثرة علوه أن يصعد إليه ، و قال الشاعر
" عال يقصّر دونه اليعقوب "
و اليعقوب ذكر الحجل ، و قال الأعشى :
في مجدل شيّد بنيانه
يزلّ عنه ظفر الطائر
و قال امرؤ القيس :
نيافا تزلّ الطير عن قذفاته
هذا ، و قال كعب الأشقري في فتح يزيد بن المهلّب قلعة نيزك بباد غيس و كانت في غاية الإرتفاع ، و كان نيزك يعظّمها حتّى إذا رآها سجد لها :
نفى نيزكا عن باد غيس و نيزك
بمنزلة أعيى الملوك أغتصابها
محلّقة دون السماء كأنّها
غمامة صيف زلّ عنها سحابها
و لا يبلغ الأروى شماريخها العلى
و لا الطير إلاّ نسرها و عقابها
و ما خوّفت بالذئب ولدان أهلها
و لا نبحت إلاّ النجوم كلابها
نقل الصدوق في ( معاني أخباره ) عن أبي أحمد العسكري قال : معنى قوله عليه السّلام " ينحدر عنّي السيل و لا يرقى إليّ الطير " أنّ الخلافة ممتنعة على غيري ، و لا يتمكّن منها ، و لا تصلح له 1 .
قلت : ما قاله إنّما هو معنى قوله عليه السلام قبل ذلك : " انّ محلي منها محلّ القطب من الرحى " و امّا هذا الكلام فمعناه علوّ مقامه بحيث لا يمكن لأحد أن يناله .
و علو مقامه هو أحد أسباب إعراض الناس عنه عليه السّلام ، قال أبو زيد
-----------
( 1 ) معانى الاخبار : 362 ، و علل الشرائع 1 : 152 .
[ 34 ]
النحوي : قلت للخليل العروضي : لم هجر الناس عليّا عليه السّلام و قرباه ، من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قرباه ، و موضعه من الإسلام موضعه ؟ فقال : " و اللّه بهر نوره أنوارهم ، و غلبهم على صفو كلّ منهل ، و الناس إلى أشكالهم أميل . أما سمعت قول الأوّل :
و كلّ شكل لشكله ألف
أما ترى الفيل يألف الفيلا ؟ 1
و قال يونس النحوي أيضا قلت للخليل : ما بال أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كأنّهم بنو أمّ واحدة ، و علي كأنّه ابن علّة ؟ قال : تقدّمهم إسلاما ، و بذّهم شرفا و فاقهم علما ، و رجحهم حلما و كثرهم هدى فحسدوه ، و الناس إلى أمثالهم و أشكالهم أميل 2 .
و في ( عيون المفيد ) : اتفق الناس على النقل عن أمير المؤمنين عليه السّلام رجزه في صفّين :
أنا علي صاحب الصمصامة
و صاحب الحوض لدى القيامة
أخو نبي اللّه ذي العلامة
قد قال إذ عمّمني العمامة
أنت أخي و معدن الكرامة
و من له من بعدي الإمامة 3
و كيف لا يكون مقامه عليه السلام بذالك الشموخ ، و كتاب اللّه تعالى في تنزيله جعله نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و النبي صلّى اللّه عليه و آله جعل في المتواتر عنه يوم احد لمّا قال جبرئيل عليه السلام له صلّى اللّه عليه و آله تعجبا من حمايته عليه السّلام عنه صلّى اللّه عليه و آله نفسه منه عليه السّلام فقال صلّى اللّه عليه و آله لجبرئيل : " كيف لا يواسيني علي ، و هو منّي و أنا منه " كما جعل جبرئيل نفسه منه عليه السّلام كما جعلها منه صلّى اللّه عليه و آله فقال للنبي صلّى اللّه عليه و آله بعد
-----------
( 1 ) رواه الصدوق في علل الشرائع 1 : 145 ح 1 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه السروي في مناقبه 3 : 213 ، و السائل هنا ايضا ابو زيد .
-----------
( 3 ) رواه عنه الشريف المرتضى في الفصول المختاره 2 : 234 .
[ 35 ]
كلامه ذاك " و أنا منكما " 1 .
" فسدلت " أي : أرخيت .
" دونها " أي : دون الخلافة .
" ثوابا " و الكلام كناية عن إعراضه عنها ، كمن يضرب الحجاب بينه و بين من يعرض عنه .
و في ( إيضاح الفضل ) : قال المأمون لفقهاء العامة : قال عليّ عليه السّلام : قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و أنا أولى بمجلسه مني بقميصي ، و لكنّي أشفقت أن يرجع الناس كفّارا 2 .
" و طويت عنها كشحا " قال ابن أبي الحديد : أي : حرمتها قالوا : لأنّ من كان إلى جانبك الأيمن مثلا فطويت كشحك الأيسر فقد ملت عنه و الكشح ما بين الخاصرة و الجنب . و عندي انّهم أرادوا غير ذلك ، و هو أنّ من أجاع نفسه . فقد طوى كشحه كما أنّ من أكل و شبع فقد ملأ كشحه ، فكانّه أراد انّي اجعت نفسي عنها و لم ألتهمها 3 .
قلت : إنّما يجيء " طوى بطنه " بمعنى الجوع كما في الخبر " و اترك أهل الصفّة تطوى بطونهم " 4 و أما " طوى كشحه " فلا يجيء إلاّ بمعنى الإعراض إذا عدي بعن كما في كلامه عليه السّلام ، أو بتقديرها كما في قول الشاعر :
أخ قد طوى كشحا
و أبّ ليذهبا
و قال آخر :
و صاحب لي طوى كشحا فقلت له
إنّ انطواءك هذا عنك يطويني
-----------
( 1 ) رواه جمع كثير منهم ابن هشام في السيرة 3 : 43 ، و الكليني في الكافي 8 : 110 ح 90 ، غيرهما .
-----------
( 2 ) لم يوجد في الايضاح ، بل رواه الصدوق في عيون الاخبار 2 : 186 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 50 .
-----------
( 4 ) النهاية 3 : 146 ، مادة ( طوي ) .
[ 36 ]
و أمّا إذا عدّي بعلى فبمعنى الإخفاء كما قال زهير في حصين بن ضمضم في حرب داحس و الغبراء .
و كان طوى كشحا على مستكنّة
فلا هو أبداها و لم يتجمجم
و في ( اللسان ) : أراد " بالمستكنّة " عداوة أكنّها في ضميره 1 .
و بالجملة قوله عليه السّلام : " و طويت عنها كشحا " كقوله عليه السّلام : " و سدلت دونها ثوبا " ، كناية عن إعراضه عليه السلام عن الخلافة و تصدّي الأمر ، و ابن أبي الحديد خلط بين طيّ البطن و طيّ الكشح .
ثم طيّ الكشح لا يختصّ بمن كان على أيمنك فطويت أيسرك عنه كما قال ابن أبي الحديد بل يجيء للعكس أيضا بل قوله : فطويت أيسرك عنه غير صحيح . فمن كان على أيمنك تطوى أيمنك أولا عنه إذا أعرضت عنه ، و بطيّ الأيمن يحصل طي الأيسر .
ثم انّه عليه السّلام أعرض عن الخلافة ، و سدل دونها ثوبا ، و طوى عنها كشحا لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخبره بكيفيّة معاملة الناس معه عليه السّلام بعده فقال له " انّ الامّة ستغدر بك بعدي " 2 .
و روي انّ الأشعث بن قيس قاله له : ما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع أخو بني تيم ، و أخو بني عدي ، و أخو بني أميّة أن تقاتل و تضرب بسيفك ، و أنت لم تخطبنا خطبة مذ كنت قدمت العراق إلاّ قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر " و الله إنّي لأولى الناس ، و ما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله " فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك ؟
قال : يا ابن قيس إسمع الجواب . لم يمنعني من ذلك الجبن ، و لا كراهة
-----------
( 1 ) لسان العرب 15 : 19 ، مادة ( طوي )
-----------
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 140 و 142 ، و الثقفي ، و عنه تلخيص الشافي 3 : 50 51 ، و جمع آخر غيرهما .
[ 37 ]
للقاء ربيّ ، و لكن منعني من ذلك أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عهده إليّ . أخبرني بما الامّة صانعة بعده . فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم به ، و لا أشدّ استيقانا منّي به قبل ذلك . فقلت : يا رسول الله ، فما تعهد إليّ إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم و جاهدهم ، و إن لم تجد أعوانا . فكفّ يدك ، و احقن دمك حتى تجد على إقامة الدين و كتاب الله و سنّتي أعوانا ، و أخبرني أنّ الامة ستخذلني و تبايع غيري ، و أخبرني أنّي منه بمنزلة هارون من موسى ، و أنّ الامّة سيصيرون بعده بمنزلة هارون ، و من تبعه ، و العجل و من تبعه إذ قال له موسى : يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتّبعن أفعصيت أمري قال يا ابن ام لا تأخذ بلحيتي و لا برأسي إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي 1 الخبر 2 .
و لم يحضر عليه السّلام السقيفة كما حضروا لأمرين :
أحدهما : انّه كان مشتغلا بدفن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فكانوا يقولون له عليه السّلام بعد سماع احتجاجه عليهم : " لو سمعت الأنصار كلامك قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك " فكان عليه السّلام يقول : " أ فكنت أدع رسول الله صلّى اللّه عليه و آله في بيته لم أدفنه ،
و أخرج أنازع الناس بسلطانه " 3 .
و الثاني : أنّ الإمام بمنزلة الكعبة يجب على الناس أن يأتوها لا أن تأتيهم هي .
" و طفقت " طفق : من أفعال الشروع قال تعالى : و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة 4 .
-----------
( 1 ) طه : 92 .
-----------
( 2 ) رواه سليم بن قيس في كتابه : 126 و 127 .
-----------
( 3 ) رواه الجوهري في السقيفة : 1 ، و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1 : 12 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 4 ) الاعراف : 22 .
[ 38 ]
" ارتئي بين أن أصول " : من الصولة بمعنى الحملة .
" بيد جذاء " أي : مقطوعة قال تعالى : فجعلهم جذاذا إلاّ كبيرا لهم 1 .
و قال جل و علا : عطاء غير مجذوذ 2 .
و يحتمل أن يكون " بيد جدّاء " بالمهملة أيضا بذلك المعنى كقولهم :
" أرض جدّاء " أي : لا ماء بها " و شاة جداء " لا لبن لها ، و كقول الشاعر :
أبى حبّي سليمى أن يبيدا
و أمسى حبلها خلقا جديدا 3
و أمّا كونه : " بيد حذّاء " بالحاء كما احتمله ابن أبي الحديد 4 و جعله بذلك المعنى فلا وجه له . فإنّه بمعنى السريع الخفيف يقال : " سيف أحذّ " أي : سريع القطع " و ناقة حذّاء " : سريعة السير ، " و قطاة حذّاء " : سريعة الطيران ، " و حاجة حذّاء " : سريعة النفاذ و النجح ، " و عزيمة حذّاء " : ماضية لا يلوي صاحبها على شيء . قال الراعي :
و طوى الفؤاد على قضاء عزيمة
حذّاء و اتّخذ الزمان خليلا
و أمر أحذ ينفلت من كلّ أحد لا يقدر على تداركه . قال الطرمّاح :
يقري الامور الحذّ ذا أربة
في ليّها شزرا و أمرارها
و رجل أحذّ أي : خفيف اليد . قال الفرزدق :
بعثت على العراق و رافديه
فزاريا أحذّ يد القميص
و قلب أحذّ : سريع الإدراك . قال طرفة :
و أروع نبّاض أحذّ ململم
كمرداة صخر في صفيح منضّد 5
-----------
( 1 ) الانبياء : 58 .
-----------
( 2 ) هود : 108 .
-----------
( 3 ) أورده لسان العرب 3 : 111 ، مادة ( جديد ) .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 51 .
-----------
( 5 ) أورد الشواهد الأربعة في الأساس : 77 ، مادة ( حذّ ) .
[ 39 ]
و في كلامه عليه السّلام : " انّ الدنيا قد ولّت حذّاء " 1 أي : سريعة خفيفة ، و حينئذ فلو جعل هنا قوله عليه السّلام : " بيد حذّاء " بالحاء يصير المعنى عكس المراد كما لا يخفى .
قال ابن قتيبة في ( خلفائه ) : خرج عليّ كرّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة . فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به . فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، و لقد صنعوا ما الله حسيبهم و طالبهم 2 .
و في خطبته عليه السّلام الطالوتية : أما و الله لو كان لي عدّة أصحاب طالوت ، أو عدّة أهل بدر ، و هم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتّى تؤولوا إلى الحق ، و تنيبوا للصدق إلى أن قال و الله لو أنّ لي رجالا ينصحون لله و لرسوله بعدد هذه الشياه و أشار إلى ثلاثين شاة لأزلت ابن آكلة الذباب عن ملكه الخبر 3 .
" أو اصبر على طخية عمياء " قال أبو أحمد العسكري في تفسير الخطبة :
للطخية موضعان : أحدهما : الظلمة ، و الآخر : الغمّ و الحزن ، و هو هاهنا يجمع الظلمة و الغمّ و الحزن 4 .
قلت : الظاهر أنّه إنّما قال ههنا يجمعهما لوصفها بعمياء فكانّه قال طخية بجميع معانيها .
قال ابن أبي الحديد : انّ في الكلام تقديما و تأخيرا ، و تقديره : و لا يرقى إليّ الطير فطفقت ارتئي بين كذا و كذا فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فسدلت
-----------
( 1 ) نهج البلاغة 1 : 93 ، الخطبة 42 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 12 .
-----------
( 3 ) رواه الكليني في الكافي 8 : 32 و 33 .
-----------
( 4 ) العلل 1 : 152 ، و المعاني : 362 ، و النقل بتلخيص .
[ 40 ]
دونها ثوبا و طويت عنها كشحا ثم و صبرت و في العين قذى إلى آخر القصة لأنّه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا و يطوي عنها كشحا ثم يطفق يرتئي بين أن ينابذهم أو يصبر إلى أن قال و التقديم و التأخير طريق لاحب و سبيل مهيع في لغة العرب قال تعالى : الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا قيما أي أنزل على عبده الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا 1 .
قلت : بل لا تقديم و لا تأخير ، و انما الكلام من باب الاجمال و التفصيل فأجمل عليه السّلام أوّلا إعراضه بقوله : " فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا " و فصّل ثانيا بقوله : " و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء " .
فشرع عليه السّلام يفكّر فرأى أمره دائرا بين محذورين صولة غير منتجة ،
و غمضة مؤلمة ، و المحذور الثاني أقرب إلى العقل فاختاره .
و لو لاه لما كان لإعراضه وجه ، و لذا لم يعرض عليه السّلام بعد عثمان و قام و قاتل و قال في قتاله مخالفيه " لم يسعني إلاّ القتال أو الكفر بما نزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله " 2 .
و التقديم و التأخير في لغة العرب و إن كان كثيرا حتّى عقد له الثعالبي في ( سرّ عربيّته ) 3 بابين لكنّه طريق آخر ليس مثل ما قال في كلامه ، و لا اختصاص له بلغة العرب بل سائر في جميع اللغات ، و أمّا ما لفّقه في بيان ترتيب كلامه عليه السّلام فهو خارج عن طريق المحاورة عند الكلّ .
" يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها الصغير " قال ابن أبي الحديد : يمكن أن
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 51 .
-----------
( 2 ) رواه المفيد في اماليه : 154 ح 5 ، المجلس 19 ، و لفظ : " ثم لم اجد إلا قتالهم او الكفر بالله " رواه غيره ايضا .
-----------
( 3 ) انظر كتاب الثعالبي : " فقه اللغة و سر العربية " .
[ 41 ]
يكون من باب الحقائق يعني به طول ولاية المتقدّمين عليه ، و من باب المجازات يعني به صعوبة تلك الأيام حتّى أن الكبير يكاد يهرم و الصغير يشيب من أهوالها 1 .
قلت : قوله عليه السّلام " يهرم . . . " : صفة لقوله عليه السّلام " طخية عمياء " و حينئذ فالمراد شرح حاله عليه السلام في أوّل الأمر يوم تصدّى أبي بكر للأمر فيتعيّن أنّ كلامه عليه السلام من باب الاستعارة .
قال عليه السّلام ذلك لأن أبا بكر فعل أفعالا شنيعة حتى ان بعضها لم يرضها عمر منها قتل خالد بن الوليد و اليه لمالك بن نويرة بتهمة الإرتداد ، و زناه بامرأته ليلة قتله . فترك أبو بكر الحدّ و القود عليه . قال الجزري في ( كامله ) : لمّا قدم خالد البطاح بعث السرايا و أمرهم بداعية الإسلام ، و أن يأتوه بكلّ من لم يجب ، و إن امنتع ان يقتلوه إلى أن قال بعد ذكر قتله مالكا و وطيه امرأته ،
و بلوغ خبره إلى المدينة قال عمر لأبي بكر : إنّ سيف خالد فيه رهق ، و أكثر عليه في ذلك فقال : يا عمر تأوّل خالد فأخطأ . فارفع لسانك عنه . فإنّي لا أشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين ، و ودى مالكا ، و كتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل و دخل المسجد و عليه قباء ، و قد غرز في عمامته سهما . فقام إليه عمر . فنزعها و حطّمها و قال له : " قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته ، و الله لأرجمنّك بأحجارك " و خالد لا يكلّمه يظّن أنّ رأى أبي بكر مثله ، و دخل على أبي بكر .
فأخبره الخبر ، و اعتذر إليه فعذره و تجاوز عنه ، و عنّفه في التزويج الّذي كانت عليه العرب من كراهة أيام الحرب . فخرج خالد و عمر جالس . فقال له خالد :
" هلّم إليّ يا ابن أمّ شملة " فعرف عمر أنّ أبا بكر رضي عنه . فلم يكلّمه ، و قيل :
إن المسلمين لمّا غشوا مالكا و أصحابه ليلا أخذوا السلاح ، فقالوا : نحن
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 51 ، و النقل بتلخيص .
[ 42 ]
المسلمون . فقال أصحاب مالك : و نحن المسلمون . قالوا لهم : ضعوا السلاح .
فوضعوه ثم صلّوا . و كان خالد يعتذر في قتله لمالك أنّه قال : ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا و كذا فقال له : أو ما تعدّه لك صاحبا ثم ضرب عنقه ، و قدم أخوه متمم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه ، و يسأله أن يردّ عليه سبيهم ، فأمر أبو بكر بردّ السبي ، و ودى مالكا من بيت المال 1 .
و قال الجزري أيضا في ( كامله ) : كان أوّل كتاب كتبه عمر لمّا ولي بتولية أبي عبيدة جند خالد ، و بعزل خالد لأنّه كان ساخطا عليه في خلافة أبي بكر كلّها لوقعته بمالك بن نويرة ، و ما كان يعمل في حربه ، و أوّل ما تكلّم به عزل خالد ، و قال : لا يلي لي عملا أبدا . و كتب إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو الأمير على ما كان عليه ، و إن لم يكذب نفسه ، فأنت الأمير على ما هو عليه ،
إنزع عمامته عن رأسه ، و قاسمه ماله . فذكر أبو عبيدة ذلك لخالد ، فاستشار خالد اخته ، و كانت عند الحرث بن هشام . فقالت : و الله لا يحبّك عمر أبدا ، و ما يريد إلاّ أن تكذب نفسك ثم ينزعك . فقبل رأسها ، و قال : صدقت . فأبى أن يكذب نفسه . فأمر أبو عبيدة بنزع عمامة خالد الخ 2 .
و روى أنّ عمر قال يوما في خلافته لخالد : أنت الذي قتلت مالكا . فقال ان كنت قتلت خالدا لهنات كانت بيني و بينه ، فقد قتلت لكم سعد بن عبادة لهنات كانت بينكم و بينه 3 .
و في ( كامل المبرد ) : لمّا صلّى أبو بكر ، قام متمّم بن نويرة أخو مالك الّذي قتله خالد بحذاء أبي بكر ، و اتّكأ على سية قوسه ، و أومى إلى أبي بكر ، و قال :
-----------
( 1 ) رواه ابن الاثير في الكامل 2 : 358 ، سنة 11 ، و روى بعضه الطبري في تاريخه 2 : 502 سنة 11 .
-----------
( 2 ) رواه ابن الاثير في الكامل 2 : 427 ، سنة 11 ، و الطبري في تاريخه 2 : 624 ، سنه 11 .
-----------
( 3 ) رواه ابوالقاسم الكوفي في الاستغاثة : 10 ، و المجلسي في فتن البحار : 257 .
[ 43 ]
أدعوته بالله ثم غررته
لو هو دعاك بذمّة لم يغدر
فقال أبو بكر : و الله ما دعوته و لا غررته ( و أقول : لعمر الله صدق متمم ،
و كذب أبو بكر . فهل فعل عامله إلاّ فعله مع رضائه به و إمضائه له ، و لو كان صدق لتبرأ من فعل خالد و لأقاد متمّما من خالد . نعم هنا لم يكن عمر شريكه حيث أنكره غاية الإنكار الّذي سمعته ) إلى أن قال ثم بكى متممّ و انحطّ على سية قوسه ، و كان أعور . فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء . فقام إليه عمر . فقال : لوددت أنّي رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك مالكا 1 .
و أقول لأبي بكر في قوله لعمر : " لم أكن لأشيم سيفا سلّه الله على الكافرين " .
بل لم تكن لتشيم سيفا سللته على المسلمين لتتظاهر بذلك على أمير المؤمنين عليه السّلام .
و يالله لإخواننا في تبجّحهم بهذا الرجل بكونه صاحب الغار ، و يقتل عامله برضاه جمعا من المسلمين غدرا ، و يقطع هو و جنده رؤوسهم ،
و يجعلونها أثافيّ قدورهم .
قال الطبري : كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شَعرا ، و انّ أهل العسكر أثفوا برؤوسهم القدور . فما منهم رأس إلاّ وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكا . فإن القدر نضجت و ما نضج رأسه من كثرة شعره 2 .
فهل ينبغي أن يقال له في عمله ذاك إلاّ صاحب العار مع أنّ كونه صاحب الغار أيضا كان عارا حيث صار سببا لاضطراب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى أنزل الله سكينته على رسوله و أبقاه في عواره ، و سمّوه الصديق ، و هل ذاك
-----------
( 1 ) رواه المبرد في الكامل 8 : 231 و 232 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 503 ، سنة 11 .
[ 44 ]
العمل عمل صدّيق أم زنديق .
و من الغريب أنّ من مسلّماتهم كون خالد سيف الله ، و لعمر الله إن كان الاّ سيف أبي بكر . فإن كان أبو بكر إلههم فهو سيف إلههم لا سيف الله .
و من المضحك أنّهم وضعوا له أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وصفه بذلك إلاّ أنّ الله تعالى الذي يخزي الكاذب فضحهم بأن قالوا لقّبه النبي بذلك لمّا كان بمؤتة وجعلوا الراوي لذلك أبا قتادة . فقال الطبري : قال أبو قتادة : بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله جيش الامراء . فقال : عليكم زيد بن حارثة . فإن اصيب فجعفر ، فإن اصيب جعفر فعبد الله بن رواة . فوثب جعفر فقال : يا رسول الله ما كنت أذهب إن تستعمل زيدا عليّ ، قال : إمض فإنّك لا تدري أيّ ذلك خير . فانطلقوا إلى أن قال فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أخبركم عن جيشكم إلى أن قال بعد ذكر الأخبار عن شهادة عبد اللّه بن رواحة قال النبيّ : ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ، و لم يكن من الامراء هو أمر نفسه . ثم قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : " اللهمّ انّه سيف من سيوفك فأنت تنصره " فمنذ يومئذ سمّي خالد سيف الله 1 .
مع أنّ خالدا لما رجع من مؤتة مع الجيش جعل الناس يحثون التراب على خالد و جيشه ، و يقولون : " يا فرّار في سبيبل اللّه " فهل يقولون لسيف اللّه فرار في سبيل الله ؟
و ان أبا قتادة كان من منكري خالد ، و عاهد الله تعالى ان لا يشهد معه حربا فكيف يمكن أن يكون سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سمّاه سيف الله كما وضعوا على لسانه و يعاهد الله تعالى ألا يشهد مع خالد حربا .
اما انّ خالدا و جيشه لمّا رجعوا كان الناس يقولون لهم : يا فرّار . فقال الطبري قال عروة بن الزبير حين انصرف خالد بن الوليد بالناس قافلا : لمّا
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 322 ، سنة 8 .
[ 45 ]
دنوا من دخول المدينة تلّقاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و المسلمون ، و جعل الناس يحثون على الجيش التراب ، و يقولون : يا فرّار في سبيل الله و قالت ام سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة : ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قالت : و الله ما يستطيع أن يخرج ، كلّما خرج صاح الناس أفررتم في سبيل الله 1 .
و اما أنّ أبا قتادة عاهد الله تعالى ان لايشهد حربا مع خالد . ففي ( الطبري ) :
أنّ أبا قتادة ممّن شهد لمالك بن نويرة بالاسلام ، و خاصم خالدا و تركه ،
و جاء إلى المدينة ، و أخبر الناس بغدر خالد بمالك ، و عاهد الله تعالى أن لا يشهد مع خالد حربا " 2 .
لكن تلقيب صدّيقهم له بسيف الله محقّق . فقد عرفت انّه قال لعمر : " لم أكن لأشيم سيفا سلّه الله على الكافرين " إلاّ أنّ فاروقهم حكم بضدّه ، و قال له : انّ خالدا سيف فيه رهق ، و سيف الله لا يمكن أن يكون فيه رهق .
و من الغريب أنّهم تارة يقولون إن النبيّ جعل خالدا سيف الله ، و اخرى لما أرادوا أن يضعوا لعبد الرحمن بن عوف و أمثاله فضائل ، يروون ما يدلّ على انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يكن يحسب خالدا من المسلمين حيث لم يجعله من أصحابه ، و كلّ أصحابه مسلمون . فروى الطبري في قصّة غدر خالد في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ببني جذيمة الّذين قتلوا عمّه في الجاهلية كما قتلوا عوفا والد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي سلمة قال : كان بين خالد و عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك . فقال له ( عبد الرحمن ) : عملت بأمر الجاهلية في الإسلام . فقال : خالد إنّما ثأرت بأبيك . فقال عبد الرحمن :
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 323 ، سنة 8 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 502 ، سنة 11 ، و النقل بالمعنى .
[ 46 ]
كذبت قد قتلت قاتل أبي و لكنك إنّما ثأرت بعمّك الفاكه حتى كان بينهما شيء .
فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال : مهلا يا خالد دع عنك أصحابي . فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي و لا روحته 1 .
ثمّ من العجب أنّهم لم يعنونوا مالكا في كتبهم في الصحابة مع أنّهم يعنونون المنافقين فلم يذكره أبن مندة في كتابه ، و لا أبو نعيم في كتابه ،
و لا أبو عمر في استيعابه و لا غيرهم ممّن كتب في الصحابة .
و قد تعجّب ابن الأثير الذي جمع أقوال أولئك الثلاثة في كتابه ( اسد الغابة ) مع شدّة نصبه من ذلك . فعنونه من نفسه ، و نقل ترجمته من ( تاريخ الطبري ) ، و قال : " هذا يدلّ على انّ مالكا لم يرتدّ ، و قد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا فتركهم هذا عجب ، و عمر يقول لخالد : " قتلت امرأ مسلما " .
و أبو قتادة يشهد أنّهم أذنوا و صلّوا ، و أبو بكر يرد السبي و يعطي ديّة مالك من بيت المال . فهذا جميعه يدلّ على أنّه مسلم ، و وصف متمّم أخاه مالكا .
فقال " كان يركب الفرس الحرون ، و يقود الجمل الثقال و هو بين المزادتين النضوحتين في الليلة القرّة ، و عليه شملة فلوت معتقلا رمحا خطيّا . فيسري ليلته ثم يصبح وجهه ضاحكا كأنّه فلقة قمر " 2 .
و أقول للجزري : لاتلم أصحابك في ذلك . فإنّهم أرادوا إخفاء عار صاحب غارهم ، و هل كان جوابه لأخيه في قوله : " أ دعوته بالله ثم غررته " " و الله ما دعوته و لا غررته " جوابا ؟ هل قال له : أنت بشخصك فعلت كذا حتى يجيبه بما أجاب ؟ و هل جوابه إلاّ جواب مكابر ؟
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 342 ، سنة 8 .
-----------
( 2 ) اسد الغابة 4 : 296 .
[ 47 ]
كما أنّهم وضعوا له أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سمّاه صدّيقا لكونه صدّق خبر إسرائه إلى بيت المقدس . فإن كان كذلك . فالمسلمون كلّهم صدّقوا ذلك .
فيلزم أن يكونوا كلّهم صدّيقين .
ثم لازم ذلك عدم تصديق فاروقهم ، و ذي نوريهم لإسرائه إلى بيت المقدس و كان إسراؤه قبل هجرته بسنة ، و قد نطق بإسرائه القرآن 1 فيلزم ان يكونا كافرين .
مع ان في خبرهم : أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لجبرئيل عليه السّلام : إنّ قومي لا يصدّقوني فقال جبرئيل " يصدّقك أبو بكر و هو الصدّيق " 2 و لا ربط للجواب . فإنّ مراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقومه قريش الكفّار فأيّ فائدة لتصديق أبي بكر له ، و هو أحد أصحابه .
و الدليل على ان المراد بقومه قريش الكفّار قوله تعالى : و قال الرسول يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجورا 3 ، و قوله تعالى : و كذّب به قومك و هو الحق 4 ، و قوله تعالى : و لمّا ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدّون 5 .
فإن كانت الألقاب جزافا كألقاب العباسيّة المتوكل على الله ، و المعتصم بالله ، و غير ذلك فلا مشاحّة ، فكم اسم ليس تحته مسمّى ، بل كم اسم مسمّاه بالضّد كما قيل بالفارسية :
بر عكس نهند نام زنگى كافور
-----------
( 1 ) انظر الآية الاولى من الاسراء .
-----------
( 2 ) اخرجه ابن سعد في الطبقات 3 ق 1 : 120 .
-----------
( 3 ) الفرقان : 30 .
-----------
( 4 ) الانعام : 66 .
-----------
( 5 ) الزخرف : 57 .
[ 48 ]
و ان كانت عن حقيقة ، فلا بد ان يعاين في الملقّب علائم المعنى كما قال الذي نجا من صاحبي يوسف عليه السّلام له عليه السّلام لمّا كان شاهد في السجن صدقه في أعماله و أقواله يوسف ايّها الصدّيق أفتنا في سبع بقرات الآية 1 .
و الرجل لم يكن صادقا فضلا عن كونه صدّيقا . فللصادق أوصاف ذكرها الله تعالى في قوله و لكنّ البرّ من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبّه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس اولئك الذين صدقوا 2 .
أثبتوا وجود واحد من هذه الأوصاف فيه بالبرهان لا بما بذل معاوية الأموال في الوضع و الجعل له و لصاحبه ، تضعيفا لأمر حجّة الله .
و كيف و فقدانه لكثير منها بالعيان . فلم يصبر في البأساء و الضرّاء إذ كان في الغار حتى نهاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الجزع ، و بقي مضطربا لتخصيص الله تعالى إنزال السكينة بنبيّه صلّى اللّه عليه و آله .
و لم يصبر حين البأس . فأخذ هو كصاحبه الراية في خيبر و رجع منهزما يجبّن أصحابه و يجبّنه أصحابه حتىّ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : " لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ الله و رسوله و يحبّه الله و رسوله " فأعطاها أمير المؤمنين عليه السّلام 3 .
و في كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله هذا إشارة لمن ألقى السمع و هو شهيد انّ الرجل
-----------
( 1 ) يوسف : 46 .
-----------
( 2 ) البقرة : 177 .
-----------
( 3 ) حديث الراية أخرجه جمع كثير منهم مسلم في صحيحه 4 : 1871 ح 32 ، و الترمذي في سننه 5 : 638 ح 3724 ،
و ابن ماجه في سننه 1 : 45 ح 121 .
[ 49 ]
و صاحبه كانا لا يحبّان الله و رسوله ، و لا يحبّهما الله و رسوله .
و يوم حنين قال : " اليوم لن نغلب عن قلّة " ثم انهزم في من انهزم . فأنزل تعالى فيه : و يوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضافت عليكم الأرض بما رحبت ثم ولّيتم مدبرين . ثم أنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و أنزل جنودا لم تروها 1 .
و أخرجه تعالى هنا أيضا كآية الغار ممّن أنزل عليه السكينة حيث غيّر الخطاب ، و قال : على المؤمنين و لم يقل : " و عليكم " فيفهم اخراجه عن المؤمنين أيضا .
و من العجب انّهم لم يصفوا أمير المؤمنين عليه السّلام بالصدّيق مع كونه أوّل من صدّق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالعيان . قال الإسكافي في ( نقض سفيانية الجاحظ ) :
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لقد صلّت الملائكة علي و على علي سبع سنين ، و ذلك أنّه لم يصلّ معي رجل فيها غيره .
و قال عبّاد بن عبد الله الأسدي أيضا : سمعت عليا عليه السّلام يقول : أنا عبد اللّه و أخو رسوله ، و أنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها غيري إلا كذّاب . و لقد صلّيت قبل الناس سبع سنين 2 .
و في ( الطبري ) عن أمير المؤمنين قال : لمّا نزلت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و انذر عشيرتك الأقربين 3 دعاني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال : ان الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا و عرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتّ عليه حتى جاءني جبرئيل و قال : إن لا تفعل
-----------
( 1 ) رواه الواقدي في المغازي 2 : 890 ، و غيره . و الآيات 25 26 من سورة التوبة .
-----------
( 2 ) رواهما عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 261 262 ، شرح الخطبة 190 .
-----------
( 3 ) الشعراء : 214 .
[ 50 ]
ما تؤمر به يعذّبك ربّك فاصنع يا علي لنا صاعا من طعام ، و اجعل عليه رجل شاة ، و املأ لنا عسّا من لبن ، ثم أجمع لي بني عبد المطلب حتّى اكلّمهم و ابلّغهم ما امرت به . ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له ، و هم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب ، و حمزة و العباس و أبو لهب ، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم ، فجئت به . فلمّا وضعته تناول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حذية من اللحم فشقّها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال : خذوا بسم الله . فأكل القوم حتّى مالهم بشيء حاجة ،
و ما أرى إلاّ موضع أيديهم ، و أيم الله الّذي نفس عليّ بيده و إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم . ثم قال : إسق القوم . فجئتهم بذلك العسّ . فشربوا حتى رووا منه جميعا ، و أيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله . فلمّا أراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن يتكلّم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال :
" لقد سحركم صاحبكم " فتفرّق القوم . و لم يكلّمهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال في الغد :
يا علي انّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول . فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم . فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت . ثم اجمعهم إليّ . ففعلت ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام ، فقرّبته لهم . ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة . ثم قال : إسقهم . فجئتهم بذلك العسّ . فشربوا حتّى رووا جميعا . ثم تكلّم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . فقال : يا بني عبد المطلب إنّي و الله ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به . إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة ، و قد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه . فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم . فأحجم القوم عنها جميعا ، و قلت و أنا لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا ، و أعظمهم بطنا ، و أحمشهم ساقا : أنا يا نبيّ الله أكون و زيرك عليه . فأخذ برقبتي ثم قال : إنّ هذا أخي و وصيّي ، و خليفتي
[ 51 ]
فيكم . فاسمعوا له و أطيعوا . فقام القوم يضحكون ، و يقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع . و روي خبر آخر بمضمونه 1 .
و من العجب أنهم ينقلون استخلاف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له في أوّل أمره فضلا عن باقي أيّامه ثم ينكرونه . فهل كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مثل الامراء الدنيوية يعدون من يؤازرهم مقاما فاذا استقرّ أمرهم لم يفوالهم ؟
و لو لم يكن نصّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على أمير المؤمنين عليه السّلام إلاّ هذا لكفاه بعد صراحته . فقد عرفت أنّ القوم قاموا يستهزئون بأبي طالب بأنّ ابن أخيك أوجب عليك طاعة ابنك .
مع انّ النصوص عليه عليه السّلام لا تحصى . فان لم يثبت استخلافه بها كما زعمه إخواننا لم يثبت شيء في العالم .
كما أنّهم نقلوا أنّ بعض من قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : أؤازرك على أمرك على أن أكون خليفتك بعدك أنكر عليهم ذلك . و قال لهم : انّ هذا أمر بيد الله لا بيدي .
فكيف جعلوا استخلاف أبي بكر بيد الناس . ففي ( تفسير الثعلبي ) في قوله تعالى : له معقّبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر الله 2 انّ عامر بن الطفيل جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال : ما لي إن أسلمت ؟ قال : لك ما للمسلمين ،
و عليك ما عليهم . فقال : تجعل لي الأمر من بعدك . فقال : " ليس ذلك إليّ إنّما ذلك إلى الله عزّ و جلّ يجعله حيث يشاء " 3 .
و في ( الطبري ) : لمّا كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعرض نفسه على القبائل جاء إلى بني كلاب . فقالوا : نبايعك على أن يكون لنا الأمر بعدك . فقال : " الأمر للّه فإن شاء
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 62 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الرعد : 11
-----------
( 3 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 2 : 395 .
[ 52 ]
كان فيكم أو في غيركم " فمضوا ، و لم يبايعوه ، و قالوا : لا نضرب لحربك بأسيافنا ثم تحكّم علينا غيرنا 1 .
و في ( الطبري ) أيضا قال الزهري : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى اللّه و عرض عليهم نفسه . فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس : و الله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب .
ثم قال له : " أ رأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ " قال : " الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء " فقال له :
" أ فنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا ؟ " 2 .
و قد قال تعالى : و ربّك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة 3 و خليفة النبيّ لا بد أن يكون من سنخ النبيّ للفرق بين النبوّة و الملك : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته 4 .
" و يكدح " أي : يكدّ " فيها مؤمن " .
" حتى يلقى ربّه " : عرف عليه السّلام " الصغير " و " الكبير " و نكّر " مؤمن " إمّا لإرادة التكثير بالصغير و الكبير ، و التقليل بالمؤمن . فإنّ المؤمن إنّما كان هو عليه السلام و أصحابه ، و المستفاد من الأخبار أنّ أصحابه عليه السلام بعد النبيّ صلى الله عليه و آله انّما كانوا ثلاثة : سلمان و أبو ذر و المقداد . ثم صاروا إلى حين وفاة الصدّيقة سبعة ، و لم يبلغوا إلى يوم صفّين أربعين ، و إمّا لأنّ المراد بالصغير و الكبير الجنس ، و بمؤمن الشخص أي : نفسه عليه السّلام .
-----------
( 1 ) لم أجده كذلك في تاريخ الطبري ، نعم روى حديث دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله بني عامر بن صعصعة بهذا السياق الطبري في تاريخه 2 : 83 ، و ابن هشام في السيرة 2 : 51 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 84 ، و سيرة ابن هشام 2 : 51 .
-----------
( 3 ) القصص : 68 .
-----------
( 4 ) الانعام : 124 .
[ 53 ]
" فرأيت أنّ الصبر على هاتا " أي : هذه الأخيرة و هي الصبر على طخية عمياء يشيب فيها الصغير ، و يهرم فيها الكبير ، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه .
" أحجى " أي : أجدر و أخلق بالعقل و الشرع من الاولى ، و هي الصولة بيد جذّاء لأنّه القاء للنفس إلى التهلكة باليد ، و قد نهى الله تعالى عنه و لأنّه يؤدّي إلى رجوع الناس إلى الكفر . فروى الكلبي و قد نقله ابن أبي الحديد : انّه عليه السّلام لمّا أراد المسير إلى البصرة خطب فقال : انّ الله لما قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله استأثرت علينا قريش بالأمر ، و دفعتنا عن حق نحن أحقّ به من الناس كافّة ، فرأيت انّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين ، و سفك دمائهم ، و الناس حديثو عهد بالإسلام ، و الدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى و هن ، و يعكسه أقلّ خلق 1 .
" فصبرت و في العين قذى " و القذى : ما يقع في العين من الأذى .
روى ( سنن أبي داود ) عن حذيفة قال : قلت للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : هل بعد هذا الخير شرّ . قال : فتنة و شر . قلت : هل بعد هذا الشرّ خير . قال : " يا حذيفة تعلّم كتاب الله و اتّبع ما فيه " ثلاث مرار قلت : يا رسول اللّه هل بعد هذا الشرّ خير ؟
قال : هدنة على دخن ، و جماعة على أقذاء فيها أو فيهم . قلت : يا رسول اللّه الهدنة على الدخن ما هى ؟ قال : لا ترجع قلوب أقوام على الّذي كانت عليه الخبر 2 .
و بمضمون قوله " و في العين قذى " قول الشاعر :
يكلّفني إغضاء عيني على القذى
زمان غبيّ جائر الحكم جابره
و قال الهذلي في بنيه :
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 102 ، شرح الخطبة 22 .
-----------
( 2 ) أخرجه ابو داود في سننه 4 : 96 ح 4246 .
[ 54 ]
فالعين بعدهم كأن حداقها
كحلت بشوك فهي عورى تدمع
و قال أيضا :
كأنّ عيني فيها الصاب مدبوج
و الصاب : عصارة شجر مرّ .
و قال آخر :
و كان العين خالطها قذاها
بعوّار فلم تقض كراها
و قالت الأدباء المتأخّرون في الكناية عن الثقيل : " هو بين الجفن و العين قذاة ، و بين الأخمص و النعل حصاة " .
" و في الحلق شجا " الشجا : ما ينشب في الحلق من عظم و غيره قال :
و يراني كالشجا في حلقه
عسرا مخرجه ما ينتزع 1
صبر عليه السّلام أيّام أبي بكر صبر من في عينه قذى و في حلقه شجا لما يرى من أمر اختلاط امور الشريعة غير غصب خلافته . فكان من بدعه أخذه الناس بحمل زكواتهم إليه ، و ترك فقرائهم محتاجين ، و تسمية من خالفه في ذلك مرتدّا . مع انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمر بصرف زكاة كلّ موضع إلى محتاجيه .
و قد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز ، فقالوا في سيرته انّه كتب إلى عدي بن أرطاة : " إنّي كنت كتبت إلى عمرو بن عبد اللّه أن يقسّم ما وجد بعمّان من عشور التمر ، و الحبّ في فقراء أهلها ، و من سقط إليها من أهل البادية ،
و من اضافته إليها الحاجة و المسكنة ، و انقطاع السبيل . فكتب إليّ انّه سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام و التمر . فذكر انّه باعه ، و حمل إليك ثمنه .
فاردد إلى عمرو ما كان حمل إليك عاملك على عمّان من ثمن التمر و الحبّ
-----------
( 1 ) أورده لسان العرب 14 : 423 ، مادة ( شجا ) ، و أساس البلاغة : 230 مادة ( شجو ) .
[ 55 ]
ليضعه في المواضع التي أمرته بها " 1 .
و نقل ابن أبي الحديد في موضع آخر عن شيخه أبي جعفر النقيب أنّ أبا بكر كان يقضي بقضاء . فينقضه عليه أصاغر الصحابه كبلال و صهيب و نحوهما ، و قد روى في ذلك عدّة قضايا 2 .
و روى محمد بن يعقوب الكليني في ( كافيه ) عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لقد قضى أمير المؤمنين عليه السلام بقضية ما قضى بها أحد قبله ، و كان أوّل قضية قضى بها بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . فلمّا قضى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أفضى الأمر إلى أبي بكر أتى برجل قد شرب الخمر ، فقال له : أشربت الخمر ؟ قال : نعم . قال : و لم و هي محرّمة ؟ قال : إنّي أسلمت بين ظهراني قوم يستحلّون الخمر ، و لو علمت أنّها حرام لاجتنبتها . فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال له : ما تقول في أمره ؟ قال : عمر معضلة و أبو الحسن لها . فقال أبو بكر : يا غلام ادع لنا عليّا .
فقال عمر : يؤتى الحكم في منزله فأتوه و عنده سلمان الفارسي . فأخبروه بقصّة الرجل . فقال عليه السلام لأبي بكر : " ابعث معه من يدور به على مجالس المهاجرين و الأنصار . فمن كان تلا عليه آية التحريم . فليشهد عليه . فإن لم تكن تليت عليه فلا شيء عليه " ففعل أبو بكر بالرجل ما قال عليه السّلام . فلم يشهد عليه أحد فخلىّ سبيله . فقال سلمان له عليه السّلام : لقد أرشدتهم . فقال عليه السّلام : إنّما أردت أن اجدّد تأكيد هذه الآية فيّ و فيهم أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدي إلاّ أن يهدى فمالكم كيف تحكمون 3 .
و روى محمّد بن الحسن الطوسي في ( تهذيبه ) ، عن القاسم بن محمّد بن
-----------
( 1 ) رواه البلاذري في فتوح البلدان : 88 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 459 ، شرح الحكمة 405 ، بعد تمام كلام النقيب .
-----------
( 3 ) الكافي 7 : 249 ح 4 ، و الآية 35 من سورة يونس .
[ 56 ]
أبي بكر : أنّ رجلا توفّى على عهد أبي بكر ، و ترك جدّتين : أمّ امّه ، و امّ أبيه فورّث أبو بكر امّ امّه ، و ترك الاخرى ، فاعترض عليه أنصاري . فورثها .
و روى فيه عن قبيصة بن ذؤيب قال : جاءت الجدّة إلى أبي بكر . فقالت : انّ ابن ابني مات . فاعطني حقّي . فقال : ما أعلم لك في كتاب اللّه شيئا و سأسأل الناس . فشهد لها المغيرة بن شعبة ، فقال : انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أعطاها السدس .
فقال : من سمع معك . فقال : محمّد بن مسلمة . فأعطاها السدس . قال : فجاءت أمّ الامّ . فقالت : إنّ ابن ابنتي مات . فأعطني حقّي . فقال : ما أنت التي شهد لها أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أعطاها السدس . فان اقتسمتموه بينكما . فأنتم أعلم 1 .
و قال محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في ( ارشاده ) : رووا أنّ أبا بكر سئل عن قوله تعالى : و فاكهة و أبّا 2 فلم يعرف معنى الأبّ من القرآن . فقال : أيّ سماء تظلّني أم أيّ أرض تقلّني أم كيف أصنع إن قلت في كتاب اللّه بما لا أعلم ؟ أمّا الفاكهة فنعرفها ، و أمّا الأبّ فالله أعلم به ، فبلغ أمير المؤمنين عليه السّلام مقاله ذلك في ذلك فقال : يا سبحان الله أما علم أنّ الابّ هو الكلاء و المرعى 3 فقال تعالى بعده : متاعا لكم و لأنعامكم 4 .
و سئل أبو بكر عن الكلالة . فقال : أقول فيها برأيي . فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان . فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام . فقال : ما أغناه عن الرأي في هذا المكان أما علم أنّ الكلالة هم الاخوة و الأخوات من قبل الأب و الام ، و من قبل الأب على انفرداه ، و من قبل الام أيضا على حدتها قال الله تعالى : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد
-----------
( 1 ) رواهما الطوسي في التهذيب 9 : 314 ح 48 ، و في الاستبصار 4 : 163 ح 14 .
-----------
( 2 ) عبس : 31 .
-----------
( 3 ) الارشاد : 107 .
-----------
( 4 ) عبس : 32 .
[ 57 ]
و له اخت فلها نصف ما ترك 1 و قال تعالى و ان كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكلّ واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث 2 .
و قال : و جاءت الرواية انّ بعض أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر فقال :
أنت خليفة نبيّ هذه الأمّة ؟ قال : نعم . قال : فإنّا نجد في التوراة أنّ خلفاء الأنبياء أعلم اممهم . فاخبرني عن الله أين هو أفي السماء أم في الأرض .
فقال أبو بكر : هو في السماء على العرش . فقال اليهودي : فأرى الأرض خالية منه ، و أراه على هذا القول في مكان دون مكان . فقال له أبو بكر : هذا كلام الزنادقة أعزب عنّي و إلاّ قتلتك . فولّى الحبر متعجبا يستهزىء بالإسلام . فاستقبله أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : يا يهودي عرفت ما سألت عنه ،
و ما أجبت به . انّا نقول : إنّ الله عزّ و جلّ أيّن الأين . فلا أين له ، و جلّ عن أن يحويه مكان ، و هو في كلّ مكان بغير مماسّة و لا مجاورة ، يحيط علما بما فيها ، و لا يخلو شيء منها من تدبيره ، و انّي مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدّق ما ذكرته لك . فإن عرفته أتؤمن ؟ قال : نعم . قال عليه السّلام : ألستم تجدون في بعض كتبكم انّ موسى بن عمران عليه السلام كان ذات يوم جالسا إذا جاءه ملك من المشرق . فقال له موسى عليه السّلام : من أين أقبلت . قال : من عند الله عزّ و جلّ ، ثم جاءه ملك من المغرب . فقال له من أين جئت فقال : من عند الله عزّ و جلّ ، ثم جاءه ملك . فقال له : جئتك من السماء السابعة من عند اللّه عزّ و جلّ ، و جاءه ملك آخر . فقال له : قد جئتك من الأرض السفلى السابعة من عند اللّه عزّ و جلّ ، فقال موسى عليه السّلام : سبحان من لا يخلو منه مكان ،
-----------
( 1 ) النساء : 176 .
-----------
( 2 ) الإرشاد : 107 ، و الآية 12 من سورة النساء .
[ 58 ]
و لا يكون له إلى مكان أقرب من مكان .
فقال اليهودي : أشهد أنّ هذا هو الحقّ ، و أنّك أحقّ بمقام نبيّك ممّن استولى عليه 1 .
هذا ، و في ( ألفاظ كتابيّة الهمداني ) : " يقال في التصبّر و الاحتمال تجرع الغصّة و غصّ بالجرعة ، و شرق بالريق ، و أطرق على المضض ، و أغضى على القذى ، و أساغ الشجا 2 .
هذا و قالوا : يقال لحصين بن يزيد الحارثي الّذي رأس مئة سنة بني الحارث بن كعب : ذو الغصّة لأنّه كان في حلقه شبه الحوصلة . لا يبين بها الكلام و من قبله صارت الغصّة في ولد يحيى بن سعيد بن العاص .
" أرى تراثي " أي : ميراثي من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .
" نهبا " بين تيم و عدي و اميّة .
قال المغيرة بن شعبة لمّا مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأبي بكر و عمر : وسّعوها في قريش تتّسع . و في ( سنن أبي داود ) : عن جبير بن مطعم قال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يقسم لبنى عبد شمس ، و لا لبنى نوفل من الخمس شيئا كما قسم لبنى هاشم و بنى المطلب ، و كان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله غير أنّه لم يكن يعطي قربى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما كان يعطيهم رسول الله صلّى اللّه عليه و آله 3 .
و عن الزهري أنّ نجدة الحروري لمّا حجّ في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى ، و يقول : لمن تراه ؟ قال ابن عباس : لقربى
-----------
( 1 ) الارشاد : 108 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الالفاظ الكتابية : 272 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 3 ) سنن أبي داود 3 : 145 ح 2979 .
[ 59 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قسّمه لهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه و أبينا أن نقبله 1 .
و قال الكميت مشيرا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته كما في ( شعراء ابن قتيبة ) :
يقولون لم يورث و لو لا تراثه
لما شاركت فيه بكيل و ارحب
و لا انتشلت عضوين منها يحابر
و كان لعبد القيس عضو مؤرب 2
و من قول الحميري في قصيدته للمهدي :
منعوا تراث محمّد أعمامه
و بنيه و ابنته عديلة مريما
و في ( طبقات كاتب الواقدي ) : أنّ الحسين عليه السّلام جاء يوما إلى عمر و هو يخطب على منبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقال له : انزل عن منبر أبي . فأخذه فأقعده إلى جنبه ، و قال : و هل أنبت الشعر على رؤوسنا إلاّ أبوك 3 .
و رواه الخطيب هكذا قال له : انزل عن منبر أبي ، و اذهب إلى منبر أبيك . فقال :
لم يكن لأبي منبر ، و لمّا نزل قال له : من علّمك . قال : ما علّمني أحد 4 .
و في ( الطبقات ) أيضا : قال علي بن الحسين عليه السّلام : أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ان كانوا يذبّحون ابناءنا ، و يلعنون سيّدنا و شيخنا على المنابر و يمنعونا حقّنا 5 .
و قال الباقر عليه السّلام كما رواه ابن أبي الحديد في عنوان اختلاف الخبر : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قبض ، و قد أخبر أنّا أولى الناس بالناس . فما لات علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه ، و احتجّت على الأنصار بحقّنا و حجّتنا ثم
-----------
( 1 ) سنن أبي داود 3 : 146 ح 2982 .
-----------
( 2 ) الشعر و الشعراء : 227 .
-----------
( 3 ) رواه عن الطبقات السبط في تذكرة الخواص : 234 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد 1 : 141 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 5 ) طبقات ابن سعد 5 : 162 ، و النقل بتلخيص .
[ 60 ]
تداولتها قريش واحدا بعد واحد 1 .
و روى الطبري و غيره عن ربيعة بن ناجد أنّ رجلا قال لعليّ عليه السّلام : بم ورثت ابن عمك دون عمّك . فقال عليه السّلام هاؤم ثلاث مرّات حتّى اشرأبّ الناس ،
و نشروا آذانهم ثم قال عليه السّلام : دعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بني عبد المطلب منهم رهطه كلّهم يأكل الجذعة ، و يشرب الفرق . فصنع لهم مدّا من طعام . فأكلوا حتّى شبعوا و بقي الطعام كما هو كأنّه لم يمسّ . ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا ، و بقي الشراب كأنّه لم يمسّ و لم يشربوا . ثم قال : " يا بني عبد المطلب إنّي بعثت إليكم بخاصّة ، و إلى الناس بعامّة ، و قد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم . فأيكم يبايعني على أن يكون أخي و صاحبي و وارثي " فلم يقم إليه أحد . فقمت إليه و كنت أصغر القوم . فقال : إجلس . ثم قال ( ما قال أوّلا ) ثلاث مرّات كلّ ذلك أقوم إليه فيقول لي : إجلس حتّى كان في الثالثة .
فضرب بيده على يدي . فبذلك و رثت ابن عمّي دون عمّي 2 .
و سأل السلطان سنجر بن ملكشاه ، سنائي الشاعر عن مذهبه . فقال قصيدة بالفارسية في جوابه ، و من أبياتها :
از پى سلطان ملكشاه چون نميدارى روا
تاج و تخت پادشاهى جز كه سنجر داشتن
از پى سلطان دين چون هميدارى روا
جز على و عترتش محراب و منبر داشتن
هذا ، و في ( الاستيعاب لابن عبد البر ) : قدم الحتاب بن يزيد التميمي على
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 15 ، شرح الخطبة 208 .
-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 63 ، و النسائي في الخصائص : 86 ، و ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 1 : 97 ح 134 ،
و غيرهم .
[ 61 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في وفد بني تميم فأسلموا ، و آخى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بين حتات و معاوية ، و لمّا صار معاوية خليفة قدم عليه الحتات و جارية بن قدامة ،
و الأحنف بن قيس ، و هما أيضا من تميم ، و هما من أصحاب عليّ عليه السلام ، و كان حتات عثمانيا فأعطاهما معاوية أكثر ممّا أعطى الحتّات . فرجع إليه ، و قال :
فضّلتهما عليّ . قال : إشتريت منهما دينهما ، و وكلتك إلى هواك في عثمان . قال :
و أنا أيضا إشتر مني ديني . فأتمّها له ، و ألحقه بهما . فلم يأت عليه اسبوع حتّى مات عنده فورثه معاوية بتلك الاخوة ، فقال الفرزدق : قلت و كان أيضا من تميم :
أبوك و عمّي يا معاوي أورثا
تراثا فيختار التراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات أكلته
و ميراث صخر جامد لك دائبه 1
قلت : و كان المناسب أن يقول معاوية لحتات في قوله " و أنا أيضا اشتر مني ديني " بأن الشراء منك دينك إمّا تحصيل للحاصل ، و إما شراء معدوم ،
و كلاهما محال لكنّه سامحه لقلّة شعوره .
هذا ، و مما يناسب قوله عليه السّلام " أرى تراثي نهبا " قول نهيك بن اساف الأنصاري :
تقسّم جيراني حلوبي كأنّما
تقسّمها ذؤبان زور و منور
و " زور " و " منور " جبلان ذوا ذؤبان شديدة لا حيّان من أعداء نهيك كما توهّمه اللسان في " حلب " 2 .
" حتّى مضى الأوّل لسبيله " قال ابن قتيبة : اختلفوا في مرض أبي بكر الّذي مات فيه ، و في اليوم الّذي مات فيه . قال ابو اليقظان عن سلام بن أبي مطيع : إنّه
-----------
( 1 ) الاستيعاب 1 : 396 و 397 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) لسان العرب 1 : 328 ، مادة ( حلب ) .
[ 62 ]
سمّ فمات يوم الإثنين في آخره ، و قال غيره : إنّه كان سبب موته أنّه اعتلّ في يوم بارد فحمّ و مرض خمسة عشر يوما ، و قال ابن إسحاق : توفّي يوم الجمعة لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة . فكانت خلافته سنتين و ثلاثة أشهر و تسع ليال ، و أوصى ان تغسله أسماء بنت عميس امرأته 1 .
و في ( المسترشد ) : كان يقول في احتضاره : ليتني كنت لبنة أو تبنة 2 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : قال أبو بكر في مرض موته : ليتني تركت بيت عليّ و إن كان أعلن علي الحرب 3 .
" فأدلى بها " أي : دفع الخلافة ، و أرسلها من " أدلى دلوه " أرسلها .
" إلى فلان بعده " هكذا في ( المصرية ) ، و يصدّقها ابن ميثم الّذي نسخته كانت بخطّ المصنّف و نقله ابن أبي الحديد " إلى ابن الخطاب بعده " و رواية المعاني بدّلت الفقرة بقوله : " عقدها لأخي عدي بعده " 4 .
أما " فلان " كما في ( ابن ميثم ) ففي تفاسير الإمامية في قوله تعالى :
و يوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتى ليتني لم اتّخذ فلانا خليلا . لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني و كان الشيطان للإنسان خذولا 5 . ما كنّى اللّه في كتابه إلاّ في قوله فلانا و الظالم الاوّل و فلانا الثانى 6 .
و عن ( الاستدراك ) للمتوكل : أنّ أبا الحسن يعني الهادي عليه السلام يفسّر
-----------
( 1 ) قاله ابن قتيبة في المعارف : 170 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) جاء في المسترشد : 77 ، بلفظ " ليتني تبنة في لبنة " .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة 1 : 18 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 54 ، و شرح ابن ميثم 1 : 257 ، و معاني الاخبار : 361 .
-----------
( 5 ) الفرقان : 27 29 .
-----------
( 6 ) رواه القمي في تفسيره 2 : 113 .
[ 63 ]
قوله تعالى يوم يعضّ الظالم 1 إلى آخر الآية في الأوّل و الثاني . قال : فكيف الوجه في أمره ؟ قالوا : تجمع له الناس و تسأله بحضرتهم . فإن فسّرها بهذا كفاك الحاضرون أمره ، و ان فسّرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه . فوجّه إلى القضاة و بني هاشم و الأولياء ، و سئل عليه السلام فقال : هذان رجلان كنّى اللّه عنهما ، و منّ بالستر عليهما أفيحبّ الخليفة كشف ما ستره اللّه ؟ فقال : لا أحب 2 .
و في ( الأغاني ) : قال إبراهيم بن المهدي : رأيت عليّا في النوم . فقلت له : انّ الناس قد أكثروا فيك ، و في أبي بكر و عمر . فما عندك في ذلك . فقال لي : إخسأ و لم يزدني على ذلك 3 .
و في ( المروج ) أن إبراهيم بن المهدي كان قال :
فصّل على النبيّ و صاحبيه
و زيريه و جاريه برسمه
في قبال قول المأمون :
فجدّد عنده ذكرى علي
و صلّ على النبيّ و آل بيته 4
و روى ابن المغازلي في قوله تعالى : و اتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة 5 أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي ، فكأنّما جحد نبوّتي و نبوّة الأنبياء قبلي 6 .
-----------
( 1 ) الفرقان : 27 .
-----------
( 2 ) رواه عنه المجلسي في فتن البحار : 214 .
-----------
( 3 ) الاغاني 10 : 126
-----------
( 4 ) مروج الذهب 3 : 417 .
-----------
( 5 ) الانفال : 25 .
-----------
( 6 ) أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل 1 : 206 ح 269 ، و لم يروه ابن المغازلي في مناقبه و الخلط حصل للشارح من كيفية رواية ابن طاووس عن الحسكاني في الطرائف 1 : 35 .
[ 64 ]
و روى أبو الفرج في ( أغانيه ) عن محمّد بن سهل صاحب الكميت قال :
دخلت مع الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السّلام . فقال له : جعلت فداك أ لا أنشدك ؟ قال : إنّها أيّام عظام . قال : إنّها فيكم . قال : هات ، و بعث إلى بعض أهله فقرب فأنشده فكثر البكاء بهذا البيت :
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم
فيا آخرا أسدى له الغيّ أوّل
فرفع يديه ، و قال : اللهمّ اغفر للكميت ما قدّم و ما أخّر ، و ما أعلن و ما أسرّ 1 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) في عنوان " كيفية بيعة عليّ " : تفقد أبو بكر قوما تخلّفوا عن بيعته عند علي ، فبعث إليهم عمر . فجاء فناداهم ، و هم في دار علي .
فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب ، و قال : و الّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها . فقيل له : انّ فيها فاطمة . قال : و إن . فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّا فإنّه زعم أنّه قال : " حلفت أن لا أخرج ، و لا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن " . فوقفت فاطمة على بابها . فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جنازة بين أيدينا ، و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ، و لم تردّوا لنا حقّا . فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة . فقال أبو بكر لقنفذ مولى له : أدع لي عليّا ، فذهب إليه ،
و قال : يدعوك خليفة رسول الله . فقال : لسريع ما كذبتم على رسول الله . فرجع .
فأبلغ الرسالة . فبكى أبو بكر طويلا فقال عمر الثانية : لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة . فقال أبو بكر لقنفذ : عد إليه فقل له : أمير المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ . فأدّى ما أمر به . فرفع على صوته . فقال : سبحان اللّه لقد ادّعى ما ليس له . فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلا . ثم قام عمر . فمشى
-----------
( 1 ) الأغاني 17 : 24 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 65 ]
معه جماعة حتّى أتوا بيت فاطمة . فدقوا الباب . فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها يا أبه يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من أبن الخطاب ، و ابن أبي قحافة ، فلمّا سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين ، و كادت قلوبهم تتصدّع ، و أكبادهم تتفطّر ، و بقي عمر و معه قوم . فأخرجوا عليّا . فمضوا به إلى أبي بكر . فقالوا له : بايع فقال : إن أنا لم أفعل فمه ، قالوا : إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك ، قال : إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسوله . قال عمر : أمّا عبد اللّه فنعم ، و أمّا أخو رسول اللّه فلا . و أبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ، فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه . فلحق علي بقبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصيح و ينادي : " يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلوني " .
فقال عمر لأبي بكر : إنطلق بنا إلى فاطمة ، فإنّا قد أغضبناها . فانطلقا جميعا . فاستأذنا على فاطمة . فلم تأذن لهما . فأتيا عليّا . فكلّماه . فأدخلهما . فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط . فسلما عليها . فلم تردّ عليهما السلام فتكلّم أبو بكر . فقال : يا حبيبة رسول الله و اللّه إنّ قرابة رسول اللّه أحبّ إليّ من قرابتي أفتراني أعرفك . و أعرف فضلك و أمنعك حقّك و ميراثك من رسول الله إلاّ أنّي سمعت أباك يقول : لا نورّث ما تركنا فهو صدقة . فقالت : أرأيتكما ان حدّثتكما حديثا عن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله تعرفانه تقولان به ؟ قالا : نعم . فقالت :
نشدّتكما باللّه ألم تسمعا رسول اللّه يقول : " رضى فاطمة من رضاي ، و سخط فاطمة من سخطي فمن أرضى فاطمة ابنتي فقد أرضاني ، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني " ؟ فقالا : نعم . سمعناه من رسول اللّه . فقالت : " فإنّي اشهد الله و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأشكونّكما إليه " فقال أبو بكر : " أنا عائذ باللّه تعالى من سخطه ، و سخطك يا
[ 66 ]
فاطمة " ثم انتحب يبكي حتّى كادت نفسه أن تزهق ، و هي تقول : " و اللّه لأدعونّ اللّه عليك في كلّ صلاة اصلّيها " 1 .
و قال النظام كما في ( ملل الشهرستاني ) و هو أحد شيوخ المعتزلة ،
و استاذ الجاحظ إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نصّ على عليّ كرّم اللّه وجهه في مواضع ،
و أظهره إظهارا لم يشتبه على الجماعة إلاّ أنّ عمر كتم ذلك ، و هو الّذي تولّى بيعة أبي بكر يوم السقيفة ، و هو الّذي ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها ، و كان يصيح " أحرقوها بمن كان فيها " و ما كان في الدار غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين 2 .
و قال ابن أبي الحديد : و عمر هو الّذي شيّد بيعة أبي بكر ، و وقم المخالفين فيها ، فكسر سيف الزبير لمّا جرّده ، و دفع في صدر المقداد ، و وطأ في السقيفة سعد بن عبادة ، و قال : اقتلوا سعدا قتل الله سعدا ، و حطّم أنف الحبّاب بن المنذر الّذي قال يوم السقيفة : أنا جذيلها المحك و عذيقها المرجّب ،
و توعّد من لبجأ إلى دار فاطمة عليها السلام من الهاشميين ، و أخرجهم منها ، و لولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ، و لا قامت له قائمة 3 .
و قال : و روى أبو مخنف عن الكلبي و أبي صالح ، و عن رجاله عن زائدة بن قدامة ، قال : كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليمتاروا منها . فشغل الناس عنهم بموت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فشهدوا البيعة و حضروا الأمر . فانفذ إليهم عمر و استدعاهم ، و قال لهم : خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول اللّه ، و اخرجوا إلى الناس ، و احشروهم ليبايعوا . فمن امتنع فاضربوا رأسه
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 12 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الملل و النحل 1 : 59 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 58 ، شرح الخطبة 3 .
[ 67 ]
و جنبيه . و اللّه لقد رأيت الأعراب قد تحزّموا و اتشحوا بالازر الصنعانية ،
و أخذوا بأيديهم الخشب ، و خرجوا حتّى خبطوا الناس خبطا ، و جاءوا بهم مكرهين إلى البيعة 1 .
و قال البراء بن عازب ، و رواه ابن أبي الحديد في موضع آخر : لم أزل لبني هاشم محبّا ، فلمّا قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فكنت أتردّد إلى بني هاشم و هم عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الحجرة ، وافقد وجوه قريش . فانّي كذلك إذ فقدت أبا بكر و عمر و إذا قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة ، و إذا قائل آخر يقول : قد بويع أبو بكر فلم ألبث ، و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمر و أبو عبيدة ، و جماعة من أصحاب السقيفة ، و هم محتجزون بالازر الصنعانية ، لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه و قدّموه ، و مدّوا يده . فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى .
فأنكرت عقلي و خرجت اشتدّ حتى انتهيت إلى بني هاشم ، و الباب مغلق ،
فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، و قلت : قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة .
فقال العباس : تربت أيديهم إلى آخر الدهر فمكثت اكابد ما في نفسي و رأيت في الليل المقداد و سلمان و أباذر ، و عبادة بن الصامت ، و أبا الهيثم بن التيهان و حذيفة و عمارا ، و هم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين ، و بلغ ذلك إلى أبي بكر و عمر ، فأرسلا إلى أبي عبيدة ، و المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأي . فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العباس ، فتجعلوا له و لولده في هذا الأمر نصيبا لتقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب . فانطلقوا
-----------
( 1 ) رواه عن أبي مخنف المفيد في الجمل : 59 ، و لم أجده في شرح ابن أبي الحديد .
[ 68 ]
حتّى دخلوا على العباس و ذلك في الليلة الثانية من وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى أن قال فقال أبو بكر للعباس : قد خلّى النبيّ على الناس امورهم ليختاروا لأنفسهم متّفقين غير مختلفين . فاختاروني عليهم واليا إلى أن قال قال أبو بكر : و ما انفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامّة المسلمين يتّخذكم لجأ فتكونوا حصنه المنيع ، فإمّا دخلتم في ما دخل فيه الناس أو صرفتموهم عمّا مالوا إليه . فقد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، و لمن بعدك من عقبك إذ كنت عمّ النبيّ ، و ان كان المسلمون قد رأوا مكانك منه ، و مكان أهلك ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم ، و على رسلكم بني هاشم . فإن النبي منّا و منكم ، فاعترض كلامه عمر و قال أي : و الله ، و اخرى أنّا لم نأتكم حاجة إليكم ، و لكن كرهنا أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم و بهم ، فانظروا لأنفسكم و لعامّتهم إلى أن قال فقال العباس لأبي بكر : فإن كنت برسول الله صلّى اللّه عليه و آله طلبت ، فحقّنا أخذت ،
و ان كنت أخذت بالمؤمنين فنحن منهم ما تقدّمنا في أمركم فرطا ، و لا حللنا وسطا ، و لا نزحنا شحطا . فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين ، و ما أبعد قولك إنّهم طعنوا عليك من قولك إنّهم مالوا إليك ، و أمّا ما بذلت لنا ، فإن يكن حقّك أعطيتناه فأمسكه عليك ، و إن يكن حقّ المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، و إن يكن حقّنا لم نرض منك ببعض دون بعض ، و ما أقول هذا أروم صرفك عمّا دخلت فيه ، و لكن للحجّة نصيبها من البيان ، و أما قولك يا عمر : إنّك تخاف الناس علينا ، فهذا الّذي قدّمتموه أوّل ذلك 1 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 73 ، شرح الخطبة 5 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 69 ]
و قلنا : إن أبي الحديد نقل كلامه عليه السّلام " فأدلى بها إلى ابن الخطاب " و في السير : إنّ عمر لمّا بعث محمّد بن مسلمة إلى عمرو بن العاص بمصر لتشطير ماله لمّا كان و اليه عليها قال عمرو بن العاص : لعن اللّه زمانا صرت فيه عاملا لعمر . و اللّه لقد رأيته و أباه على كلّ واحد منهما عباءة قطوانية لا يجاوز مأبض ركبيته ، و على عنقه حزمة حطب ، و العاص بن وائل في مزرّرات الديباج 1 .
و قال ابن أبي الحديد : قدم عمرو بن العاص على عمر من مصر . فقال له :
في كم سرت قال : في عشرين . قال عمر : لقد سرت سير عاشق . فقال عمرو :
إنّي و الله ما تأبّطتني الإماء ، و لا حملتني النساء في غبرات المآلي أراد خرق الحيض قال ابن أبي الحديد : و سألت النقيب عن الخبر فقال : فخر عمرو على عمر لأنّ أم الخطاب كانت زنجيّة تعرف بباطحلى تسمىّ بصهاك 2 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب حديثه أنّ رجلا أتى عمر يسأله إلى أن قال ثم أنشأ عمر يحدّث عن نفسه .
فقال : لقد رأيتني واختا لي نرعى على أبوينا ناضحا لنا . قد ألبستنا أمّنا نقبتها و زودتنا يمنيتها هبيدا ، فنخرج بناضحنا فإذا طلعت الشمس ألقيت النقبة إلى اختي ، و خرجت أسعى عريانا فنرجع إلى امّنا و قد جعلت لنا لفتية من ذلك فأحصيناه 3 . الهبيد و " الهبيد " : حبّ الحنظل ، و " اللفتية " ضرب من البطيخ كالحساء 4 .
قال : حجّ عمر . فلمّا كان بضجنان قال : أذكر و أنا أرعى إبل الخطاب بهذا
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 58 ، شرح الخطبة 3 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 102 ، شرح الخطبة 226 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 97 ، شرح الخطبة 226 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 110 ، شرح الخطبة 226 ، و النقل بتلخيص .
[ 70 ]
الوادي في مدرعة صوف ، و كان فظّا يتعبني إذا عملت ، و يضربني إذا قصّرت 1 .
و في ( الطرائف ) : قال مؤلّف كتاب ( نهاية الطلب ) : الحنبلي كان عمر قبل الإسلام نخّاس الحمير ، و قال هشام الكلبي في ( مثالبه ) : كانت صهاك أمّة حبشية لهاشم بن عبد مناف . فوقع نضلة بن هاشم عليها . ثم وقع عليها عبد العزّى بن رباح فجاءت بنفيل جدّ عمر .
و كان أبو سفيان يكنّى عمرا أبا حجر لبخله كما كان يكنّى أبا بكر أبا فصيل . فقال لعثمان لمّا ولي : " بأبي أنت ، أنفق و لا تكن كأبي حجر " 2 .
و روى القمي في تفسير قوله تعالى : لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم 3 أنّ صفيّة بنت عبد المطلّب مات ابن لها فأقبلت . فقال لها عمر :
غطّي قرطك . فإنّ قرابتك من النبيّ لا تنفعك شيئا . فقالت : و هل رأيت لي قرطا يا ابن اللخناء . ثم دخلت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخبرته بذلك ، و بكت فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و نادى : الصلاة جامعة . فاجتمع الناس فقال : لا يسألني اليوم أحد من أبوه إلاّ أخبرته . فقام رجل فقال من أبي ؟ فقال : غير الّذي تدعى إليه ، أبوك فلان بن فلان ، فقام آخر فقال . من أبي ؟ قال : الّذي تدعى إليه . ثم قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . ما بال الّذي يزعم أنّ قرابتي لا تنفع لا يسألني عن أبيه . فقام إليه عمر و قال : أعوذ باللّه من غضب رسوله . أعف عنّي . الخبر 4 .
و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر : ان هذا الخبر ( أي خبر قول عمر على المنبر إيّاكم و ذكر العيوب و البحث عن الاصول ، فلو قلت لا يخرج اليوم
-----------
( 1 ) الطرائف 2 : 468 و 469 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) المائدة : 101 .
-----------
( 3 ) تفسير القمي 1 : 188 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 24 ، شرح الخطبة 212 .
[ 71 ]
من هذه الأبواب إلاّ من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد ) رواه المدائني في كتاب ( امّهات الخلفاء ) و قال : إنّ ذاك الخبر روي عند جعفر بن محمد عليه السّلام بالمدينة فقال : لا تلمه يا ابن أخي إنّه أشفق أن يخدج بقصّة نفيل بن عبد العزى ، و صهاك أمّة الزبير بن عبد المطلب 1 .
قلت : و الأصل في قول المدائني مارواه الكليني في ( روضته ) : أنّ رجلا من ولد عمر تعرّض لجارية رجل من ولد عقيل . فقالت الجارية لمولاها : إنّ هذا العمري قد آذاني . فقال لها : عديه و أدخليه الدهليز . فأدخلته . فشدّ مولاها عليه فقتله و ألقاه في الطريق . فاجتمع البكريون و العمريون و العثمانيون و قالوا : ما لصاحبنا كفو يقتل به إلاّ جعفر بن محمّد ، و ما قتل صاحبنا غيره ، و كان عليه السّلام قد مضى نحو قبا . فلقيه سماعة بما اجتمعوا عليه . فقال : دعهم فلمّا جاءوا وثبوا عليه ، و قالوا : ما قتل صاحبنا أحد غيرك ، و ما نقتل به غيرك . فقال :
ليكلّمني منكم جماعة ، فاعتزل قوم منهم . فأخذ بأيديهم ، و أدخلهم المسجد .
فخرجوا و هم يقولون : شيخنا أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا أو يأمر به . فانصرفوا .
فقال له سماعة : جعلت فداك ، ما أقرب رضاهم من سخطهم . قال : قلت لهم : أمسكوا و إلاّ أخرجت الصحيفة . إنّ امّ الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب ، فشطر بها نفيل فأحبلها . فطلبه الزبير . فخرج هاربا إلى الطائف . فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف . فقالوا : ما تفعل هاهنا . قال : جاريتي شطر بها نفيلكم . فهرب منها إلى الشام ، و خرج الزبير في تجارة إلى الشام . فدخل على ملك الدومة فقال له : الملك لي إليك حاجة . قال و ما هي ؟ قال : رجل من أهلك أخذت ولده ، فأحبّ أن تردّه عليه . قال : ليظهر لي لأعرفه . فلما كان الغد دخل
-----------
( 1 ) الكافي 8 : 258 ح 372 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 72 ]
على الملك . فلمّا رآه الملك ضحك ، و قال له : ما أظنّ هذا الرجل و لدته عربية .
فلمّا رآك قد دخلت لم يملك استه . فقال للملك : إذا دخلت مكّة قضيت حاجتك .
فلمّا قدم تحمّل عليه نفيل ببطون قريش كلّها أن يدفع إليه ابنه فأبى إلى أن قال .
فقال لهم الزبير : إنّ الشيطان له دولة ، و إن ابن هذا ابن الشيطان ، و لست آمن من أن يترأس علينا ، و لكن أدخلوه من باب المسجد على أن أحمي له حديدة و أخطّ في وجهه خطوطا ، و أكتب عليه و على ابنه ألاّ يتصدّر في مجلس ، و لا يتأمّر في أولادنا ، و لا يضرب هنا بسهم . ففعلوا و خطّ وجهه بالحديدة ، و كتب عليه الكتاب ، و ذلك الكتاب عندنا ، فقلت لهم إن امسكتم ، و إلاّ أخرجت الكتاب و فيه فضيحتكم الخبر 1 .
هذا و ذكر ( أنساب قريش مصعب الزبيري ) ، و ( العقد الفريد ) ،
و ( استيعاب ) أبي عمر نسب الخطاب " ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي " و ذكره ابن قتيبة و المسعودي " ابن عبد العزى بن قرط بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عدي " 2 .
و ام عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم ،
و قال المسعودي و ابن قتيبة : بنت هشام بن المغيرة ، و هو خطأ فقالوا امّه كانت بنت عمّ أبي جهل بن هشام و على قولهما تصير اخته 3 .
و لعلهما رأيا أنّهم قالوا : إنّ عمر قتل ببدر خاله العاص بن هشام أخا أبي جهل الّذي عدوّه في الحمقى ، و كان أبو لهب اتّخذه عبدا . ففي ( عيون ابن قتيبة ) :
-----------
( 1 ) ذكره مصعب الزبيري في نسب قريش : 346 347 ، ابن عبد ربه في العقد الفريد 5 : 20 ، و ابن عبد البر في الاستيعاب 2 : 458 ، و الثاني ذكره ابن قتيبة في المعارف : 179 ، و المسعودي في مروج الذهب 2 : 305 .
-----------
( 2 ) ذكره المؤلفون في المصادر المذكورة .
-----------
( 3 ) عيون الاخبار 2 : 41 .
[ 73 ]
" من حمقى قريش ، العاص بن هاشم أخو أبي جهل ، و كان أبو لهب قامره فقمره ماله ثم داره ثم قليله ثم كثيره ، و أهله و نفسه . فاتّخذه عبدا و أسلمه قينا .
فلمّا كان يوم بدر بعث به عن نفسه ، فقتل ببدر كافرا ، قتله عمر و كان خاله " 1 .
إلاّ أن التعبير بكونه خاله على قاعدة العرب من التعبير عن رجل كان من قبيلة أنّه أخوهم ، و عن مرأة كانت من قبيلة أنّها اختهم ، و لذا قالوا : ان بني زهرة أخوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لكون امّه منهم ، و سمّى شمر بني أمير المؤمنين عليه السّلام من ام البنين بني اخته ، و انّما كانت من قبيلته لا اخته .
هذا و قال ابن عبد البر : هاشم أبو حنتمة هو ذو الرمحين و تبعه ( القاموس ) 2 ، و هو أيضا و هم ، فصرّح الزبيري في ( أنسابه ) : أنّ ذا الرمحين هو أبو ربيعة جدّ عمر بن أبي ربيعة ، و هو عمر بن بحير بن أبي ربيعة أشتهر بالنسبة إلى جدّه ، و قال : مدح ابن الزبعري أباه بحيرا . فقال :
بحير بن ذي الرمحين قرّب مجلسي
يروح علينا فضله غير عاتم
و قال : قاتل ذو الرمحين يوم شرب برمحين فسمّى ذا الرمحين و اسمه عمرو 3 .
مع انّ القاموس ناقض . فقال في " حنتم " ذو الرمحين أبو ام عمر بن الخطاب 4 ، و قال في " رمح " : " ذو الرمحين عمر بن المغيرة سمّي لطول رجليه " 5 و قد عرفت أنّ وجه تسمية عمر والد عمر بن أبي ربيعة به هو قتاله برمحين .
-----------
( 1 ) الاستيعاب 2 : 459 ، و القاموس 4 : 102 ، ماده حنتم .
-----------
( 2 ) جاء ذكره في نسب قريش : 300 و 317 ، بفرق .
-----------
( 3 ) القاموس المحيط 4 : 102 ، مادة ( حنتم ) .
-----------
( 4 ) القاموس المحيط 1 : 223 ، مادة رمح ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 5 ) القاموس المحيط 4 : 102 ، مادة ( حنتم ) .
[ 74 ]
كما أنّه أراد استقصاء المسمّيات بحنتمة ، و لم يستقص . فقال " حنتمة اسم ام عمر بن الخطاب ، و اسم بنت عبد الرحمن بن الحارث " 1 مع انّ منهنّ حنتمة بنت شيطان ام عمارة بن الوليد بن المغيرة الّذي بعثته قريش مع عمرو بن العاص إلى النجاشي لردّ جعفر بن أبي طالب .
و أما كونه " أخا عدي " كما في رواية ( معاني الأخبار ) للخطبة . ففي ( عين العبرة ) أنّ أبا بكر حضّ الناس على الجهاد . فتثاقلوا . قال عمر " لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لاتّبعوك " فقال له خالد بن سعيد بن العاص : يا ابن ام عمر ألنا تضرب أمثال المنافقين و اللّه لقد أسلمت و ان لبني عدي صنما إذا جاعوا أكلوه ، و إذا شبعوا استأنفوه 2 .
و في ديوان حسّان بن ثابت : " و قال يهجو بني عديّ بن كعب " :
قوم لئام أقلّ اللّه خيرهم
كما تناثر خلف الراكب البعر
كأنّ ريحهم في الناس إذ خرجوا
ريح الحشاش إذا ما بلّها المطر 3
و في ( نسب قريش ) مصعب الزبيري : كان آل عبد مناف قد كثروا ، و آل عبد الدار بن قصي قد قلّوا . فأراد آل عبد مناف انتزاع الحجابة من بني عبد الدار . فاختلفت في ذلك قريش . فكانت طائفة مع هؤلاء ، و اخرى مع اولئك .
فأخرجت ام حكيم بنت عبد المطلب توأمة أبي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جفنة فيها طيب .
فوضعتها في الحجر ، و قالت من كان منّا فليدخل يده في هذا الطيب . فادخلت بنو عبد مناف ، و بنو أسد بن عبد العزى ، و بنو زهرة ، و بنو تيم ، و بنو الحارث بن فهر أيديهم فيها فسمّوا المطيبين ، فعمدت بنو سهم بن عمرو فنحرت
-----------
( 1 ) التوبة : 42 .
-----------
( 2 ) عين العبرة : 18 .
-----------
( 3 ) ديوان حسان 1 : 351 .
[ 75 ]
جزورا و قالوا . من كان منّا فليدخل يده في هذه الجزور ، فأدخلت عبد الدار ،
و سهم ، و جمح ، و مخزوم ، و عدّي أيديهم فيها فسمّوا الأحلاف ، ثم قام الأسود بن حارثة العدوي . فأدخل يده في الدم ثم لعقها . فلعقت بنو عديّ كلّها بأيديها فسمّوا لعقة الدم 1 .
و عن ( ربيع أبرار الزمخشري ) : أنزل تعالى في الخمر : يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير 2 إلى آخر الآية فكان المسلمون بين شارب و تارك إلى أن شربها رجل و دخل في صلاته فهجر ، فنزل : يا أيها الّذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى 3 فشربها من شربها من المسلمين حتّى شربها عمر . فأخذ لحى بعير فشجّ رأس عبد الرحمن بن عوف . ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر :
و كاين بالقليب قليب بدر
من القينات و الشرب الكرام
أيوعدنا ابن كبشة إن تنحىّ
و كيف حياة أصداء و هام
أيعجز أن يردّ الموت عنّي
و ينشرني إذا بليت عظامي
ألا من مبلغ الرحمن عنّي
بأنّي تارك شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابي
و قل للّه يمنعنى طعامي
بلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فخرج مغضبا يجرّ رداءه . فرفع شيئا كان في يده ليضربه . فقال : أعوذ باللّه من غضب اللّه و غضب رسوله . فأنزل اللّه تعالى انّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر إلى آخر الآية 4 .
-----------
( 1 ) نسب قريش : 382 .
-----------
( 2 ) البقرة : 219 .
-----------
( 3 ) النساء : 43 .
-----------
( 4 ) رواه عنه البحراني في البرهان 1 : 370 ح 7 ، و الآية 91 من سورة المائدة .
[ 76 ]
هذا و قال ابن أبي الحديد : إن قوله عليه السّلام " فأدلى بها إلى ابن الخطاب " من قوله تعالى : و تدلوا بها إلى الحكّام 1 أي تدفعوها إليهم رشوة و أصله من أدليت الدلو في البئر أرسلتها . فإن قلت فإنّ أبا بكر إنّما دفعها إلى عمر حين مات ، و لا معنى للرشوة عند الموت ؟ قلت : لمّا كان عليه السّلام يرى أن العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق شبّه ذلك بإدلاء الإنسان بماله إلى الحاكم . فإنّه اخراج للمال على غير وجهه فكان ذلك من باب الإستعارة 2 .
قلت : كلامه كلّه خبط و خلط فإنّ الإدلاء إنّما هو بمعنى مطلق الدفع ،
و إنّما صار المراد بتدلوا في الآية الرشوة بالقرينة ، و هي إضافة إلى الحكّام ،
و معلوم أنّ من يدفع ماله إلى الحكّام يدفعها رشوة ، و قبله : و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و بعده ، لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم 3 فهذه تجعل الكلام صريحا في إرادة الرشوة .
كما أنّ مجرّد الإخراج إلى غير جهة الإستحقاق لا يصحّح الإستعارة كما لا يخفى ، و كيف يصحّ أن يقال : إنّ أبا بكر رشا عمر بالخلافة ، و إنما عمر رشا أبا بكر بالخلافة أي : بتمهيدها له بشرح مرّ ، ليردّ عليه بعده . ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) بعد ذكر احتجاج أمير المؤمنين عليه السّلام عليهم لمّا جاءوا به للبيعة قال علي : " فأنصفونا إن كنتم مؤمنين و إلاّ فبؤوا بالظلم و أنتم تعلمون " . فقال له عمر : إنّك لست متروكا حتّى تبايع . فقال له علي : " إحلب حلبا لك شطره ،
و اشدد له اليوم يردده عليك غدا " 4 .
و في ( الخلفاء ) أيضا : لمّا كتب أبو بكر عهده قال لعمر : خذ هذا الكتاب ،
-----------
( 1 ) البقرة : 188 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 54 .
-----------
( 3 ) البقرة : 188 .
-----------
( 4 ) الإمامة و السياسة 1 : 11 .
[ 77 ]
و اخرج به الى الناس ، و أخبرهم أنّه عهدي ، و سلهم عن سمعهم و طاعتهم .
فخرج عمر بالكتاب ، و أعلمهم ، فقالوا : سمعا و طاعة . فقال له رجل : ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ قال : لا أدري ، و لكنّي أول من سمع و أطاع . قال : لكنّي و اللّه أدري ما فيه أمرته عام أوّل و أمّرك العام 1 .
و إنما رشا عثمان عمر بأن كتب في غشوة أبي بكر إسم عمر في عهده ليردّه إليه بعده . فقال ابن أبي الحديد : أحضر أبو بكر عثمان و هو يجود بنفسه ، فأمره أن يكتب عهدا و قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد الله بن عثمان إلى المسلمين أما بعد ثم أغمى عليه و كتب عثمان : قد استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب ، و أفاق أبو بكر فقال : إقرأ ، فقرأ فكبّر أبو بكر و سرّ و قال : أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي . قال : نعم . قال جزاك اللّه خيرا عن الإسلام 2 .
و أقول : لو كان أبو بكر قال لعثمان " جزاك عمر عن عملك بتوليتك و ان كان فيه هدم الإسلام " حيث انّ سلطانه سلطان بني اميّة أعداء الإسلام لكان قد قال مطلبا حقّا .
و لقد جزاه عمر بتدبير الشورى ، و جعل عبد الرحمن حكما ، و لما بايع عبد الرحمن عثمان قال أمير المؤمنين عليه السّلام لعبد الرحمن : و اللّه ما امّلت منه إلاّ ما أمّل صاحبك من صاحبه ، دقّ اللّه بينكما عطر منشم 3 .
" ثم تمثّل بقول الأعشى " و الأعشى : هذا هو ميمون بن قيس من قيس بن ثعلبة ، و يكنّى أبا بصير ، و كان يقال لأبيه قتيل الجوع لأنّه دخل غارا يستظلّ
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 20 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 55 .
-----------
( 3 ) رواه المفيد في الارشاد : 152 ، و الجوهري في السقيفة : 187 و غيرهما .
[ 78 ]
فيه من الحرّ . فوقعت صخرة عظيمة من الجبل . فسدّت فم الغار فمات فيه جوعا .
و قال يونس النحوي : أشعر الناس أمرؤ القيس إذا غضب ، و النابغة إذا رهب ، و زهير إذا رغب ، و الأعشى إذا طرب 1 .
و في ( الأغاني ) : أراد الأعشى الوفود على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قال قصيدة في مدحه منها :
نبي يرى ما لا ترون و ذكره
أغار لعمري في البلاد و أنجدا
فرصدته قريش على طريقه ، و قالوا : هذا صنّاجة العرب . فقالوا له : أين أردت ؟ قال : صاحبكم هذا لأسلم . قالوا : انّه ينهاك عن خلال كلّها لك موافق قال :
و ما هنّ ؟ قال أبو سفيان : الزنا قال الأعشى : لقد تركني الزنا و ما تركته . ثم ماذا ؟ قال : القمار . قال لعلّي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار . ثم ماذا ؟
قالوا : الربا . قال : ما دنت ، و لا أدنت . ثم ماذا ؟ قالوا : الخمر . قال : اوّه أرجع إلى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها . فقال له أبو سفيان : هل لك في خير مما هممت به ؟ قال : و ما هو ؟ قال : نحن و هو الآن في هدنة . فتأخذ مئة من الإبل ،
و ترجع إلى بلدك سنتك هذه ، و تنظر ما يصير إليه أمرنا . فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا ، و ان ظهر علينا أتيته . فقال : ما أكره ذلك . فقال أبو سفيان : يا معشر قريش هذا الأعشى و الله لئن أتى محمّدا أو اتّبعه ليضر منّ عليكم نيران العرب بشعره ، فاجمعوا له مئة من الإبل . ففعلوا . فأخذها و انطلق إلى بلده . فلمّا كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله 2 .
هذا و في ( الصحاح ) : الأعشى ، من يبصر بالنهار ، و لا يبصر بالليل 3 .
-----------
( 1 ) رواه ابو الفرج في الاغاني 9 : 108 .
-----------
( 2 ) الأغاني 9 : 125 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 6 : 2427 ، مادة ( عشى )
[ 79 ]
هذا و كان غير هذا جمعا آخر عدّهم القاموس . فقال أعشى باهلة ،
عامر ، و أعشى بني نهشل ، أسود بن يعفر ، و أعشى همدان ، عبد الرحمن ،
و بني أبي ربيعة ، و طرود ، و بني الحرماز ، و بني أسد ، و عكل ، كهمس ،
و ابن معروف خيثمة ، و بني عقيل و بني مالك ، و بني عوف ضابىء ، و بني ضوزة عبد اللّه ، و بني جلاّن سلمة بني قيس ، أبو بصير ، و الأعشى التغلبي ،
النعمان : شعراء 1 .
" شتان ما يومي على كورها
و يوم حيان أخي جابر "
قال ابن أبي الحديد : قاله الأعشى في معاقرة علقمة بن علاثة ، و عامر بن الطفيل و أوّلها :
علقم ما أنت إلى عامر
الناقض الأوتار و الواتر
و قبل البيت :
و قد أسلّي الهم إذ يعتري
بحسرة دوسرة عاقر
زيّافة بالرحل خطّارة
تلوي بشرخي ميسة فاتر
و بعد البيت :
أرمي بها البيداء إذ هجّرت
و أنت بين القرو و العاصر
في مجدل شيد بنيانه
يزلّ عنه ظفر الطائر
و كان حيّان صاحب شراب و معاقرة خمر ، و كان نديم الأعشى ، و كان أخوه جابر أصغر سنا منه . فيقال : إنّ حيان قال للأعشى : نسبتني إلى أخي .
و هو أصغر سنّا منّي . فقال : إنّ الرويّ اضطرنّي إلى ذلك . فقال : و الله لأناز عنّك كأسا أبدا ما عشت ، و حيان ابن السمين الحنفي 2 .
-----------
( 1 ) القاموس المحيط 4 : 363 ، مادة ( عشي ) .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 55 .
[ 80 ]
قلت : و روى ( الأغاني ) و ( ديوان المعاني ) معاقرتهما مفصّلة و قال الأوّل قال الأعشى :
علقم ما أنت إلى عامر
الناقض الأوتار و الواتر
ان تسد الحوص فلم تعدهم
و عامر ساد بني عامر
عهدي بها في الحيّ قد درّعت
صفراء مثل المهرة الضامر
قد حجم الثدي على نحرها
في مشرق ذي بهجة ناضر
لو أسندت ميتا إلى نحرها
عاش و لم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس ممّا رأوا
يا عجبا للميّت الناصر 1
و روي انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ربّما حدّث أصحابه ، و ربما تركهم يتحدّثون ،
و يصغي إليهم ، و يتبسّم . فبينا هم يوما على ذلك يتذاكرون الشعر و أيّام العرب إذ سمع حسّان بن ثابت ينشد هجاء أعشى قيس لعلقمة ، و مدحه عامر بن الطفيل :
علقم ما أنت إلى عامر
الناقض الأوتار و الواتر
ان تسد الحوص و لم تعدهم
فعامر ساد بني عامر
ساد و ألفى قومه سادة
و كابرا سادوك عن كابر
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كفّ عن ذكره يا حسّان . فإنّ أبا سفيان لمّا شعث مني عند هرقل ردّ عليه علقمة . فقال حسّان : من نالتك يده ، وجب علينا شكره 2 .
و مثله في ( كنايات الثعالبي ) إلاّ أنّه قال : أنشد حسّان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من هجاء حسّان لعلقمة :
-----------
( 1 ) الاغاني 16 : 281 .
-----------
( 2 ) هذا المعنى أخرجه ابو نعيم و الخطيب و ابن عساكر ، عنهم شواهد المغني 2 : 907 ، و ابن أبي الدنيا و ابو عوانة ، عنهما الاصابة 2 : 503 .
[ 81 ]
كلا أبويكم كان فرعا دعامة
و لكنهم زادوا و أصبحت ناقصا
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
و جاراتكم غرثى يبتن خمائصا 1
و قال الثاني : قال الأعشى :
حكّمتموه فقضى بينكم
أبلج مثل القمر الزاهر
لا يأخذ الرشوة في حكمه
و لا يبالي غبن الخاسر
علقم ما أنت إلى عامر
ألناقض الأوتار و الواتر
و اللامس الخيل بخيل إذا
ثار عجاج الكبة الثائر
ساد و ألفى رهطه سادة
و كابرا سادوك عن كابر 2
و ممّا نسب إليه في تلك القصيدة :
ما يجعل الجد الظنون الّذي
جنّب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتي إذا ما طما
يقذف بالبوصي و الماهر
و من القصيدة :
قد قلت شعري فمضى فيكما
و اعترف المنفور للنافر
قالوا : و نذر علقمة دمه . فخرج الأعشى يريد وجها فأخطأ به الدليل فأخذوه و أتوه به . فقال الأعشى :
علقم قد صيّرتني إليك الامور
و ما أنت لي منقص
فهب لي ذنبي فدتك النفوس
و لا تزال تنمو و لا تنقص
فعفا عنه . فقال الأعشى :
علقم يا خير بني عامر
للضيف و الصاحب و الزائر
و الضاحك السّن على همّه
و الغافر العثرة للعاثر
-----------
( 1 ) رواه الثعالبي في كتاب النهاية في الكناية ، منتخبه : 209 .
-----------
( 2 ) ديوان المعاني 1 : 172 .
[ 82 ]
قال ابن ميثم في قوله : " و يوم حيان " كان حيّان صاحب الحصن باليمامة و كان سيّدا مطاعا يصله كسرى في كلّ سنة ، و كان في نعمة و رفاهية مصونا من و عثاء السفر 1 .
قلت : و في ( أمثال العسكري ) : من أمثالهم " انعم من حيّان " كان حيّان رجلا منعما ، و فيه قال الأعشى : " شتان ما يومي " البيت 2 .
و اما قوله : " أخي جابر " ففي ( فتوح البلاذري ) : قال أبو مسعود : حمّام أعين في الكوفة نسب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص ، و سمعت انّ الحمّام قبله كان لرجل من العباد يقال له : جابر أخو حيان الّذي ذكره الأعشى ، و هو صاحب مسنّاة جابر بالحيرة 3 هذا و قالوا في الأعشى :
فلا تلوماني و لو ما جابرا
فجابر كلّفني الهواجرا
ان المراد بجابر فيه الخبز . قال ابن السكيت : يقال للخبز جابر بن حبّة و كنّوه أيضا أبا جابر 4 .
قال ابن أبي الحديد : يقال " شتان ماهما " و " شتّان هما " و لا يجوز " شتّان ما بينهما " 5 .
قلت : الأصل في كلامه قول الأصمعي ، ففي ( الصحاح ) قال الأصمعي : لا يقال شتّان ما بينهما ، و قول الشاعر :
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 1 : 257 .
-----------
( 2 ) جمهرة الامثال : 200 .
-----------
( 3 ) فتوح البلدان : 280 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 4 ) نقله الجوهري في صحاح اللغة 2 : 608 ، مادة ( جبر ) ، و الفيروز آبادي في القاموس 1 : 385 ، مادة ( جبر ) ، بلا تصريح باسم ابن السكيت .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 56 .
[ 83 ]
لشتّان ما بين اليزيدين في الندي
يزيد سليم و الأغر ابن حاتم
( يعني يزيد بن أسيد السلمي ، و يزيد بن حاتم المهلبي ) ليس بحجّة إنّما هو مولّد ، و الحجّة قول الأعشى شتان ما يومي البيت 1 .
إلاّ أنّ قول الاصمعي هنا غلط ككثير من أقواله في مواضع اخر ، و منها إنكاره " أرعد و أبرق " كما يأتي عند قوله عليه السّلام في أصحاب الجمل " و قد أرعدوا و أبرقوا " 2 .
ففي ( الأغاني ) : قيل لأبي زيد النحوي : إنّ الأصمعي قال : لا يقال ( شتّان ما بينهما ) و إنّما يقال : ( شتّان ما هما ) كقول الأعشى . فقال : كذب الأصمعي ،
يقال ( شتّان ما هما ) و ( شتّان ما بينهما ) و أنشد لربيعة الرقي ، و احتجّ به ( لشتّان ما بين اليزيدين ) البيت 3 .
و أقول : الأشعار و الكلام المنثور ممّن قوله حجّة في العربية كثيرة ،
و منها قول أبي الأسود في جار يؤذيه على ما في ( الأغاني ) :
و شتّان ما بيني و بينك أنّني
على كلّ حال أستقيم و تضلع 4
و منها قول ابن عباس لما بلغه و فاة أخيه قثم بسمرقند على ما في ( فتوح البلاذري ) : " شتان ما بين مولده و مقبره " 5 .
و في خطبة أبي حمزة الخارجي الّذي خرج بالمدينة سنة ( 131 ) :
" فشتّان لعمر الله ما بين الغي و الرشد " ، و قال البعيث و هو الّذي يهاجي جريرا :
لشتّان ما بيني و بين ابن خالد
اميّة في الرزق الّذي الله قاسم
-----------
( 1 ) نقله الجوهري في الصحاح 1 : 255 ، مادة ( شتت ) ، عن أبي عمرو و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) يأتي في عنوان 13 ، من الفصل الحادي و الثلاثون .
-----------
( 3 ) لم اجده في مظانه من الاغاني لكن جاء هذا المعنى في الكتب اللغوية .
-----------
( 4 ) الأغاني 12 : 319 .
-----------
( 5 ) فتوح البلدان : 402 .
[ 84 ]
و في ( النهج ) : " شتان ، بين عملين عمل تذهب لذته ، و تبقى تبعته ، و عمل تذهب مؤونته ، و يبقى أجره " 1 .
و في ( دعاء الصباح ) المروي في ( المصباح ) عن الهادي عليه السّلام : " انّك أنت الربّ الجليل و أنا العبد الذليل ، و شتّان ما بيننا يا حنّان يا منّان " 2 .
و في ( السير ) : أنّ الحجاج اتخذ ابن جعدة الشيباني و كان يرى رأي الخوارج سميرا لأدبه . فكتب إليه قطري أيام حربه مع المهلّب :
لشتّان ما بين ابن جعد و بيننا
إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر
نجاهد فرسان المهلّب كلّنا
صبور على وقع السيوف البواتر
و راح يجرّ الخرّ عند أميره
أمير بتقوى الله غير آمر
فلمّا قرأ الكتاب لحق بقطري ، و طلبه الحجاج فلم يقدر عليه .
و في ( وزراء الجهشياري ) : صحب المختم الراسبي الشاعر محمّد بن منصور الّذي كان الرشيد لقّبه فتى العسكر و كان كريما فأفاد معه مئة ألف درهم . فمات محمّد بن منصور . فاتّصل بمحمّد بن يحيى البرمكي ، و كان بخيلا فانفقها معه . فقال :
شتّان بين محمّد و محمّد
حيّ أمات و ميّت أحياني
فصحبت حيّا في عطايا ميّت
و بقيت مشتملا على الخسران 3 .
و بالجملة فإنّ بيت الأعشى غاية ما يدلّ عليه عدم لزوم الإتيان بكلمة بين ، و أمّا لزوم تركها فلا ، و يفهم من موارد استعمال " شتان " جواز استعماله مع ما بدون " بين " كبيت الأعشى المتقدّم ، و كما في بيت نصر بن قدامة
-----------
( 1 ) نهج البلاغة 4 : 28 ، الحكمة 121 .
-----------
( 2 ) مصباح المتهجد : 205 .
-----------
( 3 ) الوزراء للجهشياري : 241 ، و النقل بتلخيص .
[ 85 ]
التميمي لمّا هاجر أخوه صفوان مع ابنيه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أبى قومه و بنو أخيه أن يهاجروا :
تحمّل صفوان فأصبح غاديا
بأبنائه عمدا و خلّى المواليا
طلاب الذي يبقى و آثرت غيره
فشتّان ما يفنى و ما كان باقيا
و كقول شاعر :
شتّان ما قبلة التلاق
و قبلة ساعة الفراق
و مع بين ، كبيت أبي الأسود ، و بيت قطري ، و بيت البعيث ، و بيت ربيعة الرقي ، و كلام ابن عباس ، و كلام أبي حمزة الخارجي ، و فقرة دعاء الصباح و قد تقدّم كلها ، و بدون " ما " مع " بين " كما في كلامه عليه السلام في القصار ، و كما في كلام المختم الراسبي ، و بدون " ما " و " بين " كما في قول لقيط بن زرارة يوم شعب جبلة :
شتّان هذا و العناق و النوم
و المضجع البارد في ظلّ الدوم
و قول كعب بن مالك في قتلى بدر و احد من المسلمين و المشركين .
شتّان من هو في جهنّم ثاو أبدا
و من هو في الجنان مخلّد
و قول شاعر آخر ذكره ( أساس الزمخشري ) :
شتّان خلو نائم
و هو على سهر مكب 1
و قول شاعر لما عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان و كان لأبيه المهلّب بن أبي صفرة سوابق و آثار في حروبه مع الخوارج و وليها قتيبة بن مسلم و كان أبو قتيبة ، مسلم بن عمرو الباهلي نديما ليزيد بن معاوية يشرب معه و يغنّيه كما في ( أنساب البلاذري ) :
-----------
( 1 ) أساس البلاغة : 229 ، مادة ( شتت ) .
[ 86 ]
شتّان من بالصبح أدرك و الّذي
بالسيف أدرك و الحروب تسعر 1
هذا ، و لبعض المتأخّرين في طبيب غير حاذق مسمى بعيسى :
شتّان ما بين عيسى و عيسى المسيح
فذاك محيي موات و ذا مميت الصحيح
هذا و قد عرفت انّ الصدوق في كتابيه لم ينقل التمثل بالبيت ، و اتّفق غيره على نقله إلاّ أن المفيد و الشيخ ، و الطبرسي نقلوه بعد قوله عليه السّلام : " لشدّ ما تشطرا ضرعيها " و يسبط ابن الجوزي بعد قوله عليه السلام : " و لسقيت آخرها بكأس أوّلها " و الظاهر أصحية نقل الشيخين له ، و هو المفهوم من المرتضى حيث قال في بيان مراده عليه السّلام من التمثيل كما نقل ابن ميثم عنه انّ القوم لمّا فازوا بمقاصدهم و ظفروا بمطالبهم و هو عليه السّلام في أثناء ذلك كلّه محقق في حقه مكذّب في نصيبه كما أشار إليه بقوله " و في العين قذى و في الحق شجا " كان بين حالهم و حاله بعد بعيد ، و افتراق شديد 2 .
و أمّا على نقل المصنّف البيت هنا ، فلابدّ أن يكون المراد به انّه عليه السّلام قال :
شتّان بين يومي مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و يومي مع الرجلين ، و قد عرفت أنّ معاوية كتب في جواب محمّد بن أبي بكر : " فقد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب ، و حقّه لازما لنا مبرورا علينا . فلما قبضه اللّه إليه كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتّزه حقّه و خالفه على ذلك اتّفقا و اتسقا " 3 .
و في المثل : " العنوق بعد النوق " 4 يضرب للشدّة بعد السعة .
-----------
( 1 ) أنساب الأشراف 4 ق 2 : 11 ، لكن الشاعر ليس مسلم الباهلي .
-----------
( 2 ) كذا في العلل 1 : 151 ، و المعاني : 362 ، و الارشاد : 153 ، و أمالي الطوسي 1 : 383 ، و الاحتجاج 1 : 192 ، و التذكرة :
125 ، و نقلا عن المرتضى في شرح ابن ميثم 1 : 257 .
-----------
( 3 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 3 : 12 ، و غيره و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) أورده الميداني في مجمع الأمثال 2 : 12 .
[ 87 ]
و لمّا ملك الذر مملوك شهاب الدين الغوري غزنة في سنة ( 602 ) بعد سيده شهاب الدين ألزم وزيره مؤيد الملك أن يكون وزيره . فأجابه على كره فهنّاه صديق له . فقال له : بماذا تهنئني بركوب الحمار بعد الجواد بينا يأتي الذر الف مرّة على بابي حتى آذن له في الدخول اصبح على بابه .
قال ابن أبي الحديد : و قريب من تمثّله عليه السّلام تمثّل الفضل بن الربيع بأبيات البعيث في حرب الأمين و المأمون ، و رخاوة الأوّل و شدّة الثاني .
لشتّان ما بيني و بين ابن خالد
اميّة في الرزق الّذي الله يقسم
يقارع أتراك بن خاقان ليلة
إلى أن يرى الاصباح لا يتلعثم
و آخذها حمراء كالمسك ريحها
لها أرج من دنّها يتنسّم
فيصبح من طول الطراد و جسمه
نحيل و أضحى في النعيم أصمم 1
قلت : البيت الثالث لا ربط له بما قبله و ما بعده ، و قد نقل الطبري الأبيات و لم ينقله فيها 2 .
و تمثّل الرشيد بقول ربيعة الرقي : " شتان ما بين اليزيدين في الندى " البيت المتقدّم لمّا حجّ و لقيه قبل دخول مكّة رجلان من قريش فتكلّم أحدهما فأحسن ، و تكلّم الآخر فلم يأت بشيء .
و عرض نخّاس جاريتين على ابن يزيد سليم الّذي هجا أبوه بالبيت .
فقال له : أيّهما أحسن . فقال له : بينهما كما قال الشاعر ، و أنشد البيت . فأمر بجرّ رجله و إخراجه معهما .
" فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته " أمّا استقالة أبي بكر بعد تصدّيه . فتواتر عنه أنّه قال : " اقيلوني فلست بخيركم " 3 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 56 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 7 : 27 ، سنة 196 .
-----------
( 3 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 56 ، و بعض آخر لكن كونه متواترا من الغريب .
[ 88 ]
و معنى كلامه عليه السّلام : أنّ أبا بكر رأى عدم صلاحية نفسه للخلافة فكيف عقدها لعمر بعده . ثم كيف خالف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في زعمه تركه الناس بلا تعيين خليفة .
و قال سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) : قال صاحب ( بيت العلوم ) ،
و صاحب ( عقلاء المجانين ) : قال أبو الهذيل العلاّف : سافرت مع المأمون إلى الرقّة ، فبينا أنا أسير في الفرات إذ مررنا بدير فوصف لي مجنون يتكلّم بالحكمة ، فدخلت الدير و إذا برجل وسيم نظيف فصيح و هو مقيّد . فسلّمت عليه . فردّ السلام . ثم قال : قلبي يحدّثني أنّك لست من أهل هذه المدينة القليل عقول أهلها يعني الرقة قلت : نعم . أنا من أهل العراق . فقال : إنّي أسألك فافهم ما أقول ، فقلت : سل ، فقال أخبرني عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله هل أوصى ؟ قلت : لا . قال :
فكيف ولي أبو بكر مجلسه من غير وصيّة ؟ فقلت : إختاره المهاجرون و الأنصار و رضي به الناس . فقال ، كيف أجازه المهاجرون ، و قد قال الزبير بن العوام : لا ابايع إلاّ علي بن أبي طالب ، و كذا العباس ، و كيف اختاره الأنصار ،
و قد قالت : منّا أمير و منكم أمير ، و ولّوا سعد بن عبادة يوم السقيفة ، و قال عمر :
اقتلوا سعدا قتله الله ؟ و كيف تقول : رضي به الناس و قد قال سلمان الفارسي :
" كرديد و نكرديد " أي فعلتموها . فوجئت عنقه ، و قال أبو سفيان بن حرب لعليّ : " مدّ يدك لابايعك و ان شئت ملأتها خيلا و رجلا " ثم قعد بنو هاشم عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر . ثم لمّا ولى أبو بكر الخلافة قال : " وليتكم و لست بخيّركم " ؟ و كيف يتقدّم المفضول على الفاضل ؟ و لمّا ولى عمر قال : " وددت أنّي شعرة في صدر أبي بكر " ، ثم قال بعد ذلك : " كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه الامّة شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " ثم إنّ عمر ردّ السبي الّذي سباه خالد بن الوليد في أيام أبي بكر . فانّ خالدا تزوّج امرأة مالك بن نويرة فردّها
[ 89 ]
عمر بعدما ولدت منه . ثمّ ولّى عمر صهيبا على أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و هو عبد لنبي نمر بن قاسط و كلّ هذا تناقض ؟
و أخبرني عن عبد الرحمن بن عوف حين ولّى عثمان الخلافة و اختاره ،
هل ولاّه إلاّ و هو يعرفه ؟ قلت : نعم . قال : فقد قال عبد الرحمن بعد ذلك ما كنت أحبّ أن أعيش حتّى يقول لي عثمان : يا منافق فمعرفة عثمان حين نسبه إلى النفاق كمعرفة عثمان إيّاه إذ ولاّه الخلافة .
و أخبرني عن عائشة لمّا كانت تحرّض الناس على عثمان يوم الدار و تقول : " اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر " فلمّا ولي عليّ عليه السلام الخلافة قالت : وددت أن هذه سقطت على هذه . تعني السماء على الأرض ثم خرجت من بيتها تقاتل عليّا عليه السّلام مع طلحة و الزبير على دم عثمان و الله تعالى يقول : و قرن في بيوتكن و لا تبرّجن تبرّج الجاهلية الاولى 1 و هذه مخالفة لله تعالى ، و لمّا قتل عثمان جاء المسلمون و الصحابة أرسالا إلى علي عليه السّلام ليبايعوه . فلم يفعل حتّى قالوا له : و الله لئن لم تفعل لنلحقنّك بعثمان ، فأخبرني أيّما آكد ، من ضرب سعدا و وجا عنق سلمان كمن جاء الناس يكرهونه على البيعة ؟ قال أبو الهذيل فلم أحر جوابا و سقط في يدي .
ثم قال : في كم يجب القطع في السرقة ؟ قلت : في ربع دينار . فقال : كم أعطاك الّذي جئت معه إلى هاهنا ؟ يعني المأمون قلت : خمسمئة دينار ، فقال :
يجب أن تقطّع أعضاؤك بحساب ما أخذت . قلت : و لم ؟ قال : لأنّك سرقت مال المسلمين . فقلت : الخليفة أعطاني من ماله . فقال : و أين ماله ؟ المال لله تعالى و لعامّة المسلمين ، و والله إنّك لأحقّ بهذا السعوط الّذي به كلّ يوم أسعط ،
و أحقّ بالقيد منّي . قال : أبو الهذيل فخرجت من عنده و أنا خجل . فحدّثت
-----------
( 1 ) الاحزاب : 33 .
[ 90 ]
المأمون حديثه فاستطرفه و بقي زمانا يستعيده منّي 1 .
و من تناقضاته كاستقالته لنفسه و عقده لغيره أنّه قال للعباس : إنّ الناس اختاروني عليهم واليا ، و ما انفكّ يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامّة المسلمين ، يتّخذكم لجأ . فقال : له العباس : ما أبعد قولك إنّهم طعنوا عليك من قولك إنّهم اختاروك و مالوا إليك ، و ما أبعد تسميتك خليفة رسوله تعالى من قوله خلّى رسوله على الناس امورهم ليختاروا فاختاروك 2 .
و يا عجبا بينا هو و صاحبه يطعنان على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في تأمير اسامة عليهما و يتخلّفان عن جيشه مع حثّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على تجهيزه ، و لعنه المتخلّف عنه ينفذه من قبله باسم إجراء أمر النبيّ . قال الجزري : بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في محرم سنة ( 11 ) بعثا إلى الشام ، و أمرهم اسامة بن زيد مولاه ، و أمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء و الداروم من أرض فلسطين . فتكلّم المنافقون في إمارته ، و قالوا : أمّر غلاما على جلّة المهاجرين و الأنصار . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إن تطعنوا في إمارته . فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ، و إنّه لخليق للإمارة ، و كان أبوه خليقا لها ، و أوعب مع اسامة المهاجرون الأولون منهم أبو بكر و عمر فبينما الناس على ذلك ابتدأ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرضه الخ 3 .
و هو و إن أجمل الطاعن إلاّ أن المراد معلوم . فالمنافقون لم يكن لهم اعتقاد بالله و رسوله . فكيف يكون لهم اعتقاد بالمهاجرين و الأنصار ، و إنّ الرجلين إذا كانا في مقام التسليم لله و رسوله كيف يغضب لهما غيرهما .
و قال الجزري أيضا بعد ذكر بيعة أبي بكر و ارتداد جمع ، و إرادته إنفاذ
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 60 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه اليعقوبي في تاريخه 2 : 125 ، و الجوهري في السقيفة : 47 48 ، و غيرهما و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) رواه ابن الاثير في الكامل 2 : 317 ، سنة 11 ، و ايضأ الطبري في تاريخه 2 : 429 ، سنة 11 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 91 ]
جيش اسامة قال الناس لأبي بكر : ان هؤلاء يعنون جيش اسامة جند المسلمين ، و العرب على ما ترى قد انتقضت بك ، فلا ينبغي أن تفرّق جماعة المسلمين عنك . فقال : و الّذي نفسي بيده لو ظننت أنّ السباع تختطفني لأنفذت جيش اسامة كما أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . فخاطب الناس و أمرهم بالتجهز للغزو ،
و أن يخرج كلّ من هو من جيش اسامة إلى معسكره بالجرف . فخرجوا كما أمرهم ، و جيش أبو بكر من بقي من تلك القبائل التّي كانت لهم الهجرة في ديارهم . فصاروا مسالح حول قبائلهم و هم قليل . فلمّا خرج الجيش إلى معسكرهم بالجرف ، و تكاملوا أرسل أسامة عمر ، و كان معه في جيشه إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس ، و قال : إنّ معي وجوه الناس و جلّتهم ، و لا آمن على خليفة رسول الله و حرم رسول اللّه و المسلمين أن يتخطفهم المشركون ، و قال من مع اسامة من الأنصار لعمر : أبلغ الخليفة عنّا و اطلب إليه أن يولّي أمرنا أقدم سنّا من اسامة . فخرج عمر بأمر اسامة إلى أبي بكر .
فأخبره بما قال اسامة . فقال : لو خطفتني الكلاب و الذئاب لأنفذته كما أمر به النبيّ ، و لا أردّ قضاء قضى به النبي ، و لو لم يبق في القرى غيري . فقال عمر : إن الأنصار تطلب رجلا أقدم سنّا من اسامة . فوثب أبو بكر ، و كان جالسا و أخذ بلحية عمر ، و قال : ثكلتك امّك يا ابن الخطاب إستعمله النّبي ، و تأمرني أن أعزله ، ثم خرج أبو بكر حتّى أتاهم و أشخصهم ، و شيّعهم . و هو ماش و اسامة راكب إلى أن قال فلمّا أراد أن يرجع ، قال لاسامة : أرأيت أن تعينني بعمر .
فاذن له الخ 1 .
و لعمر الله هل هذه إلاّ صفات أهل النفاق و أين كان هذا التصلّب منه في
-----------
( 1 ) رواه ابن الأثير في الكامل 2 : 334 ، سنة 11 ، و أيضا الطبري في تاريخه 2 : 461 462 ، سنة 11 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 92 ]
اجراء حكم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في وقت حكمه صلّى اللّه عليه و آله فإنّه صلّى اللّه عليه و آله انّما حكم بتجهيز جيش اسامة في حياته ، و هو و صاحبه كانا من جيشه ، و الإنسان قد يأمر بشيء لغرض في وقت ، و بعد ذاك الوقت لا يريده لعدم حصول غرض منه ،
و من أين انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يكن غرضه من بعث اسامة في شدّه مرضه ،
و حثّه عليه كلّما أفاق ، و لعنه من تخلّف عنه ، خروج الرجل و خروج صاحبه حين وفاته حتى لا يبقى حين وفاته في المدينة مخالف لأمير المؤمنين عليه السّلام ؟
و من العجب أنّ ابن أبي الحديد قال : و تزعم الشيعة انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يعلم موته و انّه سيّر أبا بكر و عمر في بعث اسامة لتخلو دار الهجرة منهما .
فيصفو الأمر لعليّ عليه السلام و يبايعه من تخلّف من المسلمين بالمدينة على سكون و طمأنينة . فإذا جاءهما الخبر بموت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بيعة الناس لعليّ عليه السلام بعده كانا عن المنازعة و الخلاف أبعد لأنّ العرب كانت تلتزم باتمام تلك البيعة ،
و يحتاج في نقضها إلى حروب شديدة . فلم يتمّ له ما قدّر ، و تثاقل اسامة بالجيش أيّاما مع شدّة حثّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على نفوذه و خروجه بالجيش حتى مات صلّى اللّه عليه و آله و هما بالمدينة فسبقا عليّا عليه السلام إلى البيعة و جرى ما جرى .
قال ابن أبي الحديد : و هذا عندي غير منقدح لأنّه إن كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعلم موته فهو أيضا يعلم انّ أبا بكر سيلي الخلافة ، و ما يعلمه لا يحترس منه ،
و إنّما يتمّ هذا و يصحّ إذا فرضنا انّه عليه السلام كان يظنّ موته ، و لا يعلمه حقيقة ،
و يظنّ انّ أبا بكر و عمر يتمالآن على ابن عمّه ، و يخاف وقوع ذلك منهما و لا يعلمه حقيقة ، فيجوز ان كانت الحال هكذا ان ينقدح هذا التوهم ، و يتطرّق هذا الظّن 1 .
فانّ جوابه ممّا يضحك الثكلى . فان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فعل ما كان عليه لإتمام
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 54 .
[ 93 ]
الحجّة من الأمر بخروجهما ، كما إنّه فعل ما كان واجبا عليه من الأمر بإتيانه بقلم و صحيفة ليكتب لهم كتاب وصيّة لئلاّ يضلّوا بعده . فإن منعه الثاني عن الكتابة و تخلّف هو و صاحبه عن الخروج في جيش اسامة أي شيء يرد على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .
ثم لو أراد أبو بكر إنفاذ أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعده لم لم يخرج بنفسه ، و كان في جملتهم كما صرّح به ابن سعد كاتب الواقدي مع نصبه و جهده في ستر ما يرد به عار على صدّيقه حتى إنه اقتصر في ذكر بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله له للحج و لم يذكر بعثه لتبليغ البراءة ليخفي عزله عن الله تعالى .
و كان من أهمية المطلب أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مع مرضه عقد اللواء بيده كما صرّح به ابن سعد أيضا 1 ، و لم لم يخلّ عمر ، و كان مأمورا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالحركة في ذاك الجيش بالإتفاق لا من اسامة ، و إذا كان بيد اسامة حيث طلب منه ترك عمر له فاسامة أراد ترك ذاك الأمر كلّه فلم أنكر عليه .
و انّما أراد أبو بكر بإنفاذ جيش اسامة أمرين : التباس الأمر على العامة بكلماته التي لفّقها من قوله : " لو ظننت ان السباع تختطفني لأنفذت جيش اسامة كما أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله " 2 و الثاني : ان يتجلّد للعرب . قال الجزري : و كان إنفاذ جيش اسامة أعظم الامور نفعا للمسلمين ، فان العرب قالوا : لو لم تكن بهم قوّة لما أرسلوا هذا الجيش . فكفّوا عن كثير ممّا كانوا يريدون أن يفعلوه 3 .
ثم لم لم يستخلف أبو بكر اسامة و قد امّره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و انّما خدعه هو
-----------
( 1 ) طبقات ابن سعد 2 ق 1 : 121 و 136 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 461 ، سنة 11 .
-----------
( 3 ) الكامل 2 : 336 ، سنة 11 .
[ 94 ]
و صاحبه بان كانا يخاطبانه بأيّها الأمير مادام حياتهما .
ثم و اعجبا من ابن قتيبة في ( خلفائه ) يقول في عنوان : كيف كانت بيعة علي " قام عمر مع جماعة فمشوا حتى أتوا بيت فاطمة فدقّوا الباب فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبه يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة إلى أن قال فلحق علي بقبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يصيح و يبكي و ينادي : " يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني " 1 .
و هل معنى ذلك إلاّ جعل أمير المؤمنين عليه السّلام لأبي بكر و عمر كالعجل و السامري ، و مبايعي أبي بكر كعابدي العجل ، و ان الرجلين و اتباعهما أرادوا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام لإنكاره أمرهم و بيعتهم لأبي بكر . ثم يقول ابن قتيبة في آخر كلامه : " فلمّا تمّت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس و يستقيلهم يقول قد أقلتكم في بيعتي هل من كاره هل من مبغض فيقوم عليّ في أول الناس فيقول و اللّه لا نقيلك و لا نستقيلك أبدا قد قدّمك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لتوحيد ديننا من ذا الّذي يؤخرك لتوجيه دنيانا " 2 .
فهل كان أمير المؤمنين عليه السّلام شطّارا يقول الأمس ما مر و يقول اليوم ما قال أنا أستحي لهذا الرجل من هذا التناقض أوّلا و أخيرا ، و إن ما نسبه إليه عليه السّلام هو كلام عمر لأبي بكر . فلمّا أراد عقد البيعة له قال له " قدّمك النبيّ لديننا يعني في صلاته بالناس أفلا نرضاك لدنيانا يعني خلافة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله " 3 .
و من العجب أنّ ابن أبي الحديد قال : و من الناس من أنكر استقالة أبي بكر ، و قال إنّما قال أبو بكر " ولّيتكم و لست بخيركم " 4 هب جحدوا و أنكروا
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 13 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 16 .
-----------
( 3 ) رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 123 ، شرح الخطبة 26 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 56 .
[ 95 ]
النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام كيف يجحدون ما قاله صدّيقهم في الملأ ، و على رؤوس الأشهاد . فياللّه لهؤلاء تارة ينكرون أصل ما تواتر عن أوّلهم ،
و اخرى يضعون انّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يقبل منه استقالته .
و كيف يقول ابن أبي الحديد ما قال و قد روى ابن قتيبة مع نصبه استقالة أبي بكر مرّتين ثانيتهما بعد ذكر عيادته مع صاحبه عمر لسيّدة نساء العالمين و ذكر أخذها عليها السّلام إقرارهما بقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيها : " سخط فاطمة من سخطي و سخطي سخط الله " و ذكر قولها عليها السلام لأبي بكر : " لأدعونّ اللّه عليك في كلّ صلاة اصليها قال : فخرج أبو بكر باكيا و قال : لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي " 1 .
" لشدّ ما تشطرا ضرعيها " الضرع للحيوان كالثدي للمرأة ، و الشطر النصف قال فضالة بن شريك في أعور من بني شطير :
لنصف امرىء من نصف حي يسبّني
لعمري لقد لاقيت خطبا من الخطب
جعله نصف امرىء لكونه أعور ، و من نصف حيّ لكونه من بني شطير .
و يقال " ولد فلان شطره " أي : نصف ذكور و نصف إناث ، و يقال " شعر شطران " أي : نصفه أسود و نصفه أبيض . و معنى كلامه عليه السلام ان كلا من الأوّل و الثاني أخذ بالشدّة ضرعا من ضرعي الخلافة .
ثم الظاهر أن " ما " في " شد ما " للتعجب فيكون " شدّ ما " في معنى " ما أشدّ " . و قال ابن أبي الحديد " شدّ ما " أي صار شديدا كما انّ حبّذا معناه صار حبيبا 2 .
و هو كما ترى فانّ معنى " شدّ ما " ان الشيء كان في غاية الشدّة يشهد
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 14 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 57 ، و النقل بالمعنى .
[ 96 ]
له موارد استعماله من كلامه عليه السّلام و كلام آخرين . فقالوا في قصّة بهرا مجور و جاريته التي اقترحت عليه أشياء صعبة انّه أخذها و ضرب بها الأرض و قال لها " لشدّ ما اشتطت عليّ لإظهار عجزي " .
و في ( الأغاني ) : أعطى عبد اللّه بن الحشرج لمّا كان أمير خراسان الناس كلّ شيء له حتّى منشفة عليه و فراشه و لحافه ، فقالت له امرأته : لشدّ ما يتلاعب بك الشيطان 1 .
و في ( الطبري ) : بعث المنصور باقياد لتقييد بني الحسن ، و فيها قيد ثقيل كلّما قرب من واحد منهم استعفى . فقال علي بن الحسن المثنى " لشدّ ما جزعتم " و مد رجليه فقيّد به 2 .
و في ( أنساب البلاذري ) : كان مسلم بن عمرو الباهلي أبو قتيبة بن مسلم نديما ليزيد بن معاوية يشرب معه و يغنّيه . فقال الشاعر حين عزل يزيد بن المهلب ( و كان أبوه ذا سابقة في الحروب مع الخوارج ) عن خراسان و وليها قتيبة :
شتّان من بالصبح أدرك و الّذي
بالسيف أدرك و الحروب تسعّر 3
و لما أوفد سعد بن أبي وقاص عمرو بن معد يكرب بعد فتح القادسية إلى عمر ، و أثنى عليه في كتابه . فسأله عمر عن سعد ، فأثنى عمرو عليه فقال له عمر لشدّ ما تقار ضتما الثناء .
و قال الأشعث بن قيس لشريح القاضي في كلام دار بينهما : لشدّ ما ارتفعت .
-----------
( 1 ) الاغاني 12 : 26 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 6 : 174 ، سنة 144 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) انساب الاشراف 4 ق 2 : 11 .
[ 97 ]
و لمّا قرأ يزيد كتابا للحسين عليه السلام في معنى حجر و عمرو بن الحمق إلى معاوية قال لأبيه : لشدّ ما فخر عليك الحسين . و قال الشاعر :
لشدّ ما نال منيّ الدهر و اعتلقت
يد الزمان و أوهت من قوى مرري
و قال اعرابي :
فلما كتمت الحبّ قالت لشدّ ما
صبرت و ما هذا بفعل شجى القلب
و قال الفضل بن سهل لطاهر بن الحسين لشدّ ما سموت .
هذا و قريب من قوله عليه السّلام : " لشدّ ما تشطّرا ضرعيها " قول رجل من ولد ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس لمروان الحمار :
مريت يا مروان أطباءها
حتى استمرّت بدم حائل
و قول السلولي :
و ذمّوا لنا الدنيا و هم يرضعونها
أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل
و الثعل بالضم : خلف زائد لا يدرّ ، و انما ذكره مبالغة و الخلف حملة الضرع .
روى المفيد في ( أماليه ) عن الربيع بن المنذر قال : سمعت الحسن بن عليّ عليه السلام يقول : إنّ أبا بكر و عمر عمدا إلى هذا الأمر و هو لنا كلّه فأخذاه دوننا ،
و جعلا لنا فيه سهما كسهم الجّدة . أما و الله لتهمنّهما أنفسهما يوم يطلب الناس فيه شفاعتنا 1 .
و الظاهر انّ المراد بقوله عليه السّلام : " كسهم الجدّة " أنّهما جعلا لهم من الخلافة و باقي حقوقهم مجرّد طعمة كالجدّة مع الوالدين .
" فصيّرها في حوزة خشناء " قال الزبير بن بكار : كان عمر إذا غضب على
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 48 ح 8 ، المجلس 6 .
[ 98 ]
بعض أهله لم يسكن غضبه حتى يعضّ يده عضّا شديدا و يدميها 1 .
و قالوا : كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج 2 ، و كان الحجاج يتشبه بزياد ، و كان زياد يتشبّه بعمر .
و لمّا أراد عمر منع زياد عن إقامة الشهادة على المغيرة ، وراه أقبل صاح به صيحة حكاها المشاهد للراوي كما رواه أبو الفرج الاصبهاني فكاد أن يغشى عليه 3 .
و جعله أبو بكر قاضيا في خلافته . فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد .
و جاءت إليه سريّة لابنه عبيد الله . فقالت له : ألا تعذرني من أبي عيسى قال : و من أبو عيسى . قال : ابنك عبيد الله ، قال : ويحك و قد تكنى بأبي عيسى ، و دعاه و قال : و يحك إكتنيت بأبي عيسى . فحذر و فزع . فأخذ يده .
فعضّها حتّى صاح ثم ضربه ، و قال : و يلك هل لعيسى أب ؟ أما تدري ما كنّى العرب ؟ أبو سلمة ، أبو حنظلة ، أو عرفطة ، أبو مرّة 4 .
و في ( الخلفاء ) : قال عمرو بن ميمون : شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن فما منعني أن أكون في الصفّ الأوّل إلاّ هيبته . فكنت في الصفّ الذي يليه و كان عمر لا يكبّر حتى يستقبل الصفّ المتقدّم بوجهه . فإن رأى رجلا متقدّما من الصفّ أو متأخّرا ضربه بالدرّة . فذلك الذي منعني من التقدم . فأقبل لصلاة الصبح و كان يغلّس بها . فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة فطعنه . الخ 5 .
و عدّ ( معارف ابن قتيبة ) في " عنوان من كان على دين قبل مبعث
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 104 ، شرح الخطبة 226 ، لكن لم اجده في موفقيات الزبير بن بكار .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 113 ، شرح الخطبة 226 .
-----------
( 3 ) رواه ابو الفرج في الاغاني 16 : 98 .
-----------
( 4 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 104 ، شرح الخطبة 226 .
-----------
( 5 ) الإمامة و السياسة 1 : 12 .
[ 99 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله " زيد بن عمرو بن نفيل . قال : كان رغب عن عبادة الأوثان و طلب الدين ( فأولع به عمر ، و كان ابن عمّه ، و سلّط عليه سفهاء مكّة . فآذوه فخرج إلى الشام ) فقتله النصارى بالشام 1 .
و في ( سيرة ابن هشام ) في حديث ام عبد اللّه عن اسلام عمر قال لها زوجها : اطمعت في إسلام عمر ؟ قالت : نعم ، قال : فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب قالت : قال ذلك يأسا منه عن الإسلام لما كان يرى من غلظته و قسوته 2 .
و في ( اسد الغابة ) : روى مجاهد عن ابن عباس قال : سألت عمر عن إسلامه فقال : خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فإذا فلان المخزومي ، و كان قد أسلم . فقلت : تركت دين آبائك و اتّبعت دين محمّد ؟ قال : إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقّا منّي . قلت : من هو ؟ قال : اختك و ختنك . قال : فانطلقت .
فوجدت الباب مغلقا ، و سمعت همهمة . ففتح الباب . فدخلت فقلت : ما هذا الذي أسمع ؟ قالت : ما سمعت شيئا . فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته فأدميته . الخ 3 .
و في ( سيرة ابن هشام ) : مرّ أبو بكر بجارية بني مؤمل حىّ من بني عدي بن كعب و كانت مسلمة ، و عمر يعذّبها لتترك الإسلام ، و هو يومئذ مشرك و هو يضربها حتّى إذا ملّ قال إني أعتذر إليك أنّي لم أتركك إلاّ ملالة .
فتقول : كذلك فعل الله بك 4 .
و فيه مسندا عن عمر قال : مررت بهشام بن حكيم بن حزام ، و هو يقرأ
-----------
( 1 ) المعارف : 59 ، و ما بين القوسين ليس في نسختنا .
-----------
( 2 ) سيرة ابن هشام 1 : 295 .
-----------
( 3 ) اسد الغابة 5 : 519 .
-----------
( 4 ) سيرة ابن هشام 1 : 278 .
[ 100 ]
الفرقان في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فإذا هو يقرأ على حروف لم يقرئنيها النبيّ ،
فكدت أساوره في الصلاة . فنظرت حتّى سلّم . فلبّبته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة . قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : فقلت له ، كذبت إنّه أقرأني هذه السورة .
فانطلقت أقوده إلى النبيّ . فقلت : إنّي سمعت هذا يقرأ السورة على حروف لم تقرئنيها . فقال النبيّ : أرسله يا عمر . إقرأ يا هشام . فقرأ . فقال النبي : هكذا انزلت .
الخ 1 .
و في ( الاستيعاب ) : لمّا مات سعد بن معاذ جعلت امّه تبكي . فقال لها عمر : انظري ما تقولين . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : دعها يا عمر ، كلّ باكية مكثرة إلاّ امّ سعد ما قالت من خير فلن تكذب 2 .
و في ( العقد الفريد ) : مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنسوة من الأنصار يبكين ميّتا فزجرهن عمر . فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : دعهن يا عمر . فإن النفس مصابة و العين دامعة ، و العهد قريب 3 .
و رووا أيضا : أنّ عمر سمع صوت بكاء في بيت فدخل و بيده الدرّة .
فمال عليهم ضربا حتّى بلغ النائحة فضربها حتّى سقط خمارها . ثم قال لغلامه : إضرب النائحة ، و يلك اضربها . فإنّها نائحة لا حرمة لها ، إنّها لا تبكي بشجوكم ، إنّها تهريق دموعها على أخذ دراهمكم . إنّها تؤذي أمواتكم في قبوركم ، و أحياءكم في دورهم ، إنّها تنهى عن الصبر ، و قد أمر اللّه به ، و تأمر بالجزع ، و قد نهى اللّه عنه 4 .
-----------
( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 61 و 3 : 226 و 234 ، و 4 : 198 و 308 ، و مسلم في صحيحه 1 : 560 561 ح 270 271 ، و جمع آخر لكن لم يوجد في سيرة ابن هشام .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 4 : 396 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) العقد الفريد 3 : 168 .
-----------
( 4 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 111 ، شرح الخطبة 226 .
[ 101 ]
قلت : لم ينته الرجل بنهي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فآذى المصابات المرحومات ،
و قوله " تؤذي أمواتكم " خلاف قوله تعالى : و لا تزر وازرة وزر اخري 1 و كيف و قد أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالبكاء على عمّه حمزة ، و بكى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله نفسه على إبراهيم ابنه و قال " يحرق القلب ، و تدمع العين ، و لا نقول ما يسخط الربّ " 2 و كسب النائحة إذا لم يكن من النوح الباطل حلال .
و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : لما مات عبد اللّه بن أبيّ بن سلول حضر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جنازته فقال له عمر : ألم ينهك اللّه أن تقوم على قبره ؟ فسكت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . فقال عمر ثانية : ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ويلك ، و ما يدريك ما قلت ؟ إنّي قلت : " اللهمّ احش جوفه نارا و املأ قبره نارا " فأبدى عمر من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ما كان يكره ابداءه 3 .
قلت : و من الغريب أنّ العامّة نقلوا هذه القصّة هكذا : " إنّ عبد الله بن أبيّ لما توفيّ جاء ابنه و أهله إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و سألوه أن يصلّي عليه . فقام بين يدي الصفّ يريد ذلك فجاء عمر . فجذبه من خلفه ، و قال له : ألم ينهك اللّه أن تصلّى على المنافقين . فقال : إنّي خيّرت فاخترت فقيل لي : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تسغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر اللّه لهم 4 و لو أعلم اني إذ أزدت على السبعين غفر له لزدت . ثمّ صلىّ عليه و مشى معه ، و قام على قبره ،
فعجب الناس من جرأة عمر على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فلم يلبث الناس أن نزل قوله تعالى : و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره 5 فلم يصلّ
-----------
( 1 ) فاطر : 18 .
-----------
( 2 ) اخرجه مسلم في صحيحه 3 : 1807 ح 62 ، و ابو داود في سننه 3 : 193 ح 3126 ، و غيرهما .
-----------
( 3 ) أخرجه القمي في تفسيره 1 : 302 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) التوبة : 80 .
-----------
( 5 ) التوبة : 84 .
[ 102 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على أحد من المنافقين 1 .
فأرادوا تبديل قدحه بمدح إلاّ أنّهم لم يتفطنوا لتناقض صدر كلامهم و ذيله فيقولون أوّلا : انّ عمر جذب النبيّ من خلفه في صلاته على الرجل ، و قال له : ألم ينهك الله عن ذلك في قوله : و لا تصل على أحد منهم و يقولون أخيرا :
انّه نزل قوله و لا تصلّ على أحد منهم تصديقا لعمر .
و نظيره ما رووا له أنّه لمّا أسر النبي صلّى اللّه عليه و آله في بدر سبعين من المشركين استشار جمعا من أصحابه فيهم أبو بكر و عمر في أمرهم . فقال أبو بكر : هؤلاء بنو العمّ و العشيرة و الإخوان ، أرى أن تأخذ منهم الفدية ،
فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على المشركين ، و عسى اللّه أن يهديهم بعد اليوم .
فيكونوا لنا عضدا . فقال النبي لعمر ما تقول أنت ؟ قال : أرى أن تمكّنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه ، و تمكّن عليّا من عقيل . فيضرب عنقه ،
و تمكّن حمزة من أخيه العباس . فيضرب عنقه حتى يعلم اللّه انّه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين اقتلهم فأنهم صناديدهم و قادتهم ، فلم يهو النبيّ ما قاله عمر و هوى ما قاله أبو بكر . فأخذ منهم الفدية ، و خلّى سبيلهم فأنزل عليه ما أنزل .
قال عمر : فجئت إلى النبي . فوجدته قاعدا و أبو بكر يبكيان . فقلت : ما يبكيكما حدّثناني . فإن وجدت بكاء بكيت و إلاّ تباكيت . فقال النبي : أبكى لأخذ الفداء . لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة . لشجرة قريبة قال ابن عمر : قال النبيّ : كدنا أن يصيبنا شرّ في مخالفة عمر 2 .
فإنّه إذا كان عمر هو الّذي وافق مراده مراد اللّه ، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خالفه
-----------
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه 4 : 2141 ح 3 و 4 ، و اورد بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 3 : 264 و 266 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 169 ، سنة 2 .
[ 103 ]
كان عمر أولى بالنبوّة ، و لم يكن قوله تعالى : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته 1 بحق ، و أيضا لم يقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعمر عرض عليّ عذابكم و كان الواجب عليه أن يقول له عذابي و عذاب امّتي غيرك .
و كذا ما رووا أنّ أبا هريرة قال : كنّا قعودا حول النبيّ فقام من بين أظهرنا . فأبطأ علينا . فخشينا أن يقتطع دوننا ففزعنا ، و كنت أوّل من فزع فخرجت ابتغيه حتى أتيت حائطا لقوم من بني النجار فلم أجد للحائط بابا إلاّ ربيعا أي جدولا ، فدخلت في جوف الحائط بعد أن احتفرته . فإذا النبي . فقال : ما شأنك قلت : كنت بين أظهرنا . فقمت و أبطأت فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا ،
و كنت أوّل من فزع فأتيت هذا الحائط . فاحتفرت كما يحتفر الثعلب ، و الناس ورائي فقال : اذهب بنعليّ هاتين فمن لقيته وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلاّ اللّه مستيقنا بها قلبه بشرّته بالجنّة إلى أن قال قال أبو هريرة فضرب عمر في صدري فخررت لاستى ، و قال : إرجع إلى النبيّ . فأجهشت بالبكاء راجعا إلى أن قال فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إذا عمر ، فقال : ما حملك يا عمر على ما فعلت ؟ فقال عمر : أنت بعثت أبا هريرة بكذا ؟ قال : نعم . قال : فلا تفعل فإني أخشى أن يتّكل الناس عليها فيتركوا العمل . خلّهم يعملون فقال النبيّ : خلهم يعملون 2 .
فلم يتفطنوا أنّ ما وضعوه للرجل يكذب الله تعالى في قوله جلّ و علا :
و ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحى يوحى 3 و يستلزم أن يكون عمر أعرف بمصالح الناس و مفاسدهم من الله تعالى و رسوله .
هب ذلك كلّه ، لم ضرب أبا هريرة ضربا خرّ لاسته و أجهش بالبكاء ؟ هل
-----------
( 1 ) الانفال : 124 .
-----------
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه 1 : 59 ح 52 ، و غيره و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) النجم : 3 4 .
[ 104 ]
فعل أبو هريرة ما فعل إلاّ بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على نقلهم ؟ و لِمَ لم يطلب منه الكفّ بلا أذية حتى يراجع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .
و كذا روى الغزالي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان جالسا و عنده جوار يتغنين و يلعبن فجاء عمر فاستأذن . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اسكتن فسكتن ، فدخل عمر فقضى حاجته ثم خرج فقال لهنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عدن إلى الغناء . فقلن : يا رسول اللّه من هذا الذي لمّا جاء قلت : اسكتن ، و لمّا خرج قلت : عدن إلى الغناء قال : هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل 1 .
فيا الله من هذه الأحاديث الخبيثة التي غرستها الشجرة الامويّة الملعونة في القرآن في قلوب هؤلاء . فيجعلون عمر أورع و أعرف و أفضل من رسول ربّ العالمين .
ثم الغريب انّهم تارة يروون كونه أفضل من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و اخرى يروون كفره و ارتداده . فقالوا : لمّا كتب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الحديبية كتاب الصلح بينه و بين سهيل بن عمرو على ان من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد و من خرج من المشركين إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يردّ اليهم ، غضب عمر ، و قال لأبي بكر : ما هذا أ يرد المسلمون إلى المشركين ثم جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فجلس بين يديه ، و قال : ألست رسول اللّه حقّا ؟ قال : نعم . قال : و نحن المسلمون حقا ؟ قال :
نعم . قال : و هم الكافرون ؟ قال : نعم . قال فعلام نعطي الدنيّة في ديننا ؟ فقال النبيّ : أنا رسول اللّه أفعل ما يأمرني الله به ، و لن يضيّعني . فقام عمر مغضبا ،
و قال : و اللّه لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنيّة أبدا ، و جاء إلى أبي بكر . فقال له : أو ما وعدنا انّه سيدخل مكّة . فأين ما وعدنا به . فقال له أبو بكر : أقال لك : إنّه العام يدخلها . قال : لا . قال : فسيدخلها . قال : فما هذه الصحيفة التي كتبت ، و كيف
-----------
( 1 ) يوجد قريب من بهذا المضمون في احياء العلوم 2 : 245 .
[ 105 ]
نعطي الدنية من أنفسنا . فقال أبو بكر : يا هذا إلزم غزره . فو اللّه انّه لرسوله ان اللّه لا يضيعه . فلمّا كان يوم الفتح ، و أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مفاتيح الكعبة . قال : ادعوا لي عمر . فجاء . فقال : هذا الذي كنت وعدتكم 1 .
إلاّ أنّ الأولى روايات مفتعلة يكذّبها العقل ، و الأخيرة روايات صحيحة يشهد لها الدراية ، و لذا قال النظام كما نقله ملل الشهرستاني أنّ قول عمر ذاك شكّ في الدين ، و وجدان خرج في النفس مما قضى و حكم . بل هو نفسه أقرّ بشكّه في ذاك اليوم كما رووا 2 .
و في ( الطبري ) : إنّ عمر خطب ام أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته ،
و قالت : يغلق بابه ، و يمنع خيره ، يدخل عابسا و يخرج عابسا 3 .
و فيه : خطب عمر إلى عائشة ام كلثوم بنت أبي بكر . فقالت ام كلثوم : لا حاجة لي فيه . فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته . فقال : أنا أكفيك .
فأتى عمر . فقال : بلغنى خبر اعيذك بالله منه . قال : و ما هو ؟ قال : خطبت ام كلثوم بنت أبي بكر . قال : نعم أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عنّي ؟ قال : و لا واحدة ، و لكنها حدثة نشأت تحت كنف عائشة في لين و رفق ، و فيك غلظة ،
و نحن نهابك ، و ما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك ، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلّفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك الخ 4 .
و في ( صحيح البخاري ) عن عائشة قالت : إنّ أزواج النبيّ كنّ يخرجن بالليل إذا تبرّزن إلى المناصع و هو صعيد أفيح فكان عمر يقول
-----------
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه 2 : 205 ، و مسلم في صحيحه 3 : 1411 ح 94 ، و غيرهما و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 2 ) قول النظام في الملل و النحل 1 : 59 ، و اعتراف عمر بشكه رواه الواقدي في المغازي 1 : 607 ، و الثعلبي في تفسيره ،
عنه الطرائف 2 : 441 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 270 ، سنة 23 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) المصدر نفسه .
[ 106 ]
للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : احجب نساءك . فلم يكن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يفعل . فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليلة من الليالي عشاء و كانت طويلة ، فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل اللّه آية الحجاب 1 .
قلت : على ما اصلحوا له الخبر بكون عمله ذاك حرصا على نزول الحجاب كان عمر أعلم بالحكم من الله تعالى فضلا عن رسوله .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : ان المهاجرين و الأنصار دخلوا على أبي بكر حين بلغهم انّه استخلف عمر . فقالوا : نراك استخلفت علينا عمر ، و قد عرفته ،
و علمت بوائقه فينا و أنت بين أظهرنا . فكيف إذا و ليت عنّا و أنت لاقى اللّه عزّ و جلّ فسائلك . فما أنت قائل . فقال أبو بكر : لئن سألني اللّه لأقولن له استخلفت عليهم خيرهم في نفسي 2 .
قلت : جواب أبي بكر للمهاجرين و الأنصار كجواب معاوية لعائشة لمّا قالت له : ما تقول لله إذا سألك عن قتل حجر بن عدي مع مقامه في العبادة ؟ قال لها : دعيني و حجرا حتى نلقى ربنا ، إنّي رأيت قتله صلاحا للامّة .
و في ( عيونه ) : تقدّمت امرأة الى عمر ، فقالت " يا أبا عمر حفص اللّه لك " ( أرادت أن تقول " يا أبا حفص عمرك اللّه " ) فقال عمر : مالك أعقرت أي :
دهشت ؟ قالت : " صلعت فرقتك " ( أرادت أن تقول " فرقت صلعتك " ) 3 .
و في ( الطبري ) : لمّا أتى كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد بالحيرة أن يمدّ أهل الشام ، قال : هذا عمل الاعيسر ابن ام شملة يعني عمر حسدني أن يكون فتح العراق على يدي 4 .
-----------
( 1 ) صحيح البخاري 1 : 40 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 19 .
-----------
( 3 ) عيون الاخبار 1 : 12 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 2 : 608 ، سنة 13 .
[ 107 ]
و في ( الطبري ) : قال الفضل بن العباس : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في مرضه : أيّها الناس من خشي من نفسه شيئا فليقم أدع له . فقام رجل فقال : يا رسول اللّه إن من شيء إلاّ و قد جئته ، فقام عمر فقال : أيّها الرجل فضحت نفسك . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة . اللهم صيّر أمره إلى خير 1 .
و في ( أدب كاتب الصولي ) : أقطع أبو بكر طلحة ارضا ، و كتب له كتابا ،
و أشهد له ناسا فيهم عمر . فأتى طلحة عمر بالكتاب ليختمه ، فقال : هذا كلّه لك دون الناس لا أختم هذا فرجع طلحة مغضبا إلى أبي بكر . فقال : أنت الخليفة أم عمر 2 ؟
و فيه ، و أقطع أبو بكر لعيينة بن حصن الفزاري قطيعة ، و كتب له بها كتابا فأتى عيينة عمر فاعطاه الكتاب فبصق فيه و محاه 3 .
" يغلظ كلمها " قال الجوهري : الكلم : الجراحة ، و قرأ بعضهم دابة من الأرض تكلمهم أي : تجرحهم 4 .
و لأبي سعيد الخوارزمي في وصف رجل " جعل لسانه سنانه ، و أشفار عينيه الصلبة شفاره . فإذا تكلّم كلم بلسانه أكثر مما يكلم بسنانه ، و إذا لمح ببصره جرح القلوب بلحظه أشدّ مّما جرح الآذان بلفظه ، يظهر للناس في زي مظلوم و انّه لظالم ، و يشكوا إليهم وجع السليم و هو سالم " .
و في ( لسان العرب ) : يروى انّ عمر رأى جارية متكمكمة . فسأل عنها فقالوا : أمة آل فلان ، فضربها بالدّرة . و قال : يالكعاء أتشبّهين بالحرائر قال :
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 434 ، سنة 11 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) أدب الكاتب : 211 .
-----------
( 3 ) أدب الكاتب : 211 .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 5 : 2023 ، مادة ( كلم ) .
[ 108 ]
ارادوا متكمّمة فضاعفوا ، و اصله من الكمة ، و هي القلنسوة فشبّه قناعها بها 1 .
و في ( كامل الجزري ) : إرتد أبو شجرة السلمي ، و هو ابن الخنساء في من ارتدّ من سليم و قال ابياتا منها .
فروّيت رمحي من كتيبة خالد
و إنّي لأرجو بعدها أن اعمّرا
ثم إنه اسلم . فلمّا كان زمن عمر قدم المدينة فرآه يقسم في المساكين .
فقال : أعطني فإنّي ذو حاجة فقال : و من أنت ؟ قال : أنا أبو شجرة . قال : أي عدوّ الله لا و اللّه أ لست القائل " فروّيت رمحي " البيت ؟ و جعل يعلو رأسه بالدرة ،
فسبقه عدوا إلى ناقته . فركبها و لحق بقومه ، و قال :
ضنّ علينا أبو حفص بنائله
و كلّ مختبط يوما له ورق 2
و في ( استيعاب ) أبي عمر : كان سواد بن قارب يتكهنّ في الجاهلية . فقال له عمر يوما : ما فعلت كهانتك يا سواد ؟ فغضب سواد ، و قال : ما كنّا عليه نحن و أنت يا عمر من جاهليتنا و كفرنا شرّ من الكهانة . فمالك تعيرني بشيء تبت منه 3 ؟ و في ( الطبري ) في غزوة هوازن : " و لمّا سمع بهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بعث إليهم عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي و أمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتّى يأتيه بخبر منهم و يعلم من علمهم . فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم فأقام معهم حتّى سمع و علم ما قد أجمعوا له من حرب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و علم أمر مالك و أمر هوازن و ما هم عليه ثم أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخبره الخبر . فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عمر ، فأخبره خبر ابن أبي حدرد . فقال عمر : كذب . فقال ابن
-----------
( 1 ) لسان العرب 12 : 527 ، مادة ( كمم ) .
-----------
( 2 ) رواه ابن الأثير في الكامل 2 : 351 ، سنة 11 ، و أيضا الطبري في تاريخه 2 : 493 ، سنة 11 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) الاستيعاب 2 : 123 .
[ 109 ]
أبي حدرد : ان تكذّبني فطال ما كذّبت بالحق يا عمر 1 .
" و يخشن مسّها " في ( عيون ابن قتيبة ) عن عمّ الأصعمي قال : كلّم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلّم عمر في أن يلين لهم . فإنّه قد أخافهم حتّى إنّه قد أخاف الابكار في خدورهن . فقال عمر : إنّي لا أجد لهم إلاّ ذلك ، إنّهم لو يعلمون ما لهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي 2 .
و في ( خلفائه ) : خطب عثمان فقال : لقد عبتم علىّ أشياء ، و نقمتم امورا قد أقررتم لابن الخطاب ، مثلها ، و لكنّه و قمكم و قمعكم ، و لم يجترئ أحد يملأ بصره منه ، و لا يشير بطرفه إليه " 3 .
" و يكثر العثار فيها " قال النظام و هو أحد شيوخ المعتزلة إبداع عمر التروايح و نهيه عن متعة الحج ، و مصادرته العمّال ، و تغريبه نصر بن الحجّاج من المدينة إلى البصرة كلّ ذلك إحداث 4 .
و في ( حلية أبي نعيم ) : قدم سلمان الفارسي من سفر فتلقّاه عمر فقال له :
أرضاك للّه عبدا . قال : فبرّ حاجتي . فسكت عنه . فقال له سلمان : أترضاني للّه عبدا ، و لا ترضاني لنفسك 5 ؟
و في ( استيعاب أبي عمر ) : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم اشترى سلمان من قوم يهود بكذا و كذا درهما ، و على أن يغرس لهم كذا و كذا من النخيل يعمل فيها سلمان حتّى تدرك . فغرس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله النخل كلّه إلاّ نخلة واحدة غرسها عمر .
فأطعم النخل كلّه إلاّ تلك النخلة . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : من غرسها ؟ فقالوا : عمر .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 346 ، سنة 8 .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار 1 : 12 .
-----------
( 3 ) الامامة و السياسة 1 : 28 .
-----------
( 4 ) رواه عنه الملل و النحل 1 : 59 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 5 ) حلية الاولياء 1 : 186 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 110 ]
فقلعها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غرسها بيده فأطعمت من عامها 1 .
و روي العياشي عن أبي بكر بن حزم : أنّ رجلا توضّأ فمسح على خفيّه فصلّى . فجاء عليّ عليه السلام فوطأ على رقبته . فقال : ويلك تصلّي على غير وضوء فقال أمرني عمر . فأخذ بيده فانتهى به إليه فقال : انظر ما يروي هذا عليك و رفع صوته فقال : نعم أنا أمرته أنّ النبيّ مسح قال : قبل المائدة أو بعدها ؟
قال : لا أدري . قال : فلم تفتي ، و أنت لا تدري ؟ سبق الكتاب الخفين 2 .
و روى الخطيب في ( تاريخ بغداد ) : أنّ عمر خطب الناس بالجابية فقال :
" إنّ اللّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء " فقال قسّ من تلك القسوس : ما يقول أميركم هذا ؟ قالوا : يقول : ان اللّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء فقال القسّ برقست ، اللّه أعدل من أن يضلّ أحداً . فبلغ ذلك عمر . فبعث إليه . فقال : بل اللّه أضلّك ، و لو لا عهدك لضربت عنقك 3 .
قلت : اللفظ و إن ورد في القرآن ، إلاّ انّه من الآيات المتشابهة التي لا يجوز الأخذ بظاهرها ، و يجب تأويلها بدلالة العقل ، و قد دلّ اللّه تعالى على المراد بعده بقوله : و ما يضلّ به إلاّ الفاسقين . الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل و يفسدون في الأرض اولئك هم الخاسرون 4 .
و في ( أخبار حكماء القفطي ) : كان يحيى النحوي دخل على عمرو بن العاص لمّا فتح مصر و الاسكندرية ، و سمع منه عمرو كلامه في إبطال التثليث الّذي يعتقده يعقوبية النصارى أعجبه فلازمه . فقال له يحيى يوما : إنك أحطت
-----------
( 1 ) الاستيعاب 2 : 57 .
-----------
( 2 ) تفسير العياشي 1 : 297 ح 46 .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 11 : 290 .
-----------
( 4 ) البقرة 26 27 .
[ 111 ]
بحواصل الاسكندرية . فما كان لك به انتفاع لا اعارضك ، و أما ما لا نفع لكم به فنحن أولى به . فقال له عمرو : و ما الّذي تحتاج إليه قال : كتب الحكمة في الخزائن الملوكية . ثم ذكر له قصّة جمعها فعجب منه عمرو ، و قال له : لا يمكنني أن آمر فيها بأمر إلاّ بعد استيذان عمر . فكتب إلى عمر ، و عرّفه قول يحيى . فكتب إليه عمر : " أمّا الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب اللّه .
ففي كتاب اللّه عنه غني ، و إن كان فيها ما يخالفه فلا حاجة إليها فتقدم بإعدامها " فشرع عمرو في تفريقها على حمّامات الاسكندرية و إحراقها في مواقدها ، و ذكروا أنها استنفدت في مدة ستة أشهر . فاسمع ما جرى و اعجب 1 .
قلت : كتب الطب ، و كثير من الفنون ليست مخالفة القرآن و لا موافقته لاختلاف موضوعها ، إلاّ أنّ الرجل لم يكن له علم بكتاب اللّه و لا بكتاب آخر .
و روى الخطيب في ( عنوان الهياج ) عن الخدري قال : خطبنا عمر فقال :
إنّي لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم ، و آمركم بأشياء لاتصلح لكم ، و إنّ من آخر القرآن نزولا آية الربا إنّه قد مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لم يبيّنها لنا 2 قلت : قوله هذا يكذّب قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم 3 .
و في ( أذكياء ابن الجوزي ) قال عمر : لا تزيدوا في مهر النساء على أربعين اوقية و إن كانت بنت ذي الغصة ، يعني يزيد بن الحصين ( الّذي رأس بني الحارث مئة سنة ) فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال . فقالت امرأة من صفّ النساء طويلة في أنفها فطس : ما ذاك لك ؟ قال : و لم ؟ قالت : لأنّ اللّه عزّ
-----------
( 1 ) أخبار العلماء بأخبار الحكماء : 232 و 233 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 14 : 81 ، و المراد بآية الربا الايتان 275 276 من سورة البقرة .
-----------
( 3 ) المائدة 3 .
[ 112 ]
و جلّ قال : و آتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا و إثما مبينا 1 قال عمر : إمرأة أصابت ، و رجل أخطأ 2 .
و رواه ابن أبي الحديد و في روايته . فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر ،
حتّى ربّات الحجال . ألا تعجبون من إمام أخطأ ، و امرأة أصابت ، فاضلت إمامكم ففضلته 3 .
و قال ابن أبي الحديد : إنّ عمر مرّ يوما بشاب من فتيان الأنصار ، و هو ظمان فاستسقاه فجدح له ماء بعسل فلم يشربه ، و قال : إنّ الله تعالى يقول :
أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا 4 فقال له الفتى : إنها ليست لك و لا لأحد من أهل هذه القبلة . إقرأ ما قبلها و يوم يعرض الّذين كفروا على النار أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا 5 فقال عمر : كلّ الناس أفقه من عمر 6 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : و قيل : إنّ عمر كان يعسّ بالليل . فسمع صوت رجل و امرأة في بيت فارتاب فتسوّر الحائط ، فوجد امرأة و رجلا و عندهما زق خمر . فقال : يا عدوّ اللّه أكنت ترى أنّ الله يسترك و أنت على معصيته ؟ قال : إن كنت أخطأت في واحدة ، فقد أخطأت في ثلاث :
قال اللّه تعالى : و لا تجسّسوا 7 و قد تجسست ، و قال : و أتوا البيوت من أبوابها 8 و قد تسوّرت ، و قال : فإذا دخلتم بيوتا فسلّموا 9
-----------
( 1 ) النساء : 20 .
-----------
( 2 ) الاذكياء : 207 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 63 .
( 4 و 5 ) الاحقاف : 20 .
-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 63 .
-----------
( 7 ) الحجرات : 12 .
-----------
( 8 ) البقرة : 189 .
-----------
( 9 ) النور : 61 .
[ 113 ]
و ما سلّمت 1 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : كان الناس بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها فيصلّون عندها . فقال عمر : أراكم أيّها الناس رجعتم إلى العزّى ، ألا لا اوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلاّ قتلته بالسيف كما يقتل المرتد . ثم أمر بها فقطعت 2 .
قلت : و على ما رأى تكون الصلاة في مقام إبراهيم عليه السّلام رجوعا إلى اللات و مناة .
و روى الواحدي في ( تفسيره الوسيط ) و أبو نعيم في ( حليته ) عن أبي عسيب مولى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليلا فدعاني فخرجت إليه .
ثم مرّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه . ثم مرّ بعمر فدعاه فخرج إليه . ثم انطلق يمشي ، و نحن معه حتّى دخل حائطا لبعض الأنصار . فقال لصاحب الحائط أطعمنا بسرا . فجاء بعذق فوضعه . فأكل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه ثم دعا بماء فشرب . ثم قال : إنّكم لمسؤولون عن هذا يوم القيامة ، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتّى تناثر البسر بين يدي رسول اللّه ثم قال : إنّا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة قال : نعم إلاّ عن ثلاث : خرقة يواري الرجل بها عورته ، أو كسرة يسدّ بها جوعته ، أو جحر يدخل فيه من الحرّ و البرد 3 .
و عن جمع ( صحيحي الحميدي ) من ( مسند عائشة ) قالت : إعتم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بالعشاء حتّى ناداه عمر للصلاة فقال : نام الصبيان و النساء و في رواية ابن شهاب أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : " و ما كان لكم أن تقرروا رسول
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 63 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 59 .
-----------
( 3 ) أخرجه الواحدي في الوسيط ، و عنه عين العبرة : 23 ، و أبو نعيم في حلية الاولياء 2 : 27 ، و أحمد في مسنده 5 : 81 ،
و رواه عن عدة طرق أخر السيوطي في الدر المنثور 6 : 389 .
[ 114 ]
الله على الصلاة " و ذلك حين صاح عمر بن الخطاب 1 .
و روى الخطيب في محمد بن علي السجستاني عن فاطمة بنت قيس الفهرية قالت : طلّقني زوجي ثلاثا . فلم يجعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لي سكنى و لا نفقة ،
فرفع ذلك إلى عمر فقال : لا ندع كتاب اللّه لقول امرأة لعلّها نسيت 2 .
و أقول : الكتاب إنّما جعل السكنى و النفقة للرجعية تكون عنده لعل اللّه يحدث بعد ذلك امرا . فيراجعها و ترجع إليه لا التي لا تحل له حتّى تنكح زوجا غيره ، و لكن الرجل لم يكن من أهل فهم الكتاب فلم ردّ السنّة ؟
و ام مؤمنيهم أيضا كذّبتها كفاروقهم ، و كذّبها مروان تبعا لهما فاحتجّت بالأية . فكانت أفقه من إمامهم و من صديقتهم . روى ذلك ( سنن أبي داود ) 3 .
و روى ( الكافي ) : أنّ موضع مقام إبراهيم عليه السّلام كان عند جدار البيت ،
فحوّله أهل الجاهليّة إلى المكان الّذي هو فيه اليوم . فلمّا فتح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مكّة ردّه إلى الموضع الّذي وضعه فيه إبراهيم عليه السّلام ، فلمّا ولى عمر ردّه إلى مكان أهل الجاهلية 4 .
و قال أبو موسى كما في ( اسد الغابة ) : روى ابن شاهين باسناده ، عن ابن إسحاق ، عن ابن شهاب قال : حدّثت عن المغيرة . قال : قدمت على عمر .
فوجدته ، لا يورّث الجدّتين ام الأم و لا أم الأب قال : فقلت له : يا أمير المؤمنين قد عرفت خصماء أتوا رسول الله صلّى اللّه عليه و آله يعني في الجدّة فورثها قال و وجدته لا
-----------
( 1 ) رواه عن الحميدي ابن طاووس في الطرائف 2 : 442 ، و الحديث في صحيح مسلم 1 : 441 ح 218 .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 3 : 71 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 3 ) أخرجه أبو داود بطرق في سننه 2 : 285 289 ، و أيضا البخاري في صحيحه 3 : 282 ، و مسلم في صحيحه 2 :
1116 1121 ، و غيرهم .
-----------
( 4 ) الكافي 4 : 223 ح 2 ، و النقل بالمعنى .
[ 115 ]
يورّث الورثة من الدية شيئا . فقلت يا أمير المؤمنين كان حمل بن مالك الهذلي تحته امرأتان إحداهما حبلى ، و إنّ امرأته الاخرى قتلت الحلبي . فرفع أمرهما إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فقضى أن يعقل عن القاتلة عصبتها ، و ان يرث المقتولة ورثتها و ذكر الحديث فأقبل رجل من هذيل يقال له شريك بن وائلة إلى عمر فقصّ عليه حديث امرأتي حمل 1 .
و في ( لسان العرب ) : كان عمر جعل الثلث للإخوة للأم ، و لم يجعل للإخوة للأب و الأم شيئا . فراجعه الإخوة للأب و الأم ، و قالوا له : هب أنّ أبانا كان حمارا فأشركنا بقاربة امّنا فأشرك بينهم . فسمّيت الفريضة مشركة 2 و في ( الطبري ) : انّ وفد مصر أتوا عثمان . فقالوا له : ادع بالمصحف .
فدعابه . فقالوا له : افتح السابعة و كانوا يسمّون سورة يونس السابعة فقرأها إلى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما و حلالا قل الله اذن لكم أم على الله تفترون 3 فقالوا له : قف أرايت ما حميت من الحمى الله إذن لك أم على اللّه تفتري . قال : انّ عمر حمى قبلي لابل الصدقة . فلمّا وليت زادت ابل الصدقة فزدت في الحمي لما زادت ابل الصدقة 4 .
قلت : فعل عمر لم يكن حجّة لعثمان ، و الآية تتوجّه بعمومها عليهما و الزيادة و النقصان لا مدخليّة لهما في المشروعية و عدمها .
" و الاعتذار منها " قال ابن أبي الحديد : لمّا مات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و شاع بين الناس موته طاف عمر على الناس قائلا : " إنّه لم يمت ، و لكنّه غاب عنّا كما غاب موسى عن قومه ، و ليرجعنّ فليقطعنّ أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنّه مات "
-----------
( 1 ) اسد الغابة 2 : 398 .
-----------
( 2 ) لسان العرب 10 : 449 ، مادة ( شرك ) .
-----------
( 3 ) يونس : 59 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 390 ، سنة 35 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 116 ]
فجعل لا يمرّ بأحد يقول إنه مات إلاّ و يخبطه ، و يتوعدّه حتّى جاء أبو بكر . فقال :
أيّها الناس من كان يعبد محمدا فإنّ محمّدا قد مات ، و من كان يعبد ربّ محمّد ،
فإنه حيّ لم يمت . ثم تلا قوله تعالى : أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم 1 قالوا فو اللّه لكان الناس ما سمعوا هذه الآية حتىّ تلاها أبو بكر .
و قال عمر : لمّا سمعته يتلوها هويت إلى الأرض و علمت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد مات 2 .
قلت : و لهم اعتذارات عن هذا كالعذرات منها لعمر نفسه . فروى محمد بن اسحق عن الزهري عن أنس قال : لمّا بويع أبو بكر في السقيفة ، و كان الغد جلس أبو بكر على المنبر . فقام عمر فتكّلم قبل أبي بكر . فقال : أيّها الناس إنّي كنت قلت لكم مقالة بالأمس ما كانت إلاّ عن رأي و ما وجدتها في كتاب الله ، و لا كانت بعهد من النبيّ . و لكنيّ كنت أرى أنّ الرسول مستدبر أمرنا حتىّ يكون آخرنا موتا ، و في خبر آخر قال عمر لابن عباس : إنه أوّل آية و كذلك جعلناكم امّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا 3 على أنّ النبي سيبقى بعد امّته حتىّ يشهد عليها بآخر أعمالها 4 .
قلت : كيف ظنّ ذلك و قد منعه من الوصيّة ؟ و هل الوصيّة إلاّ لما بعد الموت ؟
و منها للشارح ابن أبي الحديد فقال : لم ينكر عمر ذلك على وجه الاعتقاد ، بل على الاستصلاح و للخوف من ثوران الفتنة قبل مجيء أبي بكر فلمّا جاء أبو بكر قوي به جأشه فسكت عن هذه الدعوى لأنّه قد أمن
-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 60 .
-----------
( 3 ) البقرة : 143 .
-----------
( 4 ) نقله عنه ابن هشام في السيرة 4 : 228 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 117 ]
بحضوره من خطب بحدث أو فساد ، فقد روى جميع أرباب السير أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لما توفّي كان أبو بكر في منزله بالسنح 1 .
قلت : الامر كما قال ، إلاّ أنه دال على أنّ عمله كان عملا نفاقيا و سياسة دنيوية منقطعة عن الدين ، أراد بذلك إحكام الأمر له و لصاحبه . فلم سمّاه استصلاحا ؟ و اذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون 2 و لم قال : للخوف من ثوران الفتنة ، و عمله كان أوّل الفتن و سببا لآخرها ألا في الفتنة سقطوا 3 .
و منها لبعضهم أنّه غلب على عمر شدّة حال المصيبة فخرج عن حال العلم و المعرفة . قلت : و لعلّ لشدّة مصيبة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عليه بتلك الدرجة أراد إحراق أهل بيته فاطمة و الحسنين و علي عليهم صلوات اللّه .
و قال ابن أبي الحديد : قال عمر : " متعتان كانتا على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنا محرّمهما و معاقب عليهما ، متعة النساء و متعة الحج " قال : و هذا الكلام و إن كان ظاهره منكرا فله عندنا مخرج و تأويل 4 .
قلت : تأويلهم له كتأويل يحيى بن أكثم قوله تعالى : أو يزوّجهم ذكرانا و إناثا 5 بأنّ المراد تحليل اللواط .
و في ( تاريخ بغداد ) : أنّ المأمون أمر في طريق الشام بتحليل المتعة ، و كان يقول مغتاظا على قول عمر : " متعتان كانتا على عهد رسول اللّه و على عهد أبي بكر و أنا أنهى عنهما " : " من أنت يا أحول حتّى
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 129 ، شرح الخطبة 26 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) البقرة : 11 .
-----------
( 3 ) التوبة : 49 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 61 .
-----------
( 5 ) الشورى : 50 .
[ 118 ]
تنهى عمّا فعله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله " 1 .
و روى ( سنن أبي داود ) : أنّ المغيرة تكنّى بأبي عيسى . فقال له عمر : أما يكفيك أن تكنّى بأبي عبد اللّه ؟ فقال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كنّاني . فقال عمر : " إنّ النبي قد غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر ، و انّا في جلجتنا " 2 : أي ضيق كضيق الحباب على ما في النهاية 3 .
قلت : أي ربط لقوله : إنّ النبيّ قد غفر له ، إلاّ أنّه اخطأ في فعله ، و انّ ذلك كان ذنبا منه ، و ان وعده تعالى بالغفران ، مع أنّ كلّ أحد يعلم انّ فعل النبي صلّى اللّه عليه و آله حجّة .
و روى أيضا عن أبي موسى الأشعري أنّه أتى عمر فاستأذن ثلاثا .
فقال : يستأذن أبو موسى ، يستأذن الأشعري ، يستأذن عبد اللّه بن قيس . فلم يؤذن له . فرجع . فبعث إليه عمر ما ردّك ؟ قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : يستأذن أحدكم ثلاثا فإن أذن له و إلاّ فليرجع . قال : إيتني ببينة على هذا . فذهب ثم رجع فقال : هذا أبيّ فقال ابيّ : يا عمر لا تكن عذابا على أصحاب رسول اللّه .
و روى في خبر آخر . فانطلق بأبي سعيد الخدري فشهد له . فقال عمر :
أخفي عليّ هذا من أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ؟ ألهاني الصفق بالأسواق 4 .
و رووا أنّ عمر أوّل من زاد في الأذان " الصلاة خير من النوم " مع كون العبادات توقيفية 5 .
و قال ابن أبي الحديد : و كان في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء و عنجهية
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 14 : 199 .
-----------
( 2 ) أخرجه أبو داود في سننه 4 : 291 ح 4963 ، و الحاكم في المستدرك 3 : 450 ، و غيرهما .
-----------
( 3 ) النهاية 1 : 283 ، مادة ( جلج ) .
-----------
( 4 ) الحديثان أخرجهما أبو داود في سننه 4 : 346 ح 5181 و 5182 .
-----------
( 5 ) رواه مالك في الموطا : 57 .
[ 119 ]
ظاهرة يحسبه السامع لها انّه أراد بها ما لم يكن قد أراد ، و يتوهّم من تحكي له أنّه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده ، فمنها الكلمة التي قالها في مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و معاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها ، و لكنّه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ، و لم يتحفّظ منها ، و كان الأحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض ، و حاشاه أن يعني بها غير ذلك ، و لجفاة الأعراب من هذا الفن كثير .
سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط .
ربّ العباد ما لنا و مالكا
قد كنت تسقينا فما بدا لكا
انزل علينا لقطر لا أبا لكا
فقال سليمان : " أشهد أنّه لا أب له و لا صاحبة و لا ولد " فأخرجه أحسن مخرج 1 .
قلت : كان سليمان بن عبد الملك مع كفر بني اميّة قاطبة الشجرة الملعونة في القرآن آدب من عمر .
ثم إنه و إن أوّل قول عمر مشيرا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم " إنّ الرجل ليهجر " تأويلا هجرا كتوصية الجاحظ لصديق أبي العيناء و شكره على توصيته . فما يقول في منعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصيّة ، و ضلال الامة بسببه ؟ و ما يفعل في إغضابه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتىّ أخرجه من عنده ؟ فعقد ابن سعد مع نصبه في ( طبقاته ) بابا لذلك .
و روى في إسناد عن سعيد بن جبير قال : جعل ابن عباس يبكي ، و يقول :
يوم الخميس و ما يوم الخميس إشتدّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم وجعه . فقال : إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده ابدا فقال بعض من كان عنده :
إنّ نبيّ اللّه ليهجر فقيل له : ألا نأتيك بما طلبت ؟ قال : أو بعد ماذا ؟ فلم يدع به .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 61 .
[ 120 ]
و في إسناد آخر قال ابن عباس : يوم الخميس و ما يوم الخميس ، إشتدّ بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم وجعه في ذلك اليوم . فقال : إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا ، فسارعوا و لا ينبغي عندي تنازع . فقالوا : ما شأنه اهجر استفهموه ؟ فذهبوا يعيدون عليه . فقال : دعوني . فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه . الخبر .
و روى عن جابر الأنصاري قال : لمّا كان في مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي توفّى فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لامّته كتابا لا يضلّون و لا يضلّون . فكان في البيت لغط و كلام ، و تكلّم عمر بن الخطاب فرفضه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
و عن عبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة قال : قال ابن عباس : لما حضر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوفاة و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده . فقال عمر : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد غلبه الوجع ،
و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه . فاختلف أهل البيت ، و اختصموا فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و منهم من يقول ما قال عمر . فلمّا كثر اللغط ، و الاختلاف و غمّوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : قوموا عنّي . قال عبيد اللّه : فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزية ما حال بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم .
و روى عن عمر قال : كنّا عند النبيّ ، و بيننا و بين النساء حجاب . فقال :
إيتوني بصحيفة و دواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا . فقال النسوة : إيتوا النبيّ بحاجته . فقلت : اسكتن . فإنكنّ صواحبه إذا مرض عصرتن اعينكن ، و اذا صحّ أخذتن بعنقه . فقال النبيّ : هنّ خير منكم .
و روى عن ابن عباس ، قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مرضه الّذي مات فيه :
إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من
[ 121 ]
لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبي ليس بميّت حتىّ نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . فقالت زينب زوج النبي : ألا تسمعون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يعهد اليكم . فلغطوا . فقال : قوموا عنّي فلمّا قاموا قبض مكانه 1 .
و روى الطبري أنّ عمران بن سودة قال لعمر : عابت امّتك اربعا . فوضع رأس درّته في ذقنه ، و اسفلها على فخذه . ثم قال : هات قال : ذكروا أنك حرّمت العمرة في أشهر الحج ، و لم يفعل ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لا أبو بكر و هي حلال .
فقال : لو أنّهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية عن حجّهم ، فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجهم و هو بهاء من بهاء اللّه و قد أصبت . قال : و ذكروا أنّك حرّمت متعة النساء ، و قد كانت رخصة من اللّه يستمتع بقبضة ، و يفارق عن ثلاث . قال : إنّ النبيّ أحلّها في زمان ضرورة . ثم رجع الناس إلى سعة . ثم لم أعلم أحدا من المسلمين عمل بها و لا عاد إليها . فالآن من شاء نكح بقبضه ،
و فارق عن ثلاث ، و قد أصبت . قال : و أعتقت الامة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها . قال : ألحقت حرمة بحرمة ، و ما أردت إلاّ الخير . قال : و تشكو منك نهر الرعية و عنف السياق . قال : فشرع الدرّة ثم مسحها 2 .
" فصاحبها كراكب الصعبة " أي : فمصاحب تلك الحوزة الخشناء الغليظ كلمها ، الخشن مسها ، الكثير العثار فيها و الاعتذار منها ، كراكب دابة صعبة و المصعب جمل لم يركب و لم يمسسه حبل . قال الشاعر :
كأنّ راكبها غصن بمروحة
إذا تدلّت به أو شارب ثمل
-----------
( 1 ) هذا الحديث أخرجه جمع كثير عن ابن عباس منهم ابن سعد في الطبقات 2 ق 2 : 36 و 37 ، و البخاري في صحيحه 1 : 32 ، و 2 : 178 و 202 ، و 3 : 91 ، و 4 : 271 ، و مسلم في صحيحه 3 : 1257 و 1259 ح 20 22 ، و أخرجه عن جابر ابن سعد في الطبقات 2 ق 2 : 36 و 37 ، و أحمد في مسنده 3 : 346 ، و عن عمر ابن سعد في الطبقات 2 ق 2 : 37 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 290 ، سنة 23 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 122 ]
و مروحة موضع تخترق فيه الريح .
قال ابن قتيبة في ( خلفائه ) : لمّا قعد عمر في الخلافة أتاه رجل فقال : أدنو منك . فإنّ لي حاجة . قال : لا . قال الرجل : إذن أذهب . فيغنيني اللّه عنك . فولىّ ذاهبا . فاتبعه عمر ببصره ثم قام فأخذ بثوبه و قال له : ما حاجتك قال : بغضك الناس و كرهك الناس . قال : و لم ويحك فقال : للسانك و عصاك 1 .
و قال ابن قتيبة أيضا : كان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر ،
و استبطؤوا الخبر . فقالوا : إنّا نخاف أن يكون الخليفة قد مات ، و ولي بعده عمر فان كان عمر هو الوالي فليس لنا بصاحب ، و إنّا نرى خلعه . فقال بعضهم : فابعثوا رجلا ترضون عقله . فانتخبوا لذلك . فقدم على عمر ،
و كان عمر قد استبطأ خبر الشام . فقال له : كيف الناس ؟ قال : صالحون ،
و هم لولايتك كارهون ، و من شرك مشفقون فأرسلوني أحلو أنت أم مر الخ 2 ؟
و من المضحك أنّ ابن قتيبة قال بعد نقل القضيتين : إنّ عمر دعا لحبّ الناس له فاستجيب له 3 .
قلت : و استجابة دعائه في ذلك كاستجابة دعائه حين موته بعد تعيينه ستّة الشورى . فقال في دعائه : " اللهمّ ألّفهم و لا تردّهم على أعقابهم ، و ولّ أمر أمّة محمّد خيرهم " فاستجيب دعاؤه فصار الأمر إلى بني امية الذين لا يعتقدون ثوابا و لا عقابا ، و كانوا يلعبون بالدين لعب الأطفال بالكرات .
هذا ، و في ( تاريخ بغداد ) : قال إسماعيل حماد بن أبي حنيفة : كان لنا جار طحّان رافضي و كان له بغلان سمّى أحدهما أبا بكر ، و الآخر عمر فرمحه ذات ليلة أحدهما فقتله فأخبر أبو حنيفة فقال : انظروا البغل الّذي رمحه الّذي سمّاه
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة 1 : 20 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الامامة و السياسة 1 : 20 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) الامامة و السياسة 1 : 20 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 123 ]
عمر . فنظروا فكان كذلك 1 .
قلت : و لا غرو و نظيره نقل عن الحجاج ففي ( العقد ) : أقبل رجل إلى يزيد بن أبي مسلم و كان كاتب الحجاج ، و ولاّه الوليد بعد موته مكانه فقال له : إني كنت رأيت الحجاج في المنام فقلت : ما صنع اللّه بك ؟ فقال " قتلني بكل قتيل قتلته قتلة " ثم رأيته بعد حول فقلت : ما صنع اللّه بك ؟ فقال يا عاض بظر امّه أما سألتني عن هذا عام أوّل ؟ فقال : يزيد أشهد أنّك رأيته حقا 2 .
" إن أشنق لها خرم " قد عرفت انّ المصنّف فسّره بمعنى إذا شدّد على الصعبة في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها : أي : خرقه ، و في ( النهاية ) : يقال " شنق لها و شنق لها " 3 .
هذا ، و في ( المقاتل ) : إنّ محمّدا و إبراهيم أبني عبد اللّه بن الحسن المثنى كانا عند أبيهما فوردت إبل لمحمّد فيها ناقة شرود لا يردّ رأسها شيء . فجعل ابراهيم يحدّ النظر إليها . فقال له محمد : كأنّ نفسك تحدّثك أنّك رادّها . قال :
نعم ، قال : فإن فعلت فهي لك . فوثب إبراهيم فجعل يتغيّر لها و يتستّر بالإبل حتّى إذا أمكنته جاءها و أخذ بذنبها . فاحتملته و أدبرت تمخض بذنبها حتّى غاب عن عين أبيه . فأقبل على محمد و قال له : قد عرّضت أخاك للهلكة . فمكث هويّا . ثم أقبل مشتملا بإزاره حتّى وقف عليهما . فقال له محمد : كيف رأيت ؟
زعمت انّك رادّها ، و حابسها ، فألقى ذنبها و قد أنقطع في يده . فقال : ما أعذر من جاء بهذا 4 .
" و إن أسلس لها تقحم " قد عرفت أنّ المصنّف قال : معناه أنّه إن أرخى لها
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 13 : 364 .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 288 .
-----------
( 3 ) النهاية 1 : 506 ، مادة ( شنق )
-----------
( 4 ) مقاتل الطالبيين : 211 .
[ 124 ]
شيئا مع صعوبتها تقحّمت به : أي : أدخلته في المهالك .
و تقول العرب : الجمل النّاد إذا سميّ أبوه يسكن ، و الناقة النادة إذا سميّت امّها تسكن . أنشد ابن الأعرأبي :
أقول و الناقة بي تقحم
و أنا منها مكلئزّ معصم
ويحك ما اسم امّها يا علكم 1
و ممّا قيل في التشبيه بمركوب سوء قول شاعر :
و صاحب السوء كالداء العياء إذا
ما ارفضّ في الخوف يجري متهاونا
كمهر سوء إذا رفعت سرته
رام الجماح و إن خفضته حرنا
و قال عمرو بن سعيد الأشدق في وصف يزيد بن معاوية " فهو ان عضّ نهش ، و ان سطا فرس " .
لقيت خولة بنت حكيم التي نزلّت فيها قد سمع اللّه قول التي تجادلك في زوجها 2 عمر حين خرج و يده على المعلى بن جارود فقالت : كنّا نعرفك مدّة عميرا . ثم صرت من عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين .
فاتق اللّه يا ابن الخطاب ، و انظر في امور الناس 3 .
و في ( معارف ابن قتيبة ) عن سماك بن حرب : كان عمر أروح 4 ،
و الأروح الّذي إذا مشى تتباعد صدور قدميه و تتدانى عقباه و كان خالد بن الوليد يسمّيه الأعيسر ، و الأعسر الّذي يعمل بيساره .
" فمني الناس " أي : ابتلوا .
" لعمر اللّه " قال الجوهري : إذا جئت باللام مع عمر بالفتح رفع لأنّ التقدير
-----------
( 1 ) أورده لسان العرب 12 : 464 ، مادة ( قحم ) ، و أساس البلاغة : 356 ، مادة ( قحم ) .
-----------
( 2 ) المجادلة : 1 .
-----------
( 3 ) اخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب 4 : 291 ، و ابن حجر في الاصابة 4 : 290 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) المعارف : 181 .
[ 125 ]
" لعمر اللّه قسمي " و بدونها نصبت نصب المصادر تقول : " عمر اللّه ما فعلت " و معناهما أحلف ببقاء اللّه و دوامه 1 .
قلت : و الصواب أن يقال : إنّ الثاني منصوب بنزع الخافض لأنّ الأصل في عمر اللّه بعمر اللّه . قال عمر بن أبي ربيعة :
قالت لتربيها بعمركما
هل تطمعان بأن نرى عمرا 2
نعم إذا قيل " عمرك الله " ينصب بالمصدر قال عمر بن أبي ربيعة :
أيها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يجتمعان 3
لأنّه حينئذ للدعاء و الأصل عمرك اللّه عمرا .
" بخبط " يقال : خبط عشواء للناقة التي في بصرها ضعف فتضرب بيدها الأرض إذا مشت لا تتوقى شيئا .
و يقال لمن لا شيء له : " ما له خابط و لا ناطح " أي : بعير و لا ثور ، و الخبط ضرب الشجر لتناثر ورقة .
و الرجل كان مختبطا في الجاهلية ، و خابطا في الاسلام أما اختباطه في الجاهلية . ففي ( نهاية الجزري ) : قال عمر : " لقد رأيتني بهذا الجبل أحتطب مرّة ،
و أختبط اخرى " أي : أضرب الشجر لينتثر الخبط منه 4 .
و أمّا خبطه في الاسلام . فقال عبيدة السلماني على نقل الجاحظ عن النظام عنه : إنّي لأحفظ من عمر مئة قضيّة في الحدّ كلها ينقض بعضها بعضا ،
مع أنّه قال : أجرأكم على الحد أجرأكم على النار 5 .
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 2 : 756 ، مادة ( عمر ) ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) أورده أساس البلاغة : 313 ، مادة ( عمر ) .
-----------
( 3 ) اورده لسان العرب 4 : 601 ، مادة ( عمر ) .
-----------
( 4 ) النهاية 2 : 8 ، مادة ( خبط ) .
-----------
( 5 ) رواه عنه الشريف المرتضى في الفصول المختارة 1 : 160 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 126 ]
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : أنّ عمر قال لابنه لمّا قال له الطبيب بعد ضربه : لا أرى أن تمسي : ناولني الكتف . فلو أراد اللّه أن يمضي ما فيه أمضاه ، فمحاها بيده و كان فيها فريضة الجد 1 .
و قال النظام : و ليس يشبه رأي عمر صنيعه حين خالف أبيّ بن كعب و ابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد لأنّه حين بلغه ذلك خرج مغضبا حتىّ أسند ظهره إلى حجرة عائشة و قال : إختلف رجلان من أصحاب النبيّ ممّن يؤخذ عنه لا أسمع أحدا يختلف في الحكم بعد مقامي هذا إلاّ فعلت به و صنعت . أفترى أنّ عمر نسبي اختلاف قوله في الأحكام حتّى أنكر ما أظهر من الاختلاف بين الرجلين ؟ كلاّ ، و لكنّه كان يناقض و يخبط خبط عشواء 2 .
و من خبطاته مشاطرته عمّاله ، و عدّها النظام من أحداثه 3 ، و في ( تاريخ اليعقوبي ) : شاطر عمر جماعة من عمّاله ، سعد بن أبي وقاص عامله على الكوفة ، و عمرو بن العاص عامله على مصر ، و أبا هريرة عامله على البحرين إلى أن قال و يعلى بن منية عامله على اليمن ، و امتنع أبو بكرة من المشاطرة ،
و قال لعمر : و اللّه لئن كان هذا المال للّه ، فلا يحلّ لك أن تأخذ بعضا و تترك بعضا ، و إن كان لنا ، فمالك أخذه إلى أن قال و لم يكن يموت لمعاوية عامل إلاّ شاطر ورثته ماله . فكان يكلّم في ذلك فيقول هذه سنّة سنّها عمر 4 .
و من خبطه ما قالوا : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال يوم بدر في أوّل الوقعة : " لا يقتل أحد من بني هاشم فإنهم اخرجوا كرها ، و من لقي العباس بن عبد المطلب عمّي لا يقتله إنّما اخرج مكرها " فقال أبو حذيفة بن عتبة : " أ يقتل آباؤنا
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة 1 : 21 .
-----------
( 2 ) رواه عنه الشريف المرتضى في الفصول المختارة 1 : 160 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) رواه عنه الشهرستاني في الملل و النحل 1 : 59 .
-----------
( 4 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 157 و 222 .
[ 127 ]
و أبناؤنا و إخواننا و عشائرنا ، و نترك العباس ، و اللّه لئن لقيته لالحمنه السيف " فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعمر : " أ يضرب وجه عم رسول اللّه بالسيف " ؟ فقال عمر :
" دعني أضرب عنق أبي حذيفة بالسيف فو اللّه لقد نافق " 1 .
مع أنّه بعد ختم بدر جاء عمر نفسه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له : " أطعني في ما اشير به عليك فإنّي لا آلوك نصحا . قدّم عمك العباس فاضرب عنقه بيدك . و قدّم عقيلا إلى عليّ أخيه يضرب عنقه " فكره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قوله الخ 2 فنسي قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أوّل الوقعة . فأراد ضرب عنق أبي حذيفة لأنّه لم يكترث بقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " لا تقتلوا عمّي فإنّه كان مكرها على الخروج " ثم يقول للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إضرب عنقه .
و يحلف أنّ أبا حذيفة نافق مع أنه كان مسلما ، و إنما قال ما قال عن العاطفة البشرية بلا قصد ، فكان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قتل أباه و أخاه و عمه في تلك الغزوة . فقال ما قال ، و كان في عمره يقول : ما أنا بآمن من تلك الكلمة ، و لا أزال خائفا أبدا .
و كان قول أبي حذيفة ذاك نظير قول سودة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا رأت اسارى قومها : " أعطيتم بأيديكم ؟ ألا متّم كراما ؟ " فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يا سودة " أ على اللّه و رسوله ؟ " فقالت : و الذي بعثك بالحق . ما ملكت نفسي حين رأيتهم 3 .
و من خبطه و خبط صاحبه أنّهما لم يقبلا قول فاطمة عليها السلام إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أعطاها فدك مع شهادة اللّه تعالى لها بالعصمة في قوله جلّ و علا :
-----------
( 1 ) رواه ابن اسحاق في المغازي و عنه شرح ابن أبي الحديد 3 : 356 ، شرح الكتاب 9 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) المصدر نفسه .
-----------
( 3 ) رواه الواقدي في المغازي 1 : 118 ، و ابن هشام في السيرة 2 : 209 .
[ 128 ]
إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 1 و كونها أقرب الخلق إليه تعالى من النساء في قوله عزّ اسمه : و نساءنا و نساءكم و شهادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بجلالها و كونها سيّدة نساء العالمين ، و أنّ رضاها رضاه و سخطها سخطه ، و كانا يقبلان قول كل من ادّعى أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم وعده وعدا .
ففي ( فتوح البلاذري ) : أمر المأمون في سنة ( 210 ) بردّ فدك إلى ولد فاطمة عليها السلام ، و كتب إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : " أمّا بعد فإنّي بمكاني من دين اللّه ، و خلافة رسوله و القرابة به أولى من استنّ سنّته ، و نفذ أمره ،
و سلّم لمن منحة منحة ، و تصدّق عليه بصدقة ، منحته و صدقته ، و باللّه توفيقي و عصمتي ، و إليه في العمل بما يقرّبني إليه رغبتي ، و قد كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أعطى فاطمة بنته فدك و تصدّق بها عليها ، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرأيت أن اردّها إلى ورثتها ، و اسلّمها إليهم ،
تقرّبا إلى اللّه تعالى بإقامة حقّه و عدله و إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتنفيذ أمره و صدقته . فأمرت بإثبات ذلك في دواويني ، و الكتاب به إلى عمّالي فلأن كان ينادى في كلّ موسم بعد أن قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله و ينفذ عدته إنّ فاطمة لأولى أن يصدّق قولها في ما جعل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم لها ، و قد كتبت إلى المبارك الطبري مولاي أمرته بردّ فدك على ورثتها . الخ 2 .
و أقول للمأمون : لا تعجب من عملهما في قبول كلّ من أدّعى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم صدقة أو هبة أو عدة و عدم قبول قول بنته مع ذاك المقام . فأرادا
-----------
( 1 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 2 ) فتوح البلدان : 46 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 129 ]
بما عملا مع الناس بأن يقولا نحن ننجز عدات النبي و نقضي ديونه في مقابل أمير المؤمنين عليه السّلام الّذي كان مأمورا بذلك من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و أرادا بما عملا معها استيصال أهل البيت عليه السّلام كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في شكايته " بلى كانت في أيدينا فدك إلى قوله و نعم الحكم اللّه " 1 .
و من خبطه أنّه يقول للزبير بعد جعله في الشورى و ذكر عيوبه : " أنت يوما انسان و يوما شيطان ، فمن يكون إمام الناس يوم تكون شيطانا ؟ " 2 مع أنّ أبابكر الّذي نصبه هو أقرّ بأنّ له شيطانا يعتريه ، و رأى ذلك منه عيانا في قصّة مالك بن نويره و غدر خالد بن الوليد عامله به ، و قتله له مع اسلامه و زناه بامرأته و مداهنة أبي بكر في ذلك .
و من خبطه أنه يقول لطلحة بعد تعيينه في الشورى : " أما إنّي أعرفك منذ اصيبت اصبعك بالبأ و الّذي أحدث لك ، و لقد مات النبي ساخطا عليك للكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب " 3 قال الجاحظ : يعني عمر أنّ آية الحجاب لمّا نزلت قال طلحة : " ما الذي يغنيه حجابهن اليوم ، و سيموت غدا فننكهحن " فنقل ذلك عنه للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
قال الجاحظ : " لو قال قائل لعمر " أنت قلت أوّلا : " إنّ النبي مات و هو راض عن هؤلاء طلحة و غيره " و تقول ثانيا : " مات النبي ساخطا على طلحة لتلك الكلمة " لكان رماه بمشاقصه ، و لكن من كان يجسر أن يقول لعمر مادون هذا فكيف هذا 4 ؟
و من خبطه عدم تسويته في العطاء مع كونه خلاف الكتاب و السنة . قال
-----------
( 1 ) نهج البلاغة 3 : 71 ، الكتاب 45 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 62 ، شرح الخطبة 3 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) رواه الجاحظ في السفيانية ، و عنه شرح ابن أبي الحديد 1 : 62 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 62 .
[ 130 ]
الإسكافي في ( نقض عثمانيته ) : قال عليّ عليه السّلام لطلحة و الزبير : ألا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما ظلمتكما إيّاه ؟ قالا : معاذ اللّه إلى أن قال فقال لهما : فما الّذي كرهتما من أمري حتّى رأيتما خلافي ؟ قالا : لخلافك على عمر ابن الخطاب في القسم . إنّك جعلت حقّنا في القسم كحقّ غيرنا إلى أن قال فقال عليه السّلام لهما : و أما القسم و الاسوة : فإنّ ذلك لم أحكم فيه بادئ بدء ، فقد وجدت أنا و أنتما الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم يحكم بذلك ، و كتاب اللّه ناطق به و هو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد 1 .
و من خبطه مخالفته النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الصوم في السفر ، و في بقائه على حجّ الإفراد في حجّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع أمره الناس بالعدول إلى حجّ التمتع .
و من خبطه ردّه شهادة المملوكين . فقد روي عن الصادق عليه السّلام أنّه أوّل من فعل ذلك 2 ، و جمعه الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز ، ففي ( أوائل العسكري ) أنّه أوّل من فعل ذلك 3 .
و في ( الطبري ) في غزوة حنين : قال ابن إسحاق : لمّا سمع بهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث إليهم عبد اللّه بن أبي حديد الأسلمي و أمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبر منهم و يعلم من علمهم . فانطلق ابن أبي حديد فدخل فيهم فأقام معهم حتّى سمع و علم ما قد أجمعوا له من حرب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و علم أمر مالك و أمر هوازن و ما هم عليه ، ثم أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأخبره الخبر . فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عمر فأخبره خبر ابن أبي حديد . فقال عمر :
كذب فقال ابن أبي حديد : ان تكذّبني فطالما كذبت بالحق يا عمر 4 .
-----------
( 1 ) لم يوجد في النسخة المطبوعة من النقض على العثمانية .
-----------
( 2 ) اخرجه الكليني في الكافي 7 : 389 ح 2 و الطوسي في التهذيب 6 : 248 ح 38 ، و في الاستبصار 3 : 15 ح 1 .
-----------
( 3 ) الأوائل : 133 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 2 : 346 ، سنة 8 .
[ 131 ]
و في ( استيعاب أبي عمر ) : " كان أبو خراش الهذلي ممن يعدو على قدميه . فيسبق الخيل . فأتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجّابا ، و الماء منهم غير بعيد . فقال : يا بني عم ما أمسى عندنا ماء و لكن هذه برمة و شاة . فردوا الماء و كلوا شاتكم ثم دعوا برمتنا ، و قربتنا على الماء حتىّ نأخذها فقالوا : لا و اللّه ما نحن بسائرين في ليلتنا هذه . فلمّا رأى ذلك أبو خراش أخذ قربة و سعى نحو الماء تحت الليل حتىّ استقى . ثم استقبل صادرا . فنهشته حيةّ قبل أن يصل إليهم . فأقبل مسرعا حتىّ أعطاهم الماء ، و قال اطبخوا شاتكم و كلوا ، و لم يعلمهم ما أصابه . فباتوا على شاتهم يأكلون حتّى أصبحوا ، و أصبح أبو خراش في الموتى . فلم يبرحوا حتىّ دفنوه . فبلغ خبره عمر ، فغضب غضبا شديدا ، و قال : لو لا أن تكون سنّة لأمرت ألاّ يضاف يمان أبدا ، و لكتبت بذلك إلى الآفاق . ثم كتب إلى عامله باليمن بأن يأخذ النفر الذين نزلوا على أبي خراش الهذلي فيلزمهم ديته ، و يؤذيهم بعد ذلك بعقوبة يمسّهم بها جزاء لفعلهم " 1 فهل ما فعله إلاّ خبط خبيط ؟ فلم يلزمون الدية و لم يعاقبون .
و في ( كامل الجزري ) : " قال الواقدي : أوّل من جمع الناس على إمام يصلّى بهم التراويح في شهر رمضان ، و كتب به إلى البلدان و أمرهم به ،
عمر " 2 ، و قال اليعقوبي : " فقيل له : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يفعله ، و إنّ أبا بكر لم يفعله فقال : إن تكن بدعة ، فما أحسنها من بدعة " 3 .
" و شماس " من قولهم : " بالفرس شماس " قال الجوهري : يقال : " شمس الفرس شموسا و شماسا : أي : منع ظهره ، و هو فرس شموس و به شماس " 4 ،
-----------
( 1 ) الاستيعاب 4 : 58 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه ابن الأثير في الكامل 3 : 59 ، سنة 23 ، و أيضا الطبري في تاريخه 3 : 277 ، سنة 23 ، و لم يروه عن الواقدي .
-----------
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 140 .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 2 : 937 ، مادة ( شمس ) .
[ 132 ]
و قال ابن دريد : " و به سمّي الرجل شمّاسا " 1 .
في ( الطبري ) : قال الشعبي : لم يمت عمر حتىّ ملّته قريش ، و قد كان حصرهم بالمدينة فامتنع عليهم ، و قال : " إنّ أخوف ما أخاف على هذه الامّة انتشاركم في البلاد " فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو ، و هو ممّن حبس بالمدينة من المهاجرين ، و لم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكّة فيقول : قد كان في غزوك مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما يبلغك الخبر 2 .
و قال الحسن البصري : كان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلاّ بإذن و أجل . فشكوه فبلغه . فقام فقال : " ألا إنّي قد سننت الاسلام سنّ البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيّا ثم رباعيا ثم سديسا ثم بازلا ، ألا فهل ينتظر بالبازل إلاّ النقصان ؟ ألاّ فإنّ الاسلام قد بزل .
ألا و إنّ قريشا يريدون أن يتّخذوا مال اللّه معونات دون عباده . ألا فأمّا و ابن الخطاب حيّ فلا . إنّي قائم دون شعب الحرّة ، آخذ بحلاقيم قريش و حجزها أن يتهافتوا في النار 3 .
قلت : إنّما منع المهاجرين من الجهاد المفروض في الاسلام في حياته لئلاّ يخلوا بسلطنته ، لكنّه جعل الأمر بعده بين ستّة حتّى لا يصفو الأمر لأمير المؤمنين عليه السّلام يوم يصير إليه كما دبّر لتأخيره .
و بشّر قريشا في قوله : " أما و ابن الخطاب حي فلا " أن من يستخلفه لهم يفعل لهم ما يريدون من اتخاذهم مال الله دون عباده .
و إنما شكت قريش منه لأنهم إنما حوّلوا الأمر عن معدنه إليه و إلى صاحبه ليكون ذلك وسيلة لهم إلى غرضهم في اتّخاذهم مال اللّه دون عباده
-----------
( 1 ) جمهرة اللغة 3 : 23 ، مادة ( شسم ) .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 426 ، سنة 35 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 426 ، سنة 35 .
[ 133 ]
و قد مرّ أنّ عمر قال لابن عباس : " نظرت قريش في اختيارهم لهما فاختاروهما " .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : قال عبد الرحمن بن عوف لعمر : لم تمنعنا من الجهاد ؟ فقال له : " لأن أسكت عنك فلا اجيبك خير لك من أن اجيبك " ، ثم اندفع يحدّث عن أبي بكر حتّى قال : " كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها ، فمن عاد لمثلها فاقتلوه " 1 .
و يقال له : الأصل في خلافتك استخلاف أبي بكر لك ، و الأصل في خلافة ذاك بيعته . فإذا كانت فلتة و استحق من عاد لمثلها القتل . فبأي سبب تصديت للخلافة .
هذا ، و معنى قول عمر : " كانت بيعة أبي بكر فلتة " أنّ الدعوة إلى إنسان بالاتفاق عليه أمر غير ممكن عادة ، و إنما حصلت صدفة لأبي بكر بعدم حضور بني هاشم الذين كانوا أصحاب الأمر باشتغالهم بتجهيز النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلما حضر أمير المؤمنين عليه السلام بعد ذلك ، و ادّعى حقّه قال له بشير بن سعد : لو كنت حضرت أوّلا ما تخلف عنك أحد من الأنصار .
و بحسد بشير بن سعد لشخص ابن عمّه سعد بن عبادة ، و بحسد الأوس للخزرج طائفة سعد بن عبادة ، و عدم وجود سابقة لقريش حتّى يمكنهم ادعاء الأمر لأنفسهم ، و لم يكن لهم بدّ إلاّ مساعدة أبي بكر حتّى يكون واسطة لهم في الأمر كما اعترف به عمر في قوله لابن عباس كما مر ، و وجود جدّ مثل جد عمر في قبال من خالف حتّى بإعمال ضرب الأعناق و الإحراق بالنار ، حتّى أنّ النظام قال : إنّما نصب أبابكر عمر فقط 2 .
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 158 .
-----------
( 2 ) نقله عنه الشهرستاني في الملل و النحل 1 : 59 .
[ 134 ]
و روى ( سنن أبي داود ) عن عبد اللّه بن كعب بن مالك الأنصاري أنّ جيشا من الأنصار كانوا بأرض فارس مع أميرهم ، و كان عمر يعقب الجيوش في كلّ عام فشغل عنهم ، فلمّا مرّ الأجل قفل أهل ذلك الثغر . فاشتدّ عليهم و توعّدهم ، و هم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقالوا : يا عمر إنّك غفلت عنّا ،
و تركت فينا الّذي أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم من إعقاب بعض الغزية بعضا .
و روى أيضا عن عبد الرحمن بن أبزي قال : كنت عند عمر فجاءه رجل .
فقال : إنّا نكون بالمكان الشهر و الشهرين . فقال عمر : أمّا أنا فلم أكن اصلّي حتّى أجد الماء . فقال له عمّار : أما تذكر إذ كنت أنا و أنت في الإبل فأصابتنا جنابة فأمّا أنا فتمعّكت . فأتينا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فذكرت ذلك له فقال : إنّما يكفيك الخبر و رواه بإسناد آخر و فيه " أ فلم تر عمر لم يقنع بقول عمّار " 1 .
" و تلّون " فكان في كل وقت بلون ، فكان لم يأخذ القصاص من الزبير مع عدم خوف الكفر عليه ، و اقتصّ من جبلة بن الأيهم من صنائع ملوك الروم مع قرب عهده بالاسلام و انتظار الارتداد منه .
فروى زيد بن أسلم عن أبيه قال : خلا عمر لبعض شأنه ، و قال : أمسك علي الباب . فطلع الزبير فكرهته حين رأيته . فأراد أن يدخل . فقلت : هو على حاجة ، فلم يلتفت إلىّ ، و أهوى ليدخل . فوضعت يدي في صدره فضرب أنفي فأدماه . ثم رجع فدخلت على عمر . فقال : من فعل بك هذا ؟ قلت : الزبير . فأرسل إلى الزبير ، فلمّا دخل جئت ، فقمت لأنظر ما يقول له ، فقال له : " ما حملك على ما صنعت أدميتني للناس " فقال الزبير : يحكيه و يمطط في كلامه " ادميتني للناس " أتحتجب عنّا يا ابن الخطّاب . فواللّه ما احتجب عنّي النبي و لا أبو بكر .
-----------
( 1 ) أخرج الاحاديث أبو داود في سننه 1 : 87 89 ح 321 326 ، و 3 : 138 ح 2960 ، و النقل بتلخيص .
[ 135 ]
فقال عمر كالمعتذر : " إني كنت في بعض شأني " قال أسلم : فلمّا سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقّي منه ، و خرج الزبير . فقال عمر : إنّه الزبير و آثاره ما تعلم 1 .
قلت : هل من كان له آثار يسقط التكليف عنه ، و له أن يعمل ما شاء ؟ و إنّما خاف عمر إذا اقتصّ منه تزلزل سلطنته و خروجه عليه .
و قصّة جبلة في لطمه رجلا من السوقة في المطاف و أمر عمر باقتصاص الرجل منه ، و ارتداد جبلة لذلك و لحوقه بملوك الروم ثانيا معروفة ، مع أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان أعطى من غنائم حنين أبا سفيان و معاوية و عيينة و الأقرع و نظراءهم من المؤلفة مئة بعير ، و لم يعط الأنصار مع سوابقهم في الاسلام شيئا ، و اعتذر إليهم بأنّى تألّفت بما فعلت اولئك ،
و وكلتكم إلى إيمانكم .
و من تلوّنه أنه ضرب ابنه الحدّ ثانيا حتّى انجرّ إلى هلاكه مع إجراء عمرو بن العاص الحدّ عليه ، و أبطل حدّ الزنا في المغيرة ، و حدّ شرب الخمر في قدامة بن مظعون .
أمّا ضربه ابنه أي : عبد الرحمن بن عمر ، فرووا أنّه شرب فضربه عمرو بن العاص الحد في بيته . فأتاه كتاب عمر : " ويحك تضرب عبد الرحمن بن عمر في داخل بيتك ، و تحلق رأسه في داخل بيتك ؟ فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتّى يعرف سوء ما صنع " فكتب إليه عمرو بن العاص :
" إنّي ضربته في صحن الدار و باللّه الّذي لا يحلف بأعظم منه إنّه الموضع الّذي اقيم فيه الحدود على المسلمين إلى أن قالوا فادخل عليه في عباءة ، و هو لا يقدر على المشي ، من مركبه فقال : يا عبد الرحمن فعلت و فعلت . السياط
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 105 ، شرح الخطبة 226 .
[ 136 ]
السياط . فكلّمه عبد الرحمن بن عوف ، و قال له : قد اقيم عليه الحدّ مرّة فلم يلتفت إليه و زبره ، فأخذ في الصياح ، أنا مريض ، و أنت و اللّه قاتلي . فلم يرقّ له حتّى استوفى الحدّ و حبسه . ثم مرض شهرا و مات 1 .
و أمّا تعطيله حدّ الزنا على المغيرة . ففي ( الأغاني ) : انّ المغيرة كان يخرج من دار الامارة في البصرة لمّا كان و اليا عليها من قبل عمر ، و كان أبو بكرة يلقاه فيقول : أين يذهب الأمير ، فيقول : إلى حاجة . فيقول له : إنّ الأمير يزار و لا يزور . و كانت المرأة التي يأتيها المغيرة جارة لأبي بكرة . فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع و زياد ، و رجل آخر يقال له شبل بن معبد ،
و كانت غرفة تلك المرأة بحذاء غرفة أبي بكرة . فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته . فنظر القوم ، فإذا هم بالمغيرة ينكحها ، فقال أبو بكرة : هذه بلية ابتليتم بها ، فانظروا . فنظروا حتى أثبتوا ، فنزل أبو بكرة حتّى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له : إنّه كان من أمرك ما قد علمت ، فاعتزلنا إلى أن قال فجلس عمر و دعا بالمغيرة و الشهود . فتقدّم أبو بكرة فقال له : أرأيته بين فخذيها قال : نعم و اللّه لكأنّي أنظر تشريم جدري بفخذيها . فقال له المغيرة : لقد ألطفت النظر . فقال له : ألم أك قد أثبت ما يخزيك اللّه به . فقال له عمر : حتّى تشهد لقد رأيته يلج فيه كما يلج المرود في المكحلة . فقال : نعم .
أشهد على ذلك فقال له : إذهب مغيرة ذهب ربعك . ثم دعا نافعا فقال له : علام تشهد ؟ قال : على مثل شهادة أبي بكرة قال : لا . حتّى تشهد أنّه يلج فيه و لوج المرود في المكحلة فقال : نعم . حتّى بلغ قذذه . فقال : إذهب مغيرة ذهب نصفك .
ثم دعا الثالث فقال : علام تشهد ؟ قال : على مثل شهادة صاحبيّ . فقال :
عليّ عليه السّلام إذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك إلى أن قال
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد 3 : 123 ، شرح الخطبة 226 ، و ابن عبد البر في الاستيعاب 2 : 403 ، و غيرهما .
[ 137 ]
فلمّا رأى عمر زيادا مقبلا قال : إنّي لأرى رجلا لن يخزي اللّه على لسانه رجلا من المهاجرين إلى أن قال قال عبد الكريم بن رشيد قال أبو عثمان الهندي : لمّا شهد عند عمر الشاهد الأوّل على المغيرة تغيّر لذلك لون عمر . ثم جاء آخر . فشهد فانكسر انكسارا شديدا . ثم جاء رجل شاب يخطر بين يديه فرفع عمر رأسه إليه و قال له : ما عندك يا سلح العقاب ؟ قال ابن رشيد : و صاح أبو عثمان صيحة تحكي صيحة عمر لقد كدت ان يغشى عليّ ، و قال آخرون قال المغيرة : فقمت فقلت : يا زياد و الله لو كنت بين بطني و بطنها ما رأيت أين سلك ذكرى منها . فبرقت عينا زياد و احمرّ وجهه ، و قال لعمر : أما إنّ احقّ ما حقّ اليوم فليس ذلك عندي ، و لكنّي رأيت مجلسا قبيحا ، و سمعت أمرا حثيثا و انبهارا و رأيته متبطنها . فقال له : أرأيته يدخله كالميل في المحكلة ؟ فقال : لا .
و قال غير هؤلاء : إنّ زيادا قال له : رأيته رافعا برجليها ، و رأيت خصيتيه تتردان بين فخذيها ، و رأيت خفرا شديدا ، و سمعت نفسا عاليا . فقال له عمر : أرأيته يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة ؟ فقال : لا فقال عمر " اللّه اكبر . قم يا مغيرة إليهم فاضربهم " إلى أن قال فقال أبو بكرة بعد أن ضرفإنّي أشهد أنّ المغيرة فعل كذا و كذا . فهمّ عمر بضربه . فقال له عليّ عليه السّلام إن ضربته رجمت صاحبك إلى أن قال .
فلمّا ضربوا الحد قال المغيرة : " الله أكبر ، الحمد لله الّذي أخزاكم " فقال له عمر : " أسكت . أخزى الله مكانا و اراك " إلى أن قال .
و وافقت ام جميل التي رمي بها المغيرة عمر بالموسم و المغيرة هناك فقال عمر للمغيرة : أتعرف هذه قال : نعم . هذه ام كلثوم بنت علي فقال له عمر " أ تتجاهل علي ، و اللّه ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك و ما رأيتك إلاّ خفت أن ارمى بحجارة من السماء " إلى أن قال
[ 138 ]
قال أبو جعفر : قال عليّ عليه السّلام : " لئن لم ينته المغيرة لأتبعنه أحجاره " و قال غيره : " و قال عليّ عليه السّلام : لئن أخذت المغيرة لأتبعنه أحجاره " إلى أن قال .
و لمّا شخص المغيرة إلى عمر رأى في طريقه جارية فأعجبته فتزوجها . فلمّا قدم بها على عمر قال له : " إنّك لفارغ القلب طويل الشبق " 1 .
و إنما أبطل عمر حدّ المغيرة لاحتياجه إليه لدهائه ، و إلاّ فغير شهادة الشهود ، و ان منع زيادا من تكميل شهادته بتلك الكلمة كان المغيرة نفسه يقرّ ،
فلمّا قال أبو بكرة : لكأنّي أنظر إلى تشريم جدري بفخذ تلك المرأة قال له المغيرة : " لقد الطفت النظر " كما مرّ .
و قال لزياد : " و اللّه لو كنت بين بطني و بطنها ما رأيت أين سلك ذكري منها " فأيّ إقرار أصرح من هذا ؟ و من العجب أنّ إقراريه ذينك كانا بمحضر عمر .
ثم ليس مكالمة عمر و المغيرة لما قال له : أتعرف هذه و أشار إلى المرأة التي زنابها فقال : " نعم هذه ام كلثوم بنت علي " إلاّ مكالمة المنافقين في الاستهزاء بالدين ، و لو كانت امرأة عمر بدوية ما أجترأ المغيرة مع اطمينان خاطره من قبل عمر أن يقول له هذه أمرأتك إلاّ أنّه لمّا كان يعرف معاداته لأمير المؤمنين عليه السّلام لم يخف من ذاك القول .
و لقد صرّح بإبطال عمر الحدّ عمدا سيّد شباب أهل الجنة ، و من شهد له القرآن بعصمته ، و كونه أقرب الخلق إليه جلّ و علا كباقي الخمسة أهل الكساء الحسن بن عليّ عليه السّلام فقال للمغيرة في مجلس معاوية كما رواه الزبير بن
-----------
( 1 ) الأغاني 16 : 95 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 139 ]
بكّار في ( مفاخراته ) : " لقد درأ عمر عنك حقّا اللّه سائله عنه " 1 .
و قد عرفت قول أمير المؤمنين عليه السّلام لعمر : " إن ضربت أبا بكرة رجمت صاحبك " و قوله عليه السّلام : " لئن لم ينته المغيرة أو لئن أخذت المغيرة لاتبعنه أحجاره " و في تعبيره عليه السّلام عن المغيرة بصاحبك دليل أيضا على أنّ عمر أبطل الحدّ عنه .
ثم لو لم يكن عمر عطّل حدّه عمدا لم يقل له : " ما رأيتك إلاّ خفت أن أرمى بحجارة من السماء " فإنّ الامام إذا لم يثبت عنده حدّ على حدّه ليس عليه في تركه مؤاخذة عند اللّه تعالى ، بل المؤاخذة عليه في إجرائه و لو مع علمه .
و مما يشهد أنّه عطّل الحدّ رعاية لجانب المغيرة أنّه بعد صدور هذا العمل عنه في البصرة ، و اشتهاره بين أهلها ، و خوضهم في ذلك ، غضب عليه في الظاهر فعزله عنها ، لكن رفع درجته في الباطن فجعله أمير الكوفة . فصار ذلك مثلا بين الناس . قال ابن قتيبة في ( عيونه ) : قال ابن سيرين : كان الرجل يقول غضب اللّه عليك كما غضب الخليفة على المغيرة ، عزله عن البصرة ،
و استعمله على الكوفة 2 .
و يقال لعمر في قوله للمغيرة : " إنك لفارغ القلب " في تزوجه بجارية في طريق الإتيان به لإقامة الحدّ عليه إنّ فراغ قلبه إنّما كان من قبلك ، و كيف لا و تاسّف عمر في كون مكان زناه مكشوفا ، فقال له : " أخزى اللّه مكانا و اراك " .
و أمّا تعطيله حدّ الشرب على قدامة بن مظعون و كانت اخت عمر تحته و اخت قدامة تحت عمر ففي ( الاستيعاب لأبي عمر ) : إستعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين ، فقدم الجارود سيّد عبد القيس على عمر من البحرين ،
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 104 ، شرح الخطبة 82 .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار 1 : 216 .
[ 140 ]
و قال له : إنّ قدامة شرب فسكر ، و إنّي رأيت حدّا من حدود اللّه حقّا عليّ أن أرفعه إليك . فقال عمر : من يشهد معك ؟ قال : أبو هريرة . فدعي و قال له :
بم تشهد ؟ فقال : لم أراه يشرب ، و لكنّي رأيته سكران يقيء . فقال عمر :
لقد تنطعت في الشهادة ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين .
فقدم . فقال الجارود لعمر : أقم على هذا كتاب الله . فقال عمر : أ خصيم أنت أم شهيد ؟ فقال : شهيد فقال : قد أدّيت شهادتك . فصمت الجارود . ثم غدا على عمر . فقال : أقم على هذا حدّ اللّه . فقال عمر : ما أراك إلاّ خصيما ، و ما شهد معك إلاّ رجل واحد . فقال الجارود : إنّي انشدك اللّه . قال عمر :
لتمسكّن لسانك أو لأسوءنّك . فقال : يا عمر ، أما و الله ما ذلك بالقّ أن يشرب الخرم ابن عمك ، و تسوؤني . فقال أبو هريرة : فإن كنت تشكّ في شهادتنا . فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها و هي امرأة قدامة . فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها . فأقامت الشهادة على زوجها . فقال عمر : لقدامة إنّي حادّك . فقال : لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تحدّوني فقال عمر :
لم ؟ قال قدامة : قال تعالى : ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح في ما طعموا 1 الآية 2 .
و الخبر إن تضمن حدّه له أخيرا إلاّ أنّه اضطرّ إلى حدّه بعد شهادة امرأته و لِمَ لم يحدّه أوّلا بعد شهادة رجلين بشربه . و لم يقل أحد إنّه يشترط في حدّ الشرب رجلان و أمرأة .
قلت : و قول الجارود لعمر : " يا عمر أما و اللّه ما ذلك بالحق . أن يشرب الخمر ابن عمك ، و تسوؤني " نظير قول المسور بن مخرمة لمّا بلغ يزيد بن
-----------
( 1 ) المائدة : 93 .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 3 : 259 .
[ 141 ]
معاوية أنه قال : إنّ يزيد يشرب الخمر . فكتب إلى أمير المدينة أن يجلده الحدّ فجلده :
أ يشربها صرفا بفكّ ختامها
أبو خالد و يجلد الحدّ مسور
و إن شئت قلت قول المسوّر نظير قول الجارود لأنّه كان قبل و الأساس لما بعد .
ثم خبره و إن تضمّن أنّ عمر قال لقدامة بعد استناده إلى الآية في سقوط الحدّ عنه : " لقد أخطأت في التأويل " إلاّ أنّه كان ذلك منه بعد ارشاد أمير المؤمنين عليه السّلام له . فروى محمّد بن يعقوب في ( كافيه ) : أنّ قدامة لمّا قال لعمر لا يجب عليّ حدّ بالآية ، بلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام . فمشى إلى عمر فقال له : لم تركت الحدّ على قدامة ، و قد شرب ؟ فقال : إنّه تلا عليّ هذه الآية . فقال عليه السّلام :
قدامة ليس من أهل هذه الآية ، و لا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرّم اللّه . إنّ الذين آمنوا و عملوا الصالحات لا يستحلّون حراما ، فاردد قدامة و استتبه ممّا قال : فإن تاب فأقم عليه الحدّ ، و إن لم يتب فاقتله . فقد خرج عن الملّة . فاستيقظ عمر لذلك ، و عرف قدامة الخبر ، فأظهر التوبة 1 .
و من تلّونه أنّه قال بعد جعله الخلافة شورى : " لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا ما جعلته شورى " 2 مع أنّه ردّ على الأنصار في ادّعائهم الأمر لسعد بن عبادة بأنّ النبيّ قال : " الأئمة من قريش " فكيف أراد أن يجعله في غير قريش . ثم يجعله في مولى لا في عربي مع انّهم كانوا يعاملون الموالي معاملة العبيد . قال ابن عبدالبر في ( استيعابه ) بعد نقل قول عمر في سالم كما مر :
-----------
( 1 ) أخرج حديث قدامة الكليني في موضعين من الكافي 7 : 215 ح 10 و : 401 ح 2 ، بمتنين غير هذا و الأم متن لما نقله الشارح ما أخرجه المفيد في الإرشاد : 108 .
-----------
( 2 ) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب 2 : 71 ، و الطبري في تاريخه 3 : 292 ، سنة 23 ، و غيرهما .
[ 142 ]
" و هذا عندي على أنّ عمر كان يصدر في الخلافة عن رأيه " 1 .
قلت : و منشأ رأي عمرو و داعيه إلى ذاك الرأى في سالم أنّ سالما و إن كان مولى إلاّ أنّه كان له أثر جليل عنده ، و عند صاحبه يوم السقيفة و قبله و بعده .
و من تلوّنه أنه قال لاهل الشورى كما في ( الاستيعاب ) : " للّه درهم ان و لّوها الاصيلع كيف يحملهم على الحقّ و لو كان السيف على عنقه " فقلت :
أتعلم ذلك منه و لا تولّيه ؟ قال : " إن لم أستخلف فأتركهم فقد تركهم من هو خير منّي " 2 .
قلت : يا للّه للجواب من الرجل فهو الّذي أجبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم على ترك الوصية ، و يا للّه لحمق أصحابه لكن لا غرو فقد قال تعالى في فرعون و قومه :
فاستخفّ قومه فأطاعوه 3 .
و من تلوّنه جعله قول الرجل لامرأته " أنت طالق ثلاثا " كتطليقها ثلاث مرّات خلافا للكتاب و السنّة : أما الكتاب . فقال تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان إلى فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجا غيره " 4 .
و أما السنة ففي ( سنن أبي داود ) مسندا عن طاووس ، أنّ رجلا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال : أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أبي بكر و صدرا من إمارة عمر قال ابن عباس : و لما رأى عمر الناس تتابعوا
-----------
( 1 ) الاستيعاب 2 : 71 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 3 : 64 .
-----------
( 3 ) الزخرف : 54 .
-----------
( 4 ) البقرة : 229 و 230 .
[ 143 ]
فيها قال : " اجيزهنّ عليهم " . و روى أيضا خبرا آخر عنه قريبا منه ، و فيه :
" و ثلاثا من امارة عمر " 1 .
" و اعتراض " في ( النهاية ) : " الاعتراض ، الدخول في الباطل و الامتناع من الحق " 2 .
و مع ابتلاء الناس به باعتراض أيضا كما قال عليه السّلام ، كان هو يفتخر بأنه يصدّ الناس عن ذلك . فكان يقول : " و أضرب العروض " 3 : أي : من كان كالابل الّذي يأخذ يمينا و شمالا ، و لا يلزم المحجّة .
روى ( سنن أبي داود ) : أنّ عمر لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتّى شهد عبد الرحمن بن عوف أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذها من مجوس هجر 4 .
و روى عن سعيد بن المسيب : أنّ أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال : لئن عدت سألتني القسمة لا اكلمك أبدا ،
و كل مالي في رتاج الكعبة . فقال عمر " انّ الكعبة لغنيّة عن مالك . كفّر عن يمينك و كلّم أخاك فإنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " لا يمين عليك ، و لا نذر في معصية الرب و في قطيعة الرحم و لا في ما لا تملك " 5 .
فإذا كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال ما نقل ، فلم أمره بالتكفير ، و قد رووا أنّ من حلف على شيء تركه خير منه ، فتركه كفارته 6 .
-----------
( 1 ) أخرجه أبو داود في سننه 2 : 261 ح 2199 و 2200 ، و مسلم في صحيحه 2 : 199 ح 16 و 17 ، و غيرهما و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) النهاية 3 : 216 ، مادة ( عرض ) .
-----------
( 3 ) رواه ابن الأثير في النهاية 3 : 213 ، مادة ( عرض ) .
-----------
( 4 ) أخرجه أبو داود في سننه 3 : 168 ح 2043 ، و البخاري في صحيحه 2 : 200 ، و غيرهما و النقل بتلخيص .
-----------
( 5 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 300 .
-----------
( 6 ) أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 682 ح 2111 ، و النقل بالمعنى .
[ 144 ]
و قال محيي الدين في الحديث ( 558 ) منه روى سعيد بن المسيب أنّ عمر كان يجعل في الإبهام خمس عشرة ، و في السبابة عشرا و في الوسطى عشرا ، و في البنصر تسعا ، و في الخنصر ستّا حتّى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ الأصابع كلّها سواء . فأخذبه ، و كان يجعل في ما أقبل من الأسنان خمسة أبعرة ، و في الأضراس بعيرا بعيرا إلى أن قال و أجمع أهل العلم على أنّه لا تفضيل في الأصابع و الأسنان عملا بالحديث 1 .
و في ( بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي ) عن عايشة بنت عثمان بعد قتل أبيها : " فهلاّ علنت كلمتكم ، و ظهرت حسكتكم إذ ابن الخطاب قائم على رؤوسكم . ماثل في عرصاتكم يرعد و يبرق بإرعابكم يقمعكم غير حذر من تراجعكم الاماني بينكم ، و هلاّ نقمتم عليه عودا و بدءا إذ ملك إلى أن قالت يحكم في رقابكم و أموالكم . كأنّكم عجائز ضلع . و اماء قصع . فبدأ معلنا لابن أبي قحافة . بإرث نبيّكم على بعد رحمه ، و ضيق بلده ، و قلّة عدده ، فوقى اللّه شرّها زعم إلى أن قالت أو لم يخصم الأنصار بقريش ثم حكم بالطاعة لمولى أبي حذيفة ؟ يتمايل بكم يمينا و شمالا . قد خطب عقولكم ، و استمهر و جلكم ممتحنا لكم ، و معترفا اخطاركم ، و هل تسمو هممكم إلى منازعته و لولاتيك لكان قسمه خسيسا ، و سعيه تعيسا . لكن بدر الرأي . و ثنّى بالقضاء ،
و ثلّث بالشورى ثم غدا سامرا . مسلطا درته على عاتقه . فتطأطأتم له تطأطأ الحقّة ، و وليّتموه أدباركم حتّى علا أكتافكم . فلم يزل ينعق بكم في كلّ مرتع ،
و يشدّ منكم على كلّ محنق ، لا ينبعث لكم هتاف ، و لا يأتلف لكم شهاب . يهجم
-----------
( 1 ) اصل الحديث أخرجه أبو داود في سننه 4 : 188 ح 4558 ، و غيره عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " هذه و هذه سواء يعني الإبهام و الخنصر " و شرح الحديث أخرجه الشافعي و عبد الرزاق و ابن راهويه و البيهقي عن سعيد بن المسيب ، عنهم منتخب كنز العمال 6 : 157 .
[ 145 ]
عليكم بالسّراء و يتورط بالحوباء . عرفتم أو نكرتم لا تألمون ، و لا تستنطقون حتّى إذا عاد الأمر فيكم الخ 1 .
و في ( عيون ابن قتيبة ) : تنازع اثنان أحدهما سلطاني ، و الآخر سوقي فضربه السلطاني . فصاح و اعمراه . و رفع خبره إلى المأمون . فأمر بإدخاله عليه . و قال له : من أين أنت ؟ قال : من أهل فامية . قال : " إنّ عمر بن الخطاب كان يقول من كان جاره نبطيا . و احتاج إلى ثمنه فليبعه . فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه فيكم " و أمر له بألف درهم 2 .
و في ( عقد ابن عبد ربه ) : كان عمر قاعدا ، و الدّرة معه ، و الناس حوله إذ أقبل الجارود العامري . فقال رجل : هذا سيّد ربيعة . فسمعها عمر و من حوله .
و سمعها الجارود . فلمّا دنامنه خفقه بالدرّة فقال : مالي و لك لقد سمعتها . قال :
و سمعتها فمه ، قال : خشيت أن تخالط القوم ، و يقال : هذا أمير . فاحببت أن اطأطىء منك 3 .
و فيه أيضا رأى عمر ناسا يتّبعون ابيّ بن كعب فرفع إليه الدرّة . فقال له أبيّ : إتّق اللّه . قال : فما هذه الجموع خلفك 4 ؟
و في ( صحيح مسلم ) و ( البخاري ) : أنّ عمر لمّا طعن أغمي عليه فصيح عليه . فلمّا أفاق قال : أما علمتم أنّ النبي قال : إنّ الميّت ليعذّب ببكاء الحيّ 5 ؟ و في ( سنن أبي داود ) : ذكر قول ابن عمر عن أبيه أنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه عند عائشة . فقالت ذهل : إنّما مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم على قبر يهودي فقال : إنّ صاحب هذا ليعذّب و أهله يبكون عليه . ثم قرأت عائشة :
-----------
( 1 ) بلاغات النساء : 100 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار 1 : 303 .
-----------
( 3 ) رواهما ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 111 و 112 ، شرح الخطبة 226 ، و لم يوجدا في العقد الفريد .
-----------
( 4 ) رواهما ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 111 و 112 ، شرح الخطبة 226 ، و لم يوجدا في العقد الفريد .
-----------
( 5 ) أخرجه بطرق مسلم في صحيحه 2 : 638 642 ، و البخاري في صحيحه 1 : 223 و 224 .
[ 146 ]
و لا تزر وازرة وزر اخرى 1 .
و في ( حياة حيوان الدميري ) : قال قبيصة بن جابر الأسدي : كنت محرما فرأيت ظبيا فرميته . فأصبته . فمات . فوقع في نفسي من ذلك شيء . فأتيت عمر أسأله . فوجدت إلى جنبه رجلا أبيض رقيق الوجه . و إذا هو عبد الرحمن بن عوف . فسألت عمر . فالتفت إلى عبد الرحمن فقال : ترى شاة تكفيه . قال : نعم .
فأمرني أن أذبح شاة فلمّا قمنا من عنده قال صاحب لي : إنّ الخليفة لم يحسن أن يفتيك حتّى سأل الرجل . فسمع عمر بعض كلامه . فعلاه بالدرّة ضربا . ثم أقبل عليّ ليضربني فقلت له : إني لم أقل شيئا إنّما هو قاله فتركني 2 .
و في ( حيوان الجاحظ ) : تقامر رجلان على عهد عمر بديكين . فأمر عمر بالديكة أن تقتل . فأتاه رجل من الأنصار فقال : أمرت بقتل امّة من الامم تسبّح اللّه تعالى . فأمر بتركها 3 .
و رووا أنّ رجلا جاء إلى عمر ، و قال له : إنّ ضبيعا التميمي لقينا فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن فقال : اللهمّ أمكنّي منه . فبينا عمر كان يوما جالسا يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع ، و عليه ثياب و عمامة فتقدّم فأكل حتّى إذا فرغ قال لعمر ما معنى قوله تعالى : و الذاريات ذروا . فالحاملات وقرا 4 فقال عمر : ويحك أنت هو ؟ فقام إليه فحسر عن ذراعيه . فلم يزل يجلده حتّى سقطت عمامته فإذا له ضفيرتان . فقال له :
-----------
( 1 ) أخرجه أبو داود في سننه 3 : 194 ح 3129 ، و البخاري في صحيحه 1 : 223 ، و مسلم في صحيحه 2 : 640 643 ح 22 27 ، و الآية 164 من سورة الأنعام .
-----------
( 2 ) رواه الدميري في حياة الحيوان 2 : 104 ، عن المستدرك ، و الحديث اخرجه الحاكم في المصدر 3 : 310 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) الحيوان 1 : 295 .
-----------
( 4 ) الذاريات : 1 و 2 .
[ 147 ]
و الذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك . ثم أمر به فجعل في بيت . ثم يخرجه كلّ يوم فيضربه مئة . فاذا برأ أخرجه فضربه مئة اخرى .
ثم حمله على قتب ، و سيّره إلى البصرة ، و كتب إلى أبي موسى أن يحرّم على الناس مجالسته ، و يقوم في الناس خطيبا ثم يقول : " إنّ ضبيعا قد ابتغى العلم فأخطأه " فلم يزل وضيعا في قومه و عند الناس حتّى هلك ، و كان قبل سيّد قومه 1 .
و في ( الأغاني ) : قال أبو عمرو الشيباني : بعث عمر رجلا من قريش يقال له : أبو سفيان يستقرئ أهل البادية . فمن لم يقرأ شيئا من القرآن عاقبه . فأقبل حتّى نزل بمحلّة بني نبهان فاستقرأ ابن عم لزيد الخيل . يقال له : أوس بن خالد .
فلم يقرأ شيئا . فضربه فمات . فأقامت بنته المكنّاة ام أوس ماتما تندبه ، و أقبل حريث بن زيد الخيل . فأخبرته . فأخذ الرمح فشدّ على أبي سفيان فطعنه فقتله ،
و قتل ناسا من أصحابه ، ثم هرب إلى الشام ، و قال :
ألا بكّر الناعي بأوس بن خالد
أخي الشتوة الغبراء في الزمن المحل
فلا تجزعي يا أم أوس فإنّه
يلاقي المنايا كلّ حاف و ذي نعل
فان يقتلوا أوسا عزيزا فإنّني
تركت أبا سفيان ملتزم الرحل
و لو لا الأسى ما عشت في الناس بعده
و لكن إذا ماشئت جاوبني مثلي
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 122 ، شرح الخطبة 226 ، و الفريابي ، عنه الدر المنثور 6 : 111 ، و غيرهما .
[ 148 ]
أصبنا به من خيرة القوم سبعة
كراما و لم نأكل به حشف النخل 1
و لعمر الله كان فاروقا بين الحقّ و الباطل لكن باختياره الباطل أي باطل و تركه الحقّ أيّ حقّ .
" فصبرت على طول المدّة و شدّة المحنة " في ( معارف ابن قتيبة ) : كانت ولاية عمر عشر سنين و ستّة أشهر و خمس ليال 2 .
" حتّى إذا مضي لسبيله " فيه أيضا : توفي عمر لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث و عشرين ، و قد كان طعن لسبع بقين منه 3 .
في ( فصول المرتضى ) ، سئل هشام بن الحكم عما يرويه العامة من قول أمير المؤمنين عليه السّلام لما قبض عمر ، و قد دخل عليه مسبحي : " لوددت أن ألقى اللّه بصحيفة هذا المسبحي " فقال : هذا حديث غير ثابت و لا معروف الاسناد ، و إنّما حصل من جهة القصاص ، و أصحاب الطرقات ، و لو ثبت كان المعنى فيه معروفا ، و ذلك انّ عمر ، و اطأ أبا بكر و المغيرة ، و سالما مولى أبي حذيفة ، و أبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم يتعاقدون فيها على أنّه اذا مات النبي . لم يؤرثوا أحدا من أهل بيته ، و لم يولّوهم مقامه . فكانت الصحيفة لعمر اذ كان عماد القوم ، و الصحيفة التي ودّ أمير المؤمنين عليه السّلام و رجا أن يلقى اللّه بها هي هذه الصحيفة فيخاصمه بها و يحتجّ عليه بمتضمنها و الدليل على ذلك ما روته العامة عن ابيّ بن كعب أنّه كان يقول في مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد أن أفضى الأمر إلى أبي بكر بصوت يسمعه أهل المسجد : " ألا هلك أهل العقدة ،
و اللّه ما آسي عليهم إنّما آسى على من يضلّون من الناس . فقيل له : يا صاحب
-----------
( 1 ) الأغاني 17 : 269 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) المعارف : 183 .
-----------
( 3 ) المعارف : 183 .
[ 149 ]
رسول اللّه من هؤلاء أهل العقدة ؟ و ما عقدتهم ؟ فقال : " قوم تعاقدوا بينهم إن مات النبي لم يورّثوا أحدا من أهل بيته ، و لا ولّوهم مقامه . أما و اللّه لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومن فيهم مقاما ابيّن به للناس أمرهم قال فما أتت عليه الجمعة 1 .
" جعلها " إنّما الجعل للّه تعالى . فكما أنّ جعل الرسالة منه عزّ و جلّ : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته 2 ، كذلك جعل الامامة و الخلافة من نبيه التي وظيفتها وظيفة النبوّة ، فلم يكن للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيضا جعل لها من قبل نفسه فضلا عن غيره . قال جلّ و علا و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة سبحان اللّه و تعالى عما يشركون 3 فكيف كان لعمر جعل الامامة ؟ و في أسد الغابة في عنوان معاوية روى عبد الرحمن بن أبزي عن عمر أنّه قال :
هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم احد . ثم في احد بقي منهم احد ثم في كذا و كذا ، و ليس فيها لطليق ، و لا لولد طليق و لا لمسلمة الفتح شيء 4 .
مع أنّه و إن قال بلسانه : " ليس للطلقاء منه شيء " إلاّ أنّه بعمله عمل عملا وهبه بحذا فيره للطلقاء و جعلها خالصة لهم .
و في ( أنساب البلاذري ) عن حارثة بن مضرب قال : حججت مع عمر فسمعت الحادي يقول : " إنّ الأمير بعده ابن عفان " 5 .
" في جماعة " أوّلهم عثمان ، و ثانيهم طلحة ، و ثالثهم الزبير ، و رابعهم عبد الرحمن بن عوف ، و خامسهم سعد بن أبي وقاص ، و سادسهم هو عليه السّلام
-----------
( 1 ) الفصول المختارة 1 : 58 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الانعام : 124 .
-----------
( 3 ) القصص : 68 .
-----------
( 4 ) اسد الغابة 4 : 387 .
-----------
( 5 ) انساب الاشراف 5 : 11 .
[ 150 ]
على ما في اثبات المسعودي 1 .
" زعم أنّي أحدهم " تعبيره عليه السّلام بزعم دالّ على أنّه جعله في اولئك الجماعة ظاهرا و أخرجه منهم باطنا . فقالوا " زعم مطية الكذب " .
و كان حجير مؤذّن مسيلمة يقول في أذانه : " أشهد أنّ مسيلمة يزعم أنّه رسول " فيقول له مسيلمة : " أفصح حجير " .
و في ( جمل المفيد ) : روى الحرث بن الفضل ، عن أبي عبد اللّه الأغرّ أنّ الزبير قال لابنه يوم الجمل لمّا أراد تركهم ، و قال له ابنه : أحسست برايات ابن أبي طالب : " ويلك لا تدعنا على حال أنت و الله قطعت بيننا و قرفت الفتنة بما بليت به من هذا المسير إلى أن قال فقال له ابنه ، أفتدع عليا يستولي على الأمر ، و أنت تعلم أنّه كان أخسّ أهل الشورى عند عمر ؟ و لقد أشار عمر ، و هو مطعون . و قال لأصحابه أهل الشورى : " ويلكم اطمعوا ابن أبي طالب فيها لا يفتق في الاسلام فتقا عظيما ، و منوّه حتّى تجمعوا على رجل سواه " 2 .
و فيه : أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أرسل ابن عباس إلى الزبير ليكلّمه إذا لم يكن ابنه بحاضر إلى أن قال فقال ابن الزبير لابن عباس : سئل عبد الرحمن بن عوف عن أصحاب الشورى فكان صاحبكم أخيبهم عنده ، و ما أدخله عمر في الشورى إلاّ و هو يقرفه ، و لكن خاف فتقه في الاسلام 3 .
قلت : الاسلام الّذي خاف عمر فتقه من أمير المؤمنين عليه السّلام إنّما كان خلافته و خلافة صاحبه ، و الأساس الّذي أسّساه لمن بعدهما ، و إلاّ فأمير المؤمنين عليه السّلام كان اسس الاسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و بسيفه قام
-----------
( 1 ) اثبات الوصية : 125 .
-----------
( 2 ) الجمل : 155 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 3 ) الجمل : 169 و 170 ، و النقل بتلخيص .
[ 151 ]
الاسلام ، و بتركه التعرض لهم بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لئلاّ يرتدّ الناس جميعا بقي الاسلام كما صرّح هو عليه السّلام و أهل بيته كرارا ، و هم كانوا لا يبالون أن يمحى الاسلام إذا بقي لهم سلطانهم ، و مع أنّهم نالوا السلطنة و أكلوا الدنيا بواسطة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كانوا يتلهفون على عدم قدرتهم على محو اسمه و خمول ذكره كما فعلوه بأهل بيته مدّة ، إلاّ أنّ اللّه تعالى يأبى إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره المشركون .
و عن كتاب ( شورى عوانة ) ، و كتاب ( سقيفة الجوهري ) : قال الشعبي :
حدّثني من لا أتّهمه من الأنصار . قال : مشيت وراء علي بن أبي طالب حيث انصرف من عند عمر و العباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه .
فسمعته يقول للعباس : ذهبت منّا و الله . فقال : كيف علمت ؟ قال : ألا تسمعه يقول : كونوا في الجانب الّذي فيه عبد الرحمن ، و إنّه ابن عم سعد ،
و عثمان صهره . فإذا اجتمع هؤلاء . فلو أنّ الرجلين الباقيين كانا معي لم يغنيا عني شيئا مع أنّي لست أرجو إلاّ لأحدهما و مع ذلك فقد احبّ عمر أن يعلمنا أنّ لعبد الرحمن عنده فضلا علينا . لا . لعمر اللّه ما جعل اللّه ذلك لهم علينا . كما لم يجعل لأولاهم على أولانا . أما و اللّه لئن عمر لم يمت لأذكّرنّه ما أتى إلينا قديما ، و لاعلمنّه سوء رأيه فينا ، و ما أتى إلينا حديثا ، و لئن مات و ليموتن ليجتمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنّا و ليفعلن ليروني حيث يكرهون ، و اللّه ما بي رغبة في السلطان ، و لاحبّ الدنيا ،
و لكن لاظهار العدل ، و القيام بالكتاب و السنّة . ثم التفت فرآني وراءه فعرفت أنّه قد ساءه ذلك . فقلت : لا ترع أبا حسن . لا و الله لا يسمع أحد الّذي سمعت منك ما اصطحبنا في الدنيا . فواللّه ما سمعه منّي مخلوق
[ 152 ]
حتّى قبض اللّه عليّا إلى رحمته 1 .
قلت : الظاهر أنّ من قال عنه الشعبي حدّثني من لا اتّهمه من الأنصار هو أبو طلحة الأنصاري .
و في ( ارشاد ) محمّد بن محمّد بن النعمان ، روى يحيى الحمّاني ، عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه عن أبي صادق قال : لمّا جعلها عمر شورى في ستّة و قال : إن بايع اثنان لواحد ، و اثنان لواحد . فكونوا مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن ، و اقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن ، خرج عليّ عليه السّلام من الدار ، و هو معتمد على يد عبد اللّه بن عباس و قال : يا ابن عباس إنّ القوم عادوكم بعد نبيّكم كمعاداتهم لنبيّكم في حياته ، و اللّه لا ينيب بهم إلى الحقّ إلاّ السيف . فقال له ابن عباس : و كيف ذاك ؟ قال : أما سمعت قول عمر ؟ قال : بلى .
قال : أو لم تعلم أنّ عبد الرحمن ابن عم سعد ، و أنّ عثمان صهر عبد الرحمن ؟
قال : بلى . قال : فإنّ عمر قد علم أنّ سعدا و عبد الرحمن و عثمان لا يختلفون في الرأي ، و انّه من بويع منهم كان اثنان معه ، و أمر بقتل من خالفهم ، و لم يبال أن يقتل طلحة اذا قتلني و قتل الزبير . أم و اللّه لئن عاش عمر لأعرفنه سوء رأيه فينا قديما و حديثا ، و لئن مات يجمعني و إيّاه يوم يكون فيه فصل الخطاب 2 .
و في ( العقد الفريد ) بعد ذكر الشورى فقال عليّ عليه السّلام لقوم معه من بني هاشم : إن اطيع فيكم قومكم فلن يؤمّروكم أبدا . و تلقّاه العباس فقال له : عدلت عنّا . قال : و ما أعلمك ؟ قال : قرن بي عثمان . ثم قال : إن رضي ثلاثة رجلا و ثلاثة رجلا ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن . فسعد لا يخالف ابن عمه
-----------
( 1 ) رواه عوانة في الشورى ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 389 ، شرح الخطبة 137 ، و الجوهري في السقيفة : 82 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الإرشاد : 151 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 153 ]
عبد الرحمن ، و عبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون . فلو كان الآخران معي ما نفعاني 1 .
و بالجملة إنّما دبّر لعثمان لأنّه كان معهم من يوم أوّل . قال ابن أبي الحديد : روى كثير من الناس أنّ أبا بكر لمّا نزل به الموت دعا عبد الرحمن بن عوف ، فقال : أخبرني عن عمر . فقال : إنّه أفضل من رأيك إلاّ أنّ فيه غلظة . ثم دعا عثمان . فقال : أخبرني عن عمر . فقال : سريرته خير من علانيته ، و ليس فينا مثله . فقال لهما أبو بكر : لا تذكرا ممّا قلت لكما شيئا . و لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان 2 .
و مرّ أنّ حداء حادي عمر في حجّه كان " إن الأمير بعده ابن عفان " .
و انّما لم يستخلفه صريحا كما استخلفه أبو بكر صريحا لأمرين :
أحدهما أنّ حماية عثمان لبني اميّة أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كانت معلومة من أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكان يجير منهم من أباح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دمه ، و يلجئه إلى عفوه عنهم فلو كان عيّنه إسما كان ذلك عارا عليه .
و الثاني : أنّه إذا كان عيّنه شخصا ثم يقتله الناس بأعماله اضطرارا يصفو الأمر لأمير المؤمنين عليه السّلام بخلاف ما إذا جعل الأمر لستّة فبعد عثمان كان الثلاثة الباقون طلحة و الزبير و سعد مزعزعين لأمره عليه السّلام ، و لا سيما الأوّلان فإنّ الثالث و ان لم يكن بايعه إلاّ أنّه لم يقاتله ، و هما قاتلاه ، و سبّبا تضعيف أمره حتّى قام معاوية في قباله .
و ممّا يشهد لأنّ عمر كان يعرف أنّ عثمان الّذي دبّر الأمر له يفعل ما يلجئ الناس إلى قتله ما قاله الجاحظ في ( سفيانيته ) بعد ذكر الشورى ،
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 27 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 55 ، و النقل بتلخيص .
[ 154 ]
و اقبال عمر على كلّ من الستة ثم أقبل عمر على عثمان . فقال : " كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك فحملت بنى اميّة و بنى أبي معيط على رقاب الناس و آثرتهم بالفيء . فسارت اليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا . و اللّه لئن فعلوا لتفعلن و لئن فعلت ليفعلن " ثم أخذ بناصيته فقال :
فإذا كان ذلك فاذكر قولي 1 .
و لعمر الله إنّ سليمان بن عبد الملك مع كفر بني امية قاطبة كان أطيب نفسا من فاروقهم ، و أقرب إلى طلب الحقّ . فإنّه دبّر لأن يصير الخلافة بعده لعمر بن عبد العزيز لصلاحه من بينهم بجعل يزيد أخيه بعده . ففي الطبري قال سليمان ابن عبد الملك لرجاء بن حيوة : كيف ترى في عمر بن عبد العزيز فقال :
اعلمه و الله خيرا . فاضلا مسلما . فقال : هو و الله على ذلك ، و لكن و الله لئن ولّيته ،
و لم أوّل أحدا سواه لتكوننّ فتنة ، و لا يتركونه أبدا يلي عليهم إلاّ أن يجعل أحدهم بعده . فاجعل يزيد بن عبد الملك بعده . فإنّ ذلك ممّا يسكّنهم و يرضون به . فقال له رجاء : رأيك . فكتب " هذا كتاب من سليمان لعمر بن عبد العزيز إنّي قد وليّتك الخلافة من بعدي و من بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له و أطيعوا " 2 .
و لعمر اللّه أنّ عمر بتدبير الأمر لعثمان ولّى معاوية بن أبي سفيان اللعين ابن اللعين على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و باقي بنى امية الشجرة الملعونة في القرآن الوليد بن يزيد و غيره .
و لم يكره ذاك الفاروق تحمّل أوزار اولئك ، و انّما كره ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام ميتا كما كرهها حيّا كبنت صاحبه التي لم تستطع أن تذكر
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 62 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 307 ، سنة 99 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 155 ]
اسمه ، و كان إطباق السماء على الأرض عندها أحب من ولايته عليه السّلام و في ( العقد الفريد ) بعد ذكر طلب الناس كرارا من عمر استخلافه ،
و قوله لو كان أبو عبيدة أو سالم مولى أبي حذيفة حيين استخلفتهما قال عمر : قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن اولّي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحقّ و أشار إلى علي ثم رأيت أن لا أتحمّلها حيّا و ميّتا 1 .
" فيالله " بفتح اللام .
" و للشورى " بكسر اللام و ضم الشين . قال الجوهري في قول الشاعر :
" يا للرجال ليوم الأربعاء " : أمّا اللامان جميعا للجر و لكنّهم فتحوا الاولى و كسروا الثانية ليفرّقوا بين المستغاث به و المستغاث له 2 .
روى أبو مخنف و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر انّ عمارا قال يوم الشورى :
يا ناعي الاسلام قم فانعه
قد مات عرف و أتى منكر
اما و اللّه لو أنّ لي أعوانا لقاتلتهم 3 .
و قال عمّار أيضا لأمير المؤمنين عليه السّلام و الله لئن قاتلتهم بواحد لأكونن ثانيا فقال عليه السّلام : و اللّه ما أجد عليهم أعوانا ، و لا أحبّ أن أعرّضكم لما لا تطيقون 4 .
و في ( العقد الفريد ) : ذكروا أنّ زيادا أوفد أبن حصين على معاوية . فأقام عنده ما أقام . ثم إنّ معاوية بعث إليه ليلا فخلابه . فقال له : يا ابن حصين بلغني أنّ عندك ذهنا و عقلا . فأخبرني عن شيء أسألك عنه . قال : سلني عمّا بدا لك .
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 25 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 5 : 2035 ، مادة ( لوم ) .
-----------
( 3 ) رواه عن أبي مخنف ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 172 ، شرح الخطبة 226 ، و الطوسي في تلخيص الشافي 4 : 45 .
-----------
( 4 ) رواه عن أبي مخنف ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 172 ، شرح الخطبة 226 ، و الطوسي في تلخيص الشافي 4 : 45 .
[ 156 ]
قال : أخبرني ما الّذي شتّت أمر المسلمين ، و خالف بينهم ؟ قال : قتل الناس عثمان . قال : ما صنعت شيئا . قال : فمسير طلحة و الزبير ، و عائشة ، و قتال على إيّاهم . قال : ما صنعت شيئا . قال : ما عندي غير هذا . قال : فأنا اخبرك به . إنّه لم يشتّت بين المسلمين و لا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستّة نفر ، و ذلك إذ قدّم النبي أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه لأمر دينهم و استخلف عمر ثم جعلها عمر و شورى بين ستّة نفر فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه و رجاها له قومه و تطلعت إلى ذلك نفسه ، و لو أنّ عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف 1 .
و أقول : معاوية نفسه ما صنع شيئا في ما هو الأصل من فعل عمر أوجب التشتّت بين المسلمين و تفريق أهوائهم . فإنّما الأصل إنّما هو منعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن كتابة وصية لامته لا يضلون و لا يضلّون .
ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) : لمّا كان في مرض وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي توفي فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمّته كتابا لا يضلّون و لا يضلّون قال : فكان في البيت لغط و كلام ، و تكلّم عمر بن الخطاب قال فرفضه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 .
و فيه : و قال عبد الله بن العباس : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده . فقال عمر : إن رسول اللّه قد غلبه الوجع ، و عندكم القرآن حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله ،
و منهم من يقول ما قال عمر . فلمّا كثر اللغط و الاختلاف و غمّوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : قوموا عنّي 3 .
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 31 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) طبقات ابن سعد 2 ق 2 : 36 .
-----------
( 3 ) طبقات ابن سعد 2 ق 2 : 37 .
[ 157 ]
و إنّما كان معاوية متألّما من شوراه مع نيله السلطنة بواسطة شوراه بتدبير الأمر لعثمان كما مرّ ، و بإنهاض طلحة و الزبير للحرب معه ، و كتابه إليهما أنّكما ممّن رضيكما عمر ، و أنا أدعو أهل الشام إلى خلافتكما ليزلزلا أمر أمير المؤمنين عليه السّلام فيتمكّن مما يريد من قيامه في قباله عليه السّلام لأنّه أراد استخلاف ابنه يزيد ، و سعد بن أبي وقاص أحد ستّة شورى عمر كان حيّا ،
و كان لا يمكنه مع وجوده ذلك . فاضطر إلى قتله كما أنّه لمعاهدته الحسن عليه السّلام برّد الأمر إليه بعده اضطر إلى قتله بالسم ، و إنما انتظر معاوية أن يكون عمر يستخلف عثمان بالشخص كما استخلفه أبو بكر بالشخص ، و عثمان هو كان يستخلفه بلا ريب ، و كان عثمان يقول في أيّام قيام الناس عليه : إنّ معاوية ولي دمي لكن يقال لمعاويّة : إنّ صاحبك لو كان عمر استخلفه بالشخص ما كان يفيدك شيئا بعد كون سيرته تلك السيرة فكان الناس يقتلونه و تكون أبعد من مرامك ، و لم يكن لطلحة و الزبير عنوان حتّى تنهضهما في قباله عليه السّلام فيضعّفان أمره ، و تتمكن أنت مما تمكنت . فعمر في دهائه عمل عملين :
تأخيره عليه السّلام عن الخلافة ، و تزلزل أمره في خلافته التي تحصل له قهرا من هجوم الناس عليه بعد قتل عثمان .
و في ابن أبي الحديد في موضع آخر قال جعفر بن مكي الحاجب : قلت لمحمّد بن سليمان حاجب الحجّاب : ما تقول في هذا الاختلاف الواقع في أمر الإمامة من مبدأ الحال ؟ فقال : لا أعلم له أصلا إلاّ أمرين أحدهما أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أهمل أمر الأمّة فلم يصرّح فيه بأحد بعينه ، و إنما كان هناك رمز و إيماء ، و كناية و تعريض إلى أن قال و عادة الملوك إذا تمهّد ملكهم ، و أرادوا العقد لولد من أولادهم أو ثقة من ثقاتهم أن يصرّحوا بذكره و يخطبوا باسمه على أعنان المنابر و بين فواصل الخطب ، و يكتبوا بذلك إلى الآفاق البعيدة
[ 158 ]
عنهم ، و من كان منهم ذا سرير ضرب اسمه على صفحات الدنانير و الدراهم بحيث تزول الشبهة ، و ليس أمر الخلافة بهينّ ليترك في مظنّة الاشتباه ، و لعله كان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك عذر إمّا خشية من إرجاف المنافقين بأنّها ليس بنبوّة ، و إنّما هي ملك أوصى بها لسلالته أو لغيره ، و لعلّه لم يعلم أنّه يموت يدلّ عليه . انّه لمّا نوزع في إحضار الدواة و الكتف ليكتب لهم ما لا يضلّون بعده غضب ، و قال اخرجوا عنّي ، و لم يجمعهم بعد ، بل أرجى الأمر إرجاء من يرتقب الإفاقة . فبتلك الكنايات المحتملة مثل حديث " خاصف النعل " و " منزلة هارون من موسى " و " من كنت مولاه " و " هذا يعسوب الدين " و " لا فتى إلاّ على " و " أحبّ خلقك اليك " و ما جرى هذا المجرى مما لا يسكت الخصم إلى أن قال و السبب الثاني جعل عمر الأمر شورى في الستّة . فبقي في نفس كلّ واحد انّه رشّح للخلافة إلى أن قال و لم يكن رجاء طلحة و الزبير بدون رجاء عليّ عليه السّلام ، بل كان أقوى لأنّ عليّا عليه السّلام دحضه الأوّلان و أسقطاه و كسرا ناموسه بين الناس فصار نسيا منسيا و لم يبق له مما يمتّ به إلاّ انّه ابن عم الرسول ، و زوج بنته ، و أبو سبطيه ،
و نسي ما وراء ذلك ، و اتّفق له من بغض قريش ما لم يتّفق لأحد إلى أن قال و هما : أي : طلحة و الزبير ، عند أنفسهما و عند الناس في أواخر أيّام عثمان خليفتان بالقوة لأنّ عمر نصّ عليهما و عمر نافذ الحكم في حياته و بعد وفاته . فلمّا فاتتهما فتقا ذلك الفتق العظيم من حرب الجمل . ثم كانت الجمل تمهيدا لصفّين . فإنّه لولا الجمل لم تكن صفّين . فأوهم معاوية أهل الشام أنّ عليّا فسق بمحاربة ام المؤمنين ، و انّه قتل طلحة و الزبير ، و هما من أهل الجنة فهو من أهل النار . ثم نشأ من فساد صفّين ، و ضلال معاوية كلّ ما جرى من الفساد ، و القبيح في أيّام بنى امية ، و نشأت فتنة ابن الزبير ، فرعا من فروع يوم
[ 159 ]
الدار لأنّه كان يقول : إنّ عثمان لمّا أيقن بالموت نصّ علي و لي شهود منهم مروان . أفلا ترى كيف تسلسلت هذه الامور فرعا على أصل ، و غصنا من شجرة ، و جذوة من ضرام ؟ هكذا يدور بعضه على بعض و كلّه من الشورى في الستّة 1 .
قلت : و يقال للرجل إذا لم تكن تلك الامور من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أمير المؤمنين عليه السّلام كافية لا سيما قوله : " من كنت أولى به من نفسه و ماله فعلي أولى به من نفسه و ماله " لأنّه ليس بعد قوله عليه السلام للناس : " أ لست أولى بكم من أنفسكم و أموالكم " معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعده " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " إلاّ ذلك ، و إلاّ لكان قوله عليه السّلام أوّلا بلا ربط مع كلامه آخرا ، و يكون قول ذلك كفرا لأنّه من نسب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم التكلّم بلا ربط ، و عن هجر يكفر لم تكن ادلّة وجود الصانع كافية لأنّها مما لم تسكت الخصم الدهرية و الطبيعية كما لم تسكت تلك الامور الخصم العامة و أهل السنّة .
و يقال له : الملوك أهل الدنيا يهيئون أسباب مقاصدهم بأي وسيلة ، و لو بقتل نفوس و هتك أعراض ، و الأنبياء إنّما يكتفون بإتمام الحجّة ليهلك من هلك عن بيّنة ، و يحيى من حيّ عن بيّنة .
و كيف يقول " لم يجمعهم بعد و أرجى الأمر ارجاء من يرتقب الإفاقة " مع انّ في ( طبقات ابن سعد ) : انّه قيل له صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد : ألا نأتيك بما طلبت ؟ قال : أو بعد قول الرجل أنّي لأهجر 2 .
مع أنّه لو كان أراد ثانيا لمنعوه . فكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقول :
كان ابن عباس يقول : " إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و كتابة
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 381 383 ، شرح الخطبة 133 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) طبقات ابن سعد 2 ق 2 : 36 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 160 ]
وصيته " و قال سعيد بن جبير : " كان ابن عباس يذكر ذلك و يبكي ، و كأنّي أنظر إلى دموعه على خدّه كأنّها نظام اللؤلؤ " 1 .
و أقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن متمكّنا في حياته من كتابة وصية لامّته لئلاّ يضلّوا ، و عمر كان نافذ الحكم بعد مماته بأن يضربوا عنق أمير المؤمنين عليه السّلام لو خالف دستوره في جعل الأمر لبني اميّة اللاعبين بالدين و المنكرين لوجود رب العالمين .
و لمّا كانت تلك الشورى تدبيرا لانتقال الأمر إلى الشجرة الملعونة ،
و موجبا قتله لو خالف ، و قيام طلحة و الزبير في قباله في أيّامه و ما ترتب عليها من المفاسد من حدوث صفّين و النهروان ، و حدوث الخوارج و قتله عليه السّلام قال عليه السّلام " فياللّه و للشورى " .
و لا يكاد ينقضي العجب من دستور عمر في ضرب عنق من خالف دستوره أيّ دستور كان ، كما لا يكاد ينقضي العجب من الناس كيف كانوا حاضرين لاجرائه .
و روى ( الكافي ) : أنّ عمرو بن عبيد ، و واصل بن عطاء و ناسا من رؤساء المعتزلة دخلوا حدثان قتل الوليد بن يزيد ، و اختلاف أهل الشام بينهم على الصادق عليه السّلام فتكلّموا و أكثروا . فقال لهم : قد أكثرتم عليّ فأسندوا أمركم إلى رجل منكم يتكلّم بحججكم . فأسندوا إلى عمرو بن عبيد فتكلم ، و قال " قد قتل أهل الشام خليفتهم ، و شتّت اللّه أمرهم . فنظرنا رجلا له دين و عقل و مروة و موضع للخلافة ، و هو محمّد بن عبد الله بن الحسن فأردنا أن نبايعه . فمن بايعه فهو منّا ، و من اعتزلنا كففنا عنه ، و من نصب لنا جاهدناه على بغيه ، و قد
-----------
( 1 ) هذا الحديث أخرجه جماعة منهم البخاري في صحيحه 1 : 32 ، و 4 : 7 و 271 ، و مسلم في صحيحه 3 : 1259 ح 22 ، و غيرهما .
[ 161 ]
أحببنا أن تدخل معنا . فإنّه لا غنى بنا عن مثلك لموضعك ، و كثرة شيعتك . فلما فرغ قال عليه السّلام : أكلّكم على مثل ما قال ؟ قالوا : نعم . فقال عليه السّلام له : لو أنّ هذه الامّة قلّدتك أمرها بغير قتال و قيل لك : ولّها من شئت ، من كنت تولّيها ؟ قال : اجعلها شورى بين المسلمين قال : بين المسلمين كليهم ؟ قال : نعم قال عليه السلام : قريش و غيرهم و العرب و العجم ؟ قال : نعم ، قال له : أخبرني أتتولى أبا بكر و عمر أو تتبرأ منهما ؟ قال : بل أتولاّ هما قال : فقد خالفتهما . قد عمد عمر إلى أبي بكر فبايعه و لم يشاور فيه أحدا . ثم ردّها أبو بكر عليه ، و لم يشاور فيه احدا . ثم جعلها عمر شورى بين ستّة و أخرج منها جميع المهاجرين و الأنصار غير اولئك الستّة من قريش ، و أوصى فيهم شيئا لا أراك ترضى به أنت و أصحابك اذ جعلتها شورى بين جميع المسلمين قال : و ما صنع عمر ؟ قال : أمر صهيبا أن يصلّي بالناس ثلاثة أيّام ، و أن يشاور اولئك الستّة ليس معهم أحد إلاّ ابن عمر يشاورونه و ليس له من الأمر شيء ، و أوصى من بحضرته من المهاجرين و الأنصار إن مضت ثلاثه أيّام قبل أن يفرغوا أو يبايعوا رجلا أن يضربوا أعناق اولئك الستّة جميعا . فإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيّام و خالف اثنان أن يضربوا أعناق الإثنين . أفترضون بهذا أنتم في ما تجعلون من الشورى في جماعة المسلمين قالوا : لا الخبر 1 .
و في ( مقاتل أبي الفرج الاصبهاني ) بأسانيد : أنّ المأمون وجّه إلى جماعة من آل أبي طالب . فحملهم إليه من المدينة ، و فيهم عليّ بن موسى الرضا . فأخذ بهم على طريق البصرة حتّى جاءوه بهم ، و كان المتولّي لاشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان . فقدّم بهم على المأمون .
فأنزلهم دارا ، و أنزل على بن موسى الرضا دارا ، و وجّه إلى الفضل بن سهل .
-----------
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 5 : 23 ح 1 ، و الطبرسي في الاحتجاج 2 : 362 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 162 ]
فأعلمه أنّه يريده أن يعقد له بعده ، و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك . فاجتمعا بحضرته ، و جعل الحسن يعظّم ذلك عليه ، و يعرّفه ما في إخراج الأمر من أهل بيته إليه . فقال : إنّي عاهدت اللّه أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع ، و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل . فاجتمعا معه على ما أراد . فأرسلهما إليه فعرضا ذلك عليه فأبى . فلم يزالابه ، و هو يأبى ذلك ، و يمتنع منه إلى أن قال له أحدهما إن فعلت ، و إلاّ فعلنا كذا و كذا و تهدّداه ثم قال له أحدهما : و اللّه أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد . ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع . فقال له قولا شبيها بالتهديد ثم قال له : إنّ عمر جعل الشورى في ستّة أحدهم جدّك و قال : من خالف فاضربوا عنقه ، و لا بدّ من قبول ذلك . فأجابه 1 .
هذا ، و لمّا تخلّف ابن الزبير عن بيعة يزيد ، و استجار بالكعبة جعل الامر شورى بينه ، و بين المسور بن مخرمة ، و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ،
و في ( أنساب البلاذري ) : أصابت المسور شظية من حجر في و جنته فتوفي منها يوم جاء نعي يزيد في آخر النهار و مات مصعب أو قتل في حصار ابن نمير فلمّا شخص ابن نمير . بويع ابن الزبير . قال نافع : كنت تحت منبر ابن الزبير يوم دعا إلى نفسه بعد يزيد و كان قبل يدعو إلى الشورى 2 .
و فيه قال أبو حرّة مولى خزاعة مخاطبا لابن الزبير :
اخوانكم ان بلاء حلّ ساحتكم
و لا ترون لنا في غيره نسبا
نعاهد اللّه عهدا لا نخيس به
ان نقبل الدهر شورى بعد من ذهبا 3
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 375 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) أنساب الأشراف 4 ق 2 : 56 و 58 ، و النقل بتصرف و تقطيع .
-----------
( 3 ) أنساب الأشراف 5 : 188 ، و النقل بتلخيص .
[ 163 ]
" متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت اقرن إلى هذه النظائر " فإنّ الأول ، و هو صديقهم إنّما كانت منقبته منحصرة في كونه صاحب الغار ،
و أنّه أمره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصلاة في مرضه و لو كان له شيء آخر لذكره له الثاني لمّا كان يحرّض الناس على بيعته .
مع أنّ كلا منهما إلى المثلبة أقرب . أما الاولى فتضمّن القرآن إيذاء صاحب الغار لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و أخرجه من وصف الإيمان حيث خصّ إنزال السكينة بنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع أنّه في آيات اخر شرّك المؤمنين معه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك ،
و أمّا الثانية فإنّما كانت من قبل بنته ، و خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع شدّة مرضه متكئا على نفرين لمنعه .
و أما هو عليه السّلام فمقاماته أكثر من أن تحصى ، و روى أحمد بن الحسن القطان من رجالهم باسناده عن جعفر بن محمّد ، عن آبائه أنّه لما كان من أمر أبي بكر ما كان لم يزل أبو بكر يظهر الانبساط لعلي ، و يرى منه أنقباضا إلى أن قال فقال له عليّ عليه السّلام : أخبرني عن الّذي يستحق هذا الأمر بما يستحقّه قال : بالنصيحة و الوفاء ، و رفع المداهنة ، و المحاباة ، و حسن السيرة ، و إظهار العدل و العلم بالكتاب و السنّة ، و فصل الخطاب مع الزهد في الدنيا ، و قلّة الرغبة فيها ، و انصاف المظلوم من الظالم القريب و البعيد . فقال له علي : انشدك الله أ في نفسك تجد هذه الخصال أم فيّ ؟ قال : بل فيك . قال : انشدك باللّه أنا المجيب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل ذكران المسلمين أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : انشدك بالله إنّ الأذان لأهل الموسم بسورة براءة أنا أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا وقيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنفسي يوم الغار أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : انشدك بالله إنّ الولاية من اللّه مع ولاية رسوله في آيه زكاة الخاتم لي أم لك ؟ قال : بل لك . قال :
انشدك باللّه أنا المولى لكلّ مسلم بحديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الغدير أم أنت ؟ قال :
[ 164 ]
بل أنت . قال : انشدك باللّه ألي الوزارة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و المثل من هارون من موسى أم لك ؟ قال : بل لك . قال : فانشدك باللّه أ بي برز النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بأهلي و ولدي في مباهلة المشركين من النصارى أم بك و بأهلك و ولدك ؟ قال : بل بكم . قال : فانشدك باللّه ألي و لأهلي و ولدي آية التطهير من الرجس أو لك و لأهل بيتك ؟ قال : بل لك ، و لأهل بيتك . قال : فانشدك باللّه أنا و ولدي و أهلي صاحب دعوة الرسول يوم الكساء " اللهّمّ هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار " أم أنت ؟ قال : بل أنت و أهلك و ولدك . قال : فانشدك بالله أنا صاحب الآية : يوفون بالنذر و يخافون يوما كان شرّه مستطيرا 1 أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال :
فانشدك باللّه أنا الفتى الّذي نودي من السماء " لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي " أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنت الّذي حباه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الراية يوم خيبر ، و قال : " لاعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله ، و يحبّه اللّه و رسوله " ففتح له أم أنا ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنت الّذي نفيت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كربه ، و عن المسلمين بقتل عمرو بن عبدود أم أنا ؟ قال : بل أنت .
قال : انشدك باللّه أنت الّذي طهّره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من السفاح من لدن آدم عليه السّلام إلى أبيه بقوله : " أنا و أنت من نكاح لاسفاح من آدم إلى عبد المطلب " أم أنا ؟ قال : بل أنت قال : فانشدك باللّه أنت الّذي اختاره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و زوّجه ابنته فاطمة ،
و قال له " زوّجك اللّه " أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا والد الحسن و الحسين ، ريحانتيه اللذين قال فيهما : " هذان سيّدا شباب أهل الجنّة و أبوهما خير منهما " أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا الّذي أخوه المزيّن بجناحين في الجنّة مع الملائكة أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا ضمنت دين الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ناديت في الموسم بإنجاز موعده أم أنت ؟ قال :
-----------
( 1 ) الانسان : 7 .
[ 165 ]
بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا الّذي دعاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لطير عنده يريد أكله .
فقال : " اللّهمّ إيتني باحبّ خلقك إليك بعدي " أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه انا الّذي بشّره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين على تأويل القرآن " أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا الّذي شهد آخر كلام رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ولي غسله و دفنه أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا الّذي سبقت له القرابة من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك بالله أنا الّذي دلّ عليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعلم القضاء بقوله علي أقضاكم أم أنت ؟
قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا الّذي حباه الله تعالى بدينار عند حاجته ،
و باعه جبرئيل ، و أضاف محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ولده أم أنت ؟ فبكي أبو بكر و قال : بل أنت . قال : فانشدك بالله أنا الّذي حمله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم على كتفه في طرح صنم الكعبة و كسره حتّى لو شاء أن ينال افق السماء لنالها أم أنت ؟ قال : بل أنت .
قال : انشدك باللّه فأنا الّذي أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بفتح بابه في مسجده حين أمر بسدّ أبواب جميع أصحابه و أهل بيته ، و أحلّ له فيه ما أحلّه اللّه له أم أنت ؟ قال :
بل أنت . قال : فانشدك باللّه انا الّذي قدّم بين يدي نجواه للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم صدقة فناجاه اذ عاتب أقواما فقال : أ أشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات 1 . أم أنت ؟ قال : بل أنت . قال : فانشدك باللّه أنا الّذي قال فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لفاطمة " زوجك أوّل الناس إيمانا ، و أرجحهم اسلاما " في كلام له أم أنت ؟ قال : بل أنت . فلم يزل عليّ عليه السّلام يعدّ عليه مناقبه التي جعلها اللّه تعالى له دون غيره ، و يقول له أبو بكر " بهذا و شبهه يستحق القيام بامور امّة محمّد " إلى أن قال فقال له عمر : " دون ما تروم يا علي خرط القتاد " 2 .
-----------
( 1 ) المجادلة : 13 .
-----------
( 2 ) رواه عن القطان الصدوق في الخصال 2 : 548 ح 30 ، باب الاربعين .
[ 166 ]
قلت : و ما تضمنه هذا الخبر مما عدّه عليه السّلام من فضائله درايات لا ريب فيها و ليست مثل روايات افتعلوها لأوّلهم و لباقيهم مزخرفات ، و لما مرّ للأوّل من كونه صاحب الغار و صاحب الصلاة .
هذي المكارم لا قعبان من لبن
شيبت بماء و عادت بعد أبوالا
و كيف يعترض الريب فيه عليه السّلام مع أحد ، و هو عليه السّلام كنفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بشهادة آية و أنفسنا 1 و دلالة مستفيضة اتحاد نوريهما 2 .
و عن ( طبقات ) حنابلة ابن أبي ليلى قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : ما تقول في التفضيل . قال : في الخلافة أبو بكر و عمر و عثمان . فقلت : فعلي . فقال :
يا بنيّ علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يقاس بهم أحد 3 .
و عن ( محاسن البيهقي ) : قام رجل في مجلس ابن عائشة . فقال : يا أبا عبد الرحمن من أفضل أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و سعيد و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة بن الجراح .
فقال الرجل : فأين علي بن أبي طالب ؟ فقال ابن عائشة : أن اللّه تعالى يقول قل تعالوا ندع أنباءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم 4 فكيف يكون أصحابه مثل نفسه 5 .
و منكر أفضليّته عليه السّلام بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم على جميع العالمين كمنكر البديهيات . كيف لا ، و قد قال جلّ و علا : هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا
-----------
( 1 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 2 ) انظر حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " كنت انا و علي نورا بين يدي اللّه " أخرجه أحمد في الفضائل ، عنه التذكرة : 46 ، و ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 1 : 151 ح 186 ، و غيرهما .
-----------
( 3 ) رواه القاضي أبو يعلى في طبقات الحنابلة 2 : 120 ، كما ذكره الشارح نفسه و قوله ابن أبي ليلى خطأ .
-----------
( 4 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 5 ) المحاسن و المساوي 1 : 29 ، و النقل بتلخيص .
[ 167 ]
يعلمون 1 و قال عزّ من قائل : يرفع اللّه الّذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات 2 و قال تعالى : و فضّل اللّه المجاهدين بأموالهم و أنفسهم على القاعدين درجة 3 و كان عليه السّلام في العلم و الإيمان و الجهاد في الأقصى . أمّا علمه عليه السّلام فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه : " أنا مدينة العلم و علي بابها ، و من أراد مدينة فليأتها من بابها " 4 ، و أما إيمانه : فقال صلوات عليه و آله له : " الإيمان مخالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي " 5 و أمّا جهاده عليه السّلام فيكفيه قول جبرئيل عليه السّلام في احد للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما فرّ عنه جميع أصحابه ، و أراد المشركون قتله و يكرّ عليهم أمير المؤمنين عليه السّلام مرّة بعد مرّة و يفرّقهم : " إنّ هذه لهي المواساة " و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " و ما يمنعه من مواساتي و هو منّي و أنا منه " ، و قول جبرئيل : " و أنا منكما " و قول جبرئيل ذاك اليوم " لا فتى إلاّ عليّ و لا سيف إلاّ ذو الفقار " 6 .
" حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر " عثمان و طلحة و الزبير ، و سعد ،
و عبد الرحمن .
روي ( ميزان الذهبي ) ، عن أبي إسحاق قال : سألت ابن عمر ، عن عثمان و علي فقال : تسألني عن علي فقد رأيت مكانه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه سدّ أبواب المسجد إلاّ باب عليّ 7 .
-----------
( 1 ) الزمر : 9 .
-----------
( 2 ) المجادلة : 11 .
-----------
( 3 ) النساء : 95 .
-----------
( 4 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 126 و 127 ، و الكلابي في مسنده ، منتخبه : 426 ح 2 ، و غيرهما .
-----------
( 5 ) أخرجه الثقفي في المعرفة ، عنه اعلام الورى : 186 ، و الصدوق في أماليه : 86 ح 1 ، المجلس 21 ، و غيرهما في ضمن حديث .
-----------
( 6 ) أخرجه ابن هشام في السيرة 3 : 43 ، و ابن المغازلي في مناقبة : 197 ح 234 ، و غيرهما .
-----------
( 7 ) ميزان الاعتدال 3 : 65 .
[ 168 ]
و رووا عن الشعبي قال : دخل عليّ عليه السّلام على عثمان ، و عنده أهل الشورى و قد كان بلغه عنهم هنات ، و قوارص . فقال لهم في جملة كلام : " لكنّي أخبركم عن أنفسكم أمّا أنت يا عثمان ففررت يوم حنين ، و تولّيت يوم التقى الجمعان ، و أمّا أنت يا طلحة . فقلت : إن مات محمّد لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا ، و أما أنت يا عبد الرحمن فصاحب قراريط ، و أمّا أنت يا سعد فتدقّ عن أن تذكر " ثم خرج فقال عثمان : أما فيكم أحد يردّ عليه ؟ قالوا و ما منعك من ذلك و أنت أمير المؤمنين 1 .
أراد عمر إقران أمير المؤمنين عليه السّلام بعثمان مع كون سوابق عثمان كلواحقه موادة من حادّ اللّه و رسوله . فتارة كان يقول انّ عليا و عثمان من بني عبد مناف و على قياسه يجب أن يكون أبو سفيان مثل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لكون كل منهما من بني عبد مناف ، و اخرى كان يقول : " إنّ الناس لا يعدلون بهذين الرجلين اللذين كان الرسول نجيّا بينهما و بين جبرئيل يتبلغ عنه و يملي عليهما " .
و على قياسه كان عليه أن يزيد عليهما ابن أبي سرح الّذي نزل القرآن بكفره و أهدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دمه ، و إن حماه عثمان في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و ولاّه بعده في أيّام خلافته . فإنّه أيضا كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم واسطة بينه و بين جبرئيل .
و لم يزد معاوية الّذي كان يقول انّه كاتب الوحي بلا وساطة النبيّ . ففي ( نقض عثمانية الاسكافي ) : " روى الواقدي أنّ معاوية بعد بيعة العراق له جمع أهل الشام ، و كتب لهم كتابا و قرأه عليهم " هذا كتاب كتبه معاوية صاحب وحي اللّه الّذي بعث محمّدا نبيّا ، و كان اميّا لا يقرأ و لا يكتب . فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا . فكان الوحي ينزل على محمّد ، و أنا أكتبه ، و هو لا يعلم
-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 88 .
[ 169 ]
ما أكتب . فلم يكن بيني و بين اللّه أحد من خلقه " 1 .
و إذا كان عمر يقول ذاك ، لم لا يقول معاوية هذا :
و عن " مفاخرات هاشم و اميّة " للجاحظ قالت هاشم لاميّة : قال شاعركم :
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة
و لم نر مهديا على الجذع يصلب
و قستم بعثمان عليّا سفاهة
و عثمان خير من علي و أطيب
فقال بعض الصالحين من أهل البيت " اللهم ان كان كاذبا فسلّط عليه كلبا من كلابك " فخرج يوما بسفر له فعرض له الأسد فافترسه 2 . و قد ذكر تفصيل ما قاله الجاحظ ، الحموي في ( ادبائه ) . فقال : جاء رجل إلى عبد اللّه بن جعفر فقال يا ابن عم الرسول هذا حكيم الكلبي ينشد الناس هجاءكم بالكوفة و أنشده البيت فرفع يديه ، و هما ينتفضان رعدة . فقال : " اللهم ان كان كاذبا فسلط عليه كلبا " فخرج حكيم من الكوفة فافترسه الأسد و أكله . فاتى البشير عبد اللّه و هو في مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخر للّه ساجدا ، و قال : الحمد للّه الّذي صدقنا وعده 3 .
و أقول لشاعرهم : هل تستوي الظلمات و النور حتّى نقيس عليا به ، فإن كنّا نفعل ذلك كان ذلك سفاهة منّا كما قلت ، و إنما قاسه به فاروقكم .
و في ( الطبري ) : قال الرشيد لعبد اللّه بن ثقيف الزهري : ما تقول في الذين طعنوا على عثمان ؟ فقال : طعن عليه ناس ، و كان معه ناس . فأما الذين طعنوا عليه فتفرّقوا عنه فهم أنواع الشيع و أهل البدع ، أنواع الخوارج ، و أما الذين كانوا
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 361 ، شرح الخطبة 57 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 477 ، شرح الكتاب 28 .
-----------
( 3 ) معجم الادباء 10 : 248 ، و النقل بتلخيص .
[ 170 ]
معه . فهم أهل الجماعة إلى اليوم . فقال الرشيد : ما أحتاج أن اسأل بعد هذا اليوم عن هذا ، ثم قال له : فما منزلة أبي بكر و عمر من النبي ؟ فقال : كانت منزلتهما في حياته منه منزلتهما في مماته . فقال له الرشيد : كفيتني ما أحتاج إليه 1 .
قلت : أما جوابه عن عثمان فمغالطة . فالطاعنون عليه جمهور المسلمين عموما قبل أن يحمل معاوية الناس قهرا على تولّيه ، و أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام في الجمل و صفين و النهروان ، و أصحاب الحسين عليه السّلام يوم الطف خصوصا ، و أما الذين كانوا معه . فالناكثون و القاسطون ، و قتلة عترة رسول رب العالمين ، و سابي بناته أصحاب يزيد بن معاوية و عبيد اللّه بن زياد و بني مروان .
و أما جوابه عن أبي بكر و عمر . فبرهان من الغرائب فإذا كانت هكذا الدلائل ينحل كثير من المسائل و نحن نقول و شاهدنا الدراية : إنّه كما أنّ منزلتهما من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مماته كانت غصبا و جورا كانت منزلتهما منه في حياته كذبا و مينا .
و في ( تاريخ بغداد ) : قال القاسم بن سلام : فعلت بالبصرة فعلتين أرجو بهما الجنّة : اتيت يحيى القطان ، و هو يقول أبو بكر و عمر و علي . فقلت معي شاهدان من أهل بدر يشهدان أنّ عثمان أفضل من عليّ . قال : بمن ، قلت : أنت حدّثتنا عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال : خطبنا عبد اللّه بن مسعود . فقال " أميرنا خير من بقي و لم نأل " قال : و من الآخر ؟ قلت :
" الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن المسّور بن مخرمة قال : سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول " شاورت المهاجرين الأوّلين و أمراء الأجناد ،
و أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلم أر أحدا يعدل بعثمان " . قال : فترك قوله ، و قال
-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 6 : 534 ، سنة 193 ، و الرجل عبد الله بن مصعب الزبيري لا عبد اللّه بن ثقيف .
[ 171 ]
أبو بكر و عمر و عثمان 1 .
قلت : إنّ الرجل لم يدع للجلافة و قلّة الحياء حدّا . أمّا ابن مسعود فكيف يقول ما قاله و قد كان عثمان ضربه حتّى كسر ضلعه ، و قد أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان ، و كان يقول " ما يزن عثمان عند الله جناح ذباب " 2 .
و كان يقول : " ليتني و عثمان برمل عالج يحثو عليّ و أحثو عليه حتّى يموت الاعجز منّي و منه " 3 .
و أمّا ابن عوف . فإنّما ولاّه لكونه صهره ثم ندم و لم يكلّمه حتّى مات و أوصى أن لا يصلّي عليه 4 .
و المشيرون عليه باستخلافه إنّما كانوا أعداء اللّه و أعداء رسوله ، و أمّا المهاجرون الأوّلون كالمقداد و أبي ذر و عمّار و نظرائهم فإنّما أشاروا عليه باستخلاف أمير المؤمنين عليه السّلام . ففي ( سقيفة الجوهري ) : عن معروف بن سويد قال : كنت بالمدينة أيّام بويع عثمان فرأيت رجلا في المسجد جالسا و هو يصفق بإحدى يديه على الاخرى ، و الناس حوله ، و يقول : " وا عجبا من قريش و استيثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت ، معدن الفضل ، و نجوم الأرض ، و نور البلاد . و اللّه إنّ فيهم لرجلا ما رأيت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أولى منه بالحقّ ، و لا أقضى بالعدل ، و لا آمر بالمعروف ، و لا أنهى عن المنكر " قال :
فسألت عنه فقيل : هذا المقداد فتقدّمت إليه و قلت : من الرجل الّذي تذكره ؟ فقال :
ابن عم نبيّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّ بن أبي طالب . قال : فلبثت ما شاء اللّه . ثم لقيت أباذر فحدّثته بما قال المقداد فقال : صدق . قلت : فما يمنعكم أن تجعلوا
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 12 : 409 .
-----------
( 2 ) رواه الثقفي في تاريخه ، عنه فتن البحار : 318 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) رواه الثقفي في تاريخه ، عنه فتن البحار : 318 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 4 ) نفس المصدر : 319 ، و النقل بالمعنى .
[ 172 ]
هذا الأمر فيهم . قال : أبى ذلك قومهم 1 .
و فيه أيضا عن الشعبي قال في خبر أهل الشورى : " فأقبل المقداد و الناس مجتمعون . فقال : إسمعوا ما أقول : أنا المقداد بن عمر و إنّكم إن بايعتم عليّا سمعنا و أطعنا ، و إن بايعتم عثمان سمعنا و عصينا . فقام عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فنادى : أيّها الناس إن بايعتم عثمان سمعنا و أطعنا ، و إن بايعتم عليّا سمعنا و عصينا . فقال له المقداد : يا عدّو الله و عدّو رسوله ، و عدوّ كتابه و متى كان مثلك يسمع له الصالحون ؟ فقال له عبد اللّه : و متى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش ؟ فقال عبد اللّه بن أبي سرح : أيّها الملأ إن أردتم أن لا تختلف قريش في ما بينها عثمان . فقال عمّار : إن أردتم أن لا يختلف المسلمون في ما بينهم ، فبايعوا عليّا ، و قال لابن أبي سرح : يا فاسق ابن الفاسق أنت ممّن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في امورهم ؟ الخبر 2 .
و من المضحك أنّ الخطيب الناصبي تقيّد في ( تاريخ بغداده ) بتقديم ذكر من اسمه عثمان على من كان اسمه علي ، و تقديم ذكر من كان اسم أبيه كذلك . فيقال له : إنّ إمامك أباح دمه المسلمون ، و منعوا دفنه مع المسلمين ،
و إنّما أجبر معاوية و باقي بني أمية الناس بالسيف على القول به .
كما انه خلعه من نصبه و هو ابن عوف فعن ( تاريخ الواقدي ) : قال عثمان بن السريد : دخلت على عبد الرحمن بن عوف في شكواه الذي مات فيه أعوده فذكر عنده عثمان . فقال " عاجلوا طاغيتكم هذا قبل أن يتمادى في ملكه " قالوا :
-----------
( 1 ) السقيفة : 81 .
-----------
( 2 ) السقيفة : 84 ، و النقل بتلخيص .
[ 173 ]
فأنت وليّته قال : لا عهد لناقض 1 .
و في ( الطبري ) : قال عفيف بن زهير بن أبي الأخنس و كان قد شهد مقتل الحسين عليه السّلام و خرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة ، و هو حليف لبني سليمة من عبد القيس . فقال : " يا برير بن حضير كيف ترى صنع اللّه بك ؟ " قال : " صنع اللّه و اللّه بي خيرا ، و صنع اللّه بك شرّا " . قال : " كذبت و قبل اليوم ما كنت كذّابا . هل تذكر و أنا اماشيك في بني لوذان ، و أنت تقول : إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفا ، و إنّ معاوية ضال مضلّ ، و إنّ إمام الهدى و الحقّ علي بن أبي طالب ؟ فقال له برير : " أشهد أنّ هذا رأيي و قولي " . فقال له : يزيد " فإنّي أشهد أنّك من الضالّين " . فقال له برير : " هل لك فلاباهلك و لندع اللّه أن يلعن الكاذب ، و أن يقتل المبطل ثم اخرج فلأبارزك " . قال : فخرجا فرفعا أيديهما إلى اللّه يدعوانه أن يلعن الكاذب و أن يقتل المحق المبطل . ثم برز كلّ واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين ، فضرب يزيد بريرا ضربة خفيفة لم تضرّه شيئا ، و ضربه برير ضربة قدّت المغفر ، و بلغت الدماغ فخرّ كأنّما هوى من حالق ، و أنّ سيف برير لثابت في رأسه . فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه 2 .
" لكنّي أسففت إذ أسفّوا " من أسفّ الطائر إذا طار دانيا من الأرض حتّى كادت رجلاه تصيبانها .
" وطرت إذ طاروا " و نظير كلامه عليه السّلام قول ابن عباس لكن بالعكس لمّا قيل له " ما منع عليا عليه السّلام أن يبعثك مكان أبي موسى " " منعه من ذلك حائل القدر و قصر المدّة و محنة الابتلاء أما و اللّه لو بعثني مكانه لاعترضت مدارج نفسه
-----------
( 1 ) رواه عنه المجلسي في فتن البحار : 319 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 328 ، سنة 61 .
[ 174 ]
ناقضا لما أبرم و مبرما لما نقض ، أسفّ إذا طار ، و أطير إذا أسفّ ، و لكن مضى قدر و بقي أسف " و قريب منه في المعنى قول أبي تمامة :
اخاصمهم مرّة قائما
و أجثو إذا ما جثوا للركب
إذا منطق قاله صاحبي
تعقبت آخر ذا معتقب
و قال الرضي رحمة اللّه في وصف الدهر :
أسفّ بمن يطير إلى المعالي
و طار بمن يسفّ إلى الدنايا
" فصغى " بكسر الغين : أي مال .
" رجل منهم لضغنه " أي : لحقده .
قال ابن أبي الحديد : يعنى عليه السّلام بالرجل طلحة ، و انّما مال طلحة إلى عثمان لأنّه تيمي ابن عم أبي بكر ، و قد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد لأجل الخلافة ، و كذلك صار في صدور بني تيم على بني هاشم ، و هذا أمر مركوز في طبيعة البشر ، و خصوصا العرب ، و قال الراوندي :
" يعني عليه السّلام بالرجل سعد بن أبي وقاص ، لأنّ عليّا عليه السّلام قتل أباه يوم بدر " و هو خطأ فإنّ أباه مات في الجاهلية . و إن صحّت الرواية التي تضمنت أنّ طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى كما اختاره الطبري ، فذو الضغن سعد ، لأنّ امّه حمنة بنت سفيان بن اميّة بن عبد شمس ، و الضغينة التي عنده على عليّ عليه السّلام من قبل أخواله الذين قتل صناديدهم ، و لم أعرف أنّ عليا عليه السّلام قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضغن إليه 1 .
قلت : و الرواية المتضمنة بأنّ طلحة لم يكن حاضرا لم ينحصر اختياره بالطبري . فقد اختاره الجوهري في ( زيادات سقيفته ) و عوانة في كتاب
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 63 ، و شرح الراوندي 1 : 127 ، و النقل بتلخيص و رواية الطبري في تاريخه 3 : 295 ، سنة 23 .
[ 175 ]
( شوراه ) ، و ابن عبد ربه في ( عقده ) و ابن أعثم الكوفي في ( تاريخه ) ، و ابن قتيبة في ( معارفه ) 1 .
ثم المراد بالرجل سعد معيّنا ، و لو لم تكن تلك الرواية صحيحة لما مرّ عن كتاب ( الشورى و السقيفة ) عن الشعبي ، و عن كتاب الحماني عن أبي صادق أنّه عليه السّلام قال : " إنّ سعدا مع ابن عمه ابن عوف و ابن عوف مع صهره عثمان فلو فرض كون طلحة و الزبير معي ما نفعاني " و زاد في الأخير :
" و لم يبال أن يقتل طلحة إذا قتلني و قتل الزبير " 2 .
و في خبر الطبري ، قال عليّ عليه السّلام لعمه : عدلت عنّا فقال : و ما علمك قال :
قرن بي عثمان ، و قال : " كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلا و رجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن " فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن و عبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون ، فيولّيها عبد الرحمن عثمان أو يولّيها عثمان عبد الرحمن فلو كان الآخران معي لم ينفعاني 3 .
و في ( العقد ) : قال المدائني قال عليّ عليه السّلام لسعد : أسألك برحم ابني هذين ( الحسن و الحسين ) من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و برحم عمّي حمزة منك أن لا تكون مع عبد الرحمن ظهيرا عليّ لعثمان 4 .
و بالجملة فكما كون المراد من قوله عليه السّلام بعد " و مال الآخر لصهره " عبد الرحمن معيّن كذلك معيّن أنّ المراد بقوله عليه السّلام : " فصغى رجل منهم . . . " هو
-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 82 ، و عوانة في الشورى ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 391 ، شرح الخطبة 137 ، و ابن عبد ربه في العقد الفريد 5 : 30 ، و ابن أعثم في الفتوح 2 : 99 ، و ابن قتيبة في المعارف : 228 .
-----------
( 2 ) رواه عوانة في الشورى ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 389 ، شرح الخطبة 137 ، و الجوهري في السقيفة : 83 ، و عن الحماني المفيد في الإرشاد : 151 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 294 ، سنة 23 .
-----------
( 4 ) العقد الفريد 5 : 28 .
[ 176 ]
سعد لا طلحة ، و لو فرض كونه حاضرا كالزبير .
ثم إن كان طلحة ذا ضغن ، و قد كان ، فقد مرّ عن كتابي عوانة و الجوهري عنه عليه السّلام مشيرا إلى طلحة و الزبير : " فلو أنّ الرجلين الباقيين كانا معي لم يغنيا عنّي شيئا " ثم قال : " دع . إنّي لست أرجو إلاّ أحدهما " و المراد الرجاء بالزبير دون طلحة فلأنّه عليه السّلام قتل يوم بدر أخويه عثمان و مالكا و عمّه عميرا .
مع أنّه قد يكون الضغن لتنافر الروح بدون سبب ظاهر . كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " الأرواح جنود مجنّده . فما تعارف منها ائتلف ، و ما تناكر منها اختلف " 1 .
مع أنه عليه السّلام قال : " لا يحبّني إلاّ مؤمن " و أي إيمان لمن عمل تلك الأعمال الشنيعة في الجمل ؟ و أمّا قول ابن أبي الحديد في سبب ضغن طلحة بما مرّ فلا وجه له . فإنّ تيما أخذت حق هاشم فلم يحصل في نفوسهم حنق شديد . فإنّ الحنق للمأخوذ حقه دون الآخذ حق غيره ، و لمّا قال عمر لابن عباس في مكالمة له في الخلافة " أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حقدا " قال له ابن عباس : " و كيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره " 2 .
و لما قال القاسم بن محمد بن يحيى بن طلحة لاسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ عليه السّلام " لم يزل فضلنا إحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم " قال له إسماعيل : " أي فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف أغضب أبوك ( يعني طلحة ) جدّي ( يعني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ) بقوله ليموتن
-----------
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحة 4 : 2031 ح 159 و 160 ، و أبو داود في سننه 4 : 260 ح 4834 ، و غيرهما .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 107 ، شرح الخطبة 226 ، و النقل بالمعنى .
[ 177 ]
محمد و لنجولنّ بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا ، فأنزل اللّه تعالى مراغمة لأبيك : و ما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا 1 ، و منع ابن عمك ( يعني أبا بكر ) امّي ( يعني فاطمة السلام عليهما ) حقّها من فدك ، و غيرها من ميراث أبيها إلى أن قال و نكث ( أبوك ) بيعة عليّ عليه السّلام و شام السيف في وجهه ، و أفسد قلوب المسلمين عليه 2 .
كما أنّ قول ابن أبي الحديد : إنّه إن لم يكن طلحة حاضرا فذو الضغن سعد لانّ امه كانت من بني امية ، و كان عليه السّلام قتل أخواله 3 ليس بصحيح ،
فالناس و لا سيّما العرب إنّما يتعصبون لبني آبائهم دون بني آباء امّهاتهم .
و سعد إنّما كان ميله إلى أمير المؤمنين عليه السّلام في نفسه أكثر منه إلى عثمان لكنه تبع هوى ابن عمه عبد الرحمن . ففي ( العقد الفريد ) : روى المدائني أن عبد الرحمن قال لسعد : أنا و أنت كلالة فاجعل نصيبك لي فأختار . فقال له سعد : " أمّا إن اخترت نفسك فنعم ، و أمّا إن اخترت عثمان فعلي أحبّ إلي منه " 4 .
كما أنّ سعدا و إن كان ممّن لم يبايع أمير المؤمنين عليه السّلام لكن لم يقاتل معه عليه السّلام مثل طلحة ، و لم يساعد في قباله عليه السّلام معاوية ، و لمّا كتب معاوية إليه و دعاه إلى نفسه أجابه بجوابات شديدة .
و في ( المروج ) : لما حجّ معاوية أجلس سعدا معه على السرير في دار الندوة ثم شرع في سبّ عليّ عليه السّلام . فقال له سعد : و اللّه لأن يكون في خصلة
-----------
( 1 ) الاحزاب : 53 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 481 ، شرح الخطبة 170 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 63 .
-----------
( 4 ) العقد الفريد 5 : 28 .
[ 178 ]
واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، ثم ذكر كونه عليه السلام صهر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و له من الولد الحسنان عليه السّلام ،
و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه يوم خيبر في إعطائه الراية و يوم تبوك من حديث المنزلة 1 .
مع أنّ أصل رواية " لضغنه " كما في المتن غير معلوم صحتها .
فبدّله الصدوق في معانيه بقوله " بضبعه " و قال : و في رواية " بضلعه " 2 .
بل معلوم عدم صحتها لما مرّ من روايات دالّة على عدم ضغن سعد معه عليه السّلام و أنّه عليه السّلام قال : إنّما سعد يميل إلى ابن عمه عبد الرحمن الّذي هواه في عثمان و حينئذ فالأصح رواية " بضلعه " و في ( الصحاح ) في المثل " لا تنقش الشوكة بالشوكة فإنّ ضلعها معها " يضرب للرجل يخاصم آخر فيقول :
" إجعل بيني و بينك فلانا " لرجل يهوى هواه 3 .
و يمكن تصحيح " بضبعه " أيضا ففي ( الصحاح ) أيضا : " و كنّا في ضبع فلان بالضم : أي : في كنفه و ناحيته 4 ، و قد عرفت أنّ سعدا كان في كنف ابن عمه و في ناحيته ، و أبو أحمد العسكري لم يذكر غيرهما . و قال : هما قريبان معنى 5 .
" و مال الآخر لصهره " و المراد بالآخر عبد الرحمن بن عوف كما مرّ ،
و بصهره عثمان . فإنّ اخت عثمان لامّه أروي بنت كريز ، و هي ام كلثوم بنت
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 14 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) معاني الأخبار : 361 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 3 : 1251 ، مادة ( ضلع ) .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 3 : 1247 ، مادة ( ضبع ) .
-----------
( 5 ) العلل 1 : 152 ، و المعاني : 363 .
[ 179 ]
عقبة بن أبي معيط كانت تحت عبد الرحمن .
فعن ( سقيفة الجوهري ) و ( شورى عوانة ) قال الشعبي : ادخل أهل الشورى دارا فأقبلوا يتجادلون عليها و كلهم بها ظنين ، و عليها حريص إمّا للدنيا و إمّا للآخرة . فلمّا طال ذلك قال عبد الرحمن : من رجل منكم يخرج نفسه من هذا الأمر ، و يختار لهذه الامّة رجلا فإنّي طيّبة نفسي أن اخرج منها و أختار لكم . قالوا : قد رضينا إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فإنّه اتّهمه . فاقبل أبو طلحة عليه ، و قال له : إرض برأي عبد الرحمن . فقال عليّ عليه السّلام لعبد الرحمن : أعطني موثقا من اللّه لتؤثرنّ الحقّ ، و لا تتّبع الهوى ، و لا تمل إلى صهر و لا إلى ذي قرابة ، و لا تعمل إلاّ لله ، و لا تألو هذه الامة أن تختار لها خيرها إلى أن قال فخرج عبد الرحمن فمكث ثلاثة أيّام يشاور الناس . ثم رجع و اجتمع الناس و كثروا على الباب لا يشكّون في أنّه يبايع عليّا عليه السّلام ، و كان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان ، و هوى طائفة من الأنصار مع عليّ عليه السّلام ، و هي طائفة اخرى هي أقل الطائفتين مع عثمان ، و طائفة لا يبالون أيّهما بويع . فأقبل المقداد و الناس مجتمعون . فقال : أيّها الناس اسمعوا ما أقول : أنا المقداد بن عمر ،
و إنّكم إن بايعتم عليّا سمعنا و أطعنا ، و إن بايعتم عثمان سمعنا و عصينا إلى أن قال ثم أقبل عمّار على عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال : " يا فاسق و ابن الفاسق أنت ممّن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في امورهم " ؟ و ارتفعت الأصوات ، و نادى مناد لا يدري من هو فقريش تزعم أنّه رجل من مخزوم ، و الأنصار تزعم أنّه رجل طوال آدم مشرف على الناس لا يعرفه أحد .
( و أقول : لابدّ أنه كان إبليس ، و قد كان أوّل من بايع الأوّل على ما ورد عن أهل البيت عليه السّلام ) " يا عبد الرحمن افرغ من أمرك ، و امض على ما في نفسك . فانّه
[ 180 ]
الصواب " فأقبل عبد الرحمن على عليّ عليه السّلام فقال : عليك عهد اللّه و ميثاقه إن بايعتك لتعملنّ بكتاب اللّه و سنّة رسوله ، و سيرة أبي بكر و عمر . فقال عليّ عليه السّلام " على طاقتي و مبلغ علمي و جهد رأيي " و الناس يسمعون . فأقبل على عثمان فقال . له : مثل ذلك . فقال عثمان : " نعم لا أزول عنه و لا أدع شيئا منه " ، ثم أقبل عبد الرحمن على عليّ عليه السّلام ثلاث مرّات . فقال له : ذلك ثلاث مرات ، و لعثمان ثلاث مرّات في كلّ ذلك يجيب عليّ عليه السّلام مثل ما كان أجاب به ، و يجيب عثمان بمثل ما كان أجاب به . فقال : " ابسط يدك يا عثمان " فبسط يده فبايعه ، و قام القوم فخرجوا ، و قد بايعوا إلاّ عليّا عليه السّلام فإنّه لم يبايع . فخرج عثمان على الناس ،
و وجهه يتهلّل ، و خرج عليّ عليه السّلام ، و هو كاسف البال مظلم ، و هو يقول : " يا ابن عوف ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم علينا من دفعنا عن حقّنا و الاستيثار علينا و طريقة تركتموها " 1 .
و في ( أنساب البلاذري ) : لما بايع عبد الرحمن عثمان ، و بايعه أصحاب الشورى كان عليّ عليه السّلام قائما فقعد . فقال له عبد الرحمن : " بايع و إلاّ ضربت عنقك " و لم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره . فيقال : إنّ عليا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى و قالوا : بايع و إلاّ جاهدناك . فأقبل معهم يمشي حتّى بايع عثمان 2 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : أخذ عبد الرحمن بيد عثمان ، و قال له : " لئن بايعتك لتقيمنّ لنا كتاب اللّه و سنّة رسوله ، و سنّة صاحبيك ، و شرط عمر ألاّ تجعل أحدا من بنى اميّة على رقاب الناس " فقال عثمان : " نعم ثم أخذ بيد
-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 83 ، و عوانة في الشورى ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 390 ، شرح الخطبة 137 ، و النقل بتصرف يسير و كون ابليس أوّل من بايع أبا بكر رواه الكليني في الكافي 8 : 343 ح 541 ، و سليم بن قيس في كتابه :
80 .
-----------
( 2 ) انساب الاشراف 5 : 22 .
[ 181 ]
عليّ عليه السّلام فقال له : ابايعك على شرط عمر أن لا تحمل أحدا من بنى هاشم على رقاب الناس " فقال : " ما لك و لهذا . فإنّ علي الاجتهاد لامّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث علمت القوّة و الأمانة " قال عبد الرحمن : " لا و اللّه حتّى تعطيني هذا الشرط " قال عليه السّلام : " لا و اللّه لا اعطيكه أبدا " فتركه إلى أن قال قال عبد الرحمن : " لا تجعل يا علي على نفسك سبيلا فإنّه السيف لا غير " 1 .
و قال ابن أبي الحديد بعد ذكر بيعة عبد الرحمن لعثمان لمّا قبل العمل بسيرة الشيخين فقال عليّ عليه السّلام " ليس هذا بأوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ،
فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون ، و الله ما ولّيته الأمر إلاّ ليردّه إليك ، و اللّه كلّ يوم هو في شأن " فقال عبد الرحمن : " لا تجعلنّ على نفسك سبيلا يا علي " يعني أمر عمر أبا طلحة أن يضرب عنق المخالف فقام عليّ عليه السّلام فخرج و قال : " سيبلغ الكتاب أجله " فقال عمّار : " يا عبد الرحمن أمّا و اللّه لقد تركته ، و إنّه من الذين يقضون بالحقّ و به يعدلون " و قال المقداد " تاللّه ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ، و اعجبا لقريش لقد تركت رجلا ما أقول ، و لا أعلم أنّ أحدا أقضى بالعدل ، و لا أعلم ، و لا أتقى منه . أما لو أجد أعوانا " . فقال عبد الرحمن : " إتق اللّه يا مقداد . فإني خائف عليك الفتنه " ،
و قال عليّ عليه السّلام : " إني لأعلم ما في أنفسهم . إن الناس ينظرون إلى قريش ،
و قريش تنظر في صلاح شأنها فتقول : إنّ ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبدا ، و ما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش " قال : و قدم طلحة في اليوم الّذي بويع فيه عثمان فتلكّأ ساعة ثم بايع 2 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : قال أبو هلال العسكري في كتاب ( الأوائل ) :
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة 1 : 26 ، و النقل بتصرف في اللفظ
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 65 .
[ 182 ]
استجيبت دعوة عليّ عليه السّلام في عثمان و عبد الرحمن فما ماتا إلاّ متهاجرين متعاديين 1 .
قلت : و دعاؤه عليه السّلام فيهما أنّه قال لهما : " دقّ اللّه بينكما عطر منشم " فروى عوانة عن الشعبي : أتى ابن عوف بعد بيعة عثمان عليا عليه السّلام و اعتذر إليه . فقال :
إنّ عثمان أعطانا يده و يمينه ، و لم تفعل أنت . فأحببت أن اتوثق للمسلمين فجعلتها فيه فقال عليه السّلام : إيها عنك إنّما آثرته بها لتنالها بعد . دقّ الله بينكما عطر منشم 2 .
و روى أيضا عنه قال : لمّا بنى عثمان قصره طمار الزوراء و صنع طعاما كثيرا و دعا الناس إليه كان فيهم عبد الرحمن . فلمّا نظر إلى البناء و الطعام قال : يا ابن عفّان لقد صدّقنا عليك ما كنّا نكذّب فيك ، و انّي أستعيذ باللّه من بيعتك . فغضب عثمان و قال : أخرجه عنّي يا غلام . فأخرجوه ، و أمر الناس أن لا يجالسوه 3 .
و في ( المعجم ) الزّوراء : دار عثمان بالمدينة 4 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : روى أنّ عثمان أعتلّ علّة اشتدّت به .
فدعا حمران بن أبان ، و كتب عهدا لمن بعده ، و ترك موضع الاسم . ثم كتب بيده " عبد الرحمن بن عوف " و ربطه و بعث به إلى ام حبيبة بنت أبي سفيان . فقرأه حمران في الطريق ، فأتى عبد الرحمن فأخبره . فقال عبد الرحمن و غضب غضبا شديدا أستعمله علانية ، و يستعملني سرّا و نمى الخبر ، و انتشر بذلك في المدينة ، و غضب بنو اميّة ، و كان ذلك سبب
-----------
( 1 ) رواه عن الاوائل ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 65 ، لكن لم اجده في مظانه .
-----------
( 2 ) رواه عن عوانة ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 391 ، شرح الخطبة 137 .
-----------
( 3 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 66 ، و الحديث في الاوائل : 152 .
-----------
( 4 ) معجم البلدان 3 : 156 .
[ 183 ]
العداوة بين عثمان و عبد الرحمن 1 .
و عن ( تاريخ الثقفي ) : قال أبو إسحاق : صلّى الناس يوما الفجر في خلافة عثمان فإذا بعبد الرحمن حوّل وجهه إليهم ، و استدبر القبلة . ثم خلع قميصه من جيبه فقال : " يا معشر أصحاب محمّد ، و يا معشر المسلمين اشهد اللّه و اشهد كم أنّي خلعت عثمان من الخلافة كما خلعت سربالي هذا " فأجابه مجيب من الصفّ الأوّل آلان و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين 2 فنظروا من الرجل فإذا هو علي بن أبي طالب 3 .
و من الغريب أنّ عمر قال : " سأستخلف النفر الذين توفّى النبيّ ، و هو عنهم راض " ثم ذكر عيب كلّ منهم ، و قال لعبد الرحمن كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) " و أما أنت فما يمنعني منك إلاّ أنّك فرعون هذا الامة " 4 .
قلت : و قد كان قارونها أيضا فقال ابن قتيبة : قسّم ميراثه على ستّة عشر سهما . فبلغ نصيب كلّ امرأة له ثمانين ألف درهم 5 .
و قال المسعودي في ( مروجه ) : أتى عثمان بتركة عبد الرحمن . فنثرت البدر حتّى حالت بين عثمان و بين الرجل القائم 6 .
و روى الواحدي في ( أسباب نزوله ) : أنّ فيه و في جمع معه نزل قوله تعالى : أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم 7 الآية 8 .
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 169 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) يونس : 91 .
-----------
( 3 ) رواه عنه المجلسي في فتن البحار : 319 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) الامامة و السياسة 1 : 24 .
-----------
( 5 ) الامامة و السياسة 1 : 24 .
-----------
( 6 ) مروج الذهب 2 : 340 .
-----------
( 7 ) النساء : 77 .
-----------
( 8 ) أسباب النزول : 111 .
[ 184 ]
هذا ، و في ( معارف ابن قتيبة ) : كان عبد الرحمن أبرص 1 ، و روى الصدوق في ( فقيهه ) : انّ عبد الرحمن كان قملا فرخّص له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لبس الحرير 2 .
" مع هن و هن " الأصل في معنى هن الكناية عن العورة من الرجل و المرأة قال شاعر :
ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة
و هنّي جاذ بين لهزمتي هن 3
و زنت جارية فناداها أبوها فقالت انّي غضبي . قال : لم ؟ قالت : إنّي حبلى .
فقال لها : " إن كنت غضبي فعلى هنك فاغضبي " فصار مثلا 4 ، و قال شاعر :
رحت و في رجليك ما فيهما
و قد بدا هنك من المئزر 5
و يكنّى بها عن الخصال القبيحة كقول امرئ القيس :
و قد رابني قولها يا هناه
و يحك ألحقت شرّا بشرّ 6
و قال لبيد :
أكرمت عرضي أن ينال بنجوة
إن البريّ من الهنات سعيد 7
ثم الظاهر أنّ مراده عليه السّلام من قوله " مع هن و هن " انّ الرجلين سعد و عبد الرحمن لم ينحصر صرف الأمر عنه عليه السّلام بما مر من صغى الأول إلى الثاني لكونه ابن عمه ، و ميل الثاني إلى ابن عفان لكونه صهره ، بل اجتمع ذلك
-----------
( 1 ) المعارف : 235 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) الفقيه 1 : 164 ح 25 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) أورده لسان العرب 15 : 367 ، مادة ( هنا ) .
-----------
( 4 ) أورده الميداني في مجمع الأمثال 1 : 55 .
-----------
( 5 ) أورده لسان العرب 15 : 367 ، مادة ( هنا ) .
-----------
( 6 ) اورده لسان العرب 15 : 366 ، مادة ( هنا ) .
-----------
( 7 ) أورده أساس البلاغة : 488 ، مادة ( هنو ) .
[ 185 ]
مع خصال قبيحة اخرى من أهل هواهم . كقول ابن أبي سرح : " أيّها الملأ إن أردتم أن لا يختلف قريش في ما بينها فبايعوا عثمان " و قول ابن أبي ربيعة " إن بايعتم عليا قالوا سمعنا و عصينا " ، و اتفاق الباقين معهما . قال الشعبي :
" و اجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع . فقاموا إلى عليّ عليه السّلام فقالوا : قم فبايع عثمان قال : فإن لم أفعل ؟ قالوا : نجاهدك . فمشى إلى عثمان حتّى بايعه و هو يقول : صدق اللّه و رسوله " 1 أي في غدرهم به أولا و أخيرا في قوله صلى الله عليه و آله و سلم " انّ الامّة ستغدر بك بعدي " 2 .
هذا ( و الإرشاد للمفيد ) نقل فقرة : " مع هن و هن " هنا كالنهج ، و نقلها الصدوق بعد قوله عليه السّلام : " فمني الناس بخبط و شماس و تلوّن و اعتراض " و قال أبو أحمد العسكري : يعني بالفقرة ، الأدنياء من الناس تقول العرب : " فلان هني " و هني تصغير هن . أي : دون من الناس . يريدون بذلك تصغير أمره 3 .
و أقول : لو كانت الفقرة هاهنا كما نقله المتن كان لتفسيرها بالأدنياء وجه و أما ثمة فلا ، و إنّما المناسب ثمة أن تفسّر بأنّ المعنى : " مع خصلة سوء اخرى و خصلة سوء اخرى " كما لا يخفى .
هذا : و أكثر أهل اللغة قالوا : أصل هن هنو ، و قال الفيّومي : " أصلها في لغة هنو و في اخرى هنه ، و في اخرى هنّ " 4 قلت : الأصح الأول . قال الشاعر :
أرى ابن نزار قد جفاني و ملّني
على هنوات شأنها متتابع
و أما قول الشاعر :
" و هنّي جاذ "
بتشديد النون فمن ضرورة الشعر و لعله مستند الأخير و التشديد فيه كالتسكين في قول آخر " هنك من
-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 87 .
-----------
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 140 و 142 ، و الثقفي في تاريخه ، عنه تلخيص الشافي 3 : 50 و 51 ، و غيرهما .
-----------
( 3 ) كذا في الإراشد : 153 ، و العلل 1 : 151 و 152 ، و لامعاني : 361 و 363 .
-----------
( 4 ) المصباح المنير 2 : 356 و 357 ، مادة ( هن ) ، و النقل بالمعنى .
[ 186 ]
المئزر " 1 ، و أمّا قولهم " هنيهة " و لعله مستند الثاني . فقال الجوهري : أصلها هنيّة ابدل من الياء الثاني هاء 2 .
هذا ، و في ( مروج المسعودي ) : لمّا بلغ عليا عليه السّلام لمّا أراد الجمل أنّ أبا موسى الأشعري ينفرّ عنه أهل الكوفة ، كتب إليه : " إعتزل عملنا يا ابن الحائك ،
مذموما مدحورا ، فما هذا أوّل يومنا منك ، و إنّ لك فينا لهنات و هنيات " 3 .
قلت : و أشار عليه السلام في قوله " و انّ لك فينا لهنات و هنيات " ، إلى أنّ أهل العراق يجعلونه بعد في صفين حكما و يجور و يخون و يحكم بخلعه عليه السّلام .
" إلى أن قام ثالث القوم " عثمان بن عفان بن أبي العاص بن اميّة .
و ممّا يدلّ على بطلان أمر الثلاثة الأوّل و الثاني و الثالث ما رواه أبو نعيم و هو من حفّاظهم في ( حليته ) عن أبيّ بن كعب قال في قوله تعالى : قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا و يذيق بعضكم بأس بعض 4 " هنّ أربع و كلّهنّ عذاب ، و كلّهنّ واقع لا محالة . فمضت اثنتان بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بخمس و عشرين سنة فألبسوا شيعا و ذاق بعضهم بأس بعض ، و بقي ثنتان واقعتان لا محالة الخسف و الرجم " 5 .
و مراده بالخسف تفسير قوله تعالى : أو من تحت أرجلكم 6 و بالرجم : تفسير قوله جلّ و علا : عذابا من فوقكم 7 و انقضاء أمر الثلاثة
-----------
( 1 ) الشواهد الثلاثة أوردها لسان العرب 15 : 366 و 367 ، مادة ( هنا ) .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 6 : 2536 ، مادة ( هنو ) .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 2 : 359 .
-----------
( 4 ) الانعام : 65 .
-----------
( 5 ) حلية الاولياء 1 : 253 .
-----------
( 6 ) الانعام : 65 .
-----------
( 7 ) الانعام : 65 .
[ 187 ]
كان بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بخمس و عشرين سنة التي هي خمس و ثلاثون من هجرته صلّى اللّه عليه و آله و سلم فدلّت الآية على أنّ قيامهم في تلك المدة كان عذابا بلبسهم شيعا ،
و ذوق بعضهم بأس بعض .
و في قوله عليه السّلام " ثالث القوم " إيماء إلى أنّه كان معيّنا من قبل حسب معاهدتهم ، و في ( الطبري ) : كان عثمان يدعى في أمارة عمر رديفا ، و الرديف في لسان العرب الّذي بعد الرجل تقول العرب ذلك للرجل الّذي يرجونه بعد رئيسهم 1 .
و مرّ أنّ جمّال عمر كان في حجّه يحدوبه " إنّ الأمير بعده عثمان " .
و أمّا أبوه عفّان ففي ( أنساب أشراف البلاذري ) : قال المدائني : لم يكن لعفان نباهة .
فقال الشاعر :
عفّان أوّل حائك لثيابكم
قدما و قد يدعى أخا الأشرار
و لكن جاء و اللّه الاسلام فشرّف عفان بعثمان 2 .
قلت : شرّف عفّان في الاسلام بابنه عثمان لكن بدفاعه عن أعداء الاسلام و تفويضه سلطنة الاسلام إلى من كانوا يقولون :
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء و لا وحي نزل
و فيه أيضا قال المدائني قال المطرف : و هو عبد الله بن عمرو بن عثمان " أنا ابن أبي العاص " فقال له محمد بن المنذر بن الزبير : " دون ذلك ما يرقّ عنقك " يعني عفّان كان موضّعا 3 .
-----------
( 1 ) انظر ايضا لسان العرب 9 : 116 ، مادة ( ردف ) .
-----------
( 2 ) انساب الاشراف 4 ق 2 : 170 .
-----------
( 3 ) انساب الاشراف 5 : 112 .
[ 188 ]
و في ( طرائف علي بن طاووس ) : قال هشام الكلبي في ( مثالبه ) : و ممّن يلعب به . و يتخنث عبيد اللّه أبو طلحة ، و عفان أبو عثمان و كان عفّان يضرب بالدّف أيضا . فقال عبد الرحمن بن حنبل في ذلك :
زعم ابن عفّان و ليس بهازل
انّ الفرات و ما حواه المشرق
خرج له من شاء أعطى فضله
ذهبا و تلك مقالة لا تصدق
أنّى لعفّان أبيك سبيكة
صفراء فاطعم العتاق الأزرق
و ورثته دفا و عودا يراعة
جوعا يكاد بلبسها يستنطق
و بودّنا لو كنت تأتي مثله
فيكون دفّ فتاتكم لا تفتق 1
و في ( لطائف معارف الثعالبي ) : " من عرف بالابنة ( من قريش ) أبو جهل بن هشام ، عقبة بن أبي معيط ، شيبة بن ربيعة ، الحكم بن أبي العاص ، أبو أمية بن المغيرة ، عفان بن أبي العاص ، إلى أن قال و لكلّ من هؤلاء قصّة ذكرها أبو عبيدة في ذكر ( المثالب ) 2 .
هذا ، و ذكر ( القاموس ) : " عفّان " في عفّ و في عفن 3 لكن الظاهر عدم صحّة الأوّل فلم نقف على استعمال عفان في معنى العفيف .
و كيف كان فقال في كلّ منهما " و يصرف " و ظاهره جواز الصرف و عدمه في كلّ منهما مع أنّه لا وجه له فإنّه إن كان من " عفّ " فلا وجه لصرفه لاجتماع العلمية و الألف و النون الزائدتين فيه ، و إن كان من " عفن " فلا وجه لعدم صرفه لعدم وجود غير العلمية فيه . قال ( الصحاح ) في " حسّان " و " شيطان " إن كانا من الحسن و الشطن فمنصرفان ، و إن كانا من الحسّ
-----------
( 1 ) الطرائف 2 : 495 و 499 .
-----------
( 2 ) لطائف المعارف : 98 .
-----------
( 3 ) القاموس المحيط 3 : 177 ، مادة ( عف ) ، لكن لم يذكره في عفن 4 : 249 ، بل فيه عفان بفتح العين .
[ 189 ]
و الشيط فغير منصرفين 1 .
و أما جدّه أبو العاص ، و فيه يجتمع مع مروان بن الحكم فرووا و قد نقل خبره ابن أبي الحديد عند كلامه عليه السّلام لأبي ذر : أنّ أبا ذر قال لعثمان بعد تسيير معاوية له من الشام إليه : " أشهد أنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال اللّه دولا و عباده خولا و دينه دخلا " فقال عثمان لمن حضر : أسمعتموها من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ قالوا : لا . فقال لهم أبو ذر : أما تدرون أنّي صدقت ؟ فقالوا : لا . فقال عثمان : ادعوا لي عليّا . فلمّا جاء قال لأبي ذر : اقصص حديثك في بني أبي العاص . فأعاده . فقال عثمان لعلي عليه السّلام :
أسمعت هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : لا . و صدق أبوذر . فقال : و كيف ؟ قال : لأنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر " فقال من حضر : امّا هذا فسمعناه كلّنا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
فقال أبو ذر : أحدّثكم أنّي سمعت هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فتتّهموني ؟ ما كنت أظنّ أنّي أعيش حتّى أسمع هذا من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 .
و قد اعترف بالحديث معاوية إلاّ أنّه غيّره ، و ذكر بدل أبي العاص جدّ عثمان لئلاّ يشمله الخبر لكون قيامه من قبله ابنه الحكم أبا مروان لكون غرضه خصام مروان ففي ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : " اشتكى عمرو بن عثمان ، و كانت تحته رملة بنت معاوية ، و كان له منها ابنان :
عثمان و خالد . فكان العوّاد يدخلون عليه فيخرجون ، و يتخلّف عنده مروان .
فأنكرت ذلك رملة فخرقت كوة . فاستمعت على مروان . فإذا هو يقول لعمر و بن عثمان " ما أخذ هؤلاء يعني بني حرب الخلافة إلاّ باسم أبيك . فما
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 5 : 2100 و 2145 ، مادة ( حسن ) و ( شطن ) .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 357 ، شرح الخطبة 128 ، و النقل بتلخيص .
[ 190 ]
يمنعك أن تنهض بحقّك . فلنحن أكثر منهم رجالا و عدّد فضول رجال أبي العاص علي رجال بني حرب و لمّا برأ عمرو بن عثمان تجهّز للحجّ فلمّا خرج خرجت رملة إلى أبيها بالشام . فأخبرته ، و قالت له : " ما زال مروان يعدّ فضل رجال أبي العاص على بني حرب حتّى عدّا ابني فتمنّيت أنّهما ماتا " فكتب معاوية إلى مروان : " اشهد يا مروان أنّي سمعت رسول الله يقول : " إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ، و دين الله دخلا و عباد الله خولا " فكتب إليه مروان : " أمّا بعد يا معاوية فإنّي أبو عشرة ، و أخو عشرة و عمّ عشرة " 1 .
و لمّا كان قيام الثالث بتدبير ثانيهم كما عرفت في جعل ابن عوف زوج اخته حكما قال الفرزدق :
صلّى صهيب ثلاثا ثم أسلمها
الى ابن عفان ملكا غير مقصور
ولاية من أبي حفص لثالثهم
كانوا أخلاء مهدي و محبور
و روى السدّى في ( تفسيره ) : أنّه لما توفى أبو سلمة و خنيس بن حذيفة و تزوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بإمرأتيهما ام سلمة و حفصة . قال عثمان و طلحة : أينكح محمّد نساءنا إذا متنا . و لا ننكح نساءه إذا مات ، و اللّه لو قد مات لقد أجلنا على نسائه بالسهام . و كان طلحة يريد عائشة ، و كان عثمان يريد ام سلمة . فأنزل اللّه تعالى : و ما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا 2 و أنزل تعالى : إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإنّ اللّه كان بكلّ شيء عليما 3 و أنزل عزّ و جلّ : إن الذين يؤذون اللّه و رسوله لعنهم اللّه في الدنيا
-----------
( 1 ) نسب قريش : 109 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) الاحزاب : 53 .
-----------
( 3 ) الاحزاب : 54 .
[ 191 ]
و الآخرة و أعدّ لهم عذابا مهينا 1 ( 2 ) .
و روى السدى أيضا : أنّه لمّا اصيب أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم باحد قال عثمان : " لألحقنّ بالشام فإنّ لي به صديقا من اليهود يقال له دهلك فلآخذن منه أمانا . فإنّي أخاف أن يدال علينا اليهود " ، و قال طلحة : " لألحقنّ بالشام فإنّ لي به صديقا من النصارى . فإنّي أخاف أن يدال علينا النصارى " ، فأراد أحدهما أن يتهوّد ، و الآخر أن يتنصّر فأنزل تعالى : لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولّهم منكم فإنّه منهم و اللّه لا يهدي القوم الظالمين 3 .
و روى أيضا : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا فتح بني النضير ، فقسّم أموالهم . قال عثمان لعليّ عليه السّلام : " إيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسأله أرض كذا و كذا ، فإن أعطاكها فأنا شريك فيها ، و آتيه أنا فأسأله . فإن أعطانيها فأنت شريكي فيها " فسأله عثمان فأعطاه . فقال له عليّ عليه السّلام : فأشركني . فأبى . فقال : بيني و بينك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فأبى أن يخاصمه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقيل له : و لم ؟ فقال : هو ابن عمه أخاف أن يقضي له فنزل : و إذا دعوا إلى اللّه و رسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون . و ان يكن لهم يأتوا إليه مذعنين . أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم و رسوله بل أولئك هم الظالمون 4 .
و في ( الطبري ) : كان الناس انهزموا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ( في احد ) حتّى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الاعوص و فرّ عثمان و عقبة و سعد رجلان من
-----------
( 1 ) الاحزاب : 57 .
-----------
( 2 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 2 : 493 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 2 : 494 ، و النقل بتصرف يسير . و الآية 51 من سورة المائدة .
-----------
( 4 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 2 : 394 ، و النقل بتصرف يسير . و الايات 48 50 من سورة النور .
[ 192 ]
الانصار حتّى بلغوا الجلعب جبلا بناحية المدينة مما يلي الأعوص فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فزعموا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لهم لقد ذهبتم فيها عريضة 1 .
و في ( عقد ابن عبد ربه ) مسندا عن ام سلمة . قالت : لمّا بني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب ، و ما يحتاج إليه ، ثم قام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فوضع رداءه . فلمّا رأى ذلك المهاجرون و الأنصار وضعوا أرديتهم و أكسيتهم يعملون و يرتجزون و يقولون :
لئن قعدنا و النبيّ يعمل
ذاك إذن لعمل مضلّل
و كان عثمان رجلا نظيفا متنظفا فكان يحمل اللبنة و يجافي بها عن ثوبه . فإذا وضعها نفض كفّيه ، و نظر إلى ثوبه . فإذا أصابه شيء من التراب نفضه فنظر إليه عليّ عليه السّلام فأنشده :
لا يستوى من يعمر المساجدا
يدأب فيها راكعا و ساجدا
و قائما طورا و طورا قاعدا
و من يرى عن التراب حائدا
فسمعها عمّار فجعل يرتجزها ، و هو لا يدري من يعني ، فسمعها عثمان .
فقال : يا ابن سمية ما أعرفني بمن تعرض و معه جريدة . فقال : " لتكفنّ أو لأعترضن بها وجهك " . فسمعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو جالس في ظل حائط فقال :
" عمّار جلدة ما بين عيني و أنفي فمن بلغ ذلك منه ( فقد بلغ منّي ) " و أشار بيده فوضعها بين عينيه . فكفّ الناس عن ذلك ، و قالوا لعمّار : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم غضب فيك ، و نخاف أن ينزل فينا قرآن 2 .
و رواه الكشّي في سند هكذا " كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عليّ عليه السّلام و عمار
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 203 ، سنة 3 .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 84 .
[ 193 ]
يعلمون مسجدا فمرّ عثمان في بزّة له يخطر ، فقال عمار :
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعا و ساجدا
و من تراه عاندا معاندا
عن الغبار لا يزال حائدا
فأتى عثمان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له : ما أسلمنا لتشتم أعراضنا . فنزلت يمنّون عليك أن أسلموا . . . ، و نزلت : إنّما المؤمنون الذين آمنوا باللّه و رسوله . . . 1 .
و روى إبراهيم الثقفي في ( غاراته ) عن غير واحد من العلماء أنّ عليّا عليه السّلام قال على المنبر : " إنفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا . فوالذي فلق الحبّة و برأ النسمة إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة " 2 .
و روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) : أنّ عمرو بن العاص قال لعمّار : ما ترى في قتل عثمان . قال : فتح لكم باب كلّ سوء . قال عمرو : فعلي قتله . قال عمار : بل اللّه ربّ عليّ قتله و علي معه . قال عمرو : أكنت في من قتله . قال : كنت مع من قتله ، و أنا اليوم اقاتل معهم . قال عمرو فلم قتلتموه ؟ قال عمّار : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه . فقال عمرو : " أ لا تسمعون قد اعترف بقتل عثمان ، قال عمّار ، و قد قالها فرعون قبلك لقومه ألا تستمعون 3 .
و روى أبو مخنف عن ابن أبي ليلي . قال سمعت عمّارا يقول : لمّا جاء إلى الكوفة لنفر الناس إلى البصرة : " ما تركت في نفسي حزّة أهمّ إليّ من أن لا نكون نبشنا عثمان ثم أحرقناه " 4 .
-----------
( 1 ) رواه الكشّي في معرفة الرجال ، اختياره : 31 ح 59 ، و : 31 ح 60 ، بفرق يسير بين الألفاظ . و الآية 15 من سورة الحجرات .
-----------
( 2 ) أخرجه الثقفي في الغارات 1 : 40 .
-----------
( 3 ) وقعة صفين : 338 . و الآية 25 من سورة الشعراء .
-----------
( 4 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 296 ، شرح الكتاب 1 .
[ 194 ]
و روى الشافي من طرق مختلفة : أنّ عمّارا كان يقول : ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر ، و أنا الرابع ، و أنا شرّ الأربعة .
و روى أيضا من طرق مختلفة : أنّ زيد بن أرقم قيل له : بأيّ شيء كفّرتم عثمان ؟ فقال : بثلاث : جعل المال دولة بين الأغنياء ، و جعل المهاجرين و الأنصار من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمنزلة من حارب اللّه و رسوله ، و عمله بغير كتاب الله .
و روى عن حذيفة أنّه قال : ما في عثمان بحمد اللّه شكّ ، لكنّي أشكّ في قاتله لا أدري أ كافر قتل كافرا ؟ أم مؤمن أفضل أهل الإيمان إيمانا 1 قلت : قال حذيفة ذلك لأنّه كان في قتلته طلحة و الزبير ، كما كان عمّار و محمّد بن أبي بكر ، و عمرو بن الحمق و نظراؤهم .
و روى الثقفي في ( تاريخه ) عن القسم بن مصعب العبدي قال : قام عثمان ذات يوم خطيبا فحمّد اللّه و أثنى عليه ثم قال : ( أي معرّضا بعائشة ) :
" نسوة يكتبن في الآفاق لتنكث بيعتي و يهراق دمي ، و الله لو شئت أن أملأ عليهن حجراتهن رجالا سودا و بيضا لفعلت . أ لست ختن النبي على ابنتيه ؟
ألست جهّزت جيش العسرة ؟ ألم أك رسول النبي إلى أهل مكة ؟ " إذ تكلّمت امرأة من وراء الحجاب فقالت : " كنت ختنه على ابنتيه فكان منك فيهما ما علمت ، و جهّزت جيش العسرة . و قد قال تعالى : فسينقونها ثم تكون عليهم حسرة 2 ، و كنت رسوله إلى أهل مكّة قد غيّبك عن بيعة الرضوان لأنّك لم تكن لها أهلا " فانتهرها عثمان فقالت : " أمّا أنا فأشهد أنّ النبي قال : " لكلّ امّة
-----------
( 1 ) لم يرو هذه الاحاديث المرتضى في الشافي بل رواها الحلبي في تقريب المعارف ، عنه فتن البحار : 318 و 322 .
و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) الانفال : 36 .
[ 195 ]
فرعون و إنّك فرعون هذه الامّة " 1 .
و في ( أنساب البلاذري ) : كان معاوية بن المغيرة بن أبي العاص الّذي جدع أنف حمزة ، و مثّل به في من مثّل ، قد انهزم يوم احد . فمضى على وجهه .
فبات قريبا من المدينة . فلمّا أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان إلى أن قال قال لعثمان جئتك لتجيرني . فأدخله عثمان داره ، و صيّره في ناحية منها .
ثم خرج إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليأخذ له منه أمانا . فسمع عثمان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول " إنّ معاوية بالمدينة و قد أصبح بها فاطلبوه . فقال بعضهم : ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه فيه . فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الّذي صيّره عثمان فيه . فاستخرجوه من تحت حمّارة لهم . فانطلقوا به إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال عثمان حين رآه : " ما جئت إلاّ لأطلب له الأمان منك فهبه لي " فوهبه له و أجلّه ثلاثا ، و أقسم : " لئن وجد بعدها بشيء من أرض المدينة و ما حولها ليقتلنّ " فخرج عثمان فجهّزه و اشترى له بعيرا ثم قال له : إرتحل .
و صار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى حمراء الأسد ، و أقام معاوية إلى اليوم الثالث ليتعرّف أخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و يأتي بها قريشا . فلمّا كان في اليوم الرابع قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " إنّ معاوية أصبح قريبا لم ينفذ فاطلبوه و اقتلوه " إلى أن قال و يقال قتله عليّ عليه السّلام 2 .
و في ( أنساب البلاذري ) أيضا : نزل قوله تعالى : و لكن من شرح بالكفر صدرا 3 في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، و كان أخا عثمان من الرضاع ،
أسلم و يكتب بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيملى عليه " الكافرين " فيجعلها
-----------
( 1 ) رواه عنه المجلسي في فتن البحار : 320 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) أنساب الأشراف 1 : 337 و 338 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) النحل : 106 .
[ 196 ]
" الظالمين " و يملي عليه " عزيز حكيم " فيجعلها " عليم حكيم " و أشباه ذا و يقول : " أنا أقول كما يقول محمّد و آتى بمثل ما يأتي به محمّد " فأنزل تعالى فيه : و من أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا أو قال أوحى اليّ و لم يوح إليه شيء و من قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه 1 و هرب إلى مكّة مرتدّا . فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقتله . فطلب عثمان في أشدّ طلب حتّى كفّ عنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال : " أ ما كان فيكم من يقوم إلى هذا الكلب قبل أن أؤمّنه فيقتله ؟ " فقيل لو أو مأت فقال : " إنّي ما أقتل بإشارة فالأنبياء لا تكون لهم خائنة الأعين " .
قال البلاذري : و ولاّه عثمان في خلافته مصر 2 .
هذا ، و كون بطلان اللازم دليلا على بطلان الملزوم قاعدة عقلية لكنّ إخواننا تركوها لمذهبهم المتناقض . ففي ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : قال عبد الله بن الزبير : لقيني ناس ممن كان يطعن على عثمان . فراجعوني في رأيهم و حاجّوني بالقرآن . فو اللّه ما قمت معهم ، و لا قعدت . فرجعت إلى الزبير منكسرا فذكرت ذلك له . فقال : " إنّ القرآن قد تأوّله كلّ قوم على رأيهم ،
و حملوه عليه ، و من طعنوا عليه من الناس فإنّهم لا يطعنون في أبي بكر و عمر .
فخذهم بسنّتهما و سيرتهما " قال : فكأنهما أيقظني بذلك . فنقيتهم فحاججتهم بسنن أبي بكر . فلمّا أخذتهم بذلك قهرتهم ، و ضعفوا كأنّهم صبيان يمغثون 3 .
فبطلان ثالث القوم ببداهة العقل و الدين و محكم الكتاب و مقطوع السنة يزيد بطلان الأوّل و الثاني وضوحا .
كما أنّ عمل معاوية و من بعده من بني امية يزيد بطلان الثلاثة الذين
-----------
( 1 ) الأنعام : 93 .
-----------
( 2 ) انساب الاشراف 1 : 358 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) نسب قريش : 103 ، و النقل بتلخيص .
[ 197 ]
كانوا هم سببا لسلطانهم وضوحا . فانّها ملزومات و لوازمات كما اعترف معاوية في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر .
" نافجا " النفج : الرفع و التوسعة ، قيل في قولهم " هنيئا لك النافجة " أي :
البنت لأنّ أباها يأخذ مهرها فينفج ماله : أي : يوسّعه .
" حضنيه " الحضن : ما دون الإبط إلى الكشح ، و نفج حضنيه كناية عن صرف جميع قواه . فيقال : حضنا الشيء لكلّه قال شاعر :
قطعت إليك الليل حضنيه انّني
لذاك إذا هاب الجبان فعول
و قال آخر :
و حضنين من ظلماء ليل طعنته
بناجية قد ضمّها السير محنق 1
" بين نثيله " أي : روثه .
" و معتلفه " أي : موضع علفه ، أي : كان الثالث بعد قيامه همّه مصروفا بين تملّيه من الطعام و تخليّه ، قال شاعر :
قريب المراث من المرتع
فنصف النهار لكرياسه
و نصف لمأكله أجمع
و الكرياس : الكنيف .
قال ابن أبي الحديد : و كلامه عليه السّلام من ممضّ الذّم ، و أشدّ من قول الحطيئة :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
و اقعد فإنكّ أنت الطاعم الكاسي
الذي قيل إنّه أهجى بيت للعرب 2 .
قلت : قول الحطيئة لم يقل أحد إنّه أهجى بيت ، و إنّما لمّا شكا الزبرقان
-----------
( 1 ) أوردهما أساس البلاغة : 87 ، مادة ( حضن ) .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 .
[ 198 ]
الّذي هجاه الحطيئة بالبيت إلى عمر . فقال عمر : لا أراه هجوا . فكلّ من الناس طاعم كاس . قيل بل إنه هجو شديد ، و أهجى من قول الحطيئة قول الطرماح :
تميم بطرق اللوم أهدى من القطا
و لو سلكت سبل المكارم ضلّت
و أهجى من قول الطرماح قول الأخطل :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم
قالوا لامّهم بولي على النار
و كلامه عليه السلام أذم من الجميع فإنما مفاد البيت الأوّل إن همّ الرجل الأكل و اللبس دون تحصيل مكرمة ، و مفاد الثاني أنّهم مجبولون على اللؤم ، و مفاد الثالث كونهم بالغين الغاية في اللئامة . فقالوا فيه : جعلهم بخلاء بالقرى ،
و جعل أمّهم خادمتهم يأمرونها بكشف فرجها ، و جعلهم يبخلون بالماء أن يطفئوا به النار ، و أنّ نارهم من قلّتها كانت تطفأ ببولها .
و إنّما كان كلامه عليه السّلام ذمّا حيث إنّ الأبيات الثلاثة في إنسان مذموم و هو عليه السّلام جعله حيوانا همّه أكل العلف و طرح الروث .
و كما لم يتفطّن فاروقهم لكون بيت الحطيئة في الزبرقان هجوا ، كذلك لم يتفطن لكون بيت النجاشي في بني العجلان .
و ما سمّي العجلان إلاّ لقيلهم
خذ القعب و احلب أيّها العبد و اعجل
هجوا حتّى بعث إلى حسّان فسأله هل هجاهم فقال : ما هجاهم و لكن سلح عليهم .
هذا ، و كان الأمين أوقاته مصروفة بين الخلوة بالخصيان و شرب الخمر . فقال بعضهم :
لهم من عمره شطر ، و شطر
يعاقر فيه شرب الخندريس
" و قام معه بنو أبيه " روى عوانة في ( شوراه ) ، و الجوهري في ( سقيفته ) بعد ذكر بيعة ابن عوف لعثمان : " إنّ عثمان لمّا دخل رحله دخل إليه بنو امية
[ 199 ]
حتّى امتلأت بهم الدار . ثم أغلقوها عليهم . فقال أبو سفيان بن حرب : أعندكم أحد من غيركم ؟ قالوا : لا . قال : يا بني امية تلقفوها تلقف الكرة . فو الذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب و لا حساب ، و لا جنّة ، و لا نار ، و لا بعث و لا قيامة إلى أن قال فدخل عبد الرحمن على عثمان . فقال له " ما صنعت ؟ فواللّه ما وفّقت حيث تدخل رحلك قبل أن تصعد المنبر فتحمد اللّه و تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر و تعد الناس خيرا " قال : فخرج فصعد المنبر . فحمد الله ثم قال : " هذا مقام لم نكن نقومه ، و لم نعدّله من الكلام الّذي يقام به في مثله " 1 .
" يخضمون " الخضم : الأكل بأقصى الأضراس ، و قالوا : سمّي العنبر بن عمرو بن تميم خضمّ لكثرة أكله ، و في ( مجالس ثعلب ) : " اخضموا و إنّا نقضم " أي : كلوا الرطب و إنّا نأكل اليابس 2 .
" مال اللّه " هكذا في ( المصرية ) بدون زيادة ، و الصواب : زيادة " تعالى " كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .
" خضمة الإبل " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : " خضم الإبل " كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 4 .
" نبتة الربيع " و نظيره في التشبيه قول البصروي في القاضي التنوخي :
يقضم ما يجتبي إليه
قضم البراذين للشعير
و قول الضحاك الديلمي في ابن الزبير :
و أنت إذا مانلت شيئا قضمته
كما قضمت نار الغضا حطب السدر
-----------
( 1 ) رواه عوانة في الشورى ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 390 ، شرح الخطبة 137 ، و الجوهري في السقيفة : 86 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) مجالس ثعلب ق 2 : 498 .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 ، و شرح ابن ميثم 1 : 250 ، أيضا نحو المصرية .
-----------
( 4 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 ، و شرح ابن ميثم 1 : 250 ، أيضا نحو المصرية .
[ 200 ]
و ابن عوف الّذي فوّض الأمر إلى عثمان و جعله خليفة رأى رؤياه أنّه يأكل مال الله أكل الإبل نبت الربيع . ففي ( العقد الفريد ) : قال سعد بن أبي وقاص لعبد الرحمن بن عوف : إنّ اخترت نفسك . فنعم . فقال له : إنّي خلعت نفسي على أن أختار إنّي رأيت في المنام كأنّي في روضة خضراء كثيرة العشب إلى أن قال ثم دخل بعير راتع فرتع في الروضة ، و لا أكون و اللّه البعير الراتع 1 .
قلت : يقال له أيّ فرق بين أن تكون بنفسك البعير الراتع أو سببا للبعير الراتع ، و إنّما صرت بما فعلت من خسر الدنيا و الآخرة . فتدخل النار لغيرك .
و كذلك عمر الّذي دبّر الأمر لعثمان رأى رؤياه . ففي ( الطبري ) قال عمر وقت وفاته : " كنت أجمعت أنّ أولّي أمركم رجلا هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ و أشار إلى عليّ عليه السّلام فرهقني غشية ، فرأيت رجلا يدخل جنّة فجعل يقطف كلّ غضّة و يانعة فيضعها و يصيرها تحته ، فخفت أن أتحمّلها حيّا و ميّتا ، و علمت أنّ الله غالب على أمره " 2 .
قلت : كيف لم يتحمّلها ميّتا ، و قد دبّر الأمر لعثمان ؟ و إنّما كان قوله صدقا لو كان أبطل أمر الشورى ، و قال : ما أراد الناس أن يفعلوا فعلوا .
و قوله : " و الله غالب على أمره " مغالطة منه . فإنّما يقال في ما أراد الناس أمرا و لم يرده اللّه كإخوة يوسف عليه السّلام أرادوا استيصاله و لم يرده تعالى قال جلّ و علا : و كذلك مكّنّا ليوسف إلى و اللّه غالب على أمره 3 لا لمن أراد عمل باطل ، و وكله اللّه إلى سوء اختياره ، و لو صح اعتذاره
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 28 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 292 ، سنة 23 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 3 ) يوسف : 21 .
[ 201 ]
لكان قتله الأنبياء معذورين .
و في ( المروج ) : ولّى عثمان سعيد بن العاص الكوفة بعد الوليد بن عقبة .
فقال في بعض الأيّام و كتب به إلى عثمان " انّما هذا السواد قطين لقريش " فقال له الاشتر : أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ، و مراكز رماحنا بستانا لك و لقومك 1 .
و روى الثقفي كما في ( أمالي المفيد ) مسندا عن أبي يحيى مولى معاذ الأنصاري أنّ عثمان بعث إلى الأرقم بن عبد اللّه و كان خازن بيت المال : أن أسلفني مئة ألف ألف درهم . فقال له الأرقم : أكتب عليك بها صكّا للمسلمين قال : و ما أنت و ذاك لا أمّ لك إنّما أنت خازن لنا . فخرج الأرقم مبادرا ، و قال : أيّها الناس عليكم بما لكم . فإنّي ظننت أنّي خازنكم ، و لا أعلم أنّي خازن عثمان بن عفان حتّى اليوم ، و مضى فدخل بيته . فبلغ ذلك إلى عثمان . فخرج إلى الناس حتّى أتى المسجد . ثم رقى المنبر و قال : " أيّها الناس إنّ أبابكر كان يؤثر بني تيم على الناس ، و انّ عمر كان يؤثر بني عدي على الناس ، و إنّي و اللّه أوثر بني أميّة على من سواهم ، و لو كنت جالسا بباب الجنّة ثم استطعت أن أدخل بني أميّة جميعا إلى الجنّة لفعلت ، و إنّ هذا المال لنا . فإن احتجنا إليه أخذناه ، و إن رغم أنف أقوام " .
فقال عمّار : " معاشر المسلمين إشهدوا أنّ ذلك مرغم لي " فقال عثمان :
" و أنت هاهنا " ثم نزل من المنبر ثم توطأه برجله حتّى غشى عليه ، و احتمل و هو لا يعقل إلى بيت ام سلمة ، فأعظم الناس ذلك ، و بقي عمّار مغمى عليه لم يصلّ يومئذ الظهر و العصر و المغرب . فلمّا أفاق قال : " الحمد للّه فقد اوذيت في اللّه ، و أنا احتسب ما أصابني في جنب الله ، و بيني و بين عثمان العدل
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 336 .
[ 202 ]
الكريم يوم القيامة " و بلغ عثمان أنّ عمّارا عند امّ سلمة . فأرسل إليها . فقال :
فما هذه الجماعة في بيتك مع هذا الفاجر ؟ اخرجيهم من عندك . فقالت : و اللّه ما عندنا مع عمّار إلاّ بنتاه . فأجتنبنا يا عثمان ، و اجعل سطوتك حيث شئت ،
و هذا صاحب رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم يجود بنفسه من فعالك .
قال : ثم إنّ عمّارا صلح فخرج إلى المسجد فبينا هو كذلك إذ دخل ناعي أبي ذر على عثمان فقال : " إنّ أباذر مات بالربذة وحيدا ، و دفنه قوم سفر " فاسترجع ، و قال : رحمه اللّه . فقال عمار : " رحم اللّه أباذر من كل أنفسنا " فقال له عثمان : " و إنّك لهناك بعد أتراني ندمت على تسييري إيّاه ؟ " قال عمّار : " لا و اللّه ما أظنّ ذلك " فقال له عثمان : و أنت أحق بالمكان الّذي كان منه أبوذر . فلا تبرحه ما حيينا . قال عمّار : " افعل ، فو الله لمجاورة السباع أحبّ اليّ من مجاورتك " . فتهيأ عمّار للخروج و جاءت بنو مخزوم إلى علي عليه السّلام . فسألوه أن يقوم معهم إلى عثمان يستنزله عن ذلك 1 .
و في ( أنساب البلاذري ) لما بني مروان داره بالمدينة ، دعا الناس إلى طعامه و قال : ما انفقت في داري هذه درهما من مال المسلمين . فقال له المسوّر : لو أكلت طعامك و سكتّ لكان خيرا لك ، لقد غزوت معنا إفريقية ، و إنّك لأقلّنا مالا و رقيقا فأعطاك ابن عفان خمس أفريقية ، و عملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين 2 .
و روى عن ام بكر عن أبيها قال : قدمت إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم بن أبي العاص 3 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) ، عن عبد الرحمن بن يسار قال : رأيت عامل صدقات
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 69 ح 5 ، المجلس 8 ، و النقل بتصرف .
( 2 و 3 ) انساب الاشراف 5 : 28 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 203 ]
المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى آتاها عثمان فقال له : ادفعها إلى الحكم ابن أبي العاص إلى أن قال و جاء بالمفتاح يوم الجمعة و عثمان يخطب فقال : أيّها الناس زعم عثمان انّي خازن له و لأهل بيته ، هذه مفاتيح بيت ما لكم . و رمى بها فأخذها عثمان و دفعها إلى زيد بن ثابت 1 .
و قال ابن أبي الحديد : و صحّت في عثمان فراسة عمر . فإنّه أوطأ بني امية رقاب الناس ، و ولاّهم الولايات ، و أقطعهم القطائع ، و افتتحت أرمينية في أيّامه . فوهب خمسها لمروان فقال : عبد الرحمن الجمحي : " و أعطيت مروان خمس البلاد " و طلب إليه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة . فأعطاه أربعمئة ألف درهم . و أعاد الحكم بن أبي العاص بعد أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد سيّره ، و أعطاه مئة ألف درهم ، و تصدّق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزور على المسلمين فأقطعه عثمان الحرث بن الحكم أخا مروان ، و أقطع فدك مروان و قد كانت فاطمة عليه السّلام طلبتها بعد وفاة أبيها . فدفعت عنها ، و حمى المراعي حول المدينة كلّها عن مواشي المسلمين إلاّ عن بني اميّة ، و أعطى عبد اللّه بن أبي سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح أفريقية بالمغرب ، و هي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين ، و أعطى أبا سفيان مئتى ألف في اليوم الّذي أمر فيه لمروان بمئة ألف من بيت المال ، و قد كان زوجّه ابنته أم أبان . فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح ، و وضعها بين يديه و بكى . فقال له عثمان : أتبكي أن وصلت رحمي إلى أن قال فقال عثمان : ألق المفاتيح يا ابن أرقم فإنّا سنجد غيرك ، و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة . فقسّمها كلّها في بني امية ، و أنكح الحرث بن الحكم
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 168 و 169 ، و النقل بتلخيص .
[ 204 ]
ابنته عائشة ، و أعطاه مئة ألف من بيت المال 1 .
قلت : لم قال صحّت فيه فراسة عمر ؟ فإنّ كون عثمان بتلك الصفة من اركابه بني امية رقاب الناس كان أمرا واضحا يعرفه كلّ ذي شعور من أعماله في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من حمايته أقاربه أعداء اللّه و أعداء رسوله كمعاوية بن المغيرة بن الحكم ، و عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح كما عرفت ،
و كان عليه أن يقول انكشف بتدبيره لعثمان سوء سريرته ، و خبث نيّته بإرادته اضمحلال الاسلام ، و استيصال أهل بيت نبيه ، و حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بني أبي العاص ، و رأسهم عثمان : " إذا بلغوا ثلاثين اتخذوا مال الله دولا " من أعلام نبوّته ، فقد عرفت اتخاذهم ذلك بتمكين عثمان لهم و بيده .
ثم ان بني أبيه كما قاموا معه " يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع " لعبوا بدين اللّه لعب الصبيان بالكرة كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " اتخذوا دين اللّه دخلا " 2 فمرّ أبو سفيان أيّام عثمان بقبر حمزة و ضربه برجله ، و قال : " يا أبا عمارة إنّ الأمر الّذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به " 3 .
و في ( مروج المسعودي ) : و قد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان في دار عثمان عقيب الوقت الذين بويع فيه عثمان و دخل داره و معه بنو امية فقال أبو سفيان : أفيكم أحد من غيركم ؟ و قد كان عمي . قالوا : لا .
قال : " يا بني امية تلقفوها تلقف الكرة . فو الذي يحلف به أبو سفيان ما زلت
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) اخرج أبو يعلي في مسنده ، عنه المطالب العالية 4 : 232 ح 4531 ، و غيره عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان دين الله دغلا و مال الله دولا و عباد اللّه خولا " .
-----------
( 3 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 51 ، شرح الكتاب 32 .
[ 205 ]
أرجوها لكم و لتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة . . . " 1 .
و في ( استيعاب أبي عمر ) : قال الحسن البصري : دخل أبو سفيان على عثمان حين صارت الخلافة إليه . فقال : قد صارت اليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة ، و اجعل أوتادها بني اميّة . فإنّما هو الملك ، و لا أدري ما جنة و لا نار 2 .
و لعمر اللّه كان ذلك عقيدة عثمان نفسه أيضا ، يشهد له تقريره له ، و تشهد له أعماله ، بل و عقيدة من أسّس لعثمان ذلك مع عرفانه له كما قالوا في فراسته ، و قد قال الفرزدق في قصيدته في هجو ابن الأشعث ، و مدح عبد الملك " لال أبي العاص تراث مشورة " .
و في ( مروج المسعودي ) : كان من عمّال عثمان على الكوفة الوليد بن عقبة ،
و هو ممّن أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه من أهل النار ، و كان شرب مع ندمائه و مغنّيه من أول الليل إلى الصباح . فلمّا آذنه المؤذّنون بالصلاة خرج منفصلا في غلائله فتقّدم إلى المحراب في صلاة الصبح . فصلّى بهم أربعا ،
و قال : تريدون أن أزيدكم ، و قيل : قال في سجوده : " إشرب و اسقني " فقال له بعض من كان خلفه في الصفّ الأوّل : ما تريد ؟ لا زادك اللّه مزيد الخير .
و اللّه لا أعجب إلاّ ممّن بعثك إلينا و اليا و قال الحطيئة :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه
أنّ الوليد أحق بالعذر
نادى و قد تمّت صلاتهم
أ أزيدكم ثملا و ما يدري
ليزيدهم اخرى و لو قبلوا
لقرنت بين الشفع و الوتر
حبسوا عنانك في الصلاة و لو
خلّوا عنانك لم تزل تجري
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 342 .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 4 : 87 .
[ 206 ]
و أشاعوا بالكوفة فعله ، و ظهر فسقه و مداومته الخمر . فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب الأزدي ، و أبو جندب الأزدي . فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل . فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ . ثم تقيّا عليهم ما شرب من الخمر . فانتزعوا خاتمه من يده ، و خرجوا من فورهم إلى المدينة . فأتوا عثمان . فشهدوا عنده على الوليد أنّه شرب الخمر . فقال عثمان : و ما يدريكما أنّه شرب خمرا . قالا : هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية ، و أخرجا خاتمه فدفعاه إليه . فدفع في صدورهما ، و قال : تنحيّا عنّي . فخرجا و أتيا عليّا عليه السّلام و أخبراه بالقصّة . فأتى عثمان و هو يقول :
" دفعت الشهود و أبطلت الحدود " إلى أن قال فلمّا نظر عليّ عليه السّلام إلى امتناع الجماعة من إقامة الحدّ عليه توقّيا لغضب عثمان لقرابته منه أخذ عليّ عليه السّلام السوط . فأقبل الوليد يروغ منه . فاجتذ به ،
و ضرب به الأرض و علاه بالسوط . فقال له عثمان : ليس لك أن تفعل به هذا قال : بلى ، و شرّ من هذا إذا فسق ، و منع حقّ الله تعالى أن يؤخذ منه 1 . هذا ،
و كما قال عليه السّلام هاهنا في عثمان " و قام معه بنو امية يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع قال له لمّا قال عثمان له عليه السّلام " لست بدون عتيق و ابن الخطاب " " لست كواحد منهما . إنّهما ظلفا أنفسهما و أهلهما عنه ،
و عمت فيه أنت و قومك عوم السابح في اللجّة " 2 .
" الى أن انتكث " أي : انتقض .
" فتله " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : " عليه فتله " كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) ( 3 ) و معنى فتله حبله المفتول .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 335 .
-----------
( 2 ) رواه الواقدي في الشورى ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 378 ، شرح الخطبة 133 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 ، و شرح ابن ميثم 1 : 250 ، مثل المصرية أيضا .
[ 207 ]
و في ( الطبري ) : عن عامر بن سعد كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السيّئ جبلة بن عمرو الساعدي ، مرّ به عثمان ، و هو جالس في ندىّ قومه ،
و في يد جبلة جامعة . فلما مرّ عثمان سلّم فردّ القوم . فقال جبلة : لم تردّون على رجل فعل كذا و كذا . ثم أقبل على عثمان ، فقال : و الله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه . قال عثمان : أيّ بطانة . فو اللّه إنّي لأتخيّر الناس . فقال ( جبلة ) : مروان تخيّرته ، و معاوية تخيّرته ، و عبد الله بن عامر بن كريز تخيّرته ، و عبد الله بن سعد تخيّرته . منهم من نزل القرآن بدمه ، و أباح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دمه فانصرف عثمان . فمازال الناس مجترئين عليه 1 .
و في كتاب ( أصل موسى بن بكر الواسطي ) عن الباقر عليه السّلام : إنّ فلانا و فلانا ظلمانا حقّنا ، و قسّماه بينهم فرضوا بذلك منهما ، و إنّ عثمان لمّا منعهم و استأثر عليهم غضبوا لأنفسهم 2 .
" و أجهز عليه عمله " قال الأصمعي : " أجهزت على الجريح : أسرعت قتله و تمّمت عليه " 3 .
في ( الطبري ) : قال عبد الرحمن بن يسار : لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى من بالآفاق منهم ، و كانوا تفرّقوا في الثغور : " إنكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيله تعالى تطلبون دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إن دين محمد قد افسد من خلفكم ، و ترك فهلمّوا فأقيموا دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فأقبلوا من كلّ افق حتّى قتلوه . و كتب عثمان إلى
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 399 ، سنة 35 .
-----------
( 2 ) أخرجه موسى بن بكر في اصله ، عنه السرائر : 472 .
-----------
( 3 ) رواه عنه ابن منظور في لسان العرب 5 : 325 ، مادة ( جهز ) .
[ 208 ]
عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح عامله على مصر حين تراجع عنه الناس و زعم انّه تائب بكتاب في الذين شخصوا من مصر ، و كانوا أشدّ أهل الأمصار عليه : أما بعد فانظر فلانا و فلانا فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك ،
و انظر فلانا و فلانا فعاقبهم بكذا و كذا منهم نفر من الصحابة ، و منهم قوم من التابعين ، و كان رسوله في ذلك أبو الأعور السلمي ، حمله عثمان على جمل له . ثم أمره أن يعجل حتّى يدخل مصر قبل أن يدخلها القوم . فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق . فسألوه أين تريد ؟ قال : اريد مصر . و معه رجل من أهل الشام من خولان . فلمّا رأوه على جمل عثمان قالوا : هل معك كتاب ؟
قال : لا . قالوا : ففيم أرسلت ؟ قال : لا علم لي قالوا : ليس معك كتاب . و لا علم لك بما أرسلت إنّ أمرك لمريب . ففتّشوه فوجدوا معه كتابا في إداوة يابسة . فنظروا في الكتاب فإذا فيه قتل بعضهم و عقوبة بعضهم في أنفسهم و أموالهم . فلمّا رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة ، فبلغ الناس رجوعهم و الذي كان من أمرهم . فتراجعوا من الآفاق كلّها . و ثار أهل المدينة ، و أرسل المصريون إلى عثمان ألم نفارقك على أنّك زعمت أنّك تائب من أحداثك ،
و راجع عمّا كرهنا منك ، و أعطيتنا على ذلك عهد الله و ميثاقه ؟ قال : بلى . أنا على ذلك . قالوا : فما هذا الكتاب الّذي وجدناه مع رسولك ، و كتبت به إلى عاملك ؟ قال : ما فعلت ، و لا علم لي بما تقولون . قالوا : بريدك على جملك ،
و كتاب كاتبك عليه خاتمك قال : أما الجمل فمسروق و قد يشبه الخط الخط ، و أما الخاتم فانتقش عليه . قالوا : فإنّا لا نعجل عليك ، و إن كنّا قد اتّهمناك . إعزل عنّا عمّالك الفسّاق ، و استعمل علينا من لا يتّهم على دمائنا و أموالنا ، و أردد علينا مظالمنا . قال عثمان : ما أرادني إذن في شيء إن كنت أستعمل من هويتم ، و أعزل من كرهتم . الأمر إذن أمركم . قالوا : و اللّه
[ 209 ]
لتفعلنّ أو لتعزلنّ أو لتقتلن . فانظر لنفسك أو دع فأبى عليهم ، و قال : لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه اللّه . فحصروه أربعين ليلة " 1 .
قلت : لو كان قال : " لم أكن لأخلع سربالا سربلينه فاروقكم " كان أصدق .
هذا و في ( الطبري ) : دخل عليه ( أي على عثمان ) رجل يقال له : " الموت الأسود " فخنقه ثم خنقه . ثم خرج فقال : و اللّه ما رأيت شيئا قطّ ألين من حلقه ، و اللّه لقد خنقته حتّى رأيت نفسه تتردد في جسده كنفس الجان 2 .
هذا ، و في ( المعجم ) هدم غمدان في أيّام عثمان . فقيل له : إنّ كهّان اليمن يزعمون أنّ الّذي يهدمه يقتل . فأمر بإعادة بنائه . فقيل له : لو أنفقت عليه خرج الأرض ما أعدته كما كان ، فتركه ، و قيل : وجد على خشبة لمّا خرّب و هدم مكتوب برصاص مصبوب " إسلم غمدان هادمك مقتول " فهدمه عثمان فقتل 3 .
" و كبت " من الكبوة : أي : ألقته على وجهه .
" به بطنته " أي : كظّته و امتلاؤه من الطعام شديدا .
روى الطبري أنّ محمد بن أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ، و معه كنانة بن بشر بن عتاب ، و سودان بن حمران ، و عمرو بن الحمق . فأخذ بلحية عثمان . و قال : قد أخزاك اللّه يا نعثل . ثم طعن جنبيه بمشقص في يده ، و رفع كنانة مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل اذن عثمان . فمضت حتّى دخلت في حلقه . ثم علاه بالسيف حتّى قتله 4 .
و روى في خبر ضرب كنانة جبينه و مقدّم رأسه بعمود حديد فخرّ لجبينه
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 400 و 404 ، سنة 35 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 415 ، سنة 35 .
-----------
( 3 ) معجم البلدان 4 : 211 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 423 ، سنة 35 .
[ 210 ]
فضربه سودان بعد ما خرّ لجبينه فقتله 1 .
و روى في آخر : و ثب عمرو بن الحمق فجلس على صدره و به رمق فطعنه تسع طعنات و قال : فأمّا ثلاث منهن : فإنّي طعنتهن إيّاه للّه ، و أمّا ستّ : فإنّي طعنتنهن إيّاه لما كان في صدري عليه 2 .
و في ( الطبري ) : أنّ معاوية بن خديج لمّا أراد قتل محمد بن أبي بكر قال له :
إنّما أقتلك بعثمان فقال له : و ما أنت و عثمان إنّ عثمان عمل بالجور ، و نبذ حكم القرآن ، و قد قال تعالى و من لم يحكم بما أنزل اللّه فاولئك هم الفاسقون 3 فنقمنا ذلك عليه فقتلناه ، و حسّنت انت له ذلك و نظراؤك فقد برّأنا اللّه إن شاء الله من ذنبه ، و أنت شريكه في إثمه و عظم ذنبه ، و جاعلك على مثاله . فغضب معاوية فقدّمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه 4 .
و في ( صفّين نصر بن مزاحم ) : قام عمّار فقال : امضوا عباد اللّه إلى قوم يطلبون في ما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباد اللّه بغير ما في كتاب اللّه . إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان ، الآمرون بالإحسان .
فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين لم قتلتموه ؟ فقلنا : لإحداثه . فقالوا : إنّه ما أحدث شيئا ، و ذلك لأنه مكّنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها ، و لا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال ، و اللّه ما أظنّهم يطلبون دمه ، إنّهم ليعلمون انّه لظالم ، و لكن القوم ذاقوا الدنيا .
فاستحبوها و استمرؤها ، و علموا لو أنّ الحق لزمهم ، لحال بينهم و بين ما يرعون فيه منها ، و لم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقّون بها الطاعة
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 423 ، سنة 35 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 423 ، سنة 35 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) المائدة : 47 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 4 : 79 ، سنة 38 .
[ 211 ]
و الولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا . و تلك مكيدة 1 .
و فيه أيضا : قال أبو أمامة الباهلي ، و أبو الدرداء لمعاوية : علام تقاتل هذا الرجل ؟ قال : على دم عثمان و إيوائه قتلته فقولا له فليقدنا من قتلته . فأنا أوّل من بايعه من أهل الشام . فانطلقوا إلى عليّ عليه السّلام . فأخبروه بقول معاوية فقال : هم الذين ترون . فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسر بلين في الحديد لا يرى منهم إلاّ الحدق . فقالوا : كلّنا قتله 2 .
و بالجملة المسلمون كلّهم ، الشيعة و السنّة ، غير الأموية كانوا متّفقين على فسق عثمان ، و إباحة قتله ، و إنّما الاموية حملوا الناس بالسيف على القول بإمامته .
و في ( العقد الفريد ) قال عطاء بن سائب : كنت جالسا مع أبي البحتري و الحجاج يخطب فقال في خطبته : إنّ مثل عثمان عند اللّه كمثل عيسى قال اللّه فيه : إنّي متوفّيك و رافعك اليّ و مطهّرك من الذين كفروا و جاعل الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة 3 فقال أبو البختري كفر و ربّ الكعبة 4 .
و كان المسلمون سمّوه نعثلا باسم يهودي شبّهوه به قال محمّد بن أبي سبرة القرشي :
نحن قتلنا نعثلا بالسيرة
إذ صدّ عن أعلامنا المنيرة
يحكم بالجور على العشيرة
نحن قتلنا قبله المغيرة
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 319 .
-----------
( 2 ) وقعة صفين : 190 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) آل عمران : 55 .
-----------
( 4 ) العقد الفريد 5 : 284 .
[ 212 ]
المراد بالمغيرة ابن عمه المتقدم الّذي أهدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دمه و أجاره عثمان فقتله المسلمون .
و في أراجيز أهل العراق في صفّين :
كيف نردّ نعثلا و قد قحل
نحن ضربنا رأسه حتّى انجفل
لمّا حكم حكم الطواغيت الاول
و جار في الحكم و جار في العمل
و في ( جمل المفيد ) : كانت عائشة ترفع قميص النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فتقول : هذا قميص النبيّ لم يبل و قد أبلى عثمان أحكامه ، و لمّا جاء الناعي الى مكّة فنعاه بكى لقتله قوم . فأمرت عائشة مناديا ينادي ما بكاؤكم على نعثل أراد أن يطفئ نور اللّه فأطفأه ، و أراد أن يضيّع سنّة رسول فقتله 1 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) بعد نقل قول الحسين عليه السّلام لمروان : " يا أبن طريد الرسول " و بعد نقل قصّة الحكم ، و طرد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم له و بعد نقل طلب عثمان بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أبي بكر و عمر ردّه و إبائهما ذلك قال :
فلمّا مات عمر و ولي عثمان ردّه في اليوم الّذي ولي فيه ، و قرّبه و أدناه ،
و دفع له مالا عظيما ، و رفع منزلته . فقام المسلمون على عثمان ، و أنكروا عليه ، و هو أوّل ما أنكروا عليه ، و قالوا : رددت عدوّ اللّه و رسوله ، و خالفت اللّه و رسوله . فقال : إنّ النبيّ وعدني بردّه . فامتنع جماعة من الصحابة عن الصلاة خلف عثمان لذلك ثم توفي الحكم في خلافته . فصلّى عليه ، و مشى خلفه . فشقّ ذلك على المسلمين و قالوا : ما كفاك ما فعلت حتّى تصلّي على منافق ملعون لعنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نفاه فخلعوه و قتلوه و لهذا السبب قالت عائشة : " اقتلوا نعثلا قتله اللّه فقد كفر " 2 .
-----------
( 1 ) الجمل : 228 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 208 ، و النقل بتقطيع .
[ 213 ]
و في ( أنساب البلاذري ) : كان الحكم مؤذيا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يشتمه و يسمعه ،
و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يمشي ذات يوم و هو خلفه يخلج بأنفه و فمه . فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرآه فقال له : كن كذلك . فبقي على ذلك ، و أظهر الإسلام يوم فتح مكّة ، و اطلع يوما على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حجر بعض نسائه . فخرج إليه بعنزه و قال : من عذيري من هذه الوزغة لو أدركته لفقأت عينه ، و لعنه و ما ولد و غربه عن المدينة . فلم يزل خارجا حتّى استخلف عثمان فردّه و ولده و مات في خلافته ، فضرب على قبره فسطاطا 1 .
و في ( الطبري ) : عن أبي كرب عامل عثمان على بيت ماله : أنّ عثمان دفن بين المغرب و العتمة ، و لم يشهد جنازته إلاّ مروان و ثلاثة من مواليه ، و ابنته الخامسة فناحت ابنته ، و رفعت صوتها تندبه ، و أخذ الناس الحجارة ،
و قالوا : نعثل نعثل و كادت ترجم 2 .
و فيه عن أبي بشير العابدي قال : نبذ عثمان ثلاثة أيّام لا يدفن . ثم أنّ حكيم ابن حزام و جبير بن مطعم كلّما عليّا عليه السّلام في دفنه ، و طلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك . ففعل فلّما سمع الناس بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة ، و خرج به ناس يسير من أهله ، و هم يريدون به حائطا بالمدينة يقال له : حشّ كوكب كانت اليهود تدفن موتاهم فيه . فلمّا خرج على الناس رجموا سريره ، و همّوا بطرحه . فأرسل إليهم عليّ عليه السّلام يعزم عليهم ليكفّن عنه .
فلمّا ظهر معاوية أمر بهدم ذلك الحائط حتّى أفضي به إلى البقيع و أمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتّى أتّصل بمقابر المسلمين 3 .
-----------
( 1 ) أنساب الأشراف 5 : 27 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 439 ، سنة 35 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 438 ، سنة 35 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 214 ]
و في ( الطبري ) أيضا : أرادوا حزّ رأسه فوقعت عليه نائلة و ام البنين ، و لم يغسّل و أرادوا أن يصلّوا عليه في موضع الجنائز فأبت الأنصار ، و أقبل عمير ابن ضبابئ و عثمان موضوع على باب فنزا عليه . فكسر ضلعا من أضلاعه ،
و قال : سجنت ضابئا حتّى مات في السجن ، و قتل معه عبدان له يقال لهما :
نجيح و منجح . فجرّ بأرجلهما فرمى بهما على البلاط . فاكلتهما الكلاب 1 .
و في ( استيعاب أبي عمر ) : لمّا قتل عثمان القي على المزبلة ثلاثة أيام . فلمّا كان من الليل أتاه اثنا عشر رجلا فيهم حويطب بن عبد العزّى ، و حكيم بن حزام و عبد الله بن الزبير فاحتملوه ، فلمّا صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بنى مازن ، و اللّه لئن دفنتموه هنا لنخبرنّ الناس غدا .
فاحتملوه و كان على باب ، و إن رأسه على الباب ليقول طق طق حتّى صاروا به إلى حشّ كوكب . فاحتفروا له ، و كانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في جرّة فلمّا أخرجوه ليدفنوه صاحت . فقال لها ابن الزبير : و اللّه لئن لم تسكتي لأضربنّ الّذي فيه عيناك . فسكتت . و فيه : كان حكيم و زوجتاه يدلونه في القبر و غيّبوا قبره 2 .
و في ( بلاغات نساء البغدادي ) : قال معاوية لامّ الخير البارقية : ما تقولين في عثمان ؟ قالت : و ما عسيت أن أقول فيه . إستخلفه الناس و هم له كارهون ،
و قتلوه و هم راضون 3 .
و في ( كامل الجزري ) : قال معاوية لعبد الرحمن بن حسان الّذي كان من أصحاب حجر بن عدى : ما تقول في علي ؟ قال : " أشهد أنه كان من الذاكرين
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 440 و 441 ، سنة 35 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 3 : 80 81 .
-----------
( 3 ) بلاغات النساء : 58 .
[ 215 ]
اللّه تعالى كثيرا ، و من الآمرين بالحقّ ، و القائمين بالقسط ، و العافين عن الناس " . قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : " هو أوّل من فتح أبواب الظلم ،
و أغلق أبواب الحق " فردّه معاوية إلى زياد فدفنه زياد حيّا 1 .
و في ( عقد ابن عبد ربه ) : قال الزهري : قلت لسعيد بن المسيب : هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان ؟ و ما كان شأن الناس و شأنه ؟ و لم خذله أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ فقال : إنّ عثمان لمّا وليّ كره ولايته نفر من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنّ عثمان كان يحبّ قومه . فولي الناس اثنتي عشرة سنة ، و كان كثيرا ما يولّي بنى أميّة ممّن لم يكن له صحبة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و كان يجيء من امرائه ما يكره أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم . فلمّا كان في الحجيج الآخرة استأثر بني عمه فخرجوا و ولاّهم ، و ولىّ عبد اللّه بن أبي سرح مصر ، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ، و يتظلّمون منه و من قبل ذلك كانت هنات من عثمان إلى عبد اللّه بن مسعود و أبي ذر و عمّار . فكانت هذيل و بنو زهرة في قلوبهم ما فيها لابن مسعود ، و كانت بنو غفار ، و أحلافها ، و من غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها ، و كانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار ، و جاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فكتب إليه عثمان ينهاه .
فأبى أن يقبل ، و ضرب رجلا ممّن أتى فقتله . فخرج من أهل مصر سبعمئة رجل إلى المدينة . فنزلوا المسجد ، و شكوا إلى أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح . فقام طلحة فكلّم عثمان بكلام شديد ،
و أرسلت إليه عائشة : " قد تقدّم إليك أصحاب النبي ، و سألوك عزل هذا الرجل .
فأبيت ، فهذا قد قتل رجلا منهم . فأنصفهم من عاملك " و دخل عليه عليّ عليه السّلام
-----------
( 1 ) الكامل 3 : 486 ، سنة 51 .
[ 216 ]
و كان متكلّم القوم فقال : " إنّما سألوك رجلا مكان رجل و قد ادعّوا قبله دما فاعزله عنهم ، و اقض بينهم ، و إن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه " . فقال لهم :
" اختاروا رجلا مكانه أولّه عليكم " فأشار الناس عليهم بمحمّد بن أبي بكر فقالوا : " استعمله علينا " فكتب عهده ، و ولاّه ، و أخرج معهم عدّة من المهاجرين و الأنصار ينظرون في ما بين أهل مصر ، و ابن أبي سرح ، فخرج محمد بن أبي بكر و من معه ، فلمّا كان على مسيرة ثلاثة أيّام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط الأرض خبطا كأنّه رجل يطلب أو يطلب . فقال له أصحاب محمد : ما قصّتك ، و ما شأنك كأنّك هارب أو طالب ؟ فقال : أنا غلام عثمان ، وجّهني إلى عامل مصر . فقالوا : هذا عامل مصر معنا . قال : ليس هذا اريد ، و أخبر محمّد بن أبي بكر بأمره . فبعث في طلبه فاتى به . فقال : غلام من أنت ؟ فأقبل مرّة يقول غلام عثمان ، و مرة يقول : غلام مروان حتّى عرفه رجل منهم أنّه لعثمان . فقال له : إلى من أرسلت ؟ قال : إلى عامل مصر . قال : بماذا ؟
قال : برسالة قال : معك كتاب ؟ قال : لا . ففتّشوه فلم يوجد معه شيء إلاّ إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحرّكوه ليخرج . فلم يخرج فشقّوا الإداوة . فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح . فجمع محمّد بن أبي بكر من كان معه من المهاجرين و الأنصار ، و غيرهم ، ثم فكّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه : " إذا جاءك محمّد بن أبي بكر و فلان و فلان فاحتل لقتلهم و أبطل كتابهم ، و قرّ على عملك حتّى يأتيك رأيي ، و احتبس من جاء يتظلم منك ليأتيك في ذلك رأيي " فلمّا قرأوا الكتاب فزعوا ، و عزموا على الرجوع إلى المدينة ، و ختم محمّد بن أبي بكر الكتاب بخواتم القوم الذين ارسلوا معه ، و دفعوا الكتاب إلى رجل منهم و قدموا المدينة . فجمعوا عليا عليه السّلام و طلحه و الزبير و سعدا ، و من كان من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم فكّوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصّة الغلام ،
[ 217 ]
و أقرؤوهم الكتاب . فلم يبق أحد في المدينة إلاّ حنق على عثمان و أزداد من كان منهم غاضبا لابن مسعود ، و أبي ذر و عمار غضبا و حنقا ، و قام أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلحقوا منازلهم ما منهم أحد إلاّ و هو مغتمّ بما قرأوا في الكتاب ، و حاصر الناس عثمان ، و أجلب عليه محمّد بن أبي بكر بني تيم و غيرهم ، و أعانه طلحة على ذلك ، و كانت عائشة تحرّضه كثيرا . فلمّا رأى ذلك عليّ عليه السّلام بعث إلى طلحة و الزبير و سعد و عمار ، و نفر من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كلّهم بدري . ثم دخل على عثمان ، و معه الكتاب ، و الغلام و البعير ، و قال له عليّ عليه السّلام : هذا الغلام غلامك ؟ قال : نعم ، قال : و البعير بعيرك ؟ قال : نعم قال : و الخاتم خاتمك ؟ قال نعم ، قال : فأنت كتبت الكتاب ؟
قال : لا . و حلف " ما كتبت ، و لا أمرت ، و لا وجّهت الغلام " . أما الخط فعرفوا أنّه خطّ مروان ، و شكّوا في أمر عثمان ، و سألوه أن يدفع إليهم مروان و كان عنده في الدار . فأبى فخرجوا من عنده غضابا إلى أن قال فتسوّر محمّد بن أبي بكر و صاحباه من دار رجل من الأنصار . فدخلوا عليه ، و ليس معه إلاّ امرأته نائلة بنت الفراضة ، و المصحف في حجره ، و لا يعلم أحد ممّن كان معه لأنهم كانوا على البيوت . فتقدّم إليه محمّد بن أبي بكر ، و أخذ بلحيته فقال له عثمان : أرسل لحيتي يا ابن أخي . فلو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده من لحيته ، و غمز الرجلين . فوجئاه بمشاقص معهما حتّى قتلاه ، و خرجوا هاربين من حيث دخلوا 1 .
و في ( العقد ) أيضا : قال الأصمعي : كان القوّاد الذين ساروا إلى المدينة في أمر عثمان أربعة : عبد الرحمن بن عديس البلوي ، و حكيم بن جبلة العبدي ،
و الأشتر النخعي ، و عبد اللّه بن بديل الخزاعي . فقدموا المدينة فحاصروه
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 36 40 ، و النقل بتلخيص .
[ 218 ]
و حاصره معهم قوم من المهاجرين و الأنصار حتّى دخلوا عليه ، فقتلوه و المصحف بين يديه ، و هو يقرأ يوم الجمعة صبيحة النحر الخ 1 .
قلت : و كون نسخة من المصحف بين يديه أو قراءته منه أي شيء يفيده ؟
و قد كان بدّل أحكامه مع أنّه كان دق مصحف ابن مسعود ، و ولّى الوليد بن عقبة أخاه لامه الّذي نزل القرآن بفسقه ، فشرب و صلّى الصبح بالناس أربعا ، و ولّى عبد اللّه بن أبي سرح أخاه للرضاعة الّذي كان يحرّف القرآن ،
و نزل فيه : و من قال سأنزل مثل ما أنزل الله 2 .
كما أنّ ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الّذي جعل المصحف هدفا و رماه بالسهم حتّى مزّقه لمّا كان فتح المصحف ، و رأى قوله تعالى : و استفتحوا و خاب كلّ جبار عنيد 3 و قال :
أ توعدني بانّك جبّار عنيد
فها أنا ذا جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر
فقل يا رب مزّقني الوليد
لما حاصروه و احاطوا به لقتله أخذ المصحف أيضا و قال : اقتل كما قتل ابن عمّي عثمان .
و في ( العقد ) : أقبل أهل مصر عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي ، و أهل البصرة عليهم حكيم بن جبلة العبدي ، و أهل الكوفة عليهم الأشتر في أمر عثمان حتّى قدموا المدينة 4 .
قال ابن أبي الحديد : و الذي نقول نحن انها و ان كانت أحداثا إلاّ انها لم تبلغ المبلغ الّذي يستباح به دمه ، و قد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 36 .
-----------
( 2 ) الأنعام : 93 .
-----------
( 3 ) ابراهيم : 15 .
-----------
( 4 ) العقد الفريد 5 : 42 .
[ 219 ]
حيث لم يستصلحوه لها و لا يعجلوا بقتله 1 .
قلت : في كلامه أوّلا أنّه من كان عمله مثل عمل عثمان من ضرب الناس و قتلهم و اخراجهم عن أوطانهم بلاحق ، و حمل الظالمين على رقابهم و نهب أموالهم و حقوقهم يقتل قهرا لا سيما عمله الأخير في عامل مصره ابن أبي سرح العنيد يكتب تبديله للناس ، و يكتب إليه أن يقتل بعضهم ،
و يحبس بعضهم و يبطل كتابه للعامل بدله و يكون باقيا في محلّه ، و لكون مثل ذاك العمل سببا لقتل صاحبه قهرا قال عليه السّلام : " إلى أن انتكث فتله ،
و أجهز عليه عمله ، و كبت به بطنته " .
كما أنّ الوليد بن يزيد قتله عمله فإن باقي الاموية و إن كانوا في غاية الظالمية و الجبارية لكن أمرهم كان على نظام بخلاف عثمان و الوليد لأنّهما كانا مفسدي الدين و الدنيا للبرّ و الفاجر .
و صاحبا عثمان الأوّل و الثاني إنّما ظلما أهل البيت عليه السّلام دون باقي الناس و مرّ قول الباقر عليه السّلام : " إنّ فلانا و فلانا ظلمانا حقّنا و قسّماه بين الناس فرضوا بذلك منهما ، و إنّ عثمان استأثر على الناس فغضبوا لأنفسهم " 2 و كان عمله مع الناس بالاطّراح كلا حتّى مع ابن عوف الّذي ولاّه فهجره .
ففي العقد انّه لمّا أنكر الناس على عثمان ما أنكروا من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلّة الأكابر من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم قالوا لابن عوف : " هذا عملك و اختيارك لامّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ قال : لم أظنّ هذا به . و دخل عليه . فقال له :
" إنّما قدّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر و عمر و قد خالفتهما " فقال :
" عمر كان يقطع قرابته في اللّه ، و أنا أصل قرابتي في اللّه " فقال : " للّه عليّ أن لا
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 .
-----------
( 2 ) أخرجه موسى بن بكر في أصله ، عنه السرائر : 472 .
[ 220 ]
اكلّمك أبدا " فمات عبد الرحمن و هو لا يكلّم عثمان 1 .
و قول عثمان : " عمر يقطع قرابته في اللّه و أنا أصلهم في اللّه " كلام غلط بلا معنى . فقطع القرابة في الحقّ كما فعل عمر مع ابنه الّذي ضربه الحد منكر ،
وصلتها بغير الحقّ كأفعال عثمان منكر .
و ثانيا : هل ابن أبي الحديد أعلم في استباحة دم عثمان أم أمير المؤمنين عليه السّلام ؟ ، فلمّا بعث معاوية كما في ( صفّين نصر بن مزاحم ) حبيب الفهري ، و شرحبيل بن السمط و معن السلمي إليه عليه السّلام برسالة ،
و حاجّهم عليه السّلام قال له شرحبيل و معن : " أ تشهد أنّ عثمان قتل مظلوما . فقال لهما : إنّي لا أقول ذلك " قالا : " فمن لم يشهد أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن برئاء منه " ثم قاما فانصرفا . فقال عليّ عليه السّلام : إنّك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصمّ الدعاء إذا ولّوا مدبرين ، و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلاّ من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون 2 .
ثم من قتلة عثمان عمّار الجمع على جلاله حتّى من مثل شبث بن ربعي ،
فلمّا قال معاوية لشبث لمّا جاءه برسالة من أمير المؤمنين عليه السّلام : " أ لستم تعلمون أنّ قتلة صاحبنا أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فنقتلهم و نحن نجيبكم إلى الطاعة " فقال له شبث " أ يسرّك باللّه يا معاوية أنّك إن أمكنت من عمّار فقتلته " .
و معاوية و ان قال لشبث : " و اللّه لو أمكنني صاحبكم من ابن سميّة ما قتلته بعثمان بل بمولى عثمان " إلاّ أنّ معاوية لو كان أمكن من قتل نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لكان يقتله ، لأنّ أصل ثأره كان عنده من يوم بدر .
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 31 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 2 ) وقعة صفين : 202 ، و الآيات 80 و 81 من سورة النمل .
[ 221 ]
و قد عرفت أنّ عمارا يكفّره ، و كذلك حذيفة و جلاله مجمع عليه و كذلك زيد بن أرقم ، و قد عرفت أنّ عمّارا تأسّف على عدم نبشه و إحراقه 1 .
و لمّا قال سعد الّذي رذالته معلومة لخذلانه الحقّ باعترافه بمقامات أمير المؤمنين عليه السّلام لعمار " لقد كنت عندنا من أفاضل أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتىّ لم يبق من عمرك إلاّ ظمأ الحمار فعلت و فعلت يعرض له بقتل عثمان قال له عمّار : أيّ شيء أحبّ اليك مودّة على دخل أو هجر جميل ؟ قال : هجر جميل . قال له عمار " للّه عليّ ألا أكلّمك " و بالجملة لو كان عثمان محقّا كان معاوية أيضا محقّا و كان أمير المؤمنين عليه السّلام مبطلا . فإن التزم إخواننا بذلك . فلا غرو منهم بل لابدّ لمن قال بإمامة عثمان و من تقدّم عليه ذلك ، و كفاهم بذلك خزيا .
و قول عمّار : " ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر و أنا الرابع و أنا شرّهم " 2 لا بدّ بقوله " ثلاثه هو شرهم " أمير المؤمنين عليه السّلام و أبو ذر و المقداد .
فإن أنكروا تبرّي أمير المؤمنين عليه السّلام من شيخيهم فتبرّيه عليه السّلام من عثمان شيء لا يمكن إنكاره ، كاختلاف معاوية مع أمير المؤمنين عليه السّلام . فما هذا التضاد الّذي التزموه من الجمع بين علي و عثمان في الإمامة .
و لما قال نافع بن هلال من أصحاب الحسين عليه السّلام يوم الطف " أنا على دين علي " قال له مزاحم بن حريث من أصحاب ابن سعد : " أنا على دين عثمان " فقال له نافع : " أنت على دين شيطان " 3 .
-----------
( 1 ) تكفير هؤلاء عثمان رواه عن الثقفي و الواقدي المجلسي في فتن البحار : 318 ، و الطوسي في تلخيص الشافي 4 :
113 ، و تأسف عمّار رواه عن الثقفي المجلسي في المصدر : 318 .
-----------
( 2 ) رواه التقفي في تاريخه ، عنه فتن البحار : 318 ، و العياشي في تفسيره 1 : 323 ح 123 .
-----------
( 3 ) رواه الطبري في تاريخه 4 : 331 ، سنة 61 .
[ 222 ]
ثم إذا كان الواجب على الناس خلعه دون قتله كما قال ابن أبي الحديد 1 فلم قال بإمامة من كان واجب الخلع ؟ و لمّا رجع الناس إلى عثمان لمّا وجدوا كتابا مع غلامه على جمله بقتل محمّد بن أبي بكر و من معه و قال " أنا ما كتبته خرج غلامي بغير إذني و أخذ جملي بغير علمي " قال الناس له : " ما أنت إلاّ صادق أو كاذب فإن :
كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقّها ،
و إن كنت صادقا فقد استحققت ، أن تخلع لضعفك ، و خبث بطانتك ، و لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه ،
و غفلته " .
و قال أبو القاسم الوزير المغربي في الثلاثة :
من عاجز ضرع و من ذي غلظة
جاف و من ذي لوثة خوّار
" فما راعني إلا و الناس كعرف الضبع إليّ " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب :
" فما راعني إلاّ و الناس اليّ كعرف الضبع " كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 2 و كذلك باقي من روى الخطبة كما عرفت ، و عرف يقال له بالفارسية : " يال " .
هذا و نظير كلامه عليه السّلام في عثمان إلى هنا في هذه الخطبة كلامه عليه السّلام في اخرى ليست في النهج و هو : " ثم استخلفوا ثالثا لم يكن يملك من أمر نفسه شيئا ، غلب عليه أهله . فقادوه إلى أهوائهم كما تقود الوليدة البعير المخطوم . فلم يزل الأمر بينه و بين الناس يبعد تارة ، و يقرب اخرى حتّى نزوا عليه فقتلوه . ثم جاءوني مدبّ الدبّا يريدون بيعتي " 3 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 ، و شرح ابن ميثم 1 : 250 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 3 ) روى قريبا منه أبو مخنف في الجمل ، عنه شرح ابن أبي الحديد 1 : 102 ، شرح الخطبة 22 ، و غيره .
[ 223 ]
و في كتاب مروان إلى معاوية في شرح إقبال الناس إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بعد قتل عثمان : " فسفكوا دمه و انقشعوا عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها منكفئين قبل ابن أبي طالب انكفاء الجراد أبصر المرعى " .
و نظير تشبيهه عليه السّلام بعرف الحيوان قول شاعر :
خضمّ ترى الأمواج فيه كأنّها
إذا التطمت أعراف خيل جوامح
و لعلّ الأصل في التشبيه بالعرف القرآن فقيل في قوله تعالى :
و المرسلات عرفا 1 . انه مستعار من عرف الفرس أي : يتتابعون كعرف الفرس .
ثم إنّ أبا أحمد العسكري قال : " العرف : الشعر الّذي يكون على عنق الفرس و قوله عليه السّلام كعرف الضبع استعارة " 2 ، لكن يمكن أن يقال : حيث إنّ المشاهد للناس عرف الفرس دون الضبع فالإطلاق ينصرف إليه دون أن يكون مختصا به ، حتّى يكون في الضبع استعارة كما قال ، كيف و يقولون للضبع " عرفاء " لكثرة شعرها .
هذا ، و في رواية السبط " و الناس أرسالا إلّي كعرف الفرس " 3 و الصواب ما هنا بشهادة غيره .
قال ابن ميثم : الفاعل لقوله عليه السّلام " فما راعني " إمّا جملة " إلاّ و الناس إليّ كعرف الضبع " أو ما دلّت عليه من المصدر . أي : إقبال الناس إليّ 4 .
قلت : قال ابن هشام : اختلفوا في أنّ الفاعل و نائبه هل يكونان جملة أم لا فالمشهور المنع مطلقا ، و أجازه هشام و ثعلب مطلقا ، و فصّل الفرّاء و نسب إلى
-----------
( 1 ) المرسلات : 1 .
-----------
( 2 ) العلل 1 : 153 ، و المعاني : 364 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) التذكرة : 125 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 1 : 264 ، و النقل بالمعنى .
[ 224 ]
سيبويه بأنّه إن كان الفعل قلبيا ، و وجد معلّق عن العمل نحو ظهر لي أقام زيد جاز . و منه " ثم بدالهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجنّنه حتّى حين " 1 و إلاّ فلا و احتجّ الأوّلان بقول الشاعر :
و ما راعني إلاّ يسير بشرطة
و عهدي به قينا يفشّ بكير 2
و أقول : الصواب اختصاص الجواز بكلمة راعني و مستقبله منفيين بشهادة استعمالاتهما ، بل لا يجوز في فاعلهما غير الجملة . فورد كذلك في موضعين آخرين من كلامه عليه السّلام . ففي ( النهج ) : " فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه " 3 ، و قال الكراجكي : كتب عليه السّلام إلى معاوية : " فما راعني إلاّ و الأنصار قد اجتمعت " 4 .
و ورد كذلك في أخبار و أشعار . أما الأخبار فعن ( فضائل أحمد بن حنبل ) :
عن أنس قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " لينتهين بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي يمضي فيهم أمري ، و يقتل المقاتلة ، و يسبي الذرّية " . قال أبو ذر :
فما راعني إلاّ برد كفّ عمر من خلفي . فقال : من تراه يعني ؟ فقلت : ما يعنيك ،
و إنما يعني خاصف النعل عليّا عليه السّلام 5 .
و في خبر عبد الرحمن بن جابر عن أبيه في غزوة حنين : " فو اللّه ما راعنا و نحن منحطّون إلاّ الكتائب قد شدّت علينا شدة رجل واحد " 6 .
-----------
( 1 ) يوسف : 35 .
-----------
( 2 ) قاله في مغني اللبيب : 559 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 3 ) نهج البلاغة 3 : 119 ، الكتاب 62 .
-----------
( 4 ) روى الكراجكي في كنز الفوائد : 200 و 201 ، و عنه المجلسي في فتن البحار : 509 ، و 510 ، كتابان له عليه السّلام الى معاوية لكن ليس فيهما هذه العبارة .
-----------
( 5 ) تذكرة الخواص : 39 .
-----------
( 6 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 347 ، سنة 8 .
[ 225 ]
و في خبر الأحنف بعد ذكر أنّه استأمر طلحة و الزبير في من يبايع إن قتل عثمان و إشارتهما إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، " فما راعنا إلاّ قدوم عائشة و طلحة و الزبير قد نزلوا جناب الخريبة " 1 .
و في خبر ابن عباس كما في ( نهاية الجزري ) : " فلم يرعني إلاّ رجل أخذ بمنكبي " 2 ، و في خبر ( عقد ابن عبد ربه ) : " فما راعني إلاّ سوابق عبرتي تقنعت منها " .
و في ( الطبري ) في أحوال المهدي العباسي عن حفص مولى مزينة عن ابيه قال : " كان هشام الكلبي صديقا لي . فكنّا نتلاقى فنتحدّث و نتناشد . فكنت أراه في حال رثة و في أخلاق على بغلة هزيل و الضرّ فيه بيّن و على بغلته ، فما راعني إلاّ و قد لقيني يوما على بغلة شقراء من بغال الخلافة ، و سرج و لجام من سروج الخلافة " 3 .
و في ( العقد ) : قال بكر بن حمّاد الباهلي : لمّا انتهى إليّ خبر عنان و أنّها ذكرت لهارون و قيل : إنّها من أشعر الناس ، خرجت معترضا لها ، فما راعني إلاّ الناطفي مولاها قد ضرب على عضدي 4 .
و أمّا الأشعار فمنها ما مرّ " فما راعني " البيت ، و منها قول القطامي في عجوز من محارب لم تقره :
فما راعها إلاّ بغام مطيتي
تريح بمحصور . من الصدر لاغب
و منها قول عمر بن أبي ربيعة في أبيات متعددة ، و قول الراجز :
فما راعني إلاّ مناد برحلة
و قد لاح مفتوق من الصبح أشقر
-----------
( 1 ) حديث الأحنف رواه الطبري في تاريخه 3 : 511 ، سنة 36 ، بفرق يسير .
-----------
( 2 ) النهاية 2 : 278 ، مادة ( روع ) .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 6 : 395 ، سنة 169 .
-----------
( 4 ) العقد الفريد 7 : 54 .
[ 226 ]
فلم يرعها و قد نضّت مجاسدها
إلاّ سواد وراء البيت يستتر
لم يرعها الا الفتاة و إلاّ
دمعها في الرداء سحّا سنينا
ما راعني إلاّ حياك هابطا
على البيوت قوطة العلابطا
" حياك " : اسم راع و معنى " قوطة العلابط " قطيعة الغنم .
و لا استبعاد في اختصاص كلمات من لغة العرب باحكام ، فقد عثرنا على عدّة كلمات كذلك ، منها هذه ، و منها " لشدّ ما " كما مرّ في هذه الخطبة أيضا ، و لم يتفطن لها اللغويون .
و لا وجه لتأويل الجميع بالإرجاع إلى المصدر مع سلاسة المعنى مع بقاء الجملة على حالها .
و أمّا الآية فلا بأس بتأويلهم بجعل الفاعل ضمير المصدر .
" ينثالون عليّ " لم أقف على من ذكر الأصل في " ينثالون " من الشرّاح و إنّما نقله الصدوق في كتابيه المتقدّمين بلفظ : " قد انثالوا عليّ " و نقل في تفسيره عن شيخه أبي أحمد العسكري قال : إنّ معناه انصبّوا عليّ و كثروا .
يقال : إنثلت ما في كنانتي من السهام إذا صببته 1 .
و لازم كلامه كون انثال على انفعل ، و مثله ( القاموس ) حيث قال في " ثيل " : " إنثال : إنصبّ " 2 و أمّا ( الصحاح ) فلم يذكر في " ثيل " إنثال بل قال في " نثل " : " تناثل الناس إليه : أي : إنصبوا " 3 ، و كذلك ( لسان العرب ) لم يذكر في " ثيل " إنثال 4 ، و كذلك ( الجمهرة ) لم يذكر في " ثيل " إنثال 5 لكن الصواب ما
-----------
( 1 ) العلل 1 : 151 و 153 ، و المعاني : 361 و 363 .
-----------
( 2 ) القاموس المحيط 3 : 344 ، مادة ( ثول ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 5 : 1825 ، مادة ( نثل ) .
-----------
( 4 ) لسان العرب 11 : 95 ، مادة ( ثيل ) .
-----------
( 5 ) جمهرة اللغة 2 : 51 ، و 3 : 219 و 277 .
[ 227 ]
قاله العسكري و ( القاموس ) من كون " ينثالون " أو " انثالوا " من الانثيال 1 ،
و يشهد له قوله عليه السّلام أيضا : " فاراعني إلاّ انثيال الناس على فلان " 2 .
و أما قول ( الصحاح ) في " نثل " : " تنائل الناس إليه أي : انصبّوا " فبلا شاهد و ان تبعه ( القاموس ) أيضا ، و اما قول الجزري في ( نهايته ) : " و في حديث طلحة أنّه كان ينثل درعه إذ جاءه سهم فوقع في نحره : أي : يصبّها عليه " 3 فبلا شاهد . فمن أين أنّه ليس بمعنى ينزعه ؟ فقال قبله : " في الحديث : أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتثل ما فيها أي : يستخرج و يؤخذ ، و منه حديث الشعبي : أما ترى حفرتك تنثل : أي : يستخرج ترابها . يريد القبر ، و منه حديث صهيب و انتثل ما في كنانته : أي : استخرج ما فيها من السهام ، و في حديث أبي هريرة : ذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنتم تنتثلونها . يعني الأموال ، و ما فتح عليهم من زهرة الدنيا " 4 .
ففي الكل بمعنى الاستخراج . فكيف صار في هذا بمعنى الصبّ ، مع أنّ في ( الأساس ) : " و من المجاز نثل عليه درعه : مثل نثرها إذا صبّها ، و نثلها عنه نزعها كما يقال : خلع عليه الثوب و خلعه عنه " 5 ، و ليس في خبره حرف جرّ حتّى يعلم المعنى ، مع أن ما ذكره ( الأساس ) من المجاز لم يعلم صحّة أصله ،
لعدم كونه من كلام العرب .
ثم إن العسكري و إن أصاب في تفسيره ينثالون كما في النهج ، و انثالوا كما في روايته و رواية الشيخين ، و رواية السبط كما مرّ الانصباب ، لكن أخطأ
-----------
( 1 ) هذا قول الفيروز آبادي في القاموس 3 : 344 ، مادة ( ثول ) . و ما نقله عن العسكري فهو استنباط الشارح من كلامه ،
العلل 1 : 153 ، و المعاني : 364 .
-----------
( 2 ) نهج البلاغة 3 : 119 ، الكتاب 62 .
-----------
( 3 ) النهاية 5 : 16 ، مادة ( نثل ) .
-----------
( 4 ) النهاية 5 : 16 ، مادة ( نثل ) .
-----------
( 5 ) أساس البلاغة : 446 ، مادة ( نثل ) .
[ 228 ]
في ما استند إليه من قوله : " يقال : انثلت ما في كنانتي من السهام إذا صببته " فإنّه لا يقال انثلت من الثيل بل انتثل على افتعل من النثل كما عرفته من حديث صهيب من ( النهاية ) ، و في ( الجمهرة ) : " نثلت كنانتي نثلا إذا استخرجت ما فيها من النبل ، و كذلك نثلت البئر إذا استخرجت ترابها " 1 .
كما أن معناه أيضا ليس الصب كما قال ، بل الاستخراج كما عرفته من ( الجمهرة ) و ( النهاية ) و إن و هم ( الأساس ) أيضا فقال " نثل كنانته : نثرها " 2 .
ثم يشهد لما قلنا من كون : ينثالون انفعالا من الثيل رواية السبط للخطبة ، فمرّ أنّه نقل الفقرة " و انثالوا علي انثيالا " 3 .
" من كل جانب " هكذا في ( المصرية ) ، و هو الصواب لتصديق ابن ميثم الّذي نسخته بخطّ مصنّفه له ، و رواية الصدوق له كما مرّ دون ما في ابن أبي الحديد من تبديله بقوله : " من كل وجه " 4 .
" حتّى لقد و طىء الحسنان " قال ابن أبي الحديد : الحسنان الحسن و الحسين عليه السّلام ، و قال الراوندي : الحسنان إبهاما الرجلين و هذا لا أعرفه 5 .
قلت : نقل التفسير عن غلام ثعلب ففي ابن ميثم : حكى المرتضى أنه روى في قوله عليه السّلام " وطىء الحسنان " أنهما الإبهامان ، و أنشد للشنفرى " مهضومة الكشحين خرماء الحسن " روى أنّه عليه السّلام كان يومئذ محتبيا ،
-----------
( 1 ) جمهرة اللغة 2 : 50 ، مادة ( ثلن ) .
-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 446 ، مادة ( نثل ) .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 125 .
-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن ميثم 1 : 264 ، و العلل 1 : 151 ، و المعاني : 361 ، لكن في شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 ، أيضا " جانب " .
-----------
( 5 ) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 67 ، و أما الراوندي فنقله في شرحه 1 : 129 ، بلفظ : " و قيل . . . " و هذا حكاية غلام ثعلب .
[ 229 ]
و الاحتباء جمع الركبتين و الذيل ، فلمّا اجتمعوا لبيعته زاحموه حتّى و طؤوا إبهامه ، و شقوا ذيله و لم يعن الحسنين عليه السّلام ، و هما رجلان كسائر الناس ،
و نقل ذلك السروي أيضا 1 .
قلت : لو سلّم تفسير غلام ثعلب ، فقال عبيد اللّه بن أبي الفتح " لو طار طائر في الجو لقال غلام ثعلب حدّثنا ثعلب عن ابن الاعرأبي ، و يذكر في معنى ذلك شيئا ، و قال الخواج الجوع ، و لم يذكر ذلك في لغة " لما صح إرادة الابهامين فإنّه عليه السّلام لو كان أرادهما لقال : " وطئ حسناي " كما قال : " و شقّ عطفاي " و إلاّ فقيل : إنّ الحسنين يطلق على بطنين من طيء أيضا و على جبلين قتل بسطام الشيباني عندهما قال شاعر :
و يوم شقيقة الحسنين لاقت
بنو شيبان آجالا قصارا
و قوله : " و لم يعن الحسنين عليه السّلام لأنهما رجلان كسائر الناس " غلط فإنّهما عليه السّلام كانا جالسين عنده عليه السّلام ، و لم يمهلوهما للنهوض فوطؤوهما كما شقوا عطفيه عليه السّلام فقال عليه السّلام في موضع آخر في وصف هجومهم عليه عليه السّلام للبيعة " حتّى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لديّ " 2 .
" و شقّ عطفاي " قال ابن أبي الحديد : " أي : خدش جانباي لشدّة الاصطكاك منهم و الزحام " 3 قلت : بل المعنى شقّ جانبا لباسي ، و هو تعبير عرفي ، و لا وجه لإرادة خدش البدن من شقّه .
قال ابن أبي الحديد : " و يروى عطافي . و العطاف : الرداء و هو أشبه
-----------
( 1 ) رواه الكيندري في شرحه 1 : 193 ، و ابن ميثم في شرحه 1 : 265 ، عن المرتضى عن غلام ثعلب و رواه السروي في مناقبه 3 : 398 ، عن غلام ثعلب ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) نهج البلاغة 1 : 103 ، الخطبة 54 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 .
[ 230 ]
بالحال " 1 قلت : هو رواية الصدوق كما مرّ ، و المعنى واحد كما عرفت .
و رووا أنّ عبد اللّه بن خفاف الطائى . قال لمعاوية في وصف إقبال الناس على بيعته عليه السلام بعد قتل عثمان " ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتّى ضلّت النعل و سقط الرداء و وطئ الشيخ " 2 .
و مراده : أن الازدحام في بيعته عليه السّلام كان بحيث ضلّت به نعال الناس و سقطت أرديتهم ، و وطئت شيوخهم .
" مجتمعين حولي كربيضة الغنم " في ( جمهرة ابن دريد ) : الربيض :
الجماعة من الغنم ، الضأن و المعز فيه واحد . و هذا ربيض بني فلان أي : جماعة غنمهم 3 .
و قد عبرّ عليه السلام عن كيفية بيعة الناس له و ابتهاجهم بها بتعبيرات مختلفة منها قوله عليه السّلام هنا ، و منها قوله عليه السّلام : " فتداكّوا عليّ تداك الإبل الهيم يوم و ردها قد أرسلها راعيها ، و خلعت مثانيها حتّى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لديّ " 4 ، و منها أيضا : " فأقبلتم إليّ إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون : البيعة البيعة . قبضت كفّي فبسطتموها ، و نازعتكم يدي فجاذبتموها " 5 .
و روى ( رسائل الكليني ) الأول و زاد : " و بلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن حمل إليها الصغير ، و هدج إليها الكبير ، و تحامل إليها
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 .
-----------
( 2 ) رواه ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1 : 85 ، بلا تصريح باسم عبد اللّه بن خفاف .
-----------
( 3 ) جمهرة اللغة 1 : 261 ، مادة ( برض )
-----------
( 4 ) نهج البلاغة 1 : 103 ، الخطبة 54 .
-----------
( 5 ) نهج البلاغة 2 : 20 ، الخطبة 135 .
[ 231 ]
العليل ، و حسرت لها الكعاب " 1 .
" فلما نهضت " أي : قمت .
" بالأمر " أي : حكومة الناس .
" نكثت " أي : نقضت بيعتها .
" طائفة " و هم : الناكثون أهل جمل عائشة و الزبير و طلحة .
و في ( الإرشاد ) : لما نزل أمير المؤمنين عليه السّلام في خروجه إلى الجمل بذي قار أخذ البيعة على من حضر ثم قال بعد إكثار الحمد و الثناء و الصلاة : " قد جرت أمور صبرنا عليها ، و في أعيننا القذى تسليما لأمر الله تعالى في ما امتحننا به و رجاء الثواب على ذلك ، و كان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون ، و تسفك دماؤهم . نحن أهل بيت النبوّة ، و عترة الرسول ، و أحق الخلق بسلطان الرسالة و معدن الكرامة الّتي ابتدأ الله بها هذه الامة ، و هذا طلحة و الزبير ليسا من أهل بيت النبوّة ، و لا من ذرية الرسول ، حين رأيا أنّ الله قد ردّ علينا حقّنا بعد أعصر ، فلم يصبرا حولا واحدا ، و لا شهرا كاملا حتّى وثبا عليّ دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقّي ، و يفرّقا جماعة المسلمين عنّي " 2 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : كان أحمد بن حنبل يقول : " و الله ما زانت الخلافة عليا عليه السّلام و لكن هو زانها " فأوّل من بايعه طلحة ، و كان أشلّ فلما نظر إليه عليّ عليه السّلام تطيّر منه ، و قال : " يد شلاّء . أمر لا يتمّ . ما أخلقه أن ينكث بيعته " إلى أن قال فلم يلبثوا إلاّ يسيرا حتّى دخل عليه طلحة و الزبير فقالا : يا أمير المؤمنين عليه السّلام انّ عيالنا كثير إلى أن قال
-----------
( 1 ) كشف المحجة : 181 .
-----------
( 2 ) الإرشاد : 133 .
[ 232 ]
فقالا له عليه السّلام : إيذن لنا في العمرة . فقال : " و الله ما تريدان العمرة ، و إنّما تريدان الغدرة و الفتنة " . فقالا : كلاّ و اللّه . فقال : " قد أذنت لكما فافعلا ما شئتما " 1 .
و قال ابن أبي الحديد : و قد كان عليه السّلام يتلو وقت مبايعتهم له : فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه 2 .
و روى ( ميزان الذهبي ) : عن عثمان مؤذّن بني افصى قال : سمعت عليا يقول : " و اللّه ما قوتل أهل هذه الآية بعد ما نزلت و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون 3 .
و في ( الطبري ) عن قتادة : سار عليّ عليه السّلام من الزاوية يريد طلحة و الزبير و عائشة ، و ساروا من الفرضه يريدون عليّا عليه السّلام . فالتقوا عند موضع قصر عبيد اللّه بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنة ( 36 ) يوم الخميس ، خرج الزبير على فرس عليه سلاح . فقيل لعليّ عليه السّلام هذا الزبير قال : " أما إنه أحرى الرجلين إن ذكّر بالله أن يذكر " و خرج طلحة فخرج إليهما عليّ عليه السّلام فدنا منهما حتّى اختلفت أعناق دوابّهم . فقال لهما عليّ عليه السّلام : " لعمري لقد أعددتما سلاحا و خيلا و رجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا فاتّقيا الله سبحانه ، و لا تكونا كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا ، أ لم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي ، و احرّم دماءكما ؟ فهل من حدث أحلّ لكما دمي ؟ " قال طلحة : الببت الناس على عثمان . قال عليّ عليه السّلام : يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحق ، و يعلمون ان اللّه
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 57 و 59 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 ، و الآية 10 من سورة الفتح .
-----------
( 3 ) ميزان الاعتدال 3 : 60 ، و الآية 12 من سورة التوبة .
[ 233 ]
هو الحق المبين يا طلحة تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة عثمان . أتذكر يا زبير يوم مررت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بني غنم فنظر إلي فضحك ، و ضحكت إليه .
فقلت لا يدع ابن أبي طالب زهوه فقال : لك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم صه انه ليس به زهو ،
و لتقاتلنّه و أنت له ظالم " ؟ فقال : اللهم نعم ، و لو ذكرت ، ما سرت مسيري هذا ،
و الله لا اقاتلك أبدا . فانصرف عليّ عليه السلام إلى أصحابه فقال : " أما الزبير فقد أعطى الله عهدا أن لا يقاتلكم " و رجع الزبير إلى عائشة فقال لها : " ما كنت في موطن منذ عقلت إلاّ و أنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا " قالت : " فما تريد أن تصنع " ؟ قال : " أريد أن أدعهم و أذهب " فقال له ابنه عبد الله : " جمعت بين هذين الغارين حتّى إذا حدّد بعضهم لبعض اردت ان تتركهم و تذهب . أحسست رايات ابن أبي طالب و علمت أنّها تحملها فتية أنجاد " قال : " إنّي قد حلفت أن لا اقاتله " . و أحفظه ما قال له فقال له : " كفّر عن يمينك ، و قاتله " . فدعا بغلام يقال له مكحول فأعتقه . فقال عبد الرحمن التميمي :
لم أر كاليوم أخا إخوان
أعجب من مكفّر الايمان
بالعتق في معصية الرحمن
و قال رجل من شعرائهم :
يعتق مكحولا لصون دينه
كفّارة للّه عن يمينه
و النكث قد لاح على جبينه 1
و رواه سبط ابن الجوزي ، و قال : " و في رواية : فقال الزبير لما ذكّره عليّ عليه السّلام قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فما الّذي أصنع ، و رجوعي عار عليّ . فقال عليه السّلام :
" إرجع بالعار و لا ترجع بالعار و النار " فرجع و هو يقول :
نادى علي بأمر لست أجهله
عار لعمرك في الدنيا و في الدين
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 513 ، سنة 36 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 234 ]
فقلت حسبك من لوم أبا حسن
فبعض هذا الّذي قد قلت يكفيني 1
" و مرقت اخرى " و هم المارقون : أي : الخوارج الّذين أخبر بهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
ففي ( كامل المبرد ) : أن عليا عليه السّلام وجّه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذهبة من اليمن فقسّمها أرباعا فأعطى ربعا للأقرع بن حابس المجاشعي ، و ربعا لزيد الخيل الطائي ، و ربعا لعيينة بن حصن الفزاري ، و ربعا لعلقمة بن علاثة الكلابي . فقام رجل مضطرب الخلق غائر العينين ناتىء الجبهة إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : " رأيت قسمة ما اريد بها وجه الله " فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى تورّد خدّاه ثم قال : " يأمنني اللّه على أهل الأرض و لا تأمنوني " فقام إليه عمر . فقال : ألا أقتله ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " إنّه سيكون من ضئضئي هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، تنظر في النصل فلا ترى شيئا ، و تنظر في الرصاف فلا ترى شيئا و تتمارى في الفوق الخبر 2 .
و في ( تاريخ بغداد ) عن نبيط بن شريط قال : لمّا فرغ عليّ عليه السّلام من قتال أهل النهروان . قفل أبو قتادة الأنصاري ، و معه ستّون أو سبعون من الأنصار فبدأ بعائشة إلى أن قال فقالت عائشة ما يمنعني ما بيني و بين علي أن أقول الحق . سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " تفترق امّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقه محلّقة رؤوسهم محفون شواربهم . أزرهم إلى أنصاف سوقهم يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم . يقتلهم أحبّهم إلي و أحبّهم إلى اللّه تعالى " قال ( أبو قتادة ) : فقلت : يا امّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الّذي منك ؟ قالت : يا أبا قتادة و كان أمر اللّه قدرا مقدورا 3 .
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 70 .
-----------
( 2 ) كامل المبرد 7 : 111 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 1 : 159 .
[ 235 ]
" و قسط " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : " و فسق " كما في " حد و ثم و الخطية " و في رواية ( علل الصدوق ) : " و فسقت اخرى " و لكن في ( إرشاد المفيد ) : " و قسط " و بالجملة كلامه عليه السّلام نقل مختلفا لكن النهج بلفظ " و فسق " 1 .
" آخرون " و هم : القاسطون معاوية و أصحابه .
قال ابن أبي الحديد : قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السّلام : " ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين " من دلائل نبوّته صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 .
قلت : و كان عليه أن يزيد على قوله دلائل نبوّته صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و شواهد إمامته عليه السّلام " فقد قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار و المنافقين 3 و لم يجاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم غير الكفار ، و إنما جاهد المنافقين و هم أصحاب الجمل ، و صفين و النهروان ، أمير المؤمنين عليه السّلام فدلّت الآية على كونه عليه السّلام بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم التزاما كما دلّت آية : و أنفسنا 4 على كونه عليه السّلام بمنزلة نفسه صلّى اللّه عليه و آله و سلم مطابقة .
و روى أحمد بن حنبل في ( فضائله ) كما نقل منه سبط ابن الجوزي عن أنس بن مالك قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي يمضي فيهم أمري و يقتل المقاتلة ، و يسبي الذرّية إلى أن قال فالتفت إلى عليّ عليه السّلام فأخذ بيده ، و قال : هذا هو هذا هو .
و روى الترمذي أيضا كما فيه عن ربعي بن حراش قال : حدّثنا عليّ عليه السّلام بالرحبة . فقال : لما كان يوم الحديبية خرج إلينا سهيل بن عمرو في جماعة من
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن ميثم 1 : 265 ، و العلل 1 : 151 ، و الإرشاد : 153 ، لكن في شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 ، " قسط " .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 .
-----------
( 3 ) التوبة : 73 .
-----------
( 4 ) آل عمران : 61 .
[ 236 ]
رؤساء الكفار . فقال : يا محمد خرج اليك ناس من أبنائنا و إخواننا و أرقّائنا و ليس لهم فقه في الدين ، و إنّما خرجوا فرارا من أموالنا و ضياعنا فارددهم إلينا . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : سنفقّهم في الدين إن لم يكن لهم فقه . ثم قال : يا معاشر قريش لتنتهنّ أو ليبعثنّ اللّه عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين . فقالوا : و من ذاك . فقال : من امتحن الله قلبه للايمان و هو خاصف النعل .
قال عليّ عليه السلام : و كنت جالسا أخصف نعل رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
و روى أيضا عن أبي سعيد الخدري . قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يا علي لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري و غيرك .
و روى أيضا عن عمران بن الحصين قال : بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جيشا ،
و استعمل عليهم عليا عليه السّلام . فمشى في السرية . فأصاب جارية من السبي فتعاقد أربعة منهم إذا قدموا على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبروه . فلمّا قدموا عليه قام الأوّل فقال : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم " أ لا ترى إلى علي فعل كذا و كذا " فأعرض عنه ،
ثم قام الثاني فقال كذلك فاعرض عنه ، و قام الثالث و الرابع فقالا كذلك فأعرض عنهما ثم أقبل عليهم ، و الغضب يعرف في وجهه و قال : " ما تريدون من عليّ ؟ قالها ثلاثا علي منّي و أنا منه ، و لا يؤدّي عنّي إلاّ علي " .
قال سبط ابن الجوزي ، و معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " و لا يؤدي عنّي إلاّ عليّ " أنه بعث أبا بكر سنة تسع ، و قال له : إن المشركين يحضرون الموسم و يطوفون بالبيت عراة ، و لا أحبّ أحجّ حتّى لا يكون ذلك ، و أعطاه اربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم . فلمّا سار دعا عليا عليه السّلام . فقال له : ادرك ابا بكر فخذ منه الآيات ، و اقرأها على الناس بالموسم ، و دفع إليه ناقته العضباء . فأدرك أبا بكر بذي الحليفة . فأخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال : هل نزل في شيء ؟ فقال : لا ، و لكن لا يبلغ عنّي غيري أو
[ 237 ]
رجل منّي ، و في ( فضائل أحمد بن حنبل ) قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إن جبرئيل جاءني . فقال : إبعث عليّا .
و روى النسائي في ( خصائصه ) : عن أبي سعيد الخدري قال : كنّا جلوسا ننتظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فخرج إلينا و قد انقطع شسع نعله . فرمى بها إلى عليّ عليه السّلام فقال : إن منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . قال أبو بكر : أنا ؟ قال : لا . قال عمر : أنا ؟ قال : لا ، و لكن خاصف النعل 1 .
و روى خبر الناكثين و القاسطين و المارقين قبل الوقوع جمع . ففي ( صفّين نصر بن مزاحم ) : أنّ عمرو بن العاص قال لعمّار : علام تقاتلنا ؟ أو لسنا نعبد إليها واحدا ، و نصلّي إلى قبلتكم ، و ندعو دعوتكم ، و نقرأ كتابكم ، و نؤمن برسولكم ؟ قال عمّار : " الحمد للّه الّذي أخرجها من فيك إنّها لي ، و لأصحابي القبلة ، و الدين ، و عبادة الرحمن و النبيّ و الكتاب من دونك و دون أصحابك .
الحمد للّه الّذي قرّرك لنا بذلك دونك و دون أصحابك ، و جعلك ضاّلا مضّلا لا تعلم هاد أنت أم ضالّ ، و جعلك أعمى ، و ساخبرك علام قاتلتك عليه أنت و أصحابك . أمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن اقاتل الناكثين . و قد فعلت ، و أمرني أن اقاتل القاسطين . فأنتم هم ، و أمّا المارقون فما أدري ادركهم أم لا . أيها الأبتر ألست تعلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعلي عليه السّلام : " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم و ال من و الاه و عاد من عاداه " و أنا مولى الله و رسوله ، و علي بعده ، و ليس لك مولى .
فقال له عمرو بن العاص : لم تشتمني يا أبا اليقظان ، و لست أشتمك ؟ قال عمّار :
" و بم تشتمني ؟ أتستطيع أن تقول إنّي عصيت الله و رسوله يوما قط " 2 .
-----------
( 1 ) هذه الأحاديث رواها السبط في التذكرة : 36 42 ، و ما نقله عن سنن الترمذي فهو فيه 5 : 632 639 ح 3712 و 3715 و 3727 ، و ما نقله عن خصائص النسائي فهو فيه : 131 .
-----------
( 2 ) وقعة صفين : 338 .
[ 238 ]
و روى الكّشي عن محمد بن سليمان قال : قدم علينا أبو أيوب الأنصاري فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له . فقلنا : قاتلت المشركين . ثم جئت تقاتل المسلمين فقال : إن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرني بقتال القاسطين . و المارقين ،
و الناكثين . فقد قاتلت الناكثين ، و القاسطين ، و إنا نقاتل إن شاء اللّه بالنهروانات ،
و ما أدري أنّى هي ؟ 1 و في ( تاريخ بغداد ) : كان أبو أيّوب على مقدّمة عليّ يوم النهروان الخبر 2 .
و روى ابن طلحة الشافعي عن ابن مسعود : أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أتى منزل أمّ سلمة . فجاء عليّ عليه السّلام فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " يا ام سلمة هذا و اللّه قاتل القاسطين و الناكثين و المارقين بعدي " 3 .
هذا و الناكثون طلحة و الزبير هم القاتلون لعثمان تصدّيا و إغراء ، و لما أيس طلحة و الزبير من الخلافة ، و كانا يرجوانها بقتل عثمان لمّا جعلهما عمر من ستّة الشورى ، و أيست عائشة ، و كانت ترجوها بقتل عثمان لابن عم أبيها طلحة ، رموا أمير المؤمنين عليه السّلام بقتله مع كونها مثلهما ممن له أثر عظيم في قتله .
كما أن القاسطين معاوية و عمرو بن العاص و أتباعهما أيضا ، كذلك خذل معاوية عثمان مع استغاثته به ، و مطاوعة أهل الشام الّذين قاتل بهم أهل العراق و الحجاز جميعا له ليقتل و يصير قتله سببا لادّعائه الأمر .
و عمرو كان يحرّض الناس على قتل عثمان تارة يأتي الزبير في ذلك ،
-----------
( 1 ) اختيار معرفة الرجال : 37 ح 76 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 154 .
-----------
( 3 ) مطالب السؤول : 24 .
[ 239 ]
و اخرى طلحة ، و يعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان لما عزله . فطلّق أخت عثمان لامّه الّتي كانت تحته ، و خرج إلى السبع من فلسطين لما حوصر عثمان الحصر الأوّل ، فلما أخبر بقتله قال : " أنا أبو عبد اللّه إذا حككت قرحة نكأتها إن كنت لاحرّض عليه حتّى الراعي في غنمه على رأس الجبل " 1 أيضا قاتلوه بدم عثمان .
و أمّا المارقون فأجبروه على التحكيم حتّى أرادوا قتله عليه السّلام لو لم يقبل ثم كفّروه به ، و قاتلوه عليه . فهل مظلومية في الدنيا أعظم من مظلوميته عليه السّلام ،
و هل ظالمية في العالم فوق ظالمية مخالفيه ، و كاذبية في الدهر فوق كاذبية مخاصميه بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى شهادته ، و هل باطلية أوضح من باطليتهم .
هذا ، و حكم جميع فرق الاسلام بكفر المارقين ، و اما الناكثون و القاسطون و إن لم يحكموا بكفرهم ظاهرا لكنّهم كافرون باطنا محقّقا بشهادة القرآن .
روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) مسندا عن الأصبغ قال : جاء رجل إلى عليّ عليه السّلام . فقال : هؤلاء القوم الّذين نقاتلهم الدعوة واحدة ، و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد . فبم نسمّيهم ؟ قال : تسمّيهم بما سمّاهم اللّه تعالى به في كتابه . فقال الرجل : ما كلّ ما في الكتاب أعلمه . فقال عليه السّلام : أما سمعت اللّه قال : تلك الرسل فضلّنا بعضهم على بعض إلى و لو شاء اللّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر 2 فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه و بالكتاب ، و بالحق و بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فنحن الّذين آمنوا و هم الّذين كفروا 3 .
-----------
( 1 ) رواه الواقدي في تاريخه ، عنه فتن البحار : 320 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) البقرة : 253 .
-----------
( 3 ) وقعة صفين : 322 .
[ 240 ]
و مورد السؤال و ان كان في القاسطين إلاّ أن الجواب يعمّ الناكثين كما يشمل يوم السقيفة ، و يوم الشورى . كيف لا و الأصل في مورد الآية يوم السقيفة الّذي هو الأصل لجميع ما بعده .
" كأنهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب ما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 1 : " كأنهم لم يسمعوا اللّه سبحانه يقول " لأصحّيّة نسختيهما لا سيّما الثاني الّذي نسخته بخط مصنّفه .
مع أنّ ما في ( المصرية ) ليس بصحيح معنى . فكلام اللّه لا يقول بل اللّه تعالى يقول :
تلك الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين هي الآية الثالثة و الثمانون من سورة القصص .
و كان الصادق عليه السّلام يتلو هذا الآية و يبكي و يقول : " ذهبت الأماني و اللّه عند هذه الآية " 2 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) عن جرموز المرادي قال :
رأيت عليا عليه السّلام يخرج من هذا القصر يعني قصر الكوفة ، و عليه إزار إلى أنصاف ساقيه و رداؤه مشمّر قريبا منه ، و معه الدرة يمشي بها في الأسواق ، و يقول : " يا قوم اتّقوا اللّه " و يأمرهم بحسن البيع و يقول :
" أوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا الناس أشياءهم " و يرشد الضالّة و يعين الحمّال على الحمولة ، و يقرأ : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين 3 و يقول : هذه الآية نزلت
-----------
( 1 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 67 ، و شرح ابن ميثم 1 : 250 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 2 ) أخرجه القمي في تفسيره 2 : 146 .
-----------
( 3 ) القصص : 83 .
[ 241 ]
في الولاة و ذوي القدرة من الناس " 1 .
و في ( حلية أبي نعيم ) : قال سفيان الثوري : ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة ، ترى الرجل يزهد في المطعم و المشرب و المال و الثياب . فإذا نوزع في الرياسة حامى عليها و عادى 2 .
" بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها " أي : دخل في وعاء اذنهم .
" و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم " في ( جمهرة ابن دريد ) : " الحلاوة بالذوق و بالنظر و بالقلب ، إلاّ انهم فصّلوا فقالوا حلا الشيء يحلو في فمي و حلي يحلى بعيني حلاوة و هو حلو في كلا المعنين ، و قال قوم من أهل اللغة : ليس حلي من حلا في شيء . هذه لغة على حدتها كأنّها مشتقة من الحلي الملبوس لأنه حسن في عينك كحسن الحليّ " 3 قلت : و على ما قال فقول الشاعر :
" فلم يحل في
العينين بعدك منظر "
4 فتح اللام من حلى بكسرها لنسبته إلى العين كما في قول آخر " تحلى به العين إذا ما تجهره " 5 ، و ان كان مقلوبا ، و الأصل يحلى بالعين : أي : فيها .
" و راقهم زبرجها " قال العسكري : أي أعجبهم حسنها . و أصل الزبرج النقش و هو هاهنا زهرة الدنيا و حسنها 6 .
قال الطبري : " و لما أراد المغيرة بن شعبة أن يعيّن رئيسا لحرب الخوارج . قام صعصعة بن صوحان . فقال : " أيّها الأمير إبعثني إليهم . فأنا و اللّه
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 116 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) حلية الأولياء 7 : 39 .
-----------
( 3 ) جمهرة اللغة 2 : 192 ، مادة ( حلو ) .
-----------
( 4 ) أورده أساس البلاغة : 94 ، مادة ( حلو ) .
-----------
( 5 ) أورده أساس البلاغة : 67 ، مادة ( جهر ) .
-----------
( 6 ) العلل 1 : 153 ، و المعاني : 364 .
[ 242 ]
لدمائهم مستحلّ و بحملها مستقل " فقال : " اجلس فإنّما أنت خطيب " فأحفظه ذلك ، و إنما قال المغيرة ذلك لأنّه بلغه أن صعصعة يعيب عثمان ، و يكثر ذكر عليّ عليه السّلام و يفضّله ، و قد كان دعاه ، و قال له : " إيّاك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس ، و إيّاك أن يبلغني عنك أنك تظهر من فضل علي شيئا علانية فإنّك لست بذاكر من فضل علي شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك ،
و لكن هذا السلطان قد أخذنا بإظهار عيبه للناس . فنحن ندع كثيرا ممّا أمرنا به ،
و نذكر الشيء الّذي لا نجد بدّا منه ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقيّة ، فان كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك و بين أصحابك و في منازلكم سرّا ، و أمّا علانية في المسجد ، فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا و لا يعذرنا فيه " فكان صعصعة يقول له : " نعم . أفعل " ثم يبلغه أنه عاد إلى ما نهاه عنه 1 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : ذكروا أن رجلا من همدان يقال له برد ، قدم على معاوية فسمع عمرو بن العاص يقع في عليّ عليه السّلام . فقال له : يا عمرو إن أشياخنا سمعوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول " من كنت مولاه فعلي مولاه " فحق ذلك أم باطل ؟ فقال عمرو " حق . و أنا ازيدك : ليس أحد من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم له مناقب مثل مناقب علي " ففزع الفتى . فقال عمرو : " إنه أفسدها بأمره في عثمان " إلى أن قال فرجع الفتى إلى قومه . فقال : إنّا أتينا قوما أخذنا الحجّة عليهم من أفواههم " على على الحق فاتّبعوه " 2 .
و في ( خلفائه ) أيضا : و ذكروا أن عبد الله بن أبي محجن الثقفي قدم إلى معاوية فقال له : " إنّي أتيتك من عند العييّ الجبان البخيل ابن أبي طالب " فقال له معاوية : " لله أنت تدري ما قلت ؟ امّا قولك : " إنه العييّ " فو اللّه لو أن ألسن
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 144 ، سنة 43 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الامامة و السياسة 1 : 109 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 243 ]
الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان علي ، و أما قولك : " إنه جبان " فثكلتك امك هل رأيت أحدا قط بارزه إلاّ قتله ؟ و أما قولك : " إنه بخيل " فو الله لو كان له بيتان أحدهما من تبر و الآخر من تبن لأنفد تبره قبل تبنه . فقال له :
فعلام تقاتله إذن ؟ قال : " على دم عثمان ، و على هذا الخاتم الّذي من جعله في يده جازت طينته ، و أطعم عياله ، و ادّخر لأهله " فضحك الثقفي . ثم لحق بعليّ عليه السّلام ، و قال له : " هب لي يا أمير المؤمنين عليه السّلام جرمي لا دنيا أصبت و لا آخرة غنمت . فضحك عليّ عليه السّلام 1 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) بعد ذكر دعوة معاوية عمرو بن العاص إلى معاونته في حرب أمير المؤمنين عليه السّلام " فكتب إليه عمرو بن العاص : أمّا ما دعوتني إليه من خلع ربقة الاسلام من عنقي و التهوّن معك في الضلالة و إعانتي إيّاك على الباطل ، و اختراط السيف في وجه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، و هو أخو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و وليّه و وصيّه و وارثه و قاضي دينه ، و منجز وعده ، و صهره على ابنته سيّدة نساء العالمين ، و أبو السبطين الحسن و الحسين سيدي شباب أهل الجنة . و يحك يا معاوية أما علمت أن أبا الحسن بذل نفسه للّه تعالى ، و بات على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال فيه : " من كنت مولاه فعلي مولاه " إلى أن قال فقال عتبة لمعاوية : لمّا وصل كتاب عمرو إليه : " لا تيأس منه و اكتب إليه ، و رغّبه في الولاية ، و شرّكه معك في سلطانك " إلى أن قال .
إن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية ثانية :
معاوي لا اعطيك ديني و لم أنل
به منك دنيا فانظرن كيف تصنع ؟
إلى أن قال بعد ذكر قبول معاوية ما اقترح :
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة 1 : 114 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 244 ]
و بات عمرو طول ليلته متفكرا فدعا غلاما له يقال له وردان ( و هو الّذي ينسب إليه في مصر سوق وردان ) فقال : ما ترى ياوردان . فقال ان مع علي آخرة و لا دنيا ، و إن مع معاوية دنيا و لا آخرة ، و الّتي مع علي تبقى ، و الّتي مع معاوية تفنى . فلما أصبح ركب فرسه و معه ابنه عبد الله و هو يقول له : " لا تذهب إلى معاوية لا تبع آخرتك " 1 .
و في ( المروج ) : لما ندب معاوية رجلين من لخم لقتل العباس بن ربيعة الهاشمي . فقتلهما أمير المؤمنين عليه السّلام لأنه كان لبس لباس العبّاس قال معاوية :
" قبّح الله اللجاج ما ركبته قطّ إلاّ خذلت " فقال له عمرو بن العاص : " المخذول و الله اللخميان لا أنت " . فقال له معاوية : " ذلك أخسر لصفقتك " . قال : " قد علمت ذلك و لو لا مصر لركبت المنجاة منها . فإني أعلم أن عليّ بن أبي طالب على الحق ، و أنا على الضدّ " فقال له معاوية : " مصر هي أعمتك و لو لا هي ، لالفيت بصيرا " 2 .
و فيه أيضا : طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوّي صفوف أهل الشام . فقال له عمرو على أنّ لي حكمي إن قتل ابن أبي طالب ، و استوسقت لك البلاد فقال : أليس حكمك في مصر ؟ فقال : و هل مصر تكون عوضا عن الجنّة ،
و قتل ابن أبي طالب يكون ثمنا لعذاب النار الّذي لا يفتر عنهم و هم فيه مبلسون 3 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : لما عسكر عليّ عليه السّلام بالنخيلة ، و بعث الأصبغ بن نباته بكتابه إلى معاوية . قال الأصبغ : فدخلت عليه ، و عمرو بن
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 86 و 87 . و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 20 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) يوجد قريب من المضمون في مروج الذهب 2 : 354 و 390 ، و 3 : 20 ، لكن لم يوجد بهذا اللفظ .
[ 245 ]
العاص عن يمينه ، و ذو الكلاع و حوشب عن يساره ، و إلى جانبه أخوه عتبة و ابن عامر و الوليد بن عقبة ، و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، و شرحبيل بن السمط ، و أبو هريرة بين يديه إلى أن قال فقلت : يا أبا هريرة أنت صاحب رسول اللّه اقسم عليك باللّه الّذي لا إله إلاّ هو هل سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول يوم غدير خم في حق أمير المؤمنين عليه السّلام : " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه " ؟ فقال : إي و الله لقد سمعته يقول ذلك . فقلت : " فإذن أنت يا أبا هريرة و اليت عدوّه ، و عاديت وليّه " فتنفّس أبو هريرة و قال : " إنّا اللّه و إنّا إليه راجعون " فتغيّر وجه معاوية ، و قال : يا هذا كفّ عن كلامك . فلا تستطيع ان تخدع أهل الشام عن الطلب بدم عثمان 1 .
و في ( مروج المسعودي ) : لام النعمان بن جبلة التنوخي صاحب رايات معاوية معاوية ، و قال له : لقد نصحتك على نفسي ، و آثرت ملكك على ديني ،
و تركت لهواك الرشد و أنا أعرفه ، وحدت عن الحقّ و أنا ابصره ، و ما وفّقت لرشد ، حين اقاتل عن ملكك ابن عمّ رسول اللّه ، و أول مؤمن به و مهاجر معه ،
و لو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعيّة ، و أجزل في العطيّة ، و لكن قد بذلنا لك الأمر ، و لابدّ من إتمامه غيّا كان أو رشدا ، و حاشا أن يكون رشدا ، و سنقاتل عن تين الغوطة و زيتونها إذ حرمنا أثمار الجنة و أنهارها 2 .
و فيه أيضا : قال الشرقي : إنّ معاوية قال لعمرو بن العاص بعد صفّين :
" هل غششتني منذ نصحتني ؟ قال ، لا قال : بلى و الله يوم أشرت علي بمبارزة علي و أنت تعلم ما هو . قال : " دعاك إلى المبارزة . فكنت من مبارزته على إحدى
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 85 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 2 : 384 .
[ 246 ]
الحسنين إمّا أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران و تزداد شرفا إلى شرفك ،
و إمّا أن يقتلك . فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء و الصالحين ، و حسن اولئك رفيقا " . فقال معاوية : " جوابك هذا أشدّ علي من إشارتك " . قال : لم ؟ قال :
" لأنّي إن قتلته كنت من أهل النار ، و إن قتلني كنت من أهل النار " 1 .
و روى ( موفقيات الزبير بن بكار ) عن المدائني عن قحذم مولى آل أبي بكرة ، و كاتب يوسف بن عمر في خبر هشام مع خالد بن عبد اللّه القسري عامله على العراق لمّا أراد أن يوقع به لمّا بلغه عنه أشياء في كتابه إليه : " و لقد حشد جدّك يزيد بن أسد مع معاوية يوم صفّين ، و عرض دينه ، و دمه فيما اصطنع إليه ، و لا ولاّه ما اصطنع اليك " الخ 2 .
و في ( الطبري ) : جاء رجل إلى طلحة و الزبير و هما في المسجد بالبصرة فقال : نشدتكما باللّه في مسيركما أعهد إليكما فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم شيئا ؟ فقام طلحة . و لم يجبه فناشد الزبير . فقال : لا ، و لكن بلغنا أن عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها 3 .
و ( فيه ) و في ( المروج ) : لما بايع أهل البصرة الزبير و طلحة إلى أن قال فقال ( الزبير ) إنّ هذه لهي الفتنة الّتي كنا نحدّث عنها . فقال له مولاه : اتسمّيها فتنة و تقاتل فيها ؟ قال : " ويحك " إنّا نبصر و لا نبصر . فاسترجع المولى ثم خرج في الليل فارّا إلى عليّ عليه السّلام إلى أن قال و لو ظفرا لافتتنا ما خلّى الزبير بين طلحة و الأمر ، و لا خلّى طلحة بين الزبير و الأمر 4 .
و في ( الطبري ) : أقبل غلام من جهينة ( من أصحاب الجمل ) على محمّد
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 387 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه الزبير بن بكار في الموفقيات : 291 ، و المبرد في الكامل 8 : 288 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 491 ، سنة 36 .
-----------
( 4 ) يوجد صدره فقط في تاريخ الطبري 3 : 91 ، سنة 36 ، و لم يوجد أصلا في مروج الذهب .
[ 247 ]
بن طلحة فقال : اخبرني عن قتلة عثمان . فقال : نعم . دم عثمان ثلاثة أثلاث : ثلث على صاحبة الهودج يعني عائشة ، و ثلث على صاحب الجمل الأحمر ، يعني طلحة ، و ثلث على علي و ضحك الغلام ، و قال : ألا أراني على ضلال و لحق بعليّ عليه السّلام ، و قال في ذلك شعرا :
سألت ابن طلحة عن هالك
بجوف المدينة لم يقبر
فقال ثلاثة رهط هم
أماتوا ابن عفان و استعبر
فثلث على تلك في خدرها
و ثلث على راكب الأحمر
و ثلث على ابن أبي طالب
و نحن بدوية قرقر
فقلت صدقت على الاوّلين
و أخطات في الثالث الأزهر 1
و رواه ابن قتيبة و زاد " و بلغ طلحة قول ابنه محمّد فقال له : تزعم أنّي قاتل عثمان كذلك تشهد على أبيك ، كن كعبد اللّه بن الزبير فما أنت بخير منه ،
و لا أبوك بدون أبيه ، كفّ عن قولك ، و إلاّ فارجع فإنّ نصرتك نصرة رجل واحد ، و فسادك فساد عامّة . فقال : ما قلت إلاّ حقّا و لا اعود 2 .
و في ( نقض الاسكافي ) عن علي بن الحسين عليه السّلام قال : قال لي مروان : ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم قلت : فما بالكم تسبّونه على المنابر ؟ قال : إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك .
و فيه أيضا عن ابن أبي سيف ، خطب مروان و الحسن عليه السّلام جالس فنال من عليّ عليه السّلام . فقال الحسن : و يلك يا مروان أهذا الّذي تشتم شرّ الناس ؟ قال : لا .
و لكنّه خير الناس .
و فيه أيضا : قال عمر بن عبد العزيز : كان أبي يخطب . فلا يزال مستمرا
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 482 ، سنة 36 .
-----------
( 2 ) الامامة و السياسة 1 : 65 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 248 ]
في خطبته حتّى إذا سار إلى ذكر عليّ عليه السّلام و سبّه انقطع لسانه ، و اصفرّ وجهه ،
و تغيّرت حاله . فقلت له في ذلك . فقال : أو قد فطنت لذلك ؟ انّ هؤلاء لو يعلمون من علي ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم رجل 1 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : كتب سعد إلى معاوية ، و كان ( عليّ عليه السّلام ) أحقّنا كلّنا بالخلافة ، و لكن مقادير الله التي صرفتها عنه حيث شاء لعلمه و قدره ، و قد علمنا انه أحق " بها منّا 2 .
و في ( المروج ) : لما حج معاوية طاف بالبيت ، و معه سعد فلمّا فرغ انصرف إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ، و وقع معاوية في عليّ عليه السّلام و شرع في سبّه فزحف سعد . ثم قال : أجلستني معك على سريرك . ثم شرعت في سبّ علي ، و اللّه لأن يكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعليّ أحبّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس إلى أن قال و اللّه لأن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لي : ما قال له في غزوة تبوك " أ لا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي " ، و الله لأن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لي ما قال يوم خيبر لعلي : " لأعطين الراية غدا رجلا يحبّه اللّه و رسوله ، و يحبّ اللّه و رسوله ليس بفرّار يفتح اللّه على يديه " أحبّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، و أيم اللّه لا دخلت لك دارا ما بقيت . و نهض 3 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب ( سر العالمين و كشف ما في الدارين ) قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعليّ عليه السّلام يوم غدير خم :
" من كنت مولاه فعلي مولاه " فقال عمر بن الخطاب " بخ بخ يا أبا الحسن
-----------
( 1 ) روى هذه الأحاديث عن الإسكافي ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 259 ، شرح الخطبة 190 .
-----------
( 2 ) الامامة و السياسة 1 : 100 .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 3 : 14 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 249 ]
أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة " و هذا تسليم و رضاء و تحكيم .
ثم بعد هذا غلب الهوى حبّا للرياسة و عقد البنود و خفقان الرايات ، و ازدحام الخيول في فتح الأمصار ، و أمر الخلافة و نهيها . فحملهم على الخلاف ، فنبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون 1 .
و في ( سيرة ابن هشام ) عن رافع بن أبي رافع الطائي قال : كنت امرأ نصرانيا . فلمّا أسلمت خرجت في الغزوة الّتي بعث فيها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل . فقلت : و الله لأختارنّ لنفسي . فصحبت أبا بكر .
فكنت معه في رحله ، و كانت عليه عباءة له فدكيّة . فكان إذا نزلنا بسطها و إذا ركبنا لبسها . ثم شكّها عليه بخلال له و ذلك الّذي يقول له أهل نجد حين ارتدّوا :
" أ نحن نبايع ذا العباءة " فلمّا دنونا من المدينة قلت : يا أبا بكر إنّما صحبتك لينفعني اللّه بك فانصحني و علّمني قال " آمرك أن توحّد اللّه إلى أن قال و لا تتأمّر على رجل من المسلمين أبدا . قلت : يا أبا بكر أمّا فواللّه إنّي لأرجو أن لا اشرك بالله أحدا إلى أن قال و أمّا الأمارة فإنّي رأيت الناس يا ابابكر لا يشرّفون عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عند الناس إلاّ بها فلم تنهاني عنها ؟ قال : " إنّك إنّما استجهدتني لأجهد لك . إنّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم بهذا الّذين فجاهد عليه حتّى دخل الناس فيه طوعا و كرها . فلمّا دخلوا فيه كانوا عوّاذ اللّه و جيرانه و في ذمته . فإياك لا تخفر اللّه في جيرانه فيتبعك اللّه خفرته " قال : ففارقته على ذلك . فلمّا قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أمرّ أبو بكر قدمت عليه . فقلت له : أ لم تك نهيتني عن أن أتأمّر على رجلين ؟ قال : بلى . فقلت : فما حملك على أن تلي أمر الناس ؟ قال : خشيت
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 62 .
[ 250 ]
على امّة محمّد الفرقة 1 .
قلت : هل الفرقة في الامّة من ذلك اليوم إلى الأبد إلاّ من تأمّره ؟ فلو كان ترك من أمّره الله و رسوله يلي ، لسلّم جميع الامّة . و مرّ في أول الخطبة شعر الحطيئة و مرّ في هذه القصّة قول أهل نجد " نحن نبايع ذا العباءة " و لو كان ترك من أمّره اللّه كيف يصل الأمر إلى بني اميّة الّذي يقول رئيسهم يوم ولّى أوّلهم جهرة " يا بني اميّة تلقفوها تلقف الكرة فو الّذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب و لا حساب ، و لا جنّة و لا نار ، و لا بعث و لا قيامة " " ألا في الفتنة سقطوا و إنّ جهنمّ لمحيطة بالكافرين " 2 .
و روى عاصم بن أبي عامر البجلي عن يحيى بن عروة قال : كان أبي إذا ذكر عليّا عليه السّلام نال منه ، و قال لي مرة : " يا بني و الله ما أحجم الناس عنه إلاّ طلبا للدنيا لقد بعث إليه اسامة بن زيد أن ابعث إلي بعطائي . فو اللّه إنّك لو كنت في فم أسد لدخلت معك . فكتب إليه : " إنّ هذا المال لمن جاهد عليه ، و لكنّ لي مالا بالمدينة فاصب منه ما شئت " قال يحيى : فكنت أعجب من وصفه إيّاه بما وصفه به و من عيبه له و انحرافه عنه 3 .
و روى ( حلية أبي نعيم ) عن أبي المنهال قال : لما اخرج ابن زياد ، وثب مروان بالشام و ابن الزبير بمكّة ، و الّذين يدعون القراء بالبصرة ، غمّ أبي غمّا شديدا فانطلق إلى أبي برزة ، و أنشأ يستطعمه الحديث . فكان أوّل شيء تكلّم به أبو برزة أن قال : " إنّي أحتسب عند الله عزّ و جلّ أنّي أصبحت ساخطا على أحياء قريش ، و أنكم معشر العرب كنتم على الحال الّذي قد علمتم ، و أنّ اللّه
-----------
( 1 ) سيرة ابن هشام 4 : 200 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) التوبة : 49 .
-----------
( 3 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 371 .
[ 251 ]
تعالى قد نعشكم بالإسلام و بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم خير الأنام حتّى بلغ بكم ما ترون ،
و أن هذه الدنيا هي التي أفسدت بينكم إلى أن قال فلما لم يدع أحدا قال له أبي :
بم تأمر إذن ؟ قال : لا أرى خير الناس اليوم إلاّ عصابة ملبّدة خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم 1 .
قلت : و مراد أبي برزة الاسلمي صاحب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من احتسابه عند اللّه تعالى بكونه ساخطا على أحياء قريش تيمها و عديها كأميّتها لتسببهم ذاك الاختلاف و فساد الدين كما أنّ مراده بعصابة هم خير الناس أهل ، بيت نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
و روى أبو جعفر الإسكافي و ابن عقدة الحافظ أنّ عليّا عليه السّلام خطب في اليوم الثاني من بيعته إلى أن قال في خطبته و إنّي حاملكم على منهج نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله و سلم و منفذ فيكم ما أمرت به إن استقمتم لي ، و بالله المستعان . ألاّ إنّ موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد وفاته كموضعي منه أيّام حياته فامضوا لما تؤمرون به وقفوا عند ما تنهون عنه ، و لا تعجلوا في أمر حتّى نبيّنه لكم .
فإنّ لنا عن كلّ أمر تنكرونه عذرا إلى أن قال ثم التفت عليه السّلام يمينا و شمالا فقال " ألا لا يقولنّ رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتّخذوا العقار ، و فجرّوا الأنهار ، و ركبوا الخيول الفارهة ،
و اتّخذوا الوصائف الرققة فصار ذلك عليهم عارا و شنارا إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، و أصرتهم إلى حقوقهم الّتي يعلمون . فينقمون ذلك ،
و يستنكرون ، و يقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا . ألا و أيما رجل من المهاجرين و الأنصار من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يرى أنّ له الفضل على من سواه لصحبته . فانّ الفضل النيّر غدا عند اللّه . و ثوابه و أجره على اللّه ، و أيما
-----------
( 1 ) حلية الاولياء 2 : 32 .
[ 252 ]
رجل استجاب لله و للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فصدّق ملّتنا ، و دخل في ديننا ، و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده فأنتم عباد اللّه ، و المال مال اللّه يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد الحديث .
قال الاسكافي : و كان هذه أوّل ما انكروا من كلامه عليه السّلام و أورثهم الضغن عليه و كرهوا عطاءه و قسمه بالسوية 1 .
قال ابن أبي الحديد : قرىء كتاب ( الاستيعاب ) على عبد الوهاب بن سكينة المحدّث و أنا حاضر فلما انتهى القارىء إلى هذا الخبر ( يعني إلى خبر شهادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لدافني أبي ذر بالإيمان ) قال : قال استاذي عمر بن عبد اللّه الدّباس و كنت أحضر معه سماع الحديث : " لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت فما قال المرتضى و المفيد إلاّ بعض ما كان حجر و الاشتر ( و كانا من دافني أبي ذر ) يعتقدانه في عثمان و من تقدّمه " فأشار الشيخ إليه بالسكوت فسكت 2 .
و في ( منهاج كرامة العلاّمة الحلّي ) : أنّ ذكر الخلفاء في الخطب لم يكن في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و لا في زمن أحد من الصحابة و التابعين ، في صدر ولاية العباسيين ، و إنّما هو شيء أحدثه المنصور لما وقع بينه و بين العلوية .
فقال : و اللّه لأرغمن أنفي و أنوفهم فارفع عليهم بني تيم و عدي .
و فيه : قد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول : إنّي على مذهب الإمامية فقلت :
فلم تدرس على مذهب الحنابلة ؟ فقال : ليس في مذهبكم البغلات و المشاهرات .
و فيه و كان أكبر مدرّس الشافعية في زماننا حيث توفّى أوصى بأن يتولّى أمره في غسله و تجهيزه بعض المؤمنين ، و أن يدفن في مشهد الكاظم عليه السّلام 3 .
-----------
( 1 ) رواه الاسكافي في النقض ، عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 171 ، شرح الخطبة 90 ، و لم اجد من نقله عن ابن عقدة .
-----------
( 2 ) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 424 ، شرح الكتاب 13 ، و الحديث ففى الاستيعاب 1 : 214 .
-----------
( 3 ) منهاج الكرامة : 23 و 24 .
[ 253 ]
" أما و الّذي فلق الحبّة " حبّة الشعير و الحنطة .
" و برأ النسمة " في ( النهاية ) : و كلّ دابة فيها روح فهي نسمة ، و منه حديث عليّ عليه السّلام " و برأ النسمة " : أي : خلق ذات الروح ، و كثيرا ما كان عليه السّلام يقولها إذا اجتهد في يمينه 1 .
" لو لا حضور الحاضر ، و قيام الحجّة بوجود الناصر ، و ما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارّوا على كظة ظالم " يقال كظّة الشبع : إذا امتلأ حتّى ما يطيق النفس .
" و لا سغب مظلوم " أي : شدّة جوعه قال تعالى : في يوم ذي مسغبة 2 .
روى الثقفي مسندا عنه عليه السّلام قال في خطبة له : " ثم كان من أمر القوم بعد بيعتهم لي ما كان ثم لم أجد إلاّ قتالهم أو الكفر بالله " 3 .
و روى ( الاستيعاب ) عن عبد الواحد الدمشقي قال : نادى حوشب الحميري عليّا عليه السّلام يوم صفين . فقال : إنصرف عنّا يا ابن أبي طالب . فإنّا ننشدك اللّه في دمائنا و دمك ، و نخلّي بينك و بين عراقك و تخلّي بيننا و بين شامنا ، و تحقن دماء المسلمين . فقال عليّ عليه السّلام : هيهات يا ابن امّ ظليم . و اللّه لو علمت أنّ المداهنة تسعني في دين الله لفعلت ، و لكان أهون عليّ في المؤونة ،
و لكنّ الله لم يرض من أهل القرآن بالسكوت و الإدهان إذا كان اللّه عزّ و جلّ يعصى و هم يطيقون الدفاع و الجهاد حتّى يظهر أمر اللّه 4 .
" لألقيت حبلها على غاربها " في ( الصحاح ) : الغارب : ما بين السنام و العنق ،
و منه قولهم " حبلك على غاربك " : أي : اذهبي حيث شئت ، و أصله أنّ الناقة إذا
-----------
( 1 ) هذا كلام ابن الأثير في النهاية 5 : 49 ، مادة ( نسم ) .
-----------
( 2 ) البلد : 14 .
-----------
( 3 ) رواه عن الثقفي المفيد في اماليه : 153 ح 5 ، المجلس 19 .
-----------
( 4 ) الاستيعاب 1 : 395 .
[ 254 ]
رعت و عليها الخطام القي على غاربها : لأنها إذا رأت الخطام لم يهنئها شيء 1 .
" و لسقيت آخرها بكأس أوّلها " أي : جعلهم محرومين من فيوضاته ذاك الوقت كما جعلهم محرومين منها أيّام تصدّي الثلاثة فالإمام كالكعبة يجب على الناس التوجّه إليها فلمّا تركوه تركهم .
و سقاية الآخر بكأس الأوّل كناية عن ذلك ، و قال المنصور لأبي مسلم لمّا قتله :
إشرب بكأس كنت تسقى بها
أمرّ في الحلق من العلقم
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : قال علي عليه السّلام بعد السقيفة : " و اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنا أهل البيت ، و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم ،
المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم الامور السيّئة ، القاسم بينهم بالسوية . و اللّه انّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحق بعدا " فقال بشير بن سعد الأنصاري و هو أوّل من بايع أبا بكر حسدا لابن عمّه سعد بن عبادة لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان . فقال عليه السّلام " أ فكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بيته لم أدفنه و أخرج انازع الناس سلطانه 2 .
و اخراجه عليه السّلام لسيّدة النساء عليها السّلام إنّما كان لإتمام الحجّة . ففي ( الخلفاء ) أيضا : " و خرج عليّ كرّم الله وجهه يحمل فاطمة على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به .
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 1 : 193 ، مادة ( غرب ) .
-----------
( 2 ) الامامة و السياسة 1 : 12 .
[ 255 ]
فتقول : " ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم " 1 .
و لما قال يوم الشورى له عليه السّلام ابن عوف ابايعك على أن تعمل بسنّة أبي بكر و عمر لم يقبل ، و رضي بترك الخلافة ، و هو أوضح دليل على بطلان خلافة الرجلين ، حيث إنّه تواتر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : " إنّ عليّا على الحقّ و الحقّ معه يدور " 2 فرضي بترك الخلافة حتّى يفهم الناس أنّ سنّتهما باطلة ، و خلافتهما غير صحيحة .
كما أنّه عليه السّلام دفن سيّدة نساء العالمين سرّا حتّى يعلموا عدم رضاه منهما . قال ابن قريعة :
يا من يسائل دائما عن كلّ معضلة سخيفة
لا تكشفنّ مغطئا فلربّما كشفت عن جيفة
و لربّ مستور بدا كالطبل من تحت القطيفة
إنّ الجواب لحاضر لكنني اخفيه خيفة
لو لا اعتداء رعية ألقى سياستها الخليفة
و سيوف أعداء بها هاماتنا أبدا نقيفة
لنشرت من أسرار آل محمّد جملا لطيفة
تغنيك عمّا قد رواه مالك و أبو حنيفة
و أريتكم أنّ الحسين اصيب من يوم السقيفة
و لأيّ حال لحدّت بالليل فاطمة الشريفة
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة 1 : 12 .
-----------
( 2 ) اخرجه البزار في مسنده ، عنه مجمع الزاوئد 7 : 236 ، و ابن مردويه في مناقبه ، عنه ذيل احقاق الحق 5 : 631 ،
و غيرهما .
[ 256 ]
و لما حمت شيخيكم عن وطء حجرتها الشريفة
اوه لبنت محمّد ماتت بغصّتها أسيفة
و كذلك صرّح ببطلان سنّتهما لمّا بايعه أصحابه ثانية بعد مروق المارقة ففي الطبري ، و لمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليّا عليه السّلام أصحابه و شيعته فبايعوه ، و قالوا " نحن أولياء من واليت ، و أعداء من عاديت " فشرط لهم فيه سنّة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي ، و كان شهد معه الجمل و صفّين و معه راية خثعم . فقال عليه السّلام له : " بايع على كتاب الله و سنّة رسوله " فقال ربيعة ( على سنّة أبي بكر و عمر ) فقال له عليّ عليه السّلام : " ويلك لو أنّ أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب الله و سنّة رسوله لم يكونا على شيء من الحقّ " و نظر إليه ، و قال له " أما و الله لكأنّي بك ، و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت ، و كأنّي بك و قد وطأتك الخيل بحوافرها " فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة .
و رواه ( خلفاء ابن قتيبة ) : و زاد قال قبيصة فرأيته يوم النهروان قتيلا قد وطأت الخيل وجهه ، و شدخت رأسه ، و مثّلت به . فذكرت قول عليّ عليه السّلام و قلت لله درّ أبي الحسن ما حرّك شفتيه قطّ بشيء إلاّ كان كذلك 1 .
و لمّا أكرهوه على جعل أبي موسى حكما ، و علم انّه يخلعه لم يعبأ عليه السّلام بذلك . فلمّا قال الأحنف له : " لا أرانا إلاّ بعثنا رجلا لا ينكر خلعك " قال عليه السّلام له : يا أحنف إنّ الله غالب على أمره 2 .
و بالجملة : لو لا قيام الحجّة بحضور جمع معدود لنصرته عليه السّلام لسقى آخرهم من مرّ كأس ولاية الظالمين عليهم ، و حرمهم من ذوق حلاوة
-----------
( 1 ) رواه ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1 : 146 ، و بعضه الطبري في تاريخه 4 : 46 ، سنة 37 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 2 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 537 .
[ 257 ]
قيامه عليه السّلام عليهم كما حرم أوّليهم الّذين كانوا في أيّام الثلاثة .
و عن ( عيون أخبار بني هاشم الطبري ) الّذي صنّفه للوزير علي بن عيسى بن جراح ، و في ( أمالي محمّد بن محمّد بن النعمان ) : أنّ معاوية قال لابن عباس : إنّكم تريدون أن تحرزوا الإمامة كما اختصصتم بالنبوّة ، و الله لا تجتمعان أبدا إنّ حجّتكم في الخلافة مشتبهة ، إنّكم تقولون نحن أهل بيت النبيّ فما بال خلافته في غيرنا ، و هذه شبهة . إنّ الخلافة تتقلّب في أحياء قريش برضى العامة ، و شورى الخاصّة ، و لسنا نجد الناس يقولون : ليت بني هاشم ولّونا ، و لو ولّونا كان خيرا لنا و اللّه لو ملكتمونا يا بني هاشم لما كانت ريح عاد ، و صاعقة ثمود بأهلك للناس منكم " .
فقال له ابن عباس : " أمّا قولك إنّا نحتجّ بالنبوّة في استحقاق الخلافة .
فهو و الله كذلك . فإن لم تستحقّ الخلافة بالنبوّة فبم تستحق " و أما قولك : " إنّ الخلافة و النبوّة لا تجتمعان " فأين قوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما 1 فالكتاب هو النبوّة و الحكمة هي السنّة ، و الملك هو الخلافة . فنحن آل إبراهيم ، و الملك جار فينا إلى يوم القيامة ، و أما دعواك على حجّتنا انّها مشتبهة فليس كذلك ، و حجّتنا أضوأ من الشمس ، و أنور من القمر كتاب اللّه معنا ، و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فينا ، و انّك لتعلم ذلك ، و لكن شيء عطفك . قتلنا أخاك و جدّك و خالك و عمّك ، فلا تبك على أعظم حائلة ، و أرواح في النار هالكة ، و أما قولك " إنّا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من ريح عاد ، و صاعقة ثمود . فقول الله تعالى و ما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين 2 يكذّبك . فنحن أهل بيته
-----------
( 1 ) النساء : 54 .
-----------
( 2 ) الأنبياء : 107 .
[ 258 ]
الأدنون ، و رحمة اللّه بنا لخلقه كرحمته بنبيّه لخلقه ، و أما ترك تقديم الناس لنا في ما خلا ، و عدولهم عن الإجماع علينا . فما حرموا منّا أعظم مما حرمنا منهم الخبر 1 .
و أقول : ابن عباس اتّقى معاوية و إلاّ لكان يقول أمّا قولك " نحن أهلك من ريح عاد ، و صاعقة ثمود " فنحن كذلك على أمثالك من المنافقين ، و أما على المؤمنين فأرأف ، و أعطف من الأب و الام على الولد كما قال تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم 2 .
و في ( اسد الغابة ) : قال المدائني : لمّا دخل عليّ عليه السّلام الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال له " و الله لقد زنت الخلافة ، و ما زانتك ، و رفعتها ،
و ما رفعتك ، و هي كانت أحوج إليك منك إليها " 3 .
و روى ( اسد الغابة ) أيضا عنه عليه السّلام قال : قال لي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : أنت بمنزلة الكعبة تؤتى و لا تأتي . فإن أتاك هؤلاء القوم فسلّموها إليك ( يعني الخلافة ) فاقبل منهم ، و ان لم يأتوك فلا تأتهم حتّى يأتوك 4 .
و في خطبته عليه السّلام الطالوتيه الّتي رواها محمّد بن يعقوب الكليني في ( روضته ) مسندا ، عن ابن التيّهان قال عليه السّلام " أيّها الامّة الّتي خدعت فانخدعت ،
و عرفت خديعة من خدعها . فأصرّت على ما عرفت ، فاتّبعت أهواءها ، و ضربت في عشواء غوايتها ، و قد استبان لها الحقّ فصدّت عنه ، و الطريق الواضح فتنكّبته . أما و الّذي فلق الحبّة ، و برأ النسمة ، لو اقتبستم العلم من معدنه ،
-----------
( 1 ) رواه الطبري في عيون أخبار بني هاشم ، عنه الملاحم و الفتن : 116 ، و المفيد في اماليه : 14 ح 4 ، المجلس 2 ،
و الزبير بن بكار في الموفقيات ، عنه كشف الغمة 2 : 50 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 2 ) الفتح : 29 .
-----------
( 3 ) اسد الغابة 4 : 32 .
-----------
( 4 ) اسد الغابة 4 : 31 .
[ 259 ]
و شربتم الماء بعذوبته ، و ادّخرتم الخير من موضعه ، و أخذتم الطريق من واضحه ، و سلكتم من الحقّ نهجه لتنهجت بكم السبل ، و بدت لكم الأعلام ،
و أضاء لكم الإسلام . فأكلتم رغدا و ما عال فيكم عائل ، و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد ، و لكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها ، و سدّت عليكم أبواب العلم . فقلتم بأهوائكم ، و اختلفتم في دينكم ، فأفتيتم في دين الله بغير علم ، و اتّبعتم الغواة . فأغوتكم ، و تركتم الأئمة فتركوكم إلى أن قال .
رويدا . عمّا قليل تحصدون جميع ما زرعتم ، و تجدون و خيم ما اجترمتم و ما اجتلبتم . و الّذي فلق الحبّة ، و برأ النسمة لقد علمتم أنّي صاحبكم ،
و الّذي به امرتم ، و إنّي عالمكم ، و الّذي بعلمه نجاتكم ، و وصيّ نبيّكم و خيرة ربّكم ، و لسان نوركم ، و العالم بما يصلحكم . فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم ، و ما نزل بالامم قبلكم و سيسألكم الله عزّ و جلّ عن أئمّتكم معهم تحشرون ، و إلى الله عزّ و جلّ غدا تصيرون أما و اللّه لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدّة أهل بدر و هم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتّى تؤولوا إلى الحقّ ، و تنيبوا للصدق . فكان أرتق للفتق و آخذ بالرفق . اللهمّ فأحكم بيننا بالحقّ و أنت خير الحاكمين .
قال ثم خرج عليه السّلام من المسجد فمرّ بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة فقال " و اللّه لو أنّ لي رجالا ينصحون لله عزّ و جلّ و لرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه " 1 .
" و لألفيتم " أي : وجدتم .
" دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز " قال ابن أبي الحديد : أكثر ما يستعمل العفطة في النعجة . فأمّا العنز . فالمستعمل الأشهر فيها النفطة بالنون
-----------
( 1 ) الكافي 8 : 32 ح 5 .
[ 260 ]
و يقولون " ما له عافط و لا نافط " أي : نعجة و لا عنز 1 .
قلت : إنّما قال ابن أبي الحديد ما قاله لأنّ ( الصحاح ) لم يذكر العفطة إلاّ للضأن ، و مثله ( القاموس ) 2 لكنّهما و هما ، و الصواب كون العفطة للمعز ،
و النفطة للضأن عكس ما قاله ابن أبي الحديد ففي ( جمهرة ابن دريد ) : " العافطة العنزة و النافطة الضأنة و من أمثالهم : أهون عليّ من عفطة عنز " 3 و به قال العسكري و الزمخشري أيضا 4 و من أمثالهم : " لأنت أهون عليّ من عفطة عتود " 5 و عتود ولد المعز إذا رعى .
ثم كلامهم " ما له عافطة و لا نافطة " لا " عافط و نافط " كما قال ابن أبي الحديد 6 و إنّما العافط الراعي .
قال ابن أبي الحديد : العفطة ما تنثره من الأنف ، و يجوز أن يراد بالعفطة هنا الحبقة أي الضرطة لكنّ الأليق بكلامه عليه السّلام التفسير الأوّل . فإن جلالته تقتضي أن يكون أراد ذاك . فإنّ صحّ أنّه لا يقال في العطسة عفطة إلاّ للنعجة قلنا إنّه عليه السّلام استعمله في العنز مجازا 7 .
قلت : قد عرفت عدم صحّة قوله أخيرا " فإن صح " الخ بما مرّ و نزيد أنّ في ( اللسان ) قال غير الأصمعي من الأعراب العافطة الماعزة إذا عطست 8 .
و أما قوله أوّلا " و يجوز أن يراد بالعفطة هنا الحبقة " فأخذه من
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 .
-----------
( 2 ) القاموس المحيط 2 : 374 ، مادة ( عفط ) ، و صحاح اللغة 3 : 1143 ، مادة ( عفط ) .
-----------
( 3 ) جمهرة اللغة 3 : 104 ، مادة ( عفط ) .
-----------
( 4 ) العلل 1 : 153 ، و المعاني : 364 ، و اساس البلاغة : 307 ، مادة عفط .
-----------
( 5 ) أورده الزمخشري في الأساس : 307 ، مادة ( عفط ) .
-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 .
-----------
( 7 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 8 ) لسان العرب 7 ، 353 ، مادة ( عفط ) .
[ 261 ]
( الصحاح ) ، أيضا فقال : " العفط و العفيط نثير الضأن تنثر بأنوفها كما ينثر الحمار ، و عفطت العنز تعفط عفطا حبقت " 1 لكنّه كما ترى نسب العفط بمعنى الحبق إلى العنز و ظاهره أنّ عفط العنز حبقها لا غير ، و هو حيث يرى كلام ( الصحاح ) كالوحي المنزل لم غيّر و قال ما قال .
مع أنّ المفهوم من العسكري نقل كلامه عليه السّلام بلفظ " من حبقة عنز " بدل " من عفطة عنز " و قال في تفسيره : الحبقة : ما يخرج من دبر العنز من الريح ،
و العفطة ما يخرج من أنفها 2 .
و قول ابن أبي الحديد : جلاله عليه السّلام يقتضي أن يكون أراد المعنى الأوّل 3 خطأ فإنّ المثل كلّما كان أشدّ انطباقا للممثل له كان أمثل ، و لا جلال فوق جلاله تعالى و قد قال : إنّ اللّه لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها 4 قال تعالى ذلك لأنّ بعض الجهّال أنكر ضربه تعالى لبعض الأمثال ، و حيث إنّ غرضه عليه السّلام كون الدنيا عنده في شدّة الهون ، فالحبقة أقرب إلى الغرض من العفطة إذا كان معناها غير معناها . فقال عليه السّلام في موضع آخر في بيان شدّة نفرته من الدنيا " دنياكم عندي أهون من عرق خنزير في يد مجذوم " 5 .
و رأى عارف من يسير في موكب جليل فسأل من هو فقالوا : هو يضحك الملك بحبقاته . فقال : ما اشترى أحد الدنيا بثمنها إلاّ هذا .
هذا ، و قال ابن جرموز لما قتل الزبير :
فسيّان عندي قتل الزبير
و ضرطة عنز بذي الجحفة
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 3 : 1143 ، مادة ( عفط ) ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) العلل 1 : 153 ، و المعاني : 364 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 .
-----------
( 4 ) البقرة : 26 .
-----------
( 5 ) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4 : 52 ، الحكمة 236 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 262 ]
و في ( العقد الفريد ) : فرّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث من الأزارقة ،
و كان في عشرة آلاف ، و كان المهلّب بعث إليه " خندق على نفسك يا ابن أخي فإنّي عالم بأمر الخوارج " فبعث إليه " أنا أعلم بهم منك ، و هم أهون علي من ضرطة الجمل " فبيّته قطري صاحب الأزارقة . فقتل من أصحابه خمسمئة ،
و فرّ هو لا يلوي على أحد . فقيل فيه :
تركت ولداننا تدمى نحورهم
و جئت منهزما يا ضرطة الجمل 1
هذا و في ( احتجاج الطبرسي ) : روى إسحاق بن موسى بن جعفر عن آبائه عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام خطب بالكوفة خطبة فقال في آخر كلامه " ألا و إنّي لأولى الناس بالناس ، و ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم " فقام إليه الأشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلاّ و قلت " و اللّه إنّي لأولى الناس بالناس فما زلت مظلوما مذ قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و لمّا ولي تيم و عدي إلا ضربت بسيفك دون ظلامتك فقال عليه السّلام :
" يا ابن الخمّارة قد قلت فاسمع مني ، و اللّه ما منعني من ذلك إلاّ عهد أخي رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبرني و قال لي : " يا أبا الحسن إنّ الامّة ستغدر بك و تنقض عهدي ، و إنّك منّي بمنزلة هارون من موسى " فقلت : يا رسول اللّه فما تعهد إليّ إذا كان ذلك كذلك ؟ فقال : " إن وجدت أعوانا فبادر إليهم و جاهدهم ،
و إن لم تجد أعوانا فكفّ يدك ، و احقن دمك حتّى تلحق بي مظلوما " فلمّا توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إشتغلت بدفنه و الفراغ من شأنه ، ثم آليت يمينا أنّي لا أرتدي إلاّ للصلاة حتّى أجمع القرآن . ففعلت ثم أخذته و جئت به فاعترضته عليهم .
قالوا لا حاجة لنا به ، ثم أخذت بيد فاطمة ، و ابنيّ الحسن و الحسين . ثم درت على أهل بدر ، و أهل السابقة ، فأنشدتهم حقّي ، و دعوتهم إلى نصرتي . فما
-----------
( 1 ) العقد الفريد 1 : 100 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 263 ]
أجابني منهم إلاّ أربعة رهط : سلمان و عمّار و المقداد و أبو ذر ، و ذهب من كنت أعتضد بهم على دين اللّه من أهل بيتي ، و بقيت بين خفيرين قريبي العهد بجاهلية عقيل و العباس " .
فقال له الأشعث : كذلك كان عثمان لمّا لم يجد أعوانا كفّ يده حتّى قتل .
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : " يا ابن الخمّارة ليس كما قست . إنّ عثمان جلس في غير مجلسه ، و ارتدى بغير ردائه ، صارع الحقّ فصرعه الحقّ ، و الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالحق لو وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهطا لجاهدتهم في اللّه إلى أن أبلي عذري . ثم قال عليه السّلام : أيّها الناس إنّ الأشعث لا يزن عند اللّه جناح بعوضة ، و إنّه أقلّ في دين اللّه من عفطة عنز 1 .
" قالوا : و قام اليه رجل من أهل السواد " أي : أهل القرى ، و المراد قرى الكوفة لكونه عليه السّلام بها .
و عن الأصمعي : سواد الكوفة كسكر إلى الزاب ، و حلوان إلى القادسية ،
و سواد البصرة دستميسان و الأهواز و فارس 2 .
" عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته " أي : قوله عليه السّلام " و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز " .
" فناوله " أي : أعطاه .
" كتابا ، فأقبل ينظر فيه " يرى ما كتب .
قال ابن ميثم : قال أبو الحسن الكيذري : وجدت في الكتب القديمة أنّ الكتاب الّذي دفعه الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلام كان فيه عدّة مسائل : أحدها :
" ما الحيوان الّذي خرج من بطن حيوان آخر و ليس بينهما نسب ؟ " فأجاب عليه السّلام
-----------
( 1 ) الاحتجاج 1 : 190 .
-----------
( 2 ) نقله عنه الحموي في معجم البلدان 3 : 273 .
[ 264 ]
بأنّه يونس بن متّى عليه السّلام خرج من بطن الحوت .
الثانية : " ما الشيء الّذي قليله مباح و كثيره حرام ؟ " فقال عليه السّلام : " هو نهر طالوت لقوله تعالى : إلاّ من اغترف غرفة بيده 1 .
الثالثة : " ما العبادة الّتي لو فعلها أحد استحق العقوبة ، و إن لم يفعلها استحق ايضا العقوبة ؟ " فأجاب عليه السّلام بأنّها صلاة السكارى .
الرابعة : " ما الطائر الّذي لا فرخ له و لا فرع و لا أصل ؟ " فقال عليه السّلام : " هو طائر عيسى عليه السّلام في قوله : و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني 2 .
الخامسة : " رجل عليه من الدين ألف درهم ، و له في كيسه ألف درهم فضمنه ضامن بألف درهم فحال عليه الحول فالزكاة على أي المالين تجب ؟ " فقال : " إن ضمن الضامن بإجازة من عليه الدين فلا يكون عليه ، و إن ضمنه من غير إذنه ، فالزكاة مفروضة في ماله " .
السادسة : " حجّ جماعة و نزلوا في دار من دور مكّة ، و أغلق واحد منهم باب الدار ، و فيها حمام فمتن من العطش قبل عودهم إلى الدار ، فالجزاء على أيّهم يجب ؟ " . فقال عليه السّلام : " على الّذي أغلق الباب ، و لم يخرجهن و لم يضع لهن ماء " .
السابعة : " شهد شهداء أربعة على محصن بالزنا فأمرهم الإمام برجمه فرجمه واحد منهم دون الثلاثة الباقين و وافقه قوم أجانب في الرجم . فرجع من رجمه عن شهادته ، و المرجوم لم يمت ثم مات فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته . فعلى من يجب ديته ؟ " . فقال : " يجب على من رجمه
-----------
( 1 ) البقرة : 249 .
-----------
( 2 ) المائدة : 110 .
[ 265 ]
من الشهود ، و من وافقه " .
الثامنة : " شهد شاهدان من اليهود على يهودي أنّه أسلم فهل تقبل شهادتهما أم لا ؟ " . فقال : " لا تقبل شهادتهما لأنّهما يجوّزان تغيير كلام الله و شهادة الزور " .
التاسعة : " شهد شاهدان من النصارى على نصرانيّ أو مجوسيّ أو يهوديّ أنّه أسلم " فقال : " تقبل شهادتهما لقوله سبحانه : و لتجدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى 1 الآية و من لا يستكبر عن عبادته لا يشهد شهادة الزور " .
العاشرة : " قطع إنسان يد آخر فحضر أربعة شهود عند الإمام ،
و شهدوا على من قطع يده أنّه زنا و هو محصن فأراد الإمام أن يرجمه . فمات قبل الرجم " . فقال عليه السّلام : " على من قطع يده دية يده حسب ، و لو شهدوا أنّه سرق نصابا لم يجب ديّة يده على قاطعها " 2 .
قلت : الخامسة لا تخلو من تصحيف كما لا يخفى ، كما أنّ قوله في السابعة " ثم مات فرجع الآخرون . . . " محمول على أنّ الشاهد ، و الأجانب لم يقلعوا عن الرجم بعد رجوع الشاهد مع سقوط الرجم حينئذ فيكونوا قاتليه ،
و لو كان مات ، من أثر رميهم قبل الرجوع . فالديّة على الشهود كما لا يخفى .
" قال له ابن عباس رضي الله عنهما " هكذا في ( المصرية ) ، و فيه سقط و تحريف و الأصل ما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 3 : " فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عباس رحمه الله " .
-----------
( 1 ) المائدة 82 .
-----------
( 2 ) رواه ابن ميثم في شرحه 1 : 269 ، و الكيندري في شرحه 1 : 198 .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 ، و شرح ابن ميثم 1 : 251 ، مثل المصرية أيضا .
[ 266 ]
" يا أمير المؤمنين لو اطّردت " أي : تتابعت من " اطّرد الشيء " تبع بعضه بعضا .
" خطبتك " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : " مقالتك " كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 1 .
" من حيث أفضيت " أي : أصحرت و خرجت إلى الفضا .
" فقال : هيهات يا ابن عباس " أي : اطراد مقالتي مشكل و بعيد من حيث التقيّة من أصحابه الّذين كان أكثرهم غير بصيرين .
" تلك " المقالة .
" شقشقة " في ( جمهرة ابن دريد ) ، الشقشقة : التي يخرجها البعير من فيه إذا هاج ، و هي شبيهة بالجلدة الرقيقة ، تحدث عند نفخ البعير إذا هاج يكون في العراب و لا يكون في البخت ، و لا يعرف موضعها منه في غير تلك الحال قال الراجز الأغلب العجلي :
و هو إذا جرجر بعد الهبّ
جرجر في شقشقة كالحبّ 2
و في ( النهاية ) بعد نقل مثله عن الهروي : " و منه حديث عليّ عليه السّلام في خطبة له " تلك شقشقة هدرت ثم قرّت " و يروى له شعر فيه :
لسانا كشقشقة الأرحبي
أو كالحسام اليماني الذكر 3
" هدرت " أي : غلت .
" ثم قرّت " أي : سكنت ، و في المثل : " لابد للمصدور أن ينفث " 4 . و قال شاعر :
-----------
( 1 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 ، و شرح ابن ميثم 1 : 251 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 2 ) جمهرة اللغة 1 : 153 ، مادة ( شقشق ) .
-----------
( 3 ) النهاية 2 : 490 ، مادة ( شقشق ) .
-----------
( 4 ) أورده الميداني في مجمع الامثال 2 : 241 .
[ 267 ]
شكوت و ما الشكوى لمثلي عادة
و لكن تفيض الكأس عند امتلائها
و نظير كلامه عليه السّلام هذا كلام سيّدة النساء صلوات اللّه عليها في فدك .
ففي ( بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي ) : لمّا بلغ فاطمة عليه السّلام إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها إلى أن قال لمّا فرغت من كلام أبي بكر و المهاجرين عدلت إلى مجلس الأنصار .
فقالت : معشر البقية ، و أعضاد الملّة ، و حصون الإسلام ما هذه الغميرة في حقي ، و السنة عن ظلامتي ؟ أما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم " المرء يحفظ في ولده " ؟
سرعان ما أجدبتم فأكديتم ، و عجلان ذا اهانة تقولون : مات رسول اللّه . فخطب جليل استوسع وهيه و استنهر فتقه و بعد وقته و أظلمت الأرض لغيبته ،
و اكتأبت خيرة الله لمصيبته ، و خشعت الجبال ، و أكدت الآمال ، و أضيع الحريم ،
و اذيلت الحرمة عند مماته صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقيبه فلن يضرّ الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين 1 إيها بني قيلة أ أهضم تراث أبي ، و أنتم بمرأى و مسمع تلبسكم الدعوة و تمثلكم الحيرة و فيكم العدد و العدّة ، و لكم الدار ، و عندكم الجنن إلى أن قالت فأنّى حرتم بعد البيان ، و نكصتم بعد الإقدام ، و أسررتم بعد الإعلان ،
لقوم نكثوا أيمانهم ، أتخشونهم فاللّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . ألا قد أرى أن أخلدتم إلى الخفض ، و ركنتم إلى الدعة فعجتم عن الدين ، و بحجتم الّذي و عيتم و دسعتم الّذي سوّغتم . فإن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا .
فإنّ اللّه لغنيّ حميد . ألا و قد قلت الّذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الّذي خامر صدوركم ، و استشعرته قلوبكم ، و لكن قلته فيضة النفس ، و نفثة الغيظ ، و بثّة
-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .
[ 268 ]
الصدر و معذرة الحجّة فدونكموها . فاحتقبوها مدبرة الظهر ، ناكبة الحق ،
باقية العار ، موسومة بشنار الأبد ، موصولة بنار اللّه الموقدة الّتي تطّلع على الأفئدة فبعين اللّه ما تفعلون و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون 1 .
" قال ابن عباس : فو الله ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على هذا الكلام " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : " على ذاك الكلام " كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 2 .
" أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السّلام بلغ منه حيث أراد " من بيان ضلالهم عن الحقّ ، و اتباعهم الغيّ ، و هلاكهم بتركه عليه السّلام .
قال ابن أبي الحديد : " حدّثني شيخي أبو الخير مصدّق بن شبيب الواسطي في سنة ( 603 ) قال : قرأت هذه الخطبة على الشيخ أبي محمّد عبد اللّه بن أحمد المعروف بابن الخشّاب . فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع قال لي : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : و هل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف ألا يكون بلغ من كلامه ما أراد ؟ و الله ما رجع عن الأولين و لا عن الآخرين ، و لا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلاّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال مصدّق : و كان ابن الخشّاب صاحب دعابة و هزل ، قال فقلت له : أتقول إنّها منحولة . فقال : لا و اللّه ، و إنّي لأعلم أنّها كلامه كما أعلم أنّك مصدّق . فقلت له : إنّ كثيرا من الناس يقولون إنّها من كلام الرضي ، فقال : أنّى للرضي و لغير الرضيّ هذا النفس ، و هذا الاسلوب . قد وقفنا على رسائل الرضي ، و عرفنا طريقته و فنّه في الكلام المنثور ، و لا يقع مع هذا الكلام في خلّ و لا خمرة . قال :
و اللّه لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمئتي
-----------
( 1 ) بلاغات النساء : 29 ، و الآية 227 من سورة الشعراء .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 ، و شرح ابن ميثم 1 : 251 ، مثل المصرية أيضا .
[ 269 ]
سنة ، و لقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها و أعرف خطوط من هو من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي " 1 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : و قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة ، و كان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدّة طويلة ، و وجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلّمي الإمامية ، و هو الكتاب المشهور المعروف بكتاب ( الإنصاف ) ، و كان ابن قبة من تلامذة أبي القاسم البلخي ، و مات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي موجودا 2 .
و قال ابن ميثم : وجدت الخطبة في نسخة عليها خط الوزير علي بن الفرات وزير المقتدر مات قبل مولد الرضي بنيّف و ستّين سنة ، و الّذي يغلب على ظنّي كتابة تلك النسخة قبل وجود ابن الفرات بمدّة 3 .
قلت : و ممّن ذكر الخطبة قبل مولد الرضي : أبو عمر الزاهد غلام ثعلب .
فقد عرفت أنّ المرتضى نقل عنه أنّه قال مراده عليه السّلام بقوله حتّى لقد وطئ الحسنان الإبهامان 4 ، و كان مولد الرضي سنة ( 359 ) و كانت وفاة أبي عمر ذاك سنة ( 345 ) .
و قد وقع هنا أوهام لنهج الحق و شرحه الاحقاق و للبحار .
أما الأوّل . فلمّا كان الصدوق قال في كتاب ( معاني أخباره ) بعد نقل الخطبة بإسناده المتقدّم " سألت الحسن بن عبد اللّه بن سعيد العسكري عن
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 69 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 69 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 1 : 253 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 4 ) رواه الكيندري في شرحه 1 : 193 ، و ابن ميثم في شرحه 1 : 265 ، عن المرتضى عن غلام ثعلب و رواه السروي في مناقبه 3 : 398 ، عن غلام ثعلب .
[ 270 ]
تفسير هذا الخبر ففسّره لي " 1 أشار إلى ذلك علي بن طاووس في ( كتاب طرائفه ) فقال : " و رأيت خطبة لعليّ عليه السّلام قد فسّرها الحسن بن عبد اللّه بن سعيد العسكري صاحب كتاب ( المواعظ و الزواجر ) ، و هو من رؤساء مخالفي أهل البيت ، و الخطبة في كتاب اسمه كتاب ( معاني الأخبار ) تاريخ الفراغ من نسخه سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمئة " 2 و صاحب ( نهج الحق ) كان تلميذ علي بن طاووس يأخذ في كتابه المذكور أغلب ما كان في كتاب استاده ( الطرائف ) ،
فراجعه فتوهم من كلامه أنّ المعاني للعسكري مع أنّه للصدوق كما عرفت فقال : " و نقل الحسن بن عبد اللّه بن مسعود العسكري من أهل السنّة في كتاب ( معاني الأخبار ) الخ " 3 .
كما أنّ المجلسي توهّم من كلام الطرائف أنّ العسكري ذكر الخطبة في ( كتاب المواعظ ) 4 مع أنّه إنّما قال : إنّ العسكري الّذي هو صاحب كتاب ( المواعظ ) فسّر الخبر الّذي ذكره الصدوق في ( معاني أخباره ) .
و أمّا الثاني فقال : " ذكر هذه الخطبة قبل مولد الرضي بل مولد أبيه جماعة من ثقات علماء الجمهور منهم من ذكره المصنّف و هو ابن عبد ربه في الجزء الرابع من كتاب ( العقد ) و منهم أبو هلال العسكري في كتاب ( الأوائل ) و منهم أبو علي الجبائي في كتابه و ابن الخشاب في درسه " 5 .
فما نسبه إلى مصنّفه من أنّه قال أنّ ابن عبد ربه ذكر هذه الخطبة في الجزء الرابع من ( عقده ) و هم ، و إنّما نسب مصنّفه خطبة : " عفا اللّه عمّا سلف
-----------
( 1 ) العلل 1 : 152 ، و المعاني : 362 .
-----------
( 2 ) الطرائف 2 : 417 .
-----------
( 3 ) نهج الحق 3 : 461 .
-----------
( 4 ) فتن البحار : 155 .
-----------
( 5 ) رواه عنه المحمودي في نهج السعادة 2 : 512 .
[ 271 ]
سبق الرجلان و قام الثالث كالغراب همّه بطنه " إليه 1 ، و أمّا هذه فنسبها إلى العسكري كما عرفت كلامه مع توهّم له أنّ العسكري فسّره في ( معانيه ) مع أنّ العسكري فسّره للصدوق في ( معانيه ) .
مع أنّ ابن عبد ربه أدرك الرضي عصره . فقد عرفت أنّ مولد الرضي كان سنة ( 359 ) و في ( عقد ابن عبد ربه ) : أنّ المطيع خلع نفسه سنة ( 363 ) 2 .
و أما قول ابن خلكان مات ابن عبد ربه سنة ( 328 ) 3 و قول الحموي مات سنة ( 348 ) 4 فهوم بعدما عرفت من النقل من كتابه .
كما أنّ عدّه أبا هلال العسكري في من مات قبل تولد الرضي غلط فأبو هلال كان من معاصري الرضي ، و قد نقل أبو هلال في ( ديوان معانيه ) أشعارا عن الرضي . فقال في " فصل معاتباته " " و لبعض بني هاشم و هو الرضي " :
و لربّ مولى لا يغضّ جماحه
طول العتاب و لاعناء العذّل
يطغى عليك و أنت تلأم شعبه
و السيف يأخذ من بنان الصيقل 5
و كانت حايته إلى سنة ( 395 ) معلومة فقال الحموي : لم يبلغني في وفاته شيء غير أنّي وجدت في آخر كتاب ( الأوائل ) له أنّه فرغ منه في شعبان سنة ( 395 ) 6 .
مع أنّ أصل نسبته إلى أبي هلال العسكري ذكر الخطبة غير معلوم ،
و إنّما المعلوم تفسير استاذ أبي هلال العسكري ، و هو أبو أحمد العسكري لها ،
-----------
( 1 ) كذا في نهج الحق 3 : 460 ، و الحديث في العقد الفريد 4 : 133 .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 352 .
-----------
( 3 ) وفيات الاعيان 1 : 112 .
-----------
( 4 ) معجم الادباء 4 : 212 .
-----------
( 5 ) ديوان المعاني 1 : 165 .
-----------
( 6 ) معجم الادباء 8 : 264 ، و النقل بالمعنى .
[ 272 ]
و كلّ منهما و ان يقال له الحسن بن عبد اللّه العسكري إلاّ أنّهما يتميزان بجدهما ككنيتهما فجدّ أبيّ هلال سهل و جدّ أبي أحمد سعيد ، و هذا ( أوائل أبي هلال ) نشر ليس فيه هذه الخطبة . فكتابه عشرة أبواب و المناسب لنقل الخطبة إنما هو بابه الرابع الذي هو في " ما روي عن الصحابة و التابعين " و ليس فيه إلاّ خطبة " عفا اللّه عمّا سلف " ذكره في عنوان " أوّل من بايعه من أهل مصر " 1 و الرضي أدرك أبا أحمد أيضا فقالوا : مات سنة ( 382 ) أو ( 383 ) .
كما أنّ عدّه ابن الخشّاب ممّن مات قبل الرضي أوضح و هما فإنّه كان استاذ مصدق الّذي هو أستاذ ابن أبي الحديد ، و قال له مصدّق : يقولون هو من كلام الرضي . فقال : أنّى للرضي مثل هذا الكلام 2 .
و أما الثالث . فقال بعد ذكر من أنكر الخطبة " و كفى للمنصف وجودها في تصانيف الصدوق ، و كانت وفاته سنة تسع و عشرين و ثلاثمئة قبل مولد الرضي " 3 .
و مراده بالصدوق محمّد بن علي بن بابويه . فقد عرفت أنّه ذكر الخطبة في كتابي ( علله ) و ( معانيه ) لكن ذاك التاريخ تاريخ وفاة أبيه ، و أما هو فمات سنة ( 381 ) فالرضي كان وقت وفاة الصدوق ابن اثنتين و عشرين أو ثلاث و عشرين .
نعم لو كان قال : إنّ الصدوق ذكرها في ( معانيه ) و فراغه منه كان في سنة ( 331 ) قبل مولد الرضي كان وجها .
كما أنّه لو قيل ذكر الخطبة المفيد في كتبه و هو استاذ الرضي ، و ذكرها
-----------
( 1 ) الاوائل : 162 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 69 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) فتن البحار : 155 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 273 ]
الصدوق في كتبه ، و هو استاذ استاذه ، و لا يعقل أخذ الاستاذ ، و استاذ الاستاذ عن التلميذ و تلميذ التلميذ .
و قيل كانت الخطبة من الشهرة بحيث لم يستطع القاضي عبد الجبّار المتعصّب الناصبي ، و له التقدّم زمانا أيضا على الرضي إنكارها . فتصدّى للجواب عن فقراتها 1 ، و لذا قال المفيد : " هي أشهر من أن ندلّ عليها لشهرتها " 2 كما مرّ ، كان وجها أيضا .
و كما نسب بعض جهّالهم هذه الخطبة إلى الرضي مع أنّها وجدت بخطّ قبل مولد الرضي بمئتي سنة كما عرفته من ابن الخشّاب ، كذلك نسب بعض جهّالهم خطبة سيّدة نساء العالمين صلوات اللّه عليها في الشكاية عنهم في الخلافة و فدك إلى أبي العيناء . فقال أحمد بن أبي طاهر البغدادي لزيد بن علي العلوي : انّ جمعا يزعمون ذلك : فقال : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم ، و يعلّمونها أبناءهم ، و قد حدثنيها أبي عن جدّي يبلغ فاطمة عليه السّلام و رواها مشائخ الشيعة قبل أن يولد جدّ أبي العيناء 3 .
و نظير هذه الخطبة في شكايته عليه السّلام من الثلاثة ، و من أهل الشورى ،
و من الناكثة و القاسطة و المارقة خطبته عليه السّلام بعد فتح معاوية لمصر رواها جمع منهم و منا كإبراهيم الثقفي عن رجاله ، عن عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه نقل ذلك عنه ابن أبي الحديد " و من كلام له عليه السّلام لمّا قلّد محمّد بن أبي بكر مصر " و كالكليني في ( رسائله ) ، و كابن قتيبة في ( خلفائه ) ، و ننقلها بلفظ ابن قتيبة فقال " دخل جمع على عليّ عليه السّلام و قالوا له " بيّن لنا قولك فيهما ( أي في أبي
-----------
( 1 ) نقله عن القاضي الشريف المرتضى في الشافي : 212 .
-----------
( 2 ) قاله المفيد في الجمل : 62 .
-----------
( 3 ) بلاغات النساء : 23 ، و النقل بالمعنى .
[ 274 ]
بكر و عمر ) و عثمان " قال علي كرّم اللّه وجهه " و قد تفرّغتم لهذا ، و هذه مصر قد افتتحت ، و شيعتي فيها قد قتلت ، إنّي مخرج إليكم كتابا أنبّئكم فيه ما سألتموني عنه فاقرؤوه على شيعتي . فأخرج إليهم كتابا فيه : " أما بعد فإن اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أن قال فلمّا مضى تنازع المسلمون الأمر بعده ، فواللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر عنّي . فما راعني إلاّ إقبال الناس على أبي بكر ، و إجفالهم عليه ، فأمسكت يدي ، و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الامور عليّ . فلبثت بذلك ما شاء الله حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام . يدعون إلى محو دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ملّة إبراهيم عليه السّلام . فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى في الإسلام ثلما و هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولاية أمركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب الى ان قال فلّما احتضر ( عمر ) قلت في نفسي ليس يصرف هذا الأمر عنّي . فجعلها عمر شورى و جعلني سادس ستّة . فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي لأنّهم كانوا يسمعونني و أنا احاجّ أبا بكر . فأقول : " يا معشر قريش إنّا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منّا من يقرأ القرآن و يعرف السنّة " فخشوا إن ولّيت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب . فبايعوا إجماع رجل واحد حتّى صرفوا الأمر عنّي لعثمان ، فأخرجوني منها رجاء أن يتداولوها حين يئسوا أن ينالوها . ثم قالوا لي : هلمّ فبايع عثمان ، و إلاّ جاهدناك . فبايعت مستكرها ، و صبرت محتسبا ، و قال قائلهم إنّك يا ابن أبي طالب على الأمر لحريص . فقلت لهم : أنتم أحرص ، أما أنا إذ طلبت ميراث ابن أبي و حقّه ، و أنتم إذ
[ 275 ]
دخلتم بيني و بينه و تضربون وجهي دونه . اللهمّ إني أستعين بك على قريش .
فإنّهم قطعوا رحمي ، و صغّروا عظيم منزلتي و فضلي ، و اجتمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه . ثم قالوا : إصبر كمدا و عش متأسفا . فنظرت فإذا ليس معي رافد و لا مساعد إلاّ أهل بيتي . فضننت بهم على الهلاك ، فأغضيت عيني على القذى ، و تجرّعت ريقي على الشجا ، و صبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم طعما ، و آلم للقلب من حزّ الحديد . حتّى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه . ثم جئتموني تبايونني فأبيت عليكم و أبيتم عليّ ، فنازعتموني و دافعتموني ، و لم أمدّ يدي تمنّعا عنكم . ثم ازدحمتم عليّ حتّى ظننت أنّ بعضكم قاتل بعض و أنكم قاتلي و قلتم لانجد غيرك ، و لا نرضى إلاّ بك ، فبايعنا لانفترق و لا نختلف ، فبايعتكم . دعوتم الناس إلى بيعتي .
فمن بايع طائعا قبلت منه ، و من أبى تركته . فأوّل من بايعني طلحة و الزبير و لو أبيا ما أكرهتهما كما أكره غيرهما . فما لبثنا إلاّ يسيرا حتى قيل لي قد خرجا متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلاّ و قد أعطاني الطاعة الخبر 1 .
و أتّقى عليه السّلام أن يخطب بها بنفسه فكتبها . ففي طريق الكليني أنّه عليه السّلام لمّا سألوه عن الثلاثة قال : " و أنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم " فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع ، فقال له : أدخل عليّ عشرة من ثقاتي . فقال : سمّهم لي فقال عليه السّلام : ادخل أصبغ بن نباتة ، و أبا الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، و زر بن حبيش الأسدي ، و جويرية بن مسهر العبدي ، و جندب بن زهير الأسدي و حارثة بن مضرب الهمداني ، و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني ، و مصباح
-----------
( 1 ) رواه الثقفي في الغارات 1 : 302 ، و عن الثقفي ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 35 ، شرح الخطبة 66 ، و أيضا الكليني في الرسائل ، عنه كشف المحجة : 174 ، و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1 : 154 .
[ 276 ]
النخعي ، و علقمة بن قيس ، و كميل بن زياد ، و عمير بن زرارة . فدخلوا عليه .
فقال لهم : خذوا هذا الكتاب ، و ليقرأه عبيد اللّه بن أبي رافع و أنتم شهود كلّ يوم جمعة فإن شغب شاغب عليكم فأنصفوه بكتاب اللّه بينكم و بينه 1 .
و منه يظهر أنّ قول ابن الخشّاب " لو سمعت ابن عباس يقول ما قال لقلت له : و هل بقي في نفس ابن عمّك شيء " في غير محله ، و أنّه بقي في نفسه عليه السّلام أشياء و أشياء أتّقى إظهارها علانية .
و قد رووا أنّه عليه السّلام اتّقى أبا طلحة يوم الشورى لما سمع كلامه عليه السّلام فقا له " لا ترع يا أبا الحسن " 2 و هذه الخطبة تكلّم بها على الملأ للعامّة ، و لقد قال عليه السّلام في الخلأ لخواصّه امورا أخر رواها شيعته .
و كذلك أهل بيته كانوا يتّقون العامّة أن يظهروا ما في أنفسهم في المتقدّمين عليهم و أتباعهم . ففي المقاتل و غيره أنّ الحسن عليه السّلام كتب إلى معاوية " و قد تعجّبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى ان قال فكتب إليه معاوية : " رأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق ، و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين ، و حواريّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صلحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك . فإنّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين ، و لا المسيء و لا اللئيم ، و أنا أحبّ لك القول السديد و الذكر الجميل الخ 3 . فترى هدّده بالعامّة .
و كيف ينكرون شكايتهم عليه السّلام منهم ، و لما كتب معاوية كما في ( العقد ) و غيره إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ذكر الثلاثة : " فكلّهم حسدت ، و على كلّهم
-----------
( 1 ) كشف المحجة : 174 .
-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 3 : 295 ، سنة 23 .
-----------
( 3 ) رواه أبو الفرج في المقاتل : 35 و 36 ، و المدائني ، عنه شرح ابن أبي الحديد 4 : 9 ، شرح الكتاب 31 .
[ 277 ]
بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر و تنفّسك الصعداء ، و إبطائك عن الخلفاء ،
و أنت في كلّ ذلك تقاد كما يقاد البعير المخشوش حتّى تبايع و أنت كاره " إلى أن قال فكتب علي عليه السّلام إليه : " و ذكرت ابطائي عن الخلفاء و حسدي إيّاهم و البغي عليهم . فأمّا البغي فمعاذ اللّه أن يكون ، و أمّا الكراهة لهم ، فو اللّه ما أعتذر للناس من ذلك " 1 .
و ممّا روي في شكايته ما رواه الثقفي عن المسعودي عن الحسن بن حما ، عن أبيه ، عن رزين بيّاع الأنماط ، عن زيد بن علي بن الحسين ، عن أبيه عن جدّه قال : قال عليّ عليه السّلام في خطبته : " و اللّه لقد بايع الناس أبا بكر و أنا أولى الناس بهم منّي بقميصي هذا ، فكظمت غيظي ، و انتظرت أمر ربي ، و ألصقت كلكلي بالأرض . ثم انّ أبا بكر هلك و استخلف عمر ، و قد علم و اللّه أنّي أولى الناس بهم مني بقميصي هذا ، فكظمت غيظي ، و انتظرت أمر ربي . ثم إنّ عمر هلك ، و قد جعلها شورى فجعلني سادس ستّة كسهم الجدّة ، و قال : اقتلوا الأقلّ ، و ما أراد غيري فكظمت غيظي ، و انتظرت أمير ربي ، و ألصقت كلكلي بالأرض ، ثم كان من أمر القوم من بعد بيعتهم لي ما كان ، ثم لم أجد إلاّ قتالهم أو الكفر باللّه " 2 .
و مما روي من شكايته عليه السّلام عنهم ما رواه ( جمل المفيد ) بإسناده ، عن أبي مخنف ، عن العدوي ، عن أبي هاشم ، عن البريد ، عن عبد اللّه بن المخارق ،
عن هاشم بن مساحق القرشي . قال حدّثنا أبي أنّه لما انهزم الناس يوم الجمل ،
إجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان بن الحكم فقال بعضهم لبعض : " و اللّه لقد ظلمنا هذا الرجل ( يعنون أمير المؤمنين عليه السّلام ) و نكثنا بيعته من غير حدث ،
-----------
( 1 ) رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد ، 5 : 78 و 79 ، و ابن مزاحم في وقعة صفين : 87 ، و غيرهما .
-----------
( 2 ) رواه عن الثقفي في أماليه : 153 ح 5 ، المجلس 19 .
[ 278 ]
و اللّه لقد ظهر علينا . فما رأينا قطّ أكرم سيرة منه ، و لا أحسن عفوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم تعالوا حتّى ندخل عليه ، و نعتذر إليه ممّا صنعناه ، فنصرنا إلى بابه ،
فاستأذنّاه . فأذن لنا . فلّما مثلنا بين يديه جعل متكلّمنا يتكلّم . فقال عليه السّلام :
( أنصتوا أكفكم . إنّما أنا بشر مثلكم . فإن قلت حقّا فصدّقوني ، و إن قلت باطلا ،
فردّوا عليّ انشدكم اللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبض و أنا أولى الناس به و بالناس من بعده ؟ قلنا : اللهمّ نعم . قال : فعدلتم عنّي ، و بايعتم أبا بكر فأمسكت ، و لم أحبّ أن أشقّ عصا المسلمين ، و أفرّق بين جماعاتهم . ثم إنّ أبا بكر جعلها لعمر من بعده . فكففت ، و لم أهيّج الناس ، و قد علمتم أنّي كنت اولى الناس بالله و رسوله ، و بمقامه فصبرت حتى قتل ، وجعلني سادس ستة ،
فكففت ، و لم أحبّ أن أفرّق بين المسلمين ثم بايعتم عثمان . الخبر " 1 .
و من شكايته عليه السّلام عنهم ما رواه المدائني ، عن عبد اللّه بن جنادة قال :
قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل أمارة عليّ عليه السّلام . فمررت بمكّة .
فاعتمرت ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذ نودي الصلاة جامعة . فاجتمع الناس ، و خرج عليّ عليه السّلام متقلّدا سيفه . فشخصت الأبصار نحوه . فحمد اللّه و صلّى على رسوله . ثم قال : أما بعد فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا نحن أهله و ورثته ، و عترته و أولياؤه . دون الناس لاينازعنا سلطانه أحد ، و لا يطمع في حقّنا طامع . إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فصارت الإمرة لغيرنا ، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ، و يتعزر علينا الذليل فبكت الأعين منا لذلك ، و خشنت الصدور ، و جزعت النفوس ، و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، و أن يعود الكفر و يبور الدين ، لكنّا على غير ما كنّا لهم " . الخبر نقله ابن أبي
-----------
( 1 ) الجمل : 222 .
[ 279 ]
الحديد في موضع آخر 1 .
و روى الثقفي كما في ( الشافي ) مسندا عن مسيب بن نجية قال بينما عليّ عليه السّلام يخطب و اعرأبي يقول : و امظلمتاه . فقال علي عليه السّلام : ادن فدنا فقال : " لقد ظلمت عدد المدر و الوبر " .
و روى أبو نعيم : أنّ عليّا عليه السّلام لم يقم مرّة على المنبر إلاّ قال في آخر كلامه قبل أن ينزل : " ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيّه " .
و في ( الشافي ) أيضا : و روى من طرق كثيرة أنّه عليه السّلام كان يقول : أنا أوّل من يجثو للخصومة بين يدي اللّه يوم القيامة 2 .
هذا و كما أسف ابن عباس شديدا على عدم بلوغ أمير المؤمنين عليه السّلام أقصى مراده في تلك الخطبة كذلك كان يأسف دائما شديدا على منع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصيّة ، ففي ( الطبري ) قال سعيد بن جبير : كان ابن عباس يقول " يوم الخميس و ما يوم الخميس ثم يبكي حتّى تبلّ دموعه الحصباء ،
فقلنا له ، و ما يوم الخميس ؟ قال : " يوم اشتدّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم وجعه ، فقال : آتوني باللوح و الدواة أو بالكتف و الدواة أكتب لكم لا تضلّون بعدي . فتنازعوا . فقال :
اخرجوا و لا ينبغي عند نبي أن ينتازع . قالوا : ما شأنه ؟ أهجر ؟ استفهموه فذهبوا يعيدون عليه . فقال : دعوني . فما أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه " 3 .
و في ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس قال : لمّا اشتدّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرضه الّذي مات فيه قال : إيتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي فقال عمر : " إنّ النبيّ قد غلبه الوجع حسبنا كتاب اللّه " و كثر اللغط . فقال
-----------
( 1 ) رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 101 ، شرح الخطبة 22 .
-----------
( 2 ) جاءت هذه الاحاديث في تلخيص الشافي 3 : 48 و 49 ، و أبو نعيم هو الفضل بن دكين .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 436 ، سنة 11 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 280 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم " قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع " قال ابن عباس : " الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا و بين كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم " 1 .
قول المصنّف : " قوله عليه السّلام كراكب الصعبة " هكذا في ( المصرية ) ،
و الصواب : " قوله عليه السّلام في هذه الخطبة كراكب الصعبة " كما في ( ابن أبي الحديد و الخطيّة ) 2 .
" ان اشنق لها خرم و ان أسلس لها تقحم يزيد أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزمام " في ( تاريخ اليعقوبي ) : " كان معد بن عدنان أوّل من وضع رحلا على جمل و ناقة ، و أوّل من زمّهما بالنسع " 3 .
" و هي تنازعه رأسها " جملة حالية .
" خرم " أي : شقّ الراكب .
" أنفها و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها " أي :
أصل التقحم للصعبة ، و نسب إلى الراكب بإسلاسه لها : يقال اشنق الناقة إذا جذب رأسها بالزمام فرفعه و شنقها أيضا " .
" ذكر ذلك " أي : جواز شنق الناقة و أشنقها بمعنى واحد و هو رفع رأسها بالزمام .
" ابن السكيت " و هو : أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت .
" في إصلاح المنطق " قال المبرد كما في ( تاريخ بغداد ) : ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن من كتاب يعقوب ابن السكّيت 4 .
و قال ابن خلكان : قال بعض العلماء ما عبر على جسر بغداد كتاب في
-----------
( 1 ) أخرجه البخاري بطرق في صحيحه 1 : 32 ، و 3 : 7 و 271 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 68 .
-----------
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 1 : 223 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد 14 : 274 .
[ 281 ]
اللغة مثل ( إصلاح المنطق ) 1 .
قلت : ما نقله المصنّف عن ( إصلاح المنطق ) ففيه : " يقال أشنقت راحلتي و شنقتها إذا رفعت رأسها بالزمام ، و أنشد طلحة قصيدة فما زال شانقا راحلته حتّى كتبه له " 2 .
قلت : و يشهد لقول ابن السكيت ما قاله ابن دريد في ( جمهرته ) في باب ما اتفق عليه أبو زيد و أبو عبيدة مما تكلّمت به العرب من فعلت و أفعلت :
" و شنقت القربة و أشنقتها إذ أشددت رأسها ثم رفعتها . " 3 .
" و إنّما قال عليه السّلام أشنق لها و لم يقل أشنقها لأنّه جعله في مقابلة أسلس لها فكأنّه عليه السّلام قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها يعني إذا كان أشنقت متعدّيا كان أشنقها أيضا صحيحا لكن قال عليه السّلام " أشنق لها " للمقابلة بينه و بين " أسلس لها " كما يقال في " الموزور " " المازوي " إذا ذكر في مقابل المأجور و كما قالوا الرجس النجس بجعل الثاني على وزن الأوّل لكن ( الصحاح ) جعل شنق متعدّيا لا غير ، و جعل أشنق متعدّيا و لازما . فقال " و يقال أشنق البعير أيضا مثل أشنقته 4 .
ثم الغريب أنّ ابن ميثم لم ينقل كلام المصنّف رأسا 5 و ابن أبي الحديد زاد على ما في نسخنا فقال ( و قال الرضي ) : و من الشاهد على أنّ أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي :
ساءها مالها تبين في الايدي
و إشناقها إلى الأعناق
-----------
( 1 ) و فيات الاعيان لابن خلكان 6 : 400 .
-----------
( 2 ) اصلاح المنطق : 427 .
-----------
( 3 ) جمهرة اللغة 3 : 438 .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 4 : 1504 ، مادة ( شنق ) .
-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 1 : 251 .
[ 282 ]
ثم قال ابن أبي الحديد : زارت بنية صغيرة لعدي أباها و هو في حبس النعمان و يداه مغلولتان إلى عنقه فأنكرت ذلك و قالت ما هذا الّذي في يدك و عنقك يا أبه ؟ و بكت فقال عدي هذا البيت ،
و قبله :
و لقد غمني زيارة ذي قربى
لقربنا مشتاق 1
لكن نقل الزيادة الّتي قلنا في شرح " إن أشنق " و لم ينقله عند نقل كلام الرضي ، كما أنّ الراوندي زاد بعد قول المصنفّ : " فكأنه عليه السّلام قال إن رفع رأسها بالزمام بمعنى أمسكه عليها " " و في الحديث أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم خطب الناس و هو على ناقة قد شنق لها و هي تقصع بجرتها " . و من الشاهد على أنّ أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي :
ساءها مالها تبيّن في الايدي
و أشناقها إلى الأعناق 2
قلت : و هذا الاختلاف في النقل غريب .
و الحمد للّه أوّلا و أخيرا .
32
الخطبة ( 200 ) و من كلام له عليه السّلام :
وَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ دَفْنِ سَيِّدَةِ اَلنِّسَاءِ ؟ فَاطِمَةَ ع ؟ كَالْمُنَاجِي ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ص ؟ عِنْدَ قَبْرِهِ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ عَنِّي وَ عَنِ اِبْنَتِكَ اَلنَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ
[ 283 ]
وَ اَلسَّرِيعَةِ اَللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي إِلاَّ أَنَّ فِي اَلتَّأَسِّي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ وَ فَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نَفْسُكَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ 6 11 2 : 156 فَلَقَدِ اُسْتُرْجِعَتِ اَلْوَدِيعَةُ وَ أُخِذَتِ اَلرَّهِينَةُ أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اَللَّهُ لِي دَارَكَ اَلَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ وَ سَتُنَبِّئُكَ اِبْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا فَأَحْفِهَا اَلسُّؤَالَ وَ اِسْتَخْبِرْهَا اَلْحَالَ هَذَا وَ لَمْ يَطُلِ اَلْعَهْدُ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْكَ اَلذِّكْرُ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّعٍ لاَ قَالٍ وَ لاَ سَئِمٍ فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلَةٍ وَ إِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اَللَّهُ اَلصَّابِرِينَ و روي عنه أنه قال عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السّلام كالمناجي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند قبره :
[ 283 ]
أقول : رواه في باب مولد فاطمة ( الكافي ) عن أحمد بن مهران رفعه ، و عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبار الشيباني ، عن القاسم بن محمّد الرازي ، عن عليّ بن محمّد الهرمزاني ، عن الحسين بن علي عليه السّلام قال : لمّا قبضت فاطمة عليها السّلام دفنها أمير المؤمنين عليه السّلام سرّا ، و عفّى على موضع قبرها ،
ثمّ قام فحوّل وجهه إلى قبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال :
السلام عليك يا رسول اللّه عنّي ، و السلام عليك عن ابنتك و زائرتك و البائتة في الثرى ببقعتك ، و المختار اللّه لها سرعة اللحاق بك . قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري ، عفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي . إلاّ أنّ لي في التأسي بسنّتك في فرقتك موضع تعزّ . فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، و فاضت نفسك بين نحري و صدري . بلى و في كتاب اللّه لي أنعم القبول إنّا للّه و إنّا إليه راجعون 1 . قد استرجعت الوديعة و أخذت الرهينة و اختلست الزهراء . فما أقبح الخضراء و الغبراء . يا رسول الله أمّا حزني فسرمد ، و أمّا ليلي فمسهّد ،
-----------
( 1 ) البقرة : 156 .
[ 284 ]
و هم لا يبرح من قلبي ، أو يختار اللّه لي دارك الّتي أنت فيها مقيم . كمد مقيّح ،
و همّ مهيج سرعان ما فرّق بيننا و إلى الله أشكو ، و ستنبّئك ابنتك بتضافر امّتك على هضمها فأحفها السؤال و استخبرها الحال . فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا و ستقول : و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين 1 سلام مودع لا قال و لا سئم . فإن أنصرف فلا عن ملالة ، و إن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين . واه واها و الصبر أيمن و أجمل ، و لو لا غلبة المستولين لجعلت المقام و اللبث لزاما معكوفا ، و لأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة .
فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا ، و تهضم حقها و تمنع إرثها ، و لم يتباعد العهد ، و لم يخلق منك الذكر ، و إلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى ، و فيك يا رسول اللّه أحسن العزاء . صلّى اللّه عليك و عليها السلام و الرضوان 2 .
و رواه ( أمالي المفيد ) عن محمّد بن عبد الجبار عن القاسم بن محمّد الرازيّ ، عن عليّ بن محمّد الهرمزاني ، عن عليّ بن الحسين ، عن أبيه قال : لمّا مرضت فاطمة عليها السّلام وصّت إلى عليّ عليه السّلام أن يكتم أمرها ، و يخفي خبرها و لا يؤذن أحدا بمرضها . ففعل ذلك ، و كان يمرّضها بنفسه و تعينه على ذلك أسماء بنت عميس على استسرار بذلك كما وصّت به . فلمّا حضرتها الوفاة وصّت أمير المؤمنين عليه السّلام أن يتولّى أمرها ، و يدفنها ليلا و يعفّي قبرها .
فتولّى عليه السّلام ذلك ، و دفنها و عفّي موضع قبرها ، فلّما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن ، فأرسل دموعه على خدّيه و حوّل وجهه إلى قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال :
السلام عليك يا رسول اللّه مني ، السلام عليك من ابنتك و حبيبتك ، و قرّة
-----------
( 1 ) يونس : 109 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 458 ح 3 .
[ 285 ]
عينك و زائرتك ، و البائتة في الثرى ببقعتك ، و المختار لها اللّه سرعة اللحاق بك .
قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ، وضعف عن سيّدة النساء تجلّدي ، إلاّ أنّ في التأسّي لي بسنّتك ، و الحزن الّذي حلّ بي بفراقك ، موضع التعزّي ، فلقد و سدّتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري ، و غمّضتك بيدي ،
و تولّيت أمرك بنفسي . نعم و في كتاب اللّه أنعم القبول إنّا لله و إنّا إليه راجعون 1 قد استرجعت الوديعة ، و اخذت الرّهينة ، و اختلست الزهراء ، فما أقبح الخضراء و الغبراء يا رسول اللّه أمّا حزني فسرمد ، و أمّا ليلي فمسهّد . لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك الّتي أنت فيها مقيم ، كمد مقيّح و همّ مهيّج ، سرعان ما فرّق بيننا و إلى الله أشكو ، و ستنبّئك ابنتك بتظافر امّتك عليّ ،
و على هضمها حقّها ، فاستخبرها الحال . فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا ، و ستقول و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين 2 .
سلام عليك يا رسول اللّه سلام مودّع لا سئم و لا قال . فإن أنصرف فلا عن ملالة ، و إن اقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرين ، الصبر أيمن و أجمل ، و لو لا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاما ، و للبثت عنده معكوفا ، و لأولت إعوال الثكلى على جليل الرزية . فبعين الله تدفن ابنتك سرا ، و تهتضم حقّها قهرّا ، و تمنع إرثها جهرا ، و لم يطل العهد ، و لم يخل منك الذكر ، فإلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى ، و فيك أجمل العزاء ، فصلوات اللّه عليك و عليها و رحمة اللّه و بركاته .
و رواه ( أمالي الشيخ ) في أواخر الجزء الرابع مثله .
و رواه سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) .
-----------
( 1 ) البقرة : 156 .
-----------
( 2 ) يونس : 109 .
[ 286 ]
و فيه : إلى أن يختار اللّه لي دارك الّتي أنت بها مقيم ، و ينقلني من دار التكدير و التأثيم ، و ستخبرك ابنتك بما لقينا بعدك ، فأحفها بالسؤال و استعلم منها الامور و الأحوال . . .
و عن ( كشف الغمة ) أيضا نقله مع زيادات 1 .
قول المصنّف : " و من كلام له عليه السّلام " إلى قوله " عند قبره " هكذا في ابن أبي الحديد و ابن ميثم 2 و لكن ليس في ( المصرية الاولى ) قوله : " روي عنه أنّه قاله " و لا قوله : " كالمناجي به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند قبره " و إنّما أخذهما من ابن أبي الحديد و أشار إلى أخذه بجعلهما بين قوسين ، كما هو دأبه فيما يأخذ عنه .
قوله : " عند دفن سيّدة النساء فاطمة عليها السّلام " قال ابن أبي الحديد : تواتر الخبر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين . . . 3 .
و روى الخطيب في عبد الرحمن بن علي عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى : إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 4 ،
أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جمع عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليه السّلام ثم أدار عليهم الكساء ، فقال : " هؤلاء أهل بيتي . اللّهم أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا " و أمّ سلمة على الباب ، فقالت : يا رسول اللّه ألست منهم ؟ فقال : إنّك لعلى خير أو إلى خير 5 .
-----------
( 1 ) رواه المفيد في الأمالي : 281 ح 7 المجلس 33 ، و أبو علي الطوسي في الأمالي 1 : 107 جزء 4 ، و السبط في التذكرة : 319 ، و الأربلي في كشف الغمة 2 : 130 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 570 ، و شرح ابن ميثم 4 : 2 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 571 .
-----------
( 4 ) الأحزاب : 33 .
-----------
( 5 ) تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي 10 : 278 .
[ 287 ]
و روى في الحسين بن معاذ عن عائشة قالت : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : يا معشر الخلائق طأطئوا رؤوسكم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
و رواه سبط ابن الجوزي عن ابن عمر و صحّحه و قال : رواه جمع آخر 1 .
و روى في غانم بن حميد عن ابن عبّاس قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إبنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحض ، و لم تطمث ، و إنّما سمّاها فاطمة لأنّ الله فطمها و محبّيها عن النار 2 .
قوله عليه السّلام : " السّلام عليك يا رسول الله عنّي ، و عن ابنتك النازلة في جوارك ، و السريعة اللّحاق بك " روى سبط ابن الجوزي عن جابر الأنصاري قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ( لعليّ عليه السّلام ) : " يا أبا الريحانتين عن قليل يذهب ركناك " فلمّا توفّى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال عليّ عليه السّلام : هذا أحد الركنين ، فلمّا توفيت فاطمة عليها السلام قال : و هذا الركن الآخر 3 .
و روى عن ( مسند أحمد بن حنبل ) عن عائشة قالت : أقبلت فاطمة كأنّ مشيتها مشية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال : مرحبا بابنتي ، ثمّ أجلسها عن يمينه ، ثم أسرّ إليها حديثا فبكت ، فقلت : إستخصك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنت تبكين ثمّ إنّه أسرّ إليها فضحكت ، فقلت لها : ما رأيت كاليوم أقرب فرحا من حزن . ما أسرّ إليك ؟
فقالت : ما كنت لافشي سرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى إذا قبضّ سألتها ، فقالت : إنّه أسرّ إلي و قال : كان جبرئيل يعارضني بالقرآن في كلّ عام مرّة و إنّه عارضني به
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8 : 141 ، و تذكرة الخواص : 310 .
-----------
( 2 ) المصدر نفسه 12 : 331 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 320 .
[ 288 ]
العام مرّتين ، و لا أراه إلاّ قد حضر أجلي ، و إنّك أوّل أهلي لحوقا بي ، و لنعم السلف أنالك ، فبكيت لذلك . فقال : ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الامّة ؟
فذلك الذي أضحكني .
قال : و رواه مسلم و البخاري في ( صحيحيهما ) 1 و رواه الجزري و فيه :
" ثمّ سارّني الثانية و أخبرني أنّي سيّدة نساء أهل الجنّة ، فضحكت " 2 .
و روى ابن عبد ربه في ( عقده ) عن عائشة بنت طلحة عن عائشة بنت أبي بكر قالت : ما رأيت أحدا من خلق اللّه أشبه حديثا و كلاما بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من فاطمة ، و كانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلّها و رحّب بها ، و أجلسها في مجلسه ، و كان إذا دخل عليها قامت إليه و رحّبت به و أخذت بيده فقبلتها .
فدخلت عليه في مرضه الّذي توفّي فيه فأسرّ إليها فبكت ، ثمّ أسرّ إليها فضحكت فقلت : كنت أحسب لهذه المرأة فضلا على النساء ، فإذا هي واحدة منهنّ بينما تبكي إذ هي تضحك . فلمّا توفيّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم سألتها ، فقالت : أسرّ إليّ فأخبرني أنّه ميّت فبكيت ، ثمّ أسرّ إليّ أنّي أوّل أهل بيته لحوقا به فضحكت 3 .
هذا ، و كما أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ابنته سيّدة النساء بكونها أوّل أهل بيته لحوقا به أخبر بأنّ زينب بنت جحش أوّل أزواجه لحوقا به .
و في ( الاستيعاب ) : عن عائشة قالت : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوما لنسائه :
" أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا " فكنّ يتطاولن أيتهن أطول يدا فكانت أطولنا
-----------
( 1 ) جاء هذا في تذكرة السبط : 309 ، و ما نقله عن مسند أحمد ففيه 6 : 282 ، و ما عن صحيح البخاري ففيه 4 : 96 ، و ما عن صحيح مسلم ففيه 4 : 1904 1905 ح 98 و 99 .
-----------
( 2 ) اسد الغابة لابن الأثير 5 : 522 .
-----------
( 3 ) الحديث مشهور لكن لم يوجد في نسختنا من العقد الفريد .
[ 289 ]
يدا زينب ، لأنّها كانت تعمل بيدها و تتصدّق 1 .
" قلّ يا رسول اللّه عن صفيتّك صبري " في ( تذكرة سبط بن الجوزي ) : روى مسلم و البخاري و الترمذي في ( صحاحهم ) : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : فاطمة بضعة منّي يريبني ما رابها ، و يؤذيني ما آذاها ، فمن أغضبها فقد أغضبني 2 .
و روى الخطيب في أحمد بن محمّد الشافعي عن عائشة قالت : قلت للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : مالك إذا جاءت فاطمة قبّلتها حتّى تجعل لسانك في فيها كلّه كأنّك تريد أن تلعقها عسلا ؟ قال : نعم يا عائشة ، لمّا اسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنّة ، فناولني منها تفاحة فأكلتها فصارت نطفة في صلبي ،
فلمّا نزلت واقعت خديجة ففاطمة من تلك النطفة ، و هي حوراء إنسية ، كلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها 3 .
" و رقّ عنها تجلّدي " أي : إظهار جلادتي . قال الشاعر :
بعدت فطعم العيش بعدك علقم
و وجه حياتي مذ تغيبت أرقم
" إلاّ أنّ لي في التأسّي بعظيم فرقتك " روى ( الكافي ) : أنّه لمّا اصيب أمير المؤمنين عليه السّلام نعى الحسن عليه السّلام إلى الحسين عليه السّلام و هو بالمدائن ، فلمّا قرأ الكتاب قال : يا لها من مصيبة ما أعظمها ، مع أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : من اصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه فيّ ، فإنّه لن يصاب بمصيبة أعظم منها و صدق صلّى اللّه عليه و آله و سلم 4 .
" و فادح مصيبتك " أي : مثقلها .
-----------
( 1 ) الاستيعاب 4 : 315 .
-----------
( 2 ) رواه السبط في التذكرة : 310 ، و الحديث في صحيح البخاري 4 : 96 ، و صحيح مسلم 4 : 1902 1903 ح 93 و 94 ،
و سنن الترمذي 5 : 698 699 ح 3867 و 3869 .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 55 : 87 .
-----------
( 4 ) الكافي 53 : 220 ح 3 .
[ 290 ]
" موضع تعزّ " أي : تسلّ .
فلا تحسبي أنّي تناسيت عهده
و لكن صبري يا اميم جميل
و عن الباقر عليه السّلام : سأل رأس اليهود أمير المؤمنين عليه السّلام عمّا امتحنه اللّه في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بعده إلى أن قال قال عليه السّلام له : و امتحنني بعد وفاته في سبعة مواطن فوجدني فيهنّ من غير تزكية لنفسي بمنّه و نعمته صبورا .
أمّا أوّلهنّ : فإنّه لم يكن لي خاص دون المسلمين أحد آنس به أو أعتمد عليه غير النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، هو ربّاني صغيرا و بواني كبيرا ، و عال لي النفس و الولد و الأهل ، مع ما خصّني به من الدرجات الّتي قادتني إلى معالي الحقّ عنده تعالى ، فنزل بي من وفاته ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به ، فرأيت الناس من أهل بيتي بين جازع لا يملك جزعه و لا يضبط نفسه ، قد أذهب الجزع صبره ، و حال بينه و بين الفهم و الإفهام ، و سائر الناس من غير بني عبد المطلّب بين معزّ يأمر بالصبر ، و بين مساعد باك معهم ،
فحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت ، و الاشتغال بما أمر اللّه به من تجهيزه و تغسيله و تحنيطه و تكفينه ، و الصلاة عليه و وضعه في حفرته ،
و جمع كتاب اللّه و عهده إلى خلقه ، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ، و لا هائج زفرة ، و لا لاذع حرقة ، و لا جليل مصيبة ، حتّى أدّيت في ذلك الحق الواجب للّه تعالى و لرسوله عليّ ، و بلغت منه الّذي أمرني به ، و احتملته صابرا محتبسا . . . 1 .
" فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك " في ( الإرشاد ) : أنفذ العبّاس بعد الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبي عبيدة و كان يحفر لأهل مكّة و يضرح و إلى زيد بن
-----------
( 1 ) الخصال للصدوق 1 : 370 ، و النقل بتصرّف يسير .
[ 291 ]
سهل و كان يحفر لأهل المدينة و يلحد فاستدعاهما و قال : اللّهمّ خر لنبيّك ،
فوجد الرسول زيدا فحفر له صلّى اللّه عليه و آله و سلم لحدا إلى أن قال و نزل أمير المؤمنين عليه السّلام القبر فكشف عن وجه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و وضع خدّه على الأرض موجّها إلى القبلة على يمينه ، ثمّ وضع عليه اللبن و أهال عليه التراب .
و لم يحضر دفن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين و الأنصار من التشاجر في أمر الخلافة وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك 1 .
" و فاضت بين نحري و صدري نفسك " في ( الإرشاد ) : لمّا قرب خروج نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لأمير المؤمنين عليه السّلام : ضع رأسي في حجرك فقد جاء أمر اللّه تعالى . فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك ، و امسح بها وجهك ، ثمّ وجّهني إلى القبلة و تولّ أمري و صلّ عليّ أوّل الناس ، و لا تفارقني حتّى تواريني في رمسي . . . 2 .
" إنّا للّه و إنّا إليه راجعون " في مصيبة سيّدة النساء .
" فلقد استرجعت الوديعة و اخذت الرهينة " روى ابن طاووس في ( طرائفه ) في حديث احتضار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم بكت ( فاطمة عليها السّلام ) و أكبّت على وجهه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقبّلته ، و أكبّ عليه عليّ و الحسن و الحسين عليه السّلام . فرفع رأسه إليهم ، و يدها في يده فوضعها في يد عليّ عليه السّلام و قال له : يا أبا الحسن هذه وديعة اللّه و وديعة رسوله محمّد عندك . فاحفظ اللّه و احفظني فيها ، و إنّك لفاعله يا علي . هذه و اللّه سيّدة نساء أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين . هذه و اللّه مريم الكبرى إلى أن قال فقد أمرتها بأشياء أمرني بها جبرئيل عليه السّلام ، و اعلم يا عليّ أنّي راض عمّن رضيت عنه ابنتي فاطمة ، و كذلك ربّي و ملائكته . يا
-----------
( 1 ) الإرشاد للمفيد 100 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الإرشاد للمفيد 100 ، و النقل بتلخيص .
[ 292 ]
علي ويل لمن ظلمها ، و ويل لمن ابتزّها حقّها ، و ويل لمن هتك حرمتها . . . 1 .
" أمّا حزني فسرمد " قال متمّم في أخيه مالك :
و قالوا أتبكي كلّ قبر رأيته
لميت ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا
ذروني فهذا كلّه قبر مالك
و قيل للخنساء : ما هذه الندوب في وجهك ؟ قالت : من طول البكاء على أخويّ . قيل : أيّهما أوجع ؟ قالت : أمّا صخر فجمر الكبد ، و أمّا معاوية فسقام الجسد .
" و أمّا ليلى فمسهّد " أي : قليل النوم ، قال :
فتشهد لي على الأرق الثريا
و يعلم ما أجنّ الفرقدان
جفت عيني عن التغميض حتّى
كأن جفونها عنها قصار
أقول وليلتي تزداد طولا
أما للّيل بعدهم نهار ؟
" إلى أن يختار اللّه لي دارك الّتي أنت بها مقيم "
فو اللّه ما أنساه ما ذرّ شارق
و ما اهتز في فرع الأراك قضيب
" و ستنبّئك ابنتك بتضافر امّتك على هضمها " هكذا في ( المصرية ) و ليس قوله : " بتضافر امّتك على هضمها " في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 2 فلا بدّ أنّه كان حاشية خلطت بالمتن أخذها المحشي من مستند الرضي ،
و رواية ( الكافي ) كما عرفت ، و عرفت أنّ المفيد بدّلها في روايته بقوله : " بتظاهر أمّتك عليّ و على هضمها حقّها " و أنّ سبط ابن الجوزي بدّلها في روايته بقوله :
" بما لقينا بعدك " 3 .
-----------
( 1 ) رواه ابن طاووس في الطرف ، لا الطرائف ، و عنه : البحار للمجلسي 22 : 484 ح 31 .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2 : 571 ، و شرح ابن ميثم 4 : 2 مثل المصرية أيضا .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 459 ، و أمالي المفيد : 282 ، و التذكرة لسبط ابن الجوزي : 320 .
[ 293 ]
روى الخطيب في عمر بن الوليد عنه عليه السّلام قال : ممّا عهد إليّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ الامّة ستغدر بك من بعدي 1 .
و روى الجوهري : أنّه لمّا أكثر في تخلّف عليّ عليه السّلام عن بيعة أبي بكر و اشتدّ أبو بكر و عمر عليه خرجت أمّ مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر و قالت :
يا رسول اللّه :
قد كان بعدك أنباء و هينمة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض و ابلها
و اختل قومك فاشهدهم و لا تغب 2
و في ( أنساب البلاذري ) عن امّ الفضل قالت : كنت جالسة عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو مريض . فبكيت . فقال : ما يبكيك ؟ قلت : أخشى عليك و لا أدري ما نلقي من الناس بعدك ؟ فقال : أنتم المستضعفون 3 ، و في ( بيان الجاحظ ) : قالت صفية بنت عبد المطلب يوم السقيفة مخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
قد كان بعدك أنباء و هنبثة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض و ابلها
و اختل قومك فاشهدهم فقد سغبوا 4
و في ( سقيفة الجوهري ) : عن محمّد بن زكريّا عن محمّد بن عبد الرحمن المهلّبي ، عن عبد اللّه بن حماد بن سليمان ، عن أبيه عن عبد اللّه بن الحسن ، عن امّه فاطمة بنت الحسين عليه السّلام قالت : لمّا اشتدّ بفاطمة بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوجع و ثقلت في علّتها ، اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين و الأنصار . فقلن لها :
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 11 : 216 .
-----------
( 2 ) السقيفة للجوهري : 67 .
-----------
( 3 ) أنساب الأشراف للبلاذري 1 : 551 ح 1120 .
-----------
( 4 ) البيان و التبيين للجاحظ 3 : 319 .
[ 294 ]
كيف أصبحت يا بنت رسول اللّه ؟ قالت :
ما أصبحت و اللّه عائفة دنياكم قالية لرجالكم . لفظتهم بعد أن عجمتهم و شنأتهم بعد أن سبرتهم . فقبحا لفلول الحدّ ، و خور القناة ، و خطل الرأي و بئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم ، و في العذاب هم خالدون . لا جرم قد قلّدتهم ربقتها ، و شنّت عليهم غارتها ، فجدعا و عقرا و سحقا للقوم الظالمين .
و يحهم أين زحزحوها عن رواسي الرسالة ، و قواعد النبوّة ، و مهبط الروح الأمين ، و الطيبين بأمر الدنيا و الدين . ألا ذلك هو الخسران المبين ، و ما الّذي نقموا من أبي الحسن ؟ نقموا و اللّه نكير سيفه ، و شدّة و طأته ، و نكال وقعته ، و تنمّره في ذات الله .
و تاللّه لو تكافّوا على زمام نبذه إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لاعتلقه ، و لسار إليهم سيرا سجحا لا تكلم حشاشته ، و لا يتعتع راكبه ، و لأوردهم منهلا نميرا فضفاضا يطفح ضفّتاه ، و لأصدرهم بطانا إلى أن قالت و لفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون .
ألا هلّم فاستمع و ما عشت أراك الدهر عجبا ، و إن تعجب فقد أعجبك الحادث . إلى أيّ لجأ استندوا ، و بأيّ عروة تمسّكوا ، لبئس المولى و لبئس العشير ، و لبئس للظالمين بدلا . إستبدلوا و الله الذنابي بالقوادم ، و العجز بالكاهل . فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ألا إنّهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون 1 .
و يحهم أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أنّ يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدي
-----------
( 1 ) البقرة : 12 .
[ 295 ]
فمالكم كيف تحكمون 1 .
أما لعمر اللّه لقد لقحت ، فنظرة ريثما تنتج ، ثم احتلموها طلاع العقب . دما عبيطا و ذعافا ممقرا ، هنالك يخسر المبطلون ، و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون ، ثمّ طيبوا عن أنفسكم نفسا ، و اطمئنّوا للفتنة جأشا ، و أبشروا بسيف صارم ، و هرج شامل ، و استبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا ، و جمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم و أنيّ لكم ، و قد عميّت عليكم ، أنلز مكموها و أنتم لها كارهون 2 .
" فأحفها " أي : إستقصها .
" السؤال و استخبرها الحال " في ( صفين نصر ) بعد ذكر سبق معاوية إلى ماء صفين و منعه عسكره عليه السّلام عن الماء فقال له عمرو بن العاص : خلّ بينهم و بين الماء فإنّ عليّا لم يكن ليظمأ و أنت ريّان ، و في يده أعنّة الخيل إلى أن قال و أنت تعلم أنّه الشجاع المطرق ، و معه أهل العراق و أهل الحجاز ، و قد سمعته أنا و أنت و هو يقول : لو استمكنت من أربعين رجلا فذكر أمرا يعني :
لو أنّ معي أربعين رجلا يوم فتّش البيت يعني بيت فاطمة . . . 3 .
و في ( الإرشاد ) : و أصبحت فاطمة عليها السّلام بعد قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم تنادي :
وا سوء صباحاه . فسمعها أبو بكر فقال لها : إنّ صباحك لصباح سوء 4 .
و في ( المروج ) : كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم و حصره إيّاهم في الشعب و جمعه لهم الحطب لتحريقهم ، و يقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما أرهب بنو هاشم و جمع لهم الحطب
-----------
( 1 ) يونس : 35 .
-----------
( 2 ) السقيفة للجوهري : 117 .
-----------
( 3 ) وقعة صفين لنصر بن مزاحم : 13 .
-----------
( 4 ) الإرشاد للمفيد : 100 .
[ 296 ]
لاحراقهم إذ هم أبو البيعة في ما سلف 1 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) في كيفيّة بيعة أمير المؤمنين عليه السّلام تفقّد أبو بكر قوما تخلّفوا عن بيعته عند عليّ عليه السّلام فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم ، و هم في دار عليّ عليه السّلام فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب و قال : و الّذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها . فقيل له : إنّ فيها فاطمة . فقال : و إن .
فخرجوا فبايعوا إلاّ عليّا فإنّه زعم أنّه قال : حلفت ألاّ أخرج و لا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن . فوقفت فاطمة على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ، تركتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم جنازة بين أيدينا ،
و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ، و لم تردّوا لنا حقّا .
فأتى عمر أبا بكر . فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة . فقال أبو بكر لقنفذ مولى له ادع لي عليّا . فذهب إليه فقال له : ما حاجتك ؟ فقال : يدعوك خليفة رسول اللّه . فقال عليّ عليه السّلام : لسريع ما كذبتم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
فرجع فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلا . فقال له عمر ثانية : لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة . فقال أبو بكر لقنفذ : عد إليه فقل له أمير المؤمنين يدعوك لتبايع . فجاءه قنفذ فأدّى ما أرم به . فرفع عليّ عليه السّلام صوته . فقال :
سبحان اللّه لقد ادّعى ما ليس له . فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة . فبكى أبو بكر طويلا ، ثمّ قام عمر فمشى مع جماعة حتّى أتوا باب فاطمة فدقّوا الباب . فلمّا سمعت أصواتهم قالت :
" يا أبه يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و من ابن أبي قحافة " فلمّا سمع القوم صوتها و بكاءها انصرفوا باكين ، و كادت قلوبهم تنصدع و أكبادهم تتفطر ، و بقي عمر و معه قوم . فأخرجوا عليّا عليه السّلام فمضوا به
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 77 .
[ 297 ]
إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع . فقال : إن أنا لم أفعل فمه . قالوا : إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك . قال : إذن تقتلون عبد اللّه و أخا رسول اللّه . قال عمر : أمّا عبد اللّه فنعم ، و أمّا أخو رسوله فلا و أبو بكر ساكت لا يتكلّم فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك . فقال : لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه . فلحق عليّ عليه السّلام بقبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصيح و يبكي و ينادي : " يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني " .
فقال عمر لأبي بكر : إنطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها . فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا عليّا فكلّماه فأدخلهما عليها ،
فلّما قعدا عندها ، حوّلت وجهها إلى الحائط . فسلّما عليها فلم ترد عليهما السلام . فتكلّم أبو بكر . فقال : يا حبيبة رسول اللّه و الله إنّ قرابة رسوله أحبّ إليّ من قرابتي ، إنّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، و لوددت يوم مات أبوك أنّي متّ و لا أبقى بعده . أفتراني أعرفك و أعرف فضلك و شرفك و أمنعك حقّك و ميراثك من الرسول إلاّ أنّي سمعت أباك يقول : لا نورث ، ما تركناه صدقة .
فقالت : أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن الرسول تعرفانه و تقرّان به ؟ قال : نعم .
فقالت : نشدتكما اللّه أ لم تسمعا الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : رضا فاطمة من رضاي ، و سخط فاطمة من سخطي ؟
فمن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟
قالا : نعم سمعناه من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
قالت : فإنّي اشهد اللّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأشكونّكما إليه . فقال أبو بكر : أنا عائذ باللّه من سخطه و سخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أن تزهق ، و هي
[ 298 ]
تقول : و اللّه لأدعونّ اللّه عليك في كلّ صلاة أصلّيها 1 .
و روى الجوهري عن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن أنّ داود بن المبارك سأله عن أبي بكر و عمر . فقال : اجيبك بما أجاب به جدّي عبد اللّه فإنّه سئل عنهما فقال : " كانت امّنا فاطمة صديقة ابنة نبي مرسل ، و ماتت و هي غضبي على قوم ، فنحن غضاب لغضبها " 2 و أخذ ذلك بعض العلوييّن مخاطبا عمر فقال :
يا أبا حفص الهوينا و ما
كنت بذاك لو لا الحمام
أتموت البتول غضبي و نرضى
ما كذا يصنع البنون الكرام
و قال النظام شيخ الجاحظ كما في ( ملل الشهرستاني ) إنّ عمر ضرب بطن فاطمة عليها السّلام يوم البيعة حتّى ألقت الجنين من بطنها و كان يصيح :
أحرقوها بمن فيها ، و ما كان في الدار غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين 3 .
و قال أبو جعفر النقيب قال ابن أبي الحديد و لم يكن إماميا إذا كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أباح دم هبار بن الأسود لمّا كان روع زينب بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما أرادت الهجرة حتّى أسقطت فألقت ذا بطنها . فظاهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها 4 .
و في ( تاريخ الطبري ) : أتى عمر منزل عليّ عليه السّلام فقال : و اللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة . فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده . فوثبوا عليه فأخذوه 5 .
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 12 14 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) السقفية للجوهري : 72 و 116 .
-----------
( 3 ) الملل و النحل للشهرستاني 1 : 59 .
-----------
( 4 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 359 ، شرح الكتاب 9 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 5 ) تاريخ الطبري 2 : 443 ، لسنة 11 .
[ 299 ]
و في ( غرر ابن خنزابه ) : قال زيد بن أسلم : كنت ممّن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع عليّ و أصحابه عن البيعة أن يبايعوا . فقال عمر لفاطمة : أخرجي من في البيت و إلاّ أحرقته و من فيه و في البيت عليّ و الحسن و الحسين و جماعة من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم 1 .
و روى الواقدي : أنّ عمر جاء إلى عليّ عليه السّلام في عصابة فيهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة الأشهلي . فقال : اخرجوا أو لنحرقنّها عليكم 2 .
و في ( عقد ابن عبد ربه ) : قعد عليّ عليه السّلام و العبّاس في بيت فاطمة حتّى بعث أبو بكر إليهما عمر ليخرجهما من بيت فاطمة و قال له : إن أبيا فقاتلهما .
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهما البيت . فلقيته فاطمة . فقالت لعمر :
جئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم 3 .
و روى الجوهري في ( سقيفته ) : أنّ عمر جاء إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ، و نفر قليل من المهاجرين . فقال : و الّذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ عليكم البيت 4 .
و عن الشعبي : انّه لمّا رأت فاطمة ما صنع عمر صرخت و ولولت ،
و اجتمع معها نساء كثير من الهاشميّات و غيرهنّ . فخرجت إلى باب حجرتها ،
و نادت يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول اللّه 5 .
و في ( أنساب البلاذري ) : عن أبي عون أنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ عليه السّلام يريد البيعة . فلم يبايع ، فجاء عمر و معه فتيلة ، فتلقّته فاطمة على الباب فقالت : يا
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 1 : 239 ح 344 .
-----------
( 2 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 1 : 238 ح 343 .
-----------
( 3 ) العقد الفريد لابن عبد ربه 5 : 12 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) السقيفة للجوهري : 50 .
-----------
( 5 ) السقيفة للجوهري : 72 .
[ 300 ]
ابن الخطاب أ تراك محرقا عليّ بابي ؟ قال : نعم . و ذلك أقوى في ما جاء به أبوك . . . 1 .
و روى الجوهري في ( سقيفته ) عن الليث ، عن رجال ، قال أبو بكر : " ليتني لم أكشف بيت فاطمة ، و لو أعلن على الحرب " ، و روى مثله المبرد ، و ابن عبد ربه و المسعودي 2 .
و في ( إثبات المسعودي ) : هجموا عليه ، ( أي على عليّ عليه السّلام ) و أحرقوا بابه ، و استخرجوه منه كرها ، و ضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى أسقطت محسنا 3 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : دخلت نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نساء قريش على فاطمة عليها السّلام في مرضها . فقلن : كيف أنت ؟ قالت : أجدني كارهة لدنياكن .
مسرورة بفراقكن . ألقى اللّه و رسوله بحسرات منكنّ . فما حفظ لي الحقّ ، و لا رعيت منّي الذّمة ، و لا قبلت الوصيّة ، و لا عرفت الحرمة 4 .
" هذا و لم يطل العهد و لم يخل منك الذكر " في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) :
قال الشعبي : لمّا منعت فاطمة ميراثها لاثت خمارها على رأسها و حمدت اللّه تعالى و أثنت عليه و وصفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأوصاف . فكان ممّا قالت :
" كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كلّما فغرت فاغرة من المشركين فاها ، أو نجم قرن من الشياطين وطئ صراخه بأخمصه ، و أخمد لهيبه بسيفه ، و كسر قرنه بعزمته حتى إذا اختار اللّه له دار أنبيائه و مقرّ أصفيائه و أحبائه ، أطلعت الدنيا رأسها
-----------
( 1 ) أنساب الأشراف للبلاذري 1 : 586 ح 1184 .
-----------
( 2 ) رواه الجوهري في السقيفة : 73 و 40 . و ابن عبد ربه في العقد الفريد 5 : 19 . و المسعودي في المروج 2 : 301 . لكن روى المبرد في الكامل 1 ص 54 . صدر الحديث فقط .
-----------
( 3 ) اثبات الوصية للمسعودي : 124 .
-----------
( 4 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 115 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 301 ]
إليكم فوجدتكم لها مستجيبين ، و لغرورها ملاحظين . هذا و العهد قريب ،
و الجرح لم يندمل فأنّى تكونون كذا و كتاب اللّه بين أظهركم . . . " 1 .
و قال الكراجكي : فمن عجيب الامور و طريفها أن تخرج فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنة خاتم النبيّين تندب أباها و تستغيث بامّته و من هداهم إلى شريعته في منع أبي بكر من ظلمها . فلا يساعدها أحد ، و لا يتكلّم معها بشر ، مع قرب العهد برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و مع ما يدخل القلوب من الرقة في مثل هذا الفعل إذا ورد من مثلها ، حتّى تحمل الناس أنفسهم على الظلم فضلا عن غيره .
ثمّ تخرج عائشة بنت أبي بكر إلى البصرة تحرّض الناس على قتال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و قتال من معه من خيار الناس ، ساعية في سفك دمه و دماء أولاده و أهله و شيعته ، فتجيبها عشرة الوف من الناس ،
و يقاتلون أمامها إلى أن هلك أكثرهم بين يديها . إنّ هذا لمن الأمر العجيب 2 .
و قوله عليه السّلام في رواية ( الكافي ) و ( الأمالي ) : " و اختلست الزهراء " 3 و قوله عليه السّلام : " فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا و ستقول :
و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين " يدلّ على أنّها ماتت شهيدة . و قال في ذلك أبو بكر بن أبي قريعة البغدادي :
يا من يسائل دائبا
عن كلّ معضلة سخيفه
لا تكشفنّ مغطّى
فلربّما كشفت جيفه
إنّ الجواب لحاضر
لكنّني اخفيه خيفه
لو لا اعتداء رعية
ألقى سياستها الخليفه
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 317 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) التعجب للكراجكي : 52 .
-----------
( 3 ) كذا في أمالي المفيد : 282 . و لفظ الكافي 1 : 459 " اخلست " .
[ 302 ]
و سيوف أعداء بها
هاماتنا أبدا نقيفه
لنشرت من أسرار آ
ل محمّد جملا لطيفه
تغنيكم عمّا روا
ه مالك و أبو حنيفه
و اريكم أنّ الحسين
اصيب في يوم السقيفه
و لأيّ حال الحدت
بالليل فاطمة الشريفه
و لما حمت شيخيكم
عن وطئ حجرتها المنيفه
اوه لبنت محمّد
ماتت بغصّتها أسيفه
قوله عليه السّلام في تلك الرواية " فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا " قال البلاذري في ( تاريخه ) : إنّ فاطمة عليها السّلام لم تر متبسّمة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و لم يعلم أبو بكر و عمر بموتها 1 .
و في ( الاستيعاب ) : أنّ فاطمة عليها السّلام قالت لأسماء بنت عميس : إذا أنا متّ فاغسليني أنت و عليّ عليه السّلام ، و لا تدخلي عليّ أحدا . فلمّا توفّيت جاءت عائشة تدخل . فقالت أسماء : لا تدخلي فشكت إلى أبي بكر . فقالت إنّ هذه الخثعمية تحول بيننا و بين بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال لها أبو بكر : يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ فقالت : هي أمرتني ألاّ يدخل عليها أحد 2 .
و في ( التنبيه و الاشراف للمسعودي ) : تولّى غسل فاطمة أمير المؤمنين عليه السّلام و دفنها ليلا ، و لم يؤذن بها أبو بكر ، و كانت مهاجرة له منذ طالبته بإرثها من أبيها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من فدك و غيرها إلى أن ماتت 3 .
و لكون دفنها سرّا اختلف في مدفنها . فقال المفيد في ( مقنعته ) : إنّها في
-----------
( 1 ) أنساب الأشراف للبلاذري 1 : 405 .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 4 : 379 .
-----------
( 3 ) التنبيه و الاشراف : 250 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 303 ]
الروضة استنادا إلى مرسل ابن أبي عمير ، عن الصادق عليه السّلام قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
" ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة ، و منبري على ترعة من ترع الجنّة " لأنّ قبر فاطمة عليها السّلام بين قبره و منبره ، و قبرها روضة من رياض الجنّة و ترعة من ترع الجنّة و رواه ( دلائل الطبري ) في خبر 1 .
و روى الكليني في ( كافيه ) : أنّ الرضا عليه السّلام سئل عن قبرها . فقال دفنت في بيتها . فلمّا زادت بنو أميّة في المسجد صارت في المسجد ، و اختاره الصدوق في ( فقيهه ) 2 .
و قال الشيخ في ( تهذيبه ) : إنّ رواية الروضة و البيت كالمتقاربتين ، و أمّا من قال إنّها دفنت في البقيع فبعيد عن الصواب 3 .
و في ( قرب الإسناد ) : سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن مدفن فاطمة عليها السلام و عيسى بن موسى حاضر فقال له عيسى : بالبقيع . فقال عليه السّلام : دفنت في بيتها 4 .
و في ( الإقبال ) : سئل الهادي عليه السّلام أ هي في طيبة أو كما يقول الناس في البقيع ؟ فقال عليه السّلام : هي مع جدّي صلّى اللّه عليه و آله و سلم 5 .
قوله عليه السّلام في تلك الرواية : " و تهضم حقّها " و من كتاب معاوية إليه عليه السّلام المشهور " و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك الحسن و الحسين يوم بويع أبو بكر . فلم تدع أحدا من أهل بدر
-----------
( 1 ) قاله المفيد في المقنعة : 71 و حديث ابن أبي عمير أخرجه الصدوق في معاني الأخبار : 267 ح 1 . و الحديث الآخر أخرجه الطبري في دلائل الإمامة : 46 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 461 ح 9 . و الفقيه 2 : 341 .
-----------
( 3 ) التهذيب 6 : 9 .
-----------
( 4 ) قرب الاسناد : 161 .
-----------
( 5 ) رواه عنه النوري في المستدرك 2 : 194 ح 1 .
[ 304 ]
و السوابق إلاّ دعوتهم إلى نفسك ، و مشيت إليهم بامرأتك ، و أدليت إليهم بابنيك ، و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلم يجبك منهم إلاّ أربعة أو خمسة ، و لعمري لو كنت محقّا لأجابوك ، و لكنّك ادّعيت باطلا ، و قلت ما لا يعرف ، و رمت ما لا يدرك 1 .
و في كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللّه الحسني : و لقد طلب بها أبوك بكلّ وجه فاخرجها تخاصم ، و مرّضها سرّا ، و دفنها ليلا فأبي الناس إلاّ تقديم الشيخين 2 .
و في كتاب ( خراج أبي يوسف ) : انّ نجدة بن عامر كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربي لمن هو ؟ فكتب إليه ابن عبّاس أنّ عمر دعانا إلى أن ننكح من سهم ذي القربى أيّمنا ، و نخدم منه عائلنا ، فأبينا إلاّ أن يسلّمه لنا و أبي ذلك علينا 3 .
و في ( سقيفة الجوهري ) مسندا عن أنس بن مالك : أنّ فاطمة عليها السلام أتت أبا بكر فقالت : لقد علمت الّذي ظلمتنا أهل البيت ثم قرأت عليه و اعلموا أنّ ما غنتم من شيء فأنّ للّه خمسه و للرسول و لذي القربى . . . 4 فقال لها : و أنا أقرأ من كتاب الله الّذي تقرئين منه ، و لم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس مسلم إليكم كاملا . قالت : أفلك هو و لأقربائك ؟ قال : لا ، بل أنفق عليكم منه ،
و أصرف الباقي في مصالح المسلمين .
قالت فاطمة : ليس هذا حكم اللّه تعالى .
قال أبو بكر : هذا حكم اللّه إلى أن قال فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 131 ، شرح الخطبة 26 .
-----------
( 2 ) رواه المبرد في الكامل 8 : 283 . و الطبري في تاريخه 6 : 198 لسنة 145 .
-----------
( 3 ) الخراج : 20 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) الانفال : 41 .
[ 305 ]
ما قالت لأبي بكر .
فقال عمر لها مثل ما قاله لها أبو بكر ، فعجبت فاطمة عليها السلام من ذلك و ظنت أنّهما كانا تذاكرا ذلك و اجتمعا عليه 1 .
قوله عليه السّلام في تلك الرواية " و تمنع إرثها " في ( عيون المفيد ) : مرّ فضال بن الحسن بن فضال الكوفي بأبي حنيفة و هو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه و حديثه . فقال لصاحب له كان معه : و اللّه لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة . فقال له صاحبه : إنّ أبا حنيفة من علمت فقال ، مه . هل رأيت حجّة كافر غلبت على مؤمن ؟ ثمّ دنا منه فسلّم عليه ثمّ قال له : إنّ أخالي يقول خير الناس بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم علي عليه السّلام و أنا أقول أبو بكر و عمر . فما تقول أنت ؟
فقال : أما علمت أنّهما ضجيعاه في قبره . فأيّ حجّة أوضح من هذا ؟
فقال فضال : قلت ذلك لأخي . فقال : إن كان الموضع للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق ، و إن كان لهما و وهباه له فقد أساءا في رجوعهما في هبتهما .
فقال : لم يكن لهما و لكنّهما استحقّا الدفن بحقوق ابنتيهما .
فقال فضال : قلت ذلك لأخي . فقال لي : أما علمت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أعطى حقوق نسائه في حياته بأمر من اللّه سبحانه حيث يقول إنّا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهنّ 2 .
فقال : نعم . و لكنهما استحقتا ذلك بميراثهما من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
فقال فضال : قلت له ذلك . فقال ، أنت تعلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مات عن تسع نساء و لكلّ واحدة منهنّ تسع الثمن و هو شبر في شبر . فكيف يستحقّ
-----------
( 1 ) السقيفة : 114 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الاحزاب : 50 .
[ 306 ]
الرجلان أكثر من ذلك ، و بعد فما بال عائشة و حفصة ترثان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و فاطمة بنته تمنع الميراث .
فقال أبو حنيفة : نحوّه عنّي فإنّه رافضي 1 .
و روى الجوهري مسندا عن أبي صالح مولى أمّ هاني قال : دخلت فاطمة على أبي بكر بعدما استخلف . فسألته عن ميراثها من أبيها فمنعها . فقالت له :
لئن متّ اليوم من كان يرثك ؟ قال : ولدي و أهلي . قالت : فلم ورثت أنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم دون ولده و أهله . قال : فما فعلت يا بنت رسول اللّه . قالت : بلى إنّك عمدت إلى فدك و كانت صافية للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأخذتها ، و عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنّا . فقال : يا بنت رسول اللّه لم أفعل ، حدّثني النبيّ أنّ اللّه تعالى يطعم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الطعمة ما كان حيّا . فإذا قبضه الله إليه رفعت . قالت :
أنت و رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم أعلم ، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي . ثم انصرفت 2 .
قوله عليه السّلام في تلك الرواية : " و لو لا غلبة المستولين لجعلت المقام و اللبث لزاما معكوفا ، و لأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة " . روى الجوهري مسندا عن زينب بنت عليّ عليه السّلام و عن محمّد بن عليّ عليه السّلام أنّ أبا بكر لمّا سمع خطبة فاطمة عليها السلام شقّ عليه مقالتها . فصعد المنبر فقال : أيّها الناس ما هذه الرعة إلى كلّ قالة ؟ أين كانت هذه الأماني في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ ألاّ من سمع فليقل ، و من شهد فيلتكلّم إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مرب لكلّ فتنة ، هو الّذي يقول : كرّوها جذعة بعد ما هرمت يستعينون بالضعفة ، و يستنصرون بالنساء كامّ طحال أحبّ أهلها إليها البغي . ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقلت ، و لو قلت لبحت ، إنّي ساكت ما تركت . ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر
-----------
( 1 ) رواه عن عيون الأخبار للمفيد ، المرتضى في الفصول المختارة 1 : 44 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) السقيفة : 116 .
[ 307 ]
الأنصار مقالة سفهائكم ، و أحقّ من لزم عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنتم . فقد جاءكم فآويتم و نصرتم . ألا إنّي لست باسطا يدا و لا لسانا على من لم يستحقّ ذلك منّا . ثم نزل فانصرفت فاطمة إلى منزلها 1 .
قال ابن أبي الحديد بعد نقل الخبر : قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى البصري ، و قلت له : بمن يعرّض ؟ قال : بل يصرّح . قلت : لو صرّح لم أسألك . فضحك و قال : بعليّ بن أبي طالب عليه السّلام قلت : هذا الكلام كلّه لعليّ عليه السّلام يقوله ؟ قال : نعم إنّه الملك يا بنيّ . قلت : فما مقالة الأنصار ؟ قال : هتفوا بذكر عليّ عليه السّلام فخاف من اضطراب الأمر عليهم . فنهاهم . و قال النقيب :
امّ طحال : إمرأة بغي في الجاهلية و يضرب بها المثل . فيقال : أزني من أمّ طحال 2 .
قلت : يتعجّب ابن أبي الحديد من أن يقول صدّيقهم لأمير المؤمنين عليه السّلام ما مرّ ، و لكن لا عجب بعد قول صاحبه فاروقهم للنبيّ نفسه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ الرجل ليهجر لا تجيئوه بدواة و صيحفة يكتب لكم وصيّة .
" و السلام عليكما سلام مودّع لا قال " بالجر من القلى بمعنى البغض .
" و لا سئم " من سئم منه إذا ملّه .
" فإن أنصرف فلا عن ملالة " من مللت بالكسر .
" و إن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين " في قوله تعالى : و بشر الصابرين . الّذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله و إنّا إليه راجعون . اولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة و اولئك هم المهتدون 3 .
-----------
( 1 ) السقيفة : 102 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 80 ، شرح الكتاب 45 .
-----------
( 3 ) البقرة : 155 157 .
[ 308 ]
33
من الكتاب ( 45 ) بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا ؟ فَدَكٌ ؟ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ اَلسَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَ نِعْمَ اَلْحَكَمُ اَللَّهُ وَ مَا أَصْنَعُ ؟ بِفَدَكٍ ؟ وَ غَيْرِ ؟ فَدَكٍ ؟ وَ اَلنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَ تَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَ حُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَ أَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَضْغَطَهَا اَلْحَجَرُ وَ اَلْمَدَرُ وَ سَدَّ فُرَجَهَا اَلتُّرَابُ اَلْمُتَرَاكِمُ " بلى كانت في أيدينا فدك " في ( البلدان ) قال ابن دريد : فدّكت القطن تفديكا إذا نفشته 1 .
قلت : إنّما في ( جمهرته ) : فدكت القطن إذا نفشته لغة ازدية . و مثله في ( الصحاح ) نعم في ( القاموس ) : تفديك القطن نفشه 2 . فالظاهر سقوط التشديد من النساخ في ( الجمهرة و الصحاح ) .
و روى ( سنن أبي داود ) عن الزهري و غيره قالوا : بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا . فسألوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يحقن دماءهم و يسيّرهم ففعل . فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك . فكانت للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم خاصّة لأنّه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب 3 .
و في ( سيرة ابن هشام ) : قال ابن إسحاق : فلمّا فرغ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع اللّه تعالى بأهل خيبر . فبعثوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصالحونه على النصف من فدك . فقدمت عليه
-----------
( 1 ) معجم البلدان 4 : 238 .
-----------
( 2 ) جمهرة اللغة 2 : 290 ، و صحاح اللغة 4 : 1602 ، مادة ( فدك ) . و القاموس 3 : 315 ، مادة ( فدك ) .
-----------
( 3 ) سنن أبي داود 3 : 161 ح 316 .
[ 309 ]
رسلهم بخيبر أو بالطائف أو بعد ما قدم المدينة . فقبل ذلك منهم . فكانت فدك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالصة لأنّه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب 1 .
و في ( البلدان ) : فدك قرية بالحجاز بينها و بين المدينة يومان ، و قيل ثلاثة أفاءها الله على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في سنة سبع صلحا ، و ذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا نزل خيبر و فتح حصونها و لم يبق إلاّ ثلث ، و اشتدّ بهم الحصار ، راسلوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يسألونه أن ينزلهم على الجلاء ففعل ، و بلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يصالحهم على النصف من ثمارهم و أموالهم . فأجابهم إلى ذلك . فهي ممّا لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب ، فكانت خالصة للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 .
قلت : ما قاله من أنّ بينها و بين المدينة يومان أو ثلاثة غير معلوم . ففي ( طبقات ابن سعد ) في عنوان سرية عليّ عليه السّلام إلى بني سعد " و بين فدك و المدينة ستّ ليال " 3 .
( فيه أيضا ) في عنوان " أجأ " أحد جبلي طي ذكر العلماء بأخبار العرب أنّ أجأ سمّي باسم رجل و سمّي سلمى باسم امرأة ، و كان من خبرهما أنّ رجلا من العماليق يقال له : أجأ بن عبد الحي عشق امرأة من قومه يقال لها :
سلمى ، و كانت لها حاضنة يقال لها العوجاء ، و كانا يجتمعان في منزلها حتّى نذر بهما إخوة سلمى ، هم الغميم و المضل و فدك و فائد و الحدثان ، و زوجها ،
فخافت سلمى و هربت هي و أجأ و العوجاء و تبعهم زوجها و إخوتها فلحقوا سلمى على الجبل المسمى سلمى . فقتلوها هناك . فسمّى الجبل باسمها ،
-----------
( 1 ) سيرة ابن هشام 3 : 228 .
-----------
( 2 ) معجم البلدان 4 : 238 .
-----------
( 3 ) طبقات ابن سعد 2 ق 1 : 65 .
[ 310 ]
و لحقو العوجاء على هضبة بين الجبلين . فقتلوها هناك . فسمّي المكان بها ،
و لحقوا أجأ بالجبل المسمّى بأجاء . فقتلوه فيه . فسمّى به ، و أنفوا أن يرجعوا إلى قومهم . فسار كلّ واحد إلى مكان فأقام به فسمّي ذلك المكان باسمه 1 .
و في عنوان " فدك " و قال الزجّاجي : سمّيت بفدك بن حام و كان أوّل من نزلها ، و قيل غير ذلك 2 .
" من كلّ ما أظللّته السماء " كناية حسنة عن جميع الأشياء فإنّ الأشياء كلّها تحت ظلّ السماء .
" فشحت عليها نفوس قوم " أي : بخلت ، و المراد : أبو بكر و عمر و أتباعهما .
و وجه شحّهم ما رواه المفضل عن الصادق عليه السّلام أنّ أبا بكر لمّا ولي قال له عمر : إنّ الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها فامنع عن عليّ و أهل بيته الخمس و الفيء و فدكا . فإنّ شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليّا و أقبلوا إليك رغبة في الدنيا و محاماة عليها . ففعل أبو بكر ذلك و صرف عنهم جميع ذلك . . . 3 .
و كذلك كان باقي الخلفاء مع أئمّة زمانهم . روى ( العيون ) عن المأمون أنّه قال : أتدرون من علمّني التشيع ؟ قالوا : لا . قال : علّمنيه الرشيد . قالوا : كيف و الرشيد كان يقتل أهل هذا البيت ؟ قال : كان يقتلهم على الملك ، و الملك عقيم إلى أن قال بعد ذكره دخول الكاظم عليه السّلام على أبيه و تعظيمه له في الغاية فقلت لأبي : من هذا الرجل الّذي قد أعظمته و أكرمته ، و قمت له من مجلسك و استقبلته و أقعدته في صدر المجلس و جلست دونه ، و أمرتنا بأخذ الركاب له .
-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 : 94 .
-----------
( 2 ) معجم البلدان 4 : 240 .
-----------
( 3 ) رواه المجلسي في فتن البحار : 101 .
[ 311 ]
فقال : هذا إمام الناس و حجّة اللّه على خلقه ، و خليفته على عباده . فقلت له :
أو ليس هذه الصفات كلها لك و فيك ؟ فقال : أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة و القهر ، و موسى بن جعفر إمام حق ، و اللّه يا بني إنّه لأحق بمقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم منّي و من الخلق جميعا ، و واللّه لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الّذي فيه عيناك . فالملك عقيم . فلمّا أراد موسى بن جعفر عليه السّلام الرحيل أمر بصرة سوداء فيها مئتا دينار ، و قال للفضل بن الربيع : إذهب بهذه الى موسى بن جعفر و قل له : يقول لك الخليفة نحن في ضيقة و سيأتيك برّنا .
قال المأمون : فقلت لأبي : تعطي أبناء المهاجرين و الأنصار و سائر قريش و بني هاشم و من لا تعرف حسبه و نسبه خمسة آلاف دينار و ما دونها ، و تعطي موسى بن جعفر و قد أعظمته و أجللته مئتي دينار .
قال : أسكت لا أمّ لك فإنّي لو أعطيت هذا ، ما كنت أمنته أن يضرب وجهي غدا بمئة ألف سيف من شيعته ، و فقر هذا و أهل بيته أسلم لي و لكم من بسط أيديهم . . . 1 .
و العمل مع الخصم بالاستيصال و المنع من صيرورته صاحب مال أكبر سياسة ، و قد استعملها المتوكّل فمنع الناس من برّ آل أبي طالب حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ثمّ يرفعنه و يجلسن على مغازلهن عواري حواسر إلى أن قتل المتوكّل .
و في السير : أنّ القاسم بن محمّد بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي الملقّب أبا بعرة ولي شرطة الكوفة لعيسى بن موسى العبّاسى . فكلّم يوما اسماعيل بن جعفر الصادق صلّى اللّه عليه و آله و سلم بكلام خرجا فيه إلى المنافرة . فقال القاسم : لم يزل فضلنا و إحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم و على بني عبد
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 72 ح 11 ، و النقل بتلخيص .
[ 312 ]
مناف كافة . فقال له إسماعيل : أيّ فضل أسديتموه إليهم ؟ أغضب أبوك يعني طلحة جدّي يعني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقوله : ليموتن محمّد ، و لنجولنّ بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا . فأنزل الله تعالى مراغمة لأبيك :
و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا 1 و منع ابن عمّك يعني أبا بكر أمّي يعني فاطمة عليها السلام حقّها من فدك و غيرها من ميراث أبيها . . . 2 .
و قال ابن أبي الحديد : سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد . فقلت له : أ كانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم .
قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة ؟ فتبسّم ثمّ قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلّة دعابته . قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرّد دعواها لجاءت إليه غدا و ادّعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء لأنّه يكون قد أسجل على نفسه بأنّها صادقة في ما تدّعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بيّنة و لا شهود 3 .
و هذا كلام صحيح و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل .
و في تعجب الكراجكي من العجب أن تأتي فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر تطالبه بفدك و تذكر أنّ أباها نحلها إيّاها فيكذّب قولها و يقول لها : هذه دعوى لا بيّنة لها . هذا مع إجماع الامّة على طهارتها و عدالتها . فتقول له فاطمة : إن لم يثبت عندك أنّها نحلة فأنا أستحقها ميراثا . فيدّعي أبو بكر أنّه سمع النبيّ
-----------
( 1 ) الاحزاب : 53 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 481 ، شرح الخطبة 170 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 105 ، شرح الكتاب 45 .
[ 313 ]
يقول : " نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه صدقة " و يلزمها تصديقه في ما ادّعاه من هذا الخبر مع اختلاف الناس في طهارته و صدقه و عدالته ، و هو في ما ادّعاه خصم لأنّه يريد أن يمنعها حقّا جعله الله لها .
و من العجيب أن يقول لها أبو بكر مع علمه بعظم خطرها في الشرف ،
و طهارتها من كلّ دنس ، و كونها في مرتبة من لا يتّهم ، و منزلة من لا يجوز عليه الكذب : إيتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها ، فأحضرت أمير المؤمنين عليه السّلام و أمّ أيمن . فزعم أنّه لا تقبل شهادة الزوج لزوجته مع اجماع المخالف و المؤالف على أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : " عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ .
اللّهمّ أدر الحقّ معه حيثما دار " إلى أن قال ثم لم تمض الأيّام حتّى أتاه مال من البحرين . فلمّا ترك بين يديه تقدّم إليه جابر الأنصاري فقال له : قال لي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إذا أتى مال البحرين حثوت لك ثمّ حثوت لك ثلاثا . فقال له : تقدم فخذ بعددها و أخذ ثلاث حفنات من أموال المسلمين بمجرّد الدعوى من غير بيّنة و لا شهادة ، و يكون أبو بكر عندهم مصيبا في الحالين . إنّ هذا مستطرف بديع قال : و من عجيب أمرهم أنّ ردّ أبي بكر لشهادة أمير المؤمنين عليه السّلام لكونه بعلها يجرّ إلى نفسه ، ثمّ يقبلون قول سعيد بن زيد بن نفيل في ما رواه وحده من أنّ أبا بكر ، و عمر ، و عثمان ، و طلحة ، و الزبير ، و سعدا و سعيدا و عبد الرحمن بن عوف و أبا عبيدة من أهل الجنّة ، و يصدّقونه في هذه الدعوى ،
و يحتجّون بقوله مع علمهم بأنّه أحد من ذكره و له حظّ في ما شهد به ، و لا يردّون بذلك قوله و لا يبطلون خبره .
قال : و من العجب أنّهم يدّعون على فاطمة البتول سيّدة نساء العالمين الّتي أحضرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم المباهلة ، و شهد لها بالجنّة ، و نزلت فيها آية التطهير أنّها طلبت من أبي بكر باطلا و التمست لنفسها محالا و قالت كذبا ،
[ 314 ]
و يعتذرون في ذلك بأنّها لم تعلم بدين أبيها أنّه لا حقّ لها في ميراثه ، و لا نصيب لها من تركته ، و جهلت هذا الأصل في الشرع ، و علم أبو بكر أنّ النساء لا يعلمن ما يعلم الرجال ، و لا جرت العادة بأن يتفقّهن في الأحكام ، ثمّ يدّعون بعد هذا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : " خذوا ثلث دينكم عن عائشة ، لا بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة ، لا بل خذوا كلى دينكم عن عائشة " فتحفظ عائشة جميع الدين ، و تجهل فاطمة في مسألة واحدة مختصة بها في الدين إنّ هذا لشيء عجيب و الّذي يكثر العجب أنّ بعلها أمير المؤمنين عليه السّلام لم يعلمها و لم يمنعها عن الخروج من منزلها لطلب المحال و الكلام بين الناس ، بل يعرّضها لا لتماس الباطل و يحضر معها و يشهد بما لا يسوغ .
قال : و من العجب اعترافهم بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : إنّ الله يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضاها ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : فاطمة بضعة منّي يؤلمني ما يؤلمها ، و من آذى فاطمة فقد آذاني ، و من آذاني فقد آذى اللّه . ثم إنّهم يعلمون و يتّفقون أنّ أبا بكر أغضبها و آلمها و لا يقولون إنّه ظلمها ، و يدّعون أنّها طلبت باطلا . فكيف يصحّ هذا ؟ و متى يتخلّص أبو بكر من أن يكون ظالما ، و قد أغضب من يغضب الله لغضبه ، و آلم بضعة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّتي يتألم لألمها ؟
قال : و من عجائب الامور أن تأتي فاطمة بنت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم تطلب فدك و تظهر أنّها تستحقّها فيكذّب قولها ، و لا تصدّق في دعواها ، و تردّ خائبة إلى بيتها ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة الّتي أسكنها أبوها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تزعم أنّها تستحقّها . فيصدّق قولها و تقبل دعواها ، و لا تطالب ببيّنة عليها و تسلّم هذه الحجرة إليها فتتصرّف فيها و تضرب عند رأس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالمعاول حتّى تدفن تيما و عديا فيها . ثمّ تمنع الحسن ابن رسول
[ 315 ]
الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد موته منها ، و من أن يقرّبوا سريره إليها و تقول : لا تدخلوا بيتي من لا احبّه . و إنّما أتوا به ليتبرك بوداع جدّه فصدّته عنه . فعلى أيّ وجه دفعت هذه الحجرة إليها و أمضي حكمها ؟ إن كان ذلك لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نحلها إيّاها ،
فكيف لم تطالب بالبيّنة على صحّة نحلتها كما طولبت بمثل ذلك فاطمة صلوات الله عليها ؟ إلى أن قال و أيّ عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة عليها السلام و قد نزل القرآن بتزكية فاطمة في آية الطهارة و غيرها ، و نزل بذمّ عائشة و صاحبتها ، و شدّة تظاهر هما على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أفصح بذمّهما ؟ و إن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا ، فكيف استحقّت هذه الزوجة من ميراثه ، و لم تستحقّ ابنته منه 1 ؟
و في ( إيضاح الفضل بن شاذان ) : روى شريك بن عبد اللّه في حديث رفعه أنّ عائشة و حفصة أتتا عثمان حين نقص أمّهات المؤمنين ما كان يعطيهنّ عمر فسألتاه أن يعطيهما ما فرض لهما عمر . فقال : لا و الله ما ذاك لكما عندي . فقالتا : فآتنا ميراثنا من النبيّ من حيطانه و كان عثمان متّكئا فجلس ، و كان علي بن أبي طالب عليه السّلام جالسا عنده . فقال : ستعلم فاطمة صلوات الله عليها أنّي ابن عمّ لها اليوم . ثمّ قال : ألستما اللتين شهدتما عند أبي بكر و لفّقتما معكما أعرابيا يتطهّر ببوله مالك بن الحويرث بن الحدثان فشهدتم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة .
فإن كنتما شهدتما بحق فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما ، و إن كنتما شهدتما بباطل فعلى من شهد بالباطل لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين .
فقالتا له : يا نعثل و الله لقد شبّهك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنعثل اليهودي . فقال لهما ضرب الله مثلا ( أشار إلى ضرب الله تعالى لهما امرأة نوح و امرأة لوط في
-----------
( 1 ) التعجب : 52 58 ، و النقل بتصرف يسير ، و الآيات المشار اليها هي : الأحزاب : 33 و التحريم : 3 4 .
[ 316 ]
قوله تعالى : ضرب اللّه مثلا للّذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتا هما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا و قيل ادخلا النار مع الداخلين 1 فخرجتا من عنده 2 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : قال عمر لأبي بكر : إنطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما . فأتيا علياّ عليه السّلام فكلّماه ، فأدخلهما عليها . فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط . فسلّما عليها فلم تردّ عليهما السلام . فتكلم أبو بكر . فقال : يا حبيبة الرسول و الله إنّ قرابة الرسول أحبّ إليّ من قرابتي ، و إنك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، و لوددت يوم مات أبوك أني متّ و لا أبقى بعده . أفتراني أعرفك و أعرف فضلك و أمنعك حقّك و ميراثك من رسول الله إلاّ أنّي سمعت أباك يقول : لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ؟ فقالت : أرأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم تعرفانه و تفعلان به . قالا : نعم . فقالت : نشدتكما اللّه ألم تسمعا الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول :
رضا فاطمة من رضاي ، و سخط فاطمة من سخطي فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني ، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني . قالا : نعم . سمعنا من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم . قالت : فإنّي اشهد الله و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النبيّ لأشكونكما إليه إلى أن قال قالت فاطمة لأبي بكر : و الله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أصلّيها 3 .
قلت : و جواب فاطمة عليها السلام لأبي بكر عن حديثه بسؤالهما عمّا سمعا فيها
-----------
( 1 ) التحريم : 10 .
-----------
( 2 ) الايضاح : 139 .
-----------
( 3 ) الامامة و السياسة 1 : 13 .
[ 317 ]
يدلّ التزاما على أنّ أبا بكر افترى الحديث على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و لو لاه لزم تناقض الدين ، و كون قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جزافا و باطلا ، و لكون دلالة قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذاك عقلا على افتراء أبي بكر . . .
قال عمر بن عبد العزيز لمّا قالوا له : هجّنت فعل الشيخين بردّ فدك : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها 1 .
و قال الجاحظ في ( عباسيته ) كما في ( شافي المرتضى ) و قد نقله ابن أبي الحديد زعم اناس أنّ الدليل على صدق خبر أبي بكر و عمر في منع الميراث ترك أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم النكير عليهما . فيقال لهم : إن كان ترك النكير دليلا على صدقهما يكون ترك النكير على المتظلمين و المحتجين عليهما و المطالبين لهما دليلا على صدق دعواهم و استحسان مقالتهم ، و لا سيما و قد طالت المناجاة ، و كثرت المراجعة و الملاحاة ، و ظهرت الشكية و اشتدت الموجدة ، و قد بلغ من ذلك حتّى أوصت ألاّ يصلّي عليها أبو بكر .
و لقد كانت قالت له حين أتته مطالبة بحقّها و محتجّة لرهطها : من يرثك يا أبا بكر إذا متّ ؟ قال : أهلي و ولدي . قالت : فما بالنا لا نرث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟
فلّما منعها ميراثها و بخسها حقّها ، و اعتلّ عليها و جلح في أمرها ،
و عاينت التهضم ، و أيست من التورّع ، و وجدت نشوة الضعف ، و قلّة الناصر قالت : و الله لأدعونّ الله عليك .
فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعها فإنّ في ترك النكير على فاطمة عليها السلام دليلا على صواب طلبها ، و أدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت ، و تذكيرها ما نسيت ، و صرفها عن الخطأ ، و رفع قدرها عن البذاء و أن تقول هجرا ، و تجوّر عادلا و تقطع و اصلا .
-----------
( 1 ) تلخيص الشافي للطوسي 3 : 138 ، و النقل بتلخيص .
[ 318 ]
فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الامور و استوت الأسباب ، و الرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا و بكم ،
و أوجب علينا و عليكم .
فإن قالوا : كيف تظنّ بأبي بكر ظلم فاطمة عليها السلام و التعدّي عليها ، و كلّما ازدادت عليه غلظة أزداد لها لينا و رقّة ، حيث تقول له : و الله لا اكلّمك أبدا . فيقول :
و الله لا أهجرك أبدا ، ثمّ تقول : و الله لأدعونّ الله عليك ، فيقول : و الله لأدعونّ الله لك . ثمّ يحتمل منها هذا الكلام الغليظ ، و القول الشديد في دار الخلافة و بحضرة قريش و الصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء و التنزيه ، و ما يجب لها من الرفعة و الهيبة .
ثمّ لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا متقرّبا كلام المعظّم لحقّها . المكبر لمقامها و الصائن لوجهها و المتحنّن عليها : ما أحد أعزّ عليّ منك فقرا ، و لا أحبّ إليّ منك غنى ، و لكنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث .
ما تركناه فهو صدقة .
قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم ، و السلامة من الجور ،
و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر إذا كان أريبا ، و للخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم ، و ذلّة المنتصف ، و حدب الوامق ، و مقة المحق .
و كيف جعلتم ترك النكير حجّة قاطعة و دلالة واضحة و قد زعمتم أنّ عمر قال على منبره : " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم متعة النساء و متعة الحجّ أنا أنهى عنهما و اعاقب عليهما " فما وجدتم أحدا أنكر قوله ، و لا استشنع مخرج نهيه ، و لا خطّأه في معناه ، و لا تعجّب منه ، و لا استفهمه ؟
و كيف تقضون بترك النكير و قد شهد عمر يوم السقيفة و بعد ذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : " الأئمة من قريش " ثمّ قال في شكاته : " لو كان سالم حيّا ما تخالجني فيه شكّ " حتّى أظهر الشك في استحقاق كلّ واحد من الستّة الّذين
[ 319 ]
جعلهم شورى ، و سالم عبد لامرأة من الأنصار ، و هي أعتقته ، و حازت ميراثه ،
ثمّ لم ينكر ذلك من قوله منكر ، و لا تعجّب منه ، و إنّما يكون ترك النكير على من لا رغبة و لا رهبة عنده دليلا على صدق قوله و صواب عمله .
فأمّا ترك النكير على من يملك الضعة و الرفعة ، و الأمر و النهي ، و القتل و الاستحياء ، و الحبس و الاطلاق ، فليس بحجّة تشفي .
قال : و قال آخرون : بل الدليل على صدق قولهما ، و صواب عملهما إمساك الصحابة عن خلعهما و الخروج عليهما ، و هم الّذين و ثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ، و ردّ المنصوص ، و لو كان كما يقولون و يصفون ،
ما كان سبيل الامّة فيهما إلاّ كسبيلهم فيه ، و عثمان كان أعزّ نفرا ، و أشرف رهطا ، و أكثر عددا و ثروة ، و أقوى عدّة .
قلنا : إنّهما لم يجحدا التنزيل ، و لم ينكرا المنصوص ، و لكنّهما بعد إقرارهما بحكم الميراث و ما عليه الظاهر من الشريعة ادّعيا رواية ، و تحدّثا بحديث لم يكن محالا كونه ، و لا ممتنعا في حجج العقول مجيئه ، و شهد لهما عليه من علّته مثل علّتهما فيه ، و لعلّ بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عدلا في رهطه مأمونا في ظاهره ، و لم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة ، و لا جرّب عليه غدرة . فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن ، و تعديل الشاهد ، و لأنّه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج ، و الّذي يقطع بشهادته على المغيب ،
و كان ذلك شبهة على أكثرهم . فلذلك قلّ النكير و تواكل الناس ، و اشتبه الأمر .
فصار لا يتخلّص إلى معرفة حقّ ذلك من باطلة إلاّ العالم المتقدّم ، أو المؤيّد المرشد ، و لأنّه لم يكن لعثمان في صدور العوام و قلوب السفلة و الطغام ما كان لهما من المحبة و الهيبة ، و لأنّهما كانا أقلّ استيثارا بالفيء و تفضّلا بمال الله منه ، و من شأن الناس إهمال السلطان ما وفّر عليهم أموالهم ، و لم يستأثر بخراجهم ، و لم يعطّل ثغورهم ، و لأنّ الّذي صنع أبو بكر من منع العترة حقّها ،
[ 320 ]
و العمومة ميراثها قد كان موافقا لجلّة قريش و كبراء العرب ، و لأنّ عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه مستخفّا بقدره ، لا يمنع ضيما ، و لا يقمع عدوّا ،
و لقد وثب ناس عليه بالشتم و القذف و التشنيع و النكير لامور لو أتى أضعافها عمر و بلغ أقصاها لما اجتزأوا على اغتيابه ، فضلا عن مباداته و الإغراء به و مواجهته ، كما أغلظ عيينة بن حصين له فقال له : أما إنّه لو كان عمر لقمعك و منعك . فقال عيينة : إنّ عمر كان خيرا لي منك أرهبني فاتّقاني .
قال : و العجب أنّا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه و القدر و الوعيد يردّ كلّ صنف منهم من أحاديث مخالفيه و خصومه ما هو أقرب إسنادا ، و أصحّ رجالا ، و أحسن اتّصالا ، حتّى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نسخوا الكتاب ، و خصّوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردّوه ، و أكذبوا قائليه و ذلك أنّ كلّ إنسان منهم إنّما يجري إلى هواه ،
و يصدّق ما وافق رضاه 1 .
قلت : و يجاب أيضا المحتجّون لصدق قول الرجلين بترك الصحابة النكير عليهما سوى ما أجاب به الجاحظ أنّه من أين أنّ الصحابة لم ينكروا عليهما سوى من كان هواه هواهما ، كيف و قد روى الجوهري مسندا عن زينب بنت عليّ عليه السّلام و عن محمّد بن علىّ عليه السّلام أنّ أبا بكر لمّا سمع خطبة فاطمة عليها السلام شقّ عليه مقالتها . فصعد المنبر و قال : أيّها الناس ما هذه الرعة إلى كلّ قالة : أين كانت هذه الأماني في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ ألا من سمع فليقل ، و من شهد فليتكلّم . إنّما هو ثعالة ، شهيده ذنبه ، مربّ لكلّ فتنة ، هو الّذي يقول كرّوها جذعة بعد ما هرمت إلى أن قال ثمّ التفت ( أبو بكر ) إلى الأنصار . فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم إلى أن قال ألا أنّي لست باسطا يدا
-----------
( 1 ) الشافي للمرتضى : 233 . و عنه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 98 ، شرح الكتاب 45 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 321 ]
و لا لسانا على من لم يستحق ذلك منّا ثمّ نزل . . . 1 .
و في ( فتوح البلدان للبلاذري ) : و لما كانت سنة ( 210 ) أمر المأمون بدفع فدك إلى ولد فاطمة عليها السلام و كتب إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أمّا بعد ،
فإنّ الخليفة بمكانه من دين الله و خلافة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و القرابة به ، أولى من استنّ سنّته و نفذ أمره ، و سلّم لمن منحه منحة و تصدّق عليه بصدقة منحته و صدقته ، و بالله توفيق الخليفة و عصمته ، و إليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته ،
و قد كان رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم أعطى فاطمة بنته فدك و تصدّق بها عليها ، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرأى الخليفة أن يردّها إلى ورثتها ، و يسلّمها إليهم تقربا إلى الله تعالى بإقامة حقّه و عدله ،
و إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتنفيذ أمره و صدقته ، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه ،
و الكتاب به إلى عماله فلأن كان ينادى أي من قبل أبي بكر في كلّ موسم بعد أن قبض الله نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ، ذلك فيقبل قوله و ينفذ عدته ، أنّ فاطمة عليها السلام لأولى بأن يصدّق قولها في ما جعل رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم لها إلى أن قال فاعلم ذلك من رأي الخليفة ، و ما ألهمه الله من طاعته ، و وفّقه له من التقرّب إليه و إلى رسوله . . . 2 .
و روى الجوهري مسندا : أنّ المأمون لمّا جلس للمظالم ، فأوّل رقعة وقعت في يده و نظر فيها بكى و قال للّذي على رأسه : ناد أين وكيل فاطمة عليها السلام ؟
فقام شيخ عليه درّاعة و عمامة و خفّ ، فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتجّ عليه ، و هو يحتجّ على المأمون ، ثمّ أمر أن يسجّل لهم بها . فكتب السجل و قرىء عليه فأنفذه . فقام دعبل إلى المأمون . فأنشده الأبيات التي أوّلها :
-----------
( 1 ) السقيفة : 102 .
-----------
( 2 ) فتوح البلدان : 46 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 322 ]
أصبح وجه الزمان قد ضحكا
بردّ مأمون هاشم فدكا
فلم تزل في أيديهم حتّى كان في أيّام المتوكّل . فأقطعها عبد الله بن عمر البازيار و كان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بيده . فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها . فإذا قدم الحاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم .
فيصير إليهم من ذلك مال جليل . فصرم عبد الله بن عمر البازيار ذلك التمر و وجّه رجلا يقال له بشران بن أبي اميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه ، ثمّ عاد إلى البصرة ففلج . و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر 1 .
و في ( الطرائف ) ذكر صاحب التاريخ المعروف بالعبّاسي : أنّ جماعة من ولد الحسن و الحسين عليه السّلام رفعوا قصّة إلى المأمون يذكرون أنّ فدك و العوالي كانت لامّهم فاطمة عليها السلام ، و أنّ أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حقّ ،
و سألوا المأمون إنصافهم و كشف ظلامتهم . فأحضر المأمون مئتي رجل من علماء الحجاز و العراق و غيرهما ، و هو يؤكّد في أداء الامانة و اتّباع الصدق ،
و عرّفهم ما ذكره ورثة فاطمة عليها السلام و سألهم عمّا عندهم من الحديث الصحيح في ذلك . فروى غير واحد منهم من بشر بن الوليد ، و بشر بن غياث و الواقدي في أحاديث يرفعونها إلى نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه لمّا فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود . فنزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية فآت ذا القربى حقه 2 فقال من ذو القربى ؟ فقال : فاطمة ، فدفع إليها فدك . ثمّ أعطاها العوالي بعد ذلك فاستغلتها حتّى توفّي أبوها .
فلمّا بويع أبو بكر قال : لا أمنعك ما رفع إليك أبوك فأراد أن يكتب لها كتابا . فاستوقفه عمر و قال : إنّها امرأة فادّعها بيّنة على ما ادّعت . فأمرها أبو
-----------
( 1 ) السقيفة للجوهري : 104 . و عنه شرح ابن أبي الحديد 4 : 81 ، شرح الكتاب 45 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الروم : 38 .
[ 323 ]
بكر أن تفعل فجاءت بأمّ أيمن ، و أسماء بنت عميس مع عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فشهدوا لها جميعا بذلك . فكتب لها أبو بكر ، فبلغ ذلك عمر فأتاه فأخذ الصحيفة و قال : إنّ فاطمة امرأة و عليّ زوجها هو جارّ إلى نفسه ، و لا تكون شهادة امرأتين دون رجل . فأرسل أبو بكر إلى فاطمة فأعلمها ذلك . فحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو إنّهم ما شهدوا إلاّ بالحقّ .
فقال أبو بكر : فلعلّك أنت تكونين صادقة و لكن أحضري شاهدا لا يجرّ إلى نفسه .
فقالت : أ لم تسمعا من أبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : أسماء بنت عميس و امّ أيمن من أهل الجنّة ؟ فقالا : بلى . فقالت : إمرأتان من أهل الجنّة تشهدان بباطل ؟ فانصرفت صارخة تنادي أباها و تقول : قد أخبرني أنّي أوّل من ألحق به فو الله لأشكونهما إليه .
فلم تلبث أنّ مرضت ، فأوصت عليّا عليه السّلام ألاّ يصليّا عليها ، و هجرتهما ، فلم تكلّمهما حتّى ماتت . فدفنها عليّ عليه السّلام و العباس ليلا .
ثمّ أحضر المأمون في اليوم الآخر ألف رجل من أهل العلم و الفقه و شرح لهم الحال ، و أمرهم بتقوى الله و مراقبته فتناظروا . فقالت فرقة منهم :
الزوج عندنا جارّ إلى نفسه فلا شهادة له ، و لكنّا نرى أنّ يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادّعت مع شهادة المرأتين ، و قالت طائفة : نرى اليمين مع الشهادة لا يوجب حكما و لكن شهادة الزوج جائزة و لا نراه جارّا إلى نفسه ، و قد وجبت بشهادته مع شهادة المرأتين لفاطمة ما ادّعت ، فكان اختلاف الطائفتين إجماعا منهما على استحقاق فاطمة فدك و العوالي .
فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعليّ و فاطمة عليها السلام . فذكروا طرفا جليلا ، و سألهم عن أمّ أيمن و أسماء فرووا عن نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّهما من أهل الجنّة .
[ 324 ]
فقال المأمون : أيجوز أن يقال إنّ عليا عليه السّلام مع ورعه و زهده يشهد لفاطمة عليها السلام بغير حقّ ، و قد شهد له الله و رسوله بهذه الفضائل ؟ أو يجوز مع علمه و فضله أن يقال إنّه يمشي في شهادة و هو يجهل الحكم فيها ؟
و هل يجوز أن يقال إن فاطمة مع طهارتها و عصمتها و أنّها سيّدة نساء العالمين ، و سيّدة نساء أهل الجنّة كما رويتم تطلب شيئا ليس لها ، و تظلم فيه جميع المسلمين ، و تقسم عليه باللّه ؟ أو يجوز أن يقال عن أمّ أيمن و أسماء أنّهما تشهدان بالزور و هما من أهل الجنّة ؟ إنّ الطعن على فاطمة عليها السلام و شهودها طعن على كتاب الله و إلحاد في دين الله .
ثمّ عارضهم المأمون بحديث رووه أنّ عليّا عليه السّلام أقام مناديا بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ينادي من كان له على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دين أو عدة فليحضر فحضر جماعة فأعطاهم بغير بيّنة ، و أنّ أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك . فحضر جرير بن عبد اللّه ، و جابر بن عبد الله فأعطاهما بغير بيّنة .
فقال المأمون : أما كانت فاطمة عليها السلام و شهودها يجرون مجرى جرير و جابر ؟ ثمّ تقدّم المأمون بسطر رسالة طويلة تتضمّن صورة الحال ، و أمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الأشهاد ، و جعل فدك و العوالي في يد محمّد بن يحيى بن الحسين بن علي بن علي بن الحسين عليه السّلام يعمّرها و يستغلها و يقسّم دخلها بين ورثة فاطمة عليها السلام . . . 1 .
هذا ، و قد قال الحموي قولا غريبا . فقال بعد عنوان فدك : و فيها عين فوّارة و نخيل كثيرة ، و هي الّتي قالت فاطمة : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نحلنيها . فقال أبو بكر : اريد لذلك شهودا و لها قصّة ثمّ أدّى اجتهاد عمر بعده لمّا ولي الخلافة و فتحت الفتوح و اتّسعت على المسلمين أن يردّها إلى ورثة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكان
-----------
( 1 ) الطرائف 1 : 248 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 325 ]
عليّ و العباس يتنازعان فيها . فكان عليّ يقول : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جعلها في حياته لفاطمة ، و كان العبّاس يأبي ذلك و يقول : هي ملك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنا وارثه . فكانا يتخاصمان إلى عمر . فيأبي أن يحكم بينهما ، و يقول : أنتما أعرف بشأنكما . أمّا أنا فقد سلّمتها إليكما فاقتصدا في ما يؤتي واحد منكما من قلّة معرفة .
فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بردّ فدك إلى ولد فاطمة فكانت في أيديهم في أيّام عمر بن عبد العزيز .
فلمّا ولي يزيد بن عبد الملك قبضها . فلم تزل في أيدي بنى اميّة حتّى ولي السفاح فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن عليّ فكان هو القيّم عليها يفرّقها في بني علي .
فلمّا ولي المنصور و خرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم .
فلمّا ولي المهدي الخلافة أعادها عليهم ثمّ قبضها الهادي و من بعده إلى أيّام المأمون . . . 1 .
فإنّه لم يقل أحد إنّ عمر ردّها ، بل اتّفقوا علي أنّ عمر بن عبد العزيز أوّل من ردّها ، و أنّ ما قاله شيء أدّاه إليه اجتهاده الفاسد لخبر متهافت ، و إنّما روى ادّعاء أمير المؤمنين عليه السّلام و العبّاس الميراث من عمر .
فروى نفسه في عنوان صنعاء : كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق فأكثر عنه ثمّ حرقّ كتبه و لزم محمّد بن ثور . فقيل له في ذلك . فقال ، كنّا عند عبد الرزاق فحدّثنا بحديث معمر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان الطويل . فلمّا قرأ قول عمر لعليّ و العباس : فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك ، و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها قال : " ألا يقول الأنوك ، رسول
-----------
( 1 ) معجم البلدان 4 : 238 .
[ 326 ]
الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، قال زيد بن المبارك : فقمت فلم أعد إليه . . . " 1 .
و في ( عيون المفيد ) : سأل يحيى البرمكي بحضرة الرشيد هشام بن الحكم ، فقال له : أخبرني عن الحقّ هل يكون في جهتين مختلفتين ؟ قال هشام :
لا .
قال : فخبّرني عن نفسين اختصما في حكم في الدين هل يخلوان من أن يكونا محقّين أو مبطلين أو يكون أحدهما محقا و الآخر مبطلا ؟ فقال هشام : لا يخلوان من ذلك ؟ و ليس يجوز أن يكونا محقّين على ما قدمت .
قال له يحيى : فخبّرني عن عليّ و العباس لمّا اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيّهما كان المحق إذ كنت لا تقول إنّهما كانا محقّين و لا مبطلين ؟ إلى أن قال : فقلت له : كانا جميعا محقّين و لهذا نظير قد نطق به القرآن في قصّة داود عليه السّلام حيث يقول جلّ اسمه : و هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب إلى قوله خصمان بغى بعضنا على بعض 2 فأيّ الملكين كان مخطئا .
قال يحيى : إنّهما أصابا لأنّهما لم يختصما في الحقيقة ، و لا اختلفا في الحكم ، و إنّما أظهرا ذلك لينبّها داود على الخطيئة و يعرّفاه الحكم .
قال هشام : فكذلك علي عليه السّلام و العبّاس لم يختلفا في الحقيقة ، و إنّما أظهرا الاختلاف و الخصومة لينبّها أبا بكر على غلطه و يدلاّه على ظلمه لهما ، و لم يكونا في ريب من أمرهما ، و إنّما كان ذلك منهما على حدّ ما كان من الملكين . . . 3 .
و كيف يصحّ ما قاله الحموي و كان اتّفاق العباس مع أمير المؤمنين
-----------
( 1 ) معجم البلدان 3 : 429 .
-----------
( 2 ) ص : 21 22 .
-----------
( 3 ) رواه المرتضى في الفصول المختارة 1 : 26 ، عن عيون المفيد ، بتلخيص .
[ 327 ]
عليه السّلام معلوما ؟ فلمّا قال المغيرة بن شعبة كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) و غيره لأبي بكر : أرى أن تلقوا العباس و تجعلوا له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه فتكون لكما الحجّة على عليّ و على بني هاشم إذا كان العباس معكم ،
إنطلق أبو بكر و معه عمر و أبو عبيدة إلى العباس و قال له : خلّى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين لا مختلفين ،
فاختاروني عليهم واليا و لا أخاف وهنا ، و ما زال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين ، و يتّخذونكم لحافا فاحذروا أن تكونوا جهد المنيع ، و قد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك و لعقبك من بعدك ، إذ كنت عمّ النبيّ ، و ان كان الناس قد رأوا مكانك ،
و مكان أصحابك فعدلوا الأمر عنكم على رسلكم بني عبد المطلب فإنّ النبيّ منّا و منكم .
ثمّ قال عمر : أي و الله ، و أخرى إنّا لم نأتكم حاجة منّا إليكم ، و لكنّا كرهنا أن يكون الطعن منكم في ما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم و بهم ،
فانظروا لأنفسكم و لعامّتكم .
فقال العباس لأبي بكر : إن كنت بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم طلبت فحقّنا أخذت ، و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن متقدّمون فيهم ، و إن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين . فأمّا ما بذلت لنا ، فإن يكن حقّا لك فلا حاجة لنا فيه ، و إن يك حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، و إن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض ، و أمّا قولك إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم منّا و منكم فإنّه قد كان من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها . . . 1 .
و كيف ينازع العباس أمير المؤمنين عليه السّلام في فدك و قد رأى أنّ
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 15 . و السقيفة للجوهري : 47 و غيرهما .
[ 328 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نحلها بنته و قد كانت في يدها كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام هنا : " بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء فشحّت عليها نفوس قوم " و إنّما كان طلب أبي بكر منها الشهود جورا كردّه قولها و شهودها ، و لو فرض عدم نحلتها كانت ميراثا لها ، و العباس لم يكن بوارث مع وجود الولد ، و التعصيب من بدع عمر .
و بالجملة ما قاله الحموي في غاية السقوط صدرا و ذيلا ، كما أنّ نسبته إلى ( بلدان البلاذري ) بعد نقل ما فيه من تفويض المأمون فدك إلى ورثة فاطمة عليها السلام و انّ المتوكّل لمّا استخلف ردّها إلى ما كانت عليه في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أبي بكر ، و عمر ، و عثمان ، و عليّ ، و عمر بن عبد العزيز بهتان ،
و إنّما قال البلاذري : " لمّا استخلف المتوكل ، أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون " 1 و كيف يقول الحموي : إنّ المتوكّل حشره اللّه معه ردّها إلى ما كانت عليه في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و قد عرفت رواية الجوهري منهم أنّه أقطعها البازيار فوجّه البازيار ثقفيا إلى فدك من البصرة فصرم نخيلا غرسها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بيده ، فلمّا رجع إلى البصرة فلج .
و في ( الشافي ) : روى محمّد بن زكريا الغلابي عن شيوخه عن أبي المقدام و هشام بن زياد مولى آل عثمان قالا : لمّا ولي عمر بن عبد العزيز ردّ فدك على ولد فاطمة عليها السلام فنقمت بنو اميّة ذلك عليه و عاتبوه و قالوا له : قبّحت فعل الشيخين ، و خرج إليه عمرو بن قيس في جماعة من أهل الكوفة . فلمّا عاتبوه قال : إنّ أبا بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم حدّثني عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : فاطمة بضعة منّي ، يسخطني ما يسخطها ، و يرضيني ما يرضيها ، و أنّ فدك كانت صافية في أيّام أبي بكر و عمر ثمّ صار أمرها إلى
-----------
( 1 ) فتوح البلدان : 47 .
[ 329 ]
مروان . فوهبها لأبي . فورثتها أنا و إخوتي . فسألتهم أن يبيعوني حصّتهم .
فمنهم من باعني ، و منهم من وهب حتّى استجمعتها ثمّ رأيت أن أردّها على ولد فاطمة عليها السلام . فقالوا : إن أبيت إلاّ هذا فأمسك الأصل و اقسم الغلة ففعل 1 .
و في ( الخصال ) عن الطبري باسناده : أنّ عمر بن عبد العزيز دخل المدينة فأمر مناديه فنادى من كانت له ظلامة فليأت . فدخل عليه محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام إلى أن قال فقال لعمر : إنّما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج قوم بما ينفعهم ، و منها خرج قوم بما يضرّهم ، و كم قوم قد ضرّهم مثل الّذي أصبحنا فيه حتّى أتاهم الموت إلى أن قال إتّق اللّه يا عمر ، و افتح الأبواب و سهل الحجاب ، و انصر المظلوم و ردّ الظالم .
ثم قال : ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان . فجثا عمر على ركبتيه ، ثمّ قال : إيه يا أهل بيت النبوّة .
فقال : نعم . من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل ، و إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقّ ، و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له . فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب : هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمّد بن علي فدك 2 .
و في ( الكافي ) عن عليّ بن أسباط قال : لمّا ورد أبو الحسن موسى عليه السّلام على المهدي رآه يردّ المظالم . فقال له : ما بال مظلمتنا لا ترد ؟ فقال له : و ما ذاك يا أبا الحسن . قال : لمّا فتح اللّه تعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فدك و ما والاها ، و لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب أنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فآت ذا القربى حقه 3 و لم يدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من هم فراجع في ذلك جبرئيل ، و راجع جبرئيل عليه السّلام ربّه ،
-----------
( 1 ) الشافي : 236 و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الخصال للصدوق 1 : 104 ح 63 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) الروم : 38 .
[ 330 ]
فأوحى إليه أن ادفع فدك إلى فاطمة . فدعاها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال لها : إنّ اللّه أمرني أن أدفع إليك فدك . فقالت : قد قبلت يا رسول اللّه من اللّه ، و منك فلم يزل و كلاؤها فيها حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فلمّا ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها فأتته فسألته أن يردّها عليها . فقال لها : إيتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك .
فجاءت بأمير المؤمنين عليه السّلام ، و امّ أيمن . فشهدا لها فكتب لها بترك التعرّض .
فخرجت و الكتاب معها . فلقيها عمر فقال : ما هذا معك يا بنت محمّد ؟ قالت :
كتاب كتبه ابن أبي قحافة ، قال : ارينيه فأبت . فانتزعه من يدها ، و نظر فيه ثمّ تفل فيه و محاه و خرقه ، و قال لها : هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل و لا ركاب .
فتضعي الحبال في رقابنا . . . 1 .
و قد روى أبو بكر الجعابي ، عن محمّد بن جعفر الحسني ، عن عيسى بن مهران ، عن يونس ، عن عبد اللّه بن محمّد بن سليمان الهاشمي عن أبيه عن جدّه ، عن زينب بنت عليّ عليه السّلام قالت : لمّا اجتمع رأي أبي بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك و العوالي ، و أيست من إجابته لها ، عدلت إلى قبر أبيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فألقت نفسها عليه ، و شكت إليه ما فعله القوم بها ، و بكت حتّى بلّت تربته عليها السلام بدموعها ، و ندبته ثم قالت في آخر ندبتها :
قد كان بعدك أنباء و هنبثة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض و ابلها
و اختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا
قد كان جبرئيل بالآيات يؤنسنا
فبغت عنّا فكلّ الخير محتجب
فكنت بدرا و نورا يستضاء به
عليك ينزل من ذي العزّة الكتب
تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا
بعد النبيّ و كل الخير مغتصب
سيعلم المتولّي ظلم حامتنا
يوم القيامة أنيّ سوف ينقلب
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 543 ح 5 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 331 ]
فقد لقينا الّذي لم يلقه أحد
من البريّة لا عجم و لا عرب
فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت
لنا العيون بتهمال له سكب 1
" و سخت عنها " في ( الصحاح ) : سخيت نفسي عن الشيء إذا تركته 2 .
" نفوس قوم آخرين " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( نفوس آخرين ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 و لابد أنّ كلمة " قوم " كانت حاشية خلطتها ( المصرية ) بالمتن . ثمّ المراد بنفوس آخرين الّتي سخت عنها ،
الأنصار حيث رأوا ذاك الأمر المنكر و سكتوا و لم يدافعوا .
و في ( بلاغات أحمد بن أبي طاهر البغدادي ) : أنّ فاطمة عليها السلام بعد محاجّتها مع أبي بكر عدلت إلى مجلس الأنصار فقالت : معشر البقيّة ، و أعضاد الملّة ، و حصون الإسلام ، ما هذه الغميرة في حقّي و السنة عن ظلامتي ؟ أما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : المرء يحفظ في ولده ؟ سرعان ما أجدبتم فأكديتم ،
و عجلان ذا إهالة تقولون مات رسول اللّه ، فخطب جليل ، استوسع و هنه و استهتر فتقه ، و بعد وقته و أظلمت الأرض لغيبته ، و أكتأبت خيرة اللّه لمصيبته ، و خشعت الجبال و أكدت الآمال ، و اضيع الحريم ، و ازيلت الحرمة عند مماته صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و تلك نازل علينا أعلن بها كتاب اللّه في أفنيتكم ، و في ممساكم و مصبحكم ، يهتف بها في أسماعكم ، و قبله حلّت بأنبياء اللّه عزّ و جلّ و رسله : و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا و سيجزي اللّه الشاكرين 4 .
-----------
( 1 ) رواه عنه المفيد في أماليه : 40 ح 8 المجلس 5 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 6 : 2373 ، مادة ( سخا ) .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 4 : 77 . و شرح ابن ميثم 5 : 99 مثل المصرية أيضا .
-----------
( 4 ) آل عمران : 144 .
[ 332 ]
إيها بني قيلة أ اهضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع ، تلبسكم الدعوة و تمثلكم الحيرة ، و فيكم العدد و العدة ، و لكم الدار ، و عندكم الجنن ، و أنتم الالى نخبة اللّه انتخب لدينه ، و أنصار رسوله ، و أهل الإسلام ، و الخيرة الّتي اختار لنا أهل البيت . فباديتم العرب ، و ناهضتم الامم ، و كافحتم البهم . لا نبرح نأمركم و تأمرون ، حتّى دارت لكم بنا رحى الإسلام ، و درّ حلب الأنام ، و خضعت نعرة الشرك ، و باخت نيران الحرب ، و هدأت دعوة الهرج ، و استوسق نظام الدين .
فأنيّ حزتم بعد البيان ، و نكصتم بعد الإقدام ، و أسررتم بعد الإعلان ، لقوم نكثوا أيمانهم ، أ تخشونهم ، فاللّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين 1 .
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، و ركنتم إلى الدعة . فعجتم عن الدين ، و بحجتم الّذي و عيتم ، و دسعتم الذي سوّغتم . ف إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فانّ اللّه لغنيّ حميد 2 .
ألا و قد قلت الّذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الّذي خامر صدوركم ،
و استشعرته قلوبكم ، و لكن قلته فيضة النفس ، و نفثة الغيظ ، و بثّة الصدور و معذرة الحجة فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر ، ناكبة الحق ، باقية العار موسومة بشنار الأبد ، موصولة بنار اللّه الموقدة الّتي تطّلع على الأفئدة . فبعين اللّه ما تفعلون ، و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فاعملوا إنّا عاملون ، و انتظروا إنّا منتظرون 3 .
و في ( احتجاج الطبرسي ) : أنّ فاطمة عليها السلام لمّا رجعت إلى البيت بعد محاجّة أبي بكر و تأنيب الأنصار خاطبت أمير المؤمنين عليه السّلام و قالت له :
-----------
( 1 ) التوبة : 13 .
-----------
( 2 ) إبراهيم : 8 .
-----------
( 3 ) بلاغات النساء لأحمد بن طاهر البغدادي : 25 31 .
[ 333 ]
إشتملت شملة الجنين ، و قعدت حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل ، و خانك ريش الاعزل . هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي ، و بلغة ابنيّ ، لقد أجهر في خصامي ، و ألفيته ألدّ في كلامي حتّى حبستني قيلة نصرها ، و المهاجرة وصلها و غضّت الجماعة دوني طرفها . فلا دافع و لا مانع . خرجت كاظمة ،
و عدت راغمة . أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك ، إفترست الذئاب ، و افترشت التراب ، ما كففت قائلا ، و لا أغنيت طائلا ، و لا خيار لي . ليتني متّ قبل هنيئتي ،
و دون ذلّتي . عذيري اللّه منك عاديا ، و منك حاميا . ويلاي في كلّ شارق ، ويلاي في كلّ غارب ، مات العمد و وهن العضد . شكواي إلى أبي ، و عدواي إلى ربّي .
اللّهمّ أنت أشدّ منهم قوّة و حولا ، و أشدّ بأسا و تنكيلا .
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : لا ويل لك بل الويل لشانئك . ثم نهنهي عن وجدك . يا ابنة الصفوة ، و بقية النبوّة . فما و نيت عن ديني ، و لا أخطأت مقدوري . فإن كنت تريدين البلغة . فرزقك مضمون ، و كفيلك مأمون ، و ما أعدّ لك أفضل ممّا قطع عنك . فاحتسبي اللّه .
فقالت : حسبي اللّه و أمسكت 1 .
و توهمّ ابن أبي الحديد و تبعه ابن ميثم أنّ المراد بقوله عليه السّلام : " و سخت عنها نفوس آخرين " أمير المؤمنين عليه السّلام و أهله فقال : " و ليس يعني هاهنا بالسخاء إلاّ هذا لا السخاء الحقيقي لأنّه عليه السّلام و أهله لم يسمحوا بفدك إلاّ غصبا و قسرا " 2 و ما توهّمه في غاية الركاكة .
" و نعم الحكم اللّه " روى الجوهري : أنّ فاطمة عليها السلام قالت لأبي بكر في خطبتها : أ في اللّه أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك ، و لا أرث أبي . لقد جئت شيئا
-----------
( 1 ) الاحتجاج للطبرسي 1 : 107 108 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 78 و شرح ابن ميثم 5 : 108 .
[ 334 ]
فريّا . فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك . فنعم الحكم اللّه ، و الزعيم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الموعد القيامة ، و عند الساعة يخسر المبطلون ، و لكلّ نبأ مستقرّ ، و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ، و يحلّ عليه عذاب مقيم 1 .
و رواه أحمد بن أبي طاهر البغدادي إلى أن قال : عن الراوي فما رأينا يوما كان أكثر باكيا ، و لا باكية من ذلك اليوم 2 .
و عن أبي بصير أنّه قال للصادق عليه السّلام : لم لم يأخذ أمير المؤمنين عليه السّلام فدكا لمّا ولي الناس . فقال ، لأنّ الظالم و المظلوم كانا قدما على اللّه عزّ و جلّ و عاقب الظالم و أثاب المظلومة . فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه غاصبه ،
و أثاب عليه المغصوب منها .
و قال إبراهيم الكرخي أيضا له عليه السّلام في ذلك . فقال عليه السّلام : اقتدى أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ففتح مكّة و قد كان عقيل باع داره فقيل له : ألا ترجع إلى دارك . فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و هل ترك عقيل لنا دارا " و إنّا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منّا ظلما . فلذلك لم يسترجع فدكا لمّا ولي .
و قال الرضا عليه السّلام لمّا سئل عن ذلك : إنّا أهل بيت ولينا اللّه عزّ و جلّ لا يأخذ لنا حقوقا إلاّ هو و نحن أولياء المؤمنين إنّما نحكم لهم ، و نأخذ حقوقهم ممّن ظلمهم ، و لا نأخذ لأنفسنا 3 .
هذا ، و في ( المناقب ) عن ( أخبار الخلفاء ) : أنّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر عليه السّلام : حدّ فدكا حتّى أردها إليك . فيأبى حتّى ألحّ عليه . فقال :
لا آخذها إلاّ بحدودها . قال : و ما حدودها ؟ قال : إن حددتها لم تردّها . قال : بحقّ
-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 99 و جمع آخر في ضمن خطبة فدك .
-----------
( 2 ) بلاغات النساء لأحمد بن طاهر البغدادي : 26 .
-----------
( 3 ) خرج هذه الأحاديث الصدوق في علل الشرائع 1 : 154 و 155 ح 1 3 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 335 ]
جدّك إلاّ فعلت . قال : أمّا الحدّ الأوّل فعدن . فتغيّر وجه الرشيد ، و قال : أيها . قال :
و الحدّ الثاني سمرقند . فأربدّ وجهه قال : و الحدّ الثالث إفريقية . فاسودّ وجهه و قال هيه . قال : و الرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر و أرمينية . قال الرشيد : فلم يبق لنا شيء . فتحوّل إلى مجلسي . قال : قد أعلمتك انني إن حددتها لم تردّها فعند ذلك عزم على قتله 1 .
و في ( تاريخ خلفاء السيوطي ) : و في سنة ( 351 ) كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعن اللّه معاوية و لعن اللّه من غصب فاطمة حقّها من فدك ،
و من منع الحسن عليه السّلام أن يدفن مع جدّه و لعن اللّه من نفى أبا ذر ثمّ إنّ ذلك محي في الليل . فأراد معزّ الدولة أن يعيده . فأشار عليه الوزير المهلّبي أن يكتب بدل ما محي : لعن اللّه الظالمين لآل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 .
و أقول : و نعم الحكم اللّه بيننا و بين الناصبة ، تارة ينكرون خطبة الصدّيقة في الشكاية من صدّيقهم و فاروقهم . فينسبونها إلى أبي العيناء ، كما أنكروا الخطبة الشقشقية في شكايته عليه السّلام منهم ناسبين لها إلى الرضي مع أنّ الخطبتين كانتا ثابتتين قبل جدّ جدّ الرجلين .
ففي ( بلاغات البغدادي ) : قلت لأبي الحسين زيد بن عليّ : إنّ هؤلاء يزعمون أنّ كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إيّاها فدك مصنوع من أبي العيناء ، فقال : رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ، و يعلّمونه أبناءهم ، و قد حدّثنيه أبي عن جدّي يبلغ به إلى فاطمة عليها السلام ، و رواه مشائخ الشيعة و تدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي العيناء .
و قد حدّث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي ، عن عبد اللّه بن
-----------
( 1 ) أخرجه السروي في مناقبه 4 : 320 .
-----------
( 2 ) تاريخ الخلفاء : 400 .
[ 336 ]
الحسين ، عن أبيه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت ثم ذكر الحديث .
قال : لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك و بلغها ذلك ، لاثت خمارها على رأسها ، و أقبلت في لمّة من حفدتها تطأذيولها ، ما تخرم مشيتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم شيئا حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار فنيطت دونها ملاءة ثمّ أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء ، و ارتجّ المجلس . فأمهلت حتّى سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم .
فافتتحت الكلام بحمد اللّه تعالى و الثناء عليه ، و الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فعاد القوم في بكائهم . فلمّا أمسكوا عادت في كلامها .
فقالت : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم . فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمّي دون رجالكم . فبلّغ النذارة صادعا بالرسالة ماثلا على مدرجة المشركين ضاربا لثبجهم . آخذا بكظمهم . يهشم الأصنام ، و ينكث الهام . حتّى هزم الجمع ، و ولّوا الدبر ، و تفرّى الليل عن صبحه ، و أسفر الحق عن محضه ، و نطق زعيم الدين ، و خرست شقاشق الشياطين ، و كنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب ، و نهزة الطامع ، و قبسة العجلان ، و موطئ الأقدام . تشربون الطرق ،
و تقتاتون الورق أذلّة خاشعين . فتخافون أن يتخلطّفكم الناس من حولكم فانقذكم اللّه برسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم . بعد اللّتيا و الّتى ، و بعدما مني ببهم الرجال ،
و ذؤبان العرب ، و مردة أهل الكتاب كلّما حشوا نارا للحرب أطفأها ، و نجم قرن للضلال ، و فغرت فاغرة من المشركين . قذف بأخيه في لهواتها فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، و يخمد لهبها بحدّه ، مكدودا في ذات اللّه قريبا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سيّدا في أولياء اللّه ، و أنتم في بلهنية و ادعون آمنون حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه دار أنبيائه ظهرت خلّة النفاق ، و سمل جلباب الدين ، و نطق كاظم الغاوين ، و نبغ خامل الآفلين ، و هدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ،
[ 337 ]
و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه . صارخا بكم . فوجدكم لدعائه مستجيبين ،
و للغرّة فيه ملاحظين . فاستنهضكم فوجدكم خفافا ، و أحمشكم فألفاكم غضابا . فوسمتم غير إبلكم ، و أورد تموها غير شربكم . هذا و العهد قريب ،
و الكلم رحيب ، و الجرح لما يندمل بدارا زعمتم خوف الفتنة . ألا في الفتنة سقطوا ، و انّ جهنّم لمحيطة بالكافرين . فهيهات منكم و أنّى بكم ، و أنّى تؤفكون و هذا كتاب اللّه بين أظهركم ، و زواجره بيّنة ، و شواهده لائحة ، و أوامره واضحة ، أرغبة عنه تدبرون ؟ أم بغيره تحكمون ؟ بئس للظالمين بدلا ، و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين . ثمّ لم تريثوا إلاّ ريث أن تسكن نغرتها تشربون حسوا ، و تسرّون في ارتغاء ،
و نصبر منكم على مثل حزّ المدى ، و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا . أفحكم الجاهلية تبغون ، و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون . . . .
و رواه باسناد آخر عن جعفر بن محمّد المصري عن أبيه عن موسى بن عيسى ، عن عبد اللّه بن يونس ، عن جعفر الأحمر ، عن زيد بن عليّ ، عن عمّته زينب ، و زاد : أفعلى محمّد تركتم كتاب اللّه ، و نبذتموه وراء ظهوركم اذ يقول تبارك و تعالى و ورث سليمان داود 1 .
و قال عزّ و جلّ في ما قصّ من خبر يحيى بن زكريا : فهب لي من لدنك وليّا يرثني و يرث من آل يعقوب 2 .
و قال عزّ ذكره : و اولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه 3 .
و قال تعالى : يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظّ الانثيين 4 .
-----------
( 1 ) النمل : 16 .
-----------
( 2 ) مريم : 5 و 6 .
-----------
( 3 ) الانفال : 75 .
-----------
( 4 ) النساء : 11 .
[ 338 ]
و قال تعالى : إن ترك خيرا الوصية للوالدين و الأقربين بالمعروف حقّا على المتّقين 1 .
و زعمتم أن لا حق و لا أرث لي من أبي ، و لا رحم بيننا ، أفخصّكم اللّه بآية أخرج نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم منها ؟ أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون ؟
أو لست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة ؟ لعلّكم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أفحكم الجاهلية تبغون ، و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون ، أ اغلب على إرثي جورا و ظلما . . . 2 .
و تارة يفترون من صلب وجوههم أنّ أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام : لا أدفعك عن صوابك و لكن هذا أبو الحسن بيني و بينك هو الّذي أخبرني بما أخذت و تركت . قالت : فإن يكن ذلك كذلك فصبرا لمرّ الحقّ 3 . فهب أنّ فاطمة لم تكن سيّدة نساء العالمين ، و كانت اعرابية لم يكن لها تفقّه أصلا هل يجوّز عقل أن تخرج و تطالب و لا تعلم بعلها .
و كيف و موتها غضبي على الرجلين متواتر كتواتر قول النبيّ أبيها صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيها : غضبها غضب اللّه و رسوله . فسأل داود بن المبارك عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن عنهما . فقال : اجيبك بما أجاب به جدّي عبد اللّه بن الحسن فإنّه سئل عنهما فقال : كانت امّنا صديقة ابنة نبي مرسل ، و ماتت و هي غضبي على قوم . فنحن غضاب لغضبها 4 ، و قال بعض العلوييّن في ذلك :
أ تموت البتول غضبي و نرضى
ما كذا يصنع البنون الكرام
-----------
( 1 ) البقرة : 180 .
-----------
( 2 ) بلاغات النساء : 23 29 .
-----------
( 3 ) لم أجده .
-----------
( 4 ) رواه الجوهري في السقيفة : 72 و 116 .
[ 339 ]
و لمّا قال كثير النوا ، و سلمة بن كهيل ، و أبو المقدام للباقر عليه السّلام : نتولّى عليّا و حسنا و حسينا ، و نتبرّأ من أعدائهم ، و نتولّى أبا بكر و عمر ، و نتبرّأ من أعدائهم . قال لهم أخوه زيد بن عليّ : أتتبرّؤون من فاطمة بترتم أمرنا بتركم اللّه 1 .
يعني أنّ كون فاطمة عدوّة لهما متحقق ، فإذا تبرّؤوا من عدوّهما لابدّ أن يتبرّؤوا منها .
و في خبر زكريا بن آدم القمي قال : كنت عند أبي الحسن الرضا عليه السّلام إذ جيء بابنه أبي جعفر الجواد عليه السّلام و سنّه أقل من أربع . فضرب بيده إلى الأرض و رفع رأسه إلى السماء و هو يفكّر فقال له أبوه : بنفسي أنت فيم طال فكرك .
فقال : في ما صنع بامّي فاطمة عليها السلام 2 .
" و ما أصنع بفدك و غير فدك " قال أنس بن مالك كما روى الجوهري إنّ فاطمة عليها السلام أتت أبا بكر تطلب منه سهم ذوي القربى . فأجابها بأنّي لم أعلم أنّ هذا السهم لكم . فقالت : ذلك لعمر . فأجابها كذلك قال : فعجبت فاطمة عليها السلام من ذلك ، و تظنّت أنّهما كانا تذاكرا ذلك و اجتمعا عليه 3 .
" و النفس مظانّها " أي : محالّها جمع مظنّة قال النابغة :
فإن يك عامر قد قال جهلا
فإنّ مظنّة الجهل الشباب 4
" في غد جدث " أي : قبر . و جمعه أجداث فقط دون أجدث كما توهمه الجوهري استنادا إلى قول الهذلي " عرفت بأجدث فنعاف عرق " 5 لأنّ المراد
-----------
( 1 ) رواه الكشي في معرفة الرجال : اختياره : 236 ح 429 .
-----------
( 2 ) رواه الطبري في دلائل الامامة : 212 .
-----------
( 3 ) السقيفة : 114 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 4 ) لسان العرب 13 : 274 ، مادة ( ظن ) .
-----------
( 5 ) صحاح اللغة 1 : 277 ، مادة ( جدث ) .
[ 340 ]
به موضع لا جمع الجدث .
" تنقطع في ظلمته آثارها " فما يصنع الإنسان بمتاع الدنيا الفاني .
كان محمّد بن الفرج المصري من أصحاب الهادي عليه السّلام ضرب الخليفة على جميع ما يملكه و حبسه ثماني سنين ثمّ خلّى عنه . فكتب إليه عليه السّلام سأل الدعاء لردّ ضياعه . فكتب عليه السّلام " سوف تردّ عليك و ما يضرّك ألاّ تردّ عليك . " فكتب الخليفة له ردّ ضياعه لكنّه مات قبل أن يتصرّف فيها 1 .
" و تغيب أخبارها " في ( الأنوار للسيّد الجزائري ) : أنّ رجلين تنازعا في دار فأنطلق اللّه لبنة من جدار تلك الدار ، فقالت : إنّي كنت ملكا من ملوك الأرض ملكت الدنيا ألف سنة فلمّا صرت ترابا أخذني خزّاف بعد ألف سنة . فصيّرني خزفة فبقيت ألف سنة ، ثم أخذني لبّان فصيّرني لبنة ، و أنا في هذا الجدار منذ كذا و كذا . فلم تتنازعان في هذه الدار 2 .
" و حفرة " بالرفع عطف على " جدث " .
" لو زيد في فسحتها و أوسعت يدا حافرها " في ( ذيل الطبري ) : انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم رأى في قبر ابنه إبراهيم فرجة فأمر بها تسدّ . فقيل له : فقال : أمّا إنّها لا تضرّ و لا تنفع : و لكنّها تقرّ عين الحيّ و إنّ العبد إذا عمل عملا أحبّ اللّه تعالى أن يتقنه 3 .
و روى ( العلل ) عن الصادق عليه السّلام في خبر وفاة سعد بن معاذ . فنزل به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى لحدّه ، و سوّى عليه اللبن و جعل يقول : ناولوني ترابا رطبا يسدّ به ما بين اللبن . فلمّا أن فرغ و حثا التراب عليه و سوّى قبره قال : إنّي لأعلم
-----------
( 1 ) أخرجه المفيد في الارشاد : 330 . و الكليني في الكافي 1 : 500 ح 45 و غيرهما و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الأنوار النعمانية للسيد نعمة اللّه الجزائري 3 : 308 .
-----------
( 3 ) منتخب ذيل المذيل : 109 .
[ 341 ]
أنه سيبلى ، و يصل إليه البلى ، و لكنّ اللّه يحبّ عبدا إذا عمل عملا فأحكمه 1 .
" لاضغطها الحجر و المدر ، و سدّ فرجها التراب المتراكم " شكا أبو بصير إلى الصادق عليه السّلام وسواس الدنيا . فقال عليه السّلام له : اذكر تقطّع أو صالك في قبرك ،
و رجوع أحبابك عنك إذا دفنوك في حفرتك ، و خروج بنات الماء من منخريك ،
و أكل الدود لحمك ، فإنّ ذلك يسلّي عنك ما أنت فيه . قال أبو بصير : فو اللّه ما ذكرته إلاّ سلّى عنّي ما أنا فيه من همّ الدنيا 2 .
34
الكتاب ( 65 ) وَ مِنْ كِتَابٍ لَهُ ع إِلَيْهِ أَيْضًا :
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ اَلْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ اَلْأُمُورِ فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلاَفِكَ بِادِّعَائِكَ اَلْأَبَاطِيلَ وَ اِقْتِحَامِكَ غُرُورَ اَلْمَيْنِ وَ اَلْأَكَاذِيبِ وَ بِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلاَ عَنْكَ وَ اِبْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اُخْتُزِنَ دُونَكَ فِرَاراً مِنَ اَلْحَقِّ وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَ دَمِكَ مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ فَمَا ذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ اَلْمُبِينُ وَ بَعْدَ اَلْبَيَانِ إِلاَّ اَللَّبْسُ فَاحْذَرِ اَلشُّبْهَةَ وَ اِشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا فَإِنَّ اَلْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلاَبِيبَهَا وَ أَعْشَتِ اَلْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا وَ قَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ اَلْقَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ اَلسِّلْمِ وَ أَسَاطِيرَ لَمْ يَحُكْهَا مِنْكَ عِلْمٌ وَ لاَ حِلْمٌ أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي اَلدَّهَاسِ وَ اَلْخَابِطِ فِي اَلدِّيمَاسِ وَ تَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ اَلْمَرَامِ
-----------
( 1 ) علل الشرائع 1 : 309 ح 4 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 3 : 255 ح 20 .
[ 342 ]
نَازِحَةِ اَلْأَعْلاَمِ تَقْصُرُ دُونَهَا اَلْأَنُوقُ وَ يُحَاذَى بِهَا اَلْعَيُّوقُ وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً فَمِنَ اَلْآنَ فَتَدَارَكْ نَفْسَكَ وَ اُنْظُرْ لَهَا فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اَللَّهِ أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ اَلْأُمُورُ وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ اَلْيَوْمَ مَقْبُولٌ وَ السَّلامُ قول المصنّف " إليه أيضا " أي : إلى معاوية لذكره قبله أيضا كتابا له عليه السّلام إلى معاوية .
قوله عليه السّلام أمّا بعد فقد آن لك في ( الصحاح ) : " آن لك أن تفعل كذا يأين أينا عن أبي زيد : أي : حان مثل أنّى لك و هو مقلوب منه و أنشد ابن السكّيت :
المّايئن لي أن تجلّى عمايتي
و اقصر عن ليلي بلى قد أنى ليا
فجمع بين اللغتين 1 . و مراده كون يئن بكسر الهمزة مضارع آن فيكون أتى بآن ثمّ بأنى .
" ان تنتفع باللمح الباصر " في ( الصحاح ) " لارينك لمحا باصرا : أي أمرا واضحا " 2 .
" من عيان الامور " قال ابن أبي الحديد : هذا الكتاب جواب كتاب وصل إليه عليه السّلام من معاوية بعد قتله عليه السّلام الخوارج ، و فيه تلويح بما كان يقوله عليه السّلام من قبل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عدني بقتال طائفة اخرى غير أصحاب الجمل و صفّين ،
و أنّه سمّاهم المارقين . فلمّا واقعهم عليه السّلام بالنهروان و قتلهم كلّهم بيوم واحد ،
و هم عشرة آلاف فارس أحبّ أن يذكّر معاوية بما كان يقوله من قبل و يعد به أصحابه و خواصّه ، فقال عليه السّلام له : " قد آن لك أن تنتفع بما عاينت و شاهدت
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 5 : 2076 مادة ( اين ) .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 1 : 402 ، مادة ( لمح ) .
[ 343 ]
معاينة و مشاهدة من صدق القول الّذي كنت أقوله للناس و يبلغك فتستهزئ به " 1 .
قلت : هو نظير قوله تعالى بعد ظهور آيات بيّنات و معجزات واضحات من رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : قد تبيّن الرشد من الغي 2 و خبر قتاله عليه السّلام مع الناكثين و القاسطين و المارقين من المتواترات عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند العامة و الخاصّة .
روى الكنجي الشافعي في ( مناقبه ) مسندا عن مخنف بن سليم قال :
أتينا أبا أيوب الأنصاري ، و هو يعلف خيلا له . فقلنا عنده فقلت له : يا أبا أيّوب قاتلت المشركين مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم جئت تقاتل المسلمين ؟ قال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرني بقتال ثلاثة : الناكثين ، و القاسطين ،
و المارقين . فقد قاتلت الناكثين و القاسطين ، و أنا مقاتل إن شاء اللّه المارقين بالسعفات بالطرقات بالنهروانات و ما أدري أين هو . و رواه الكشي و في آخره " و ما أدري أنّى هي " .
و عن ابن عبّاس قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لامّ سلمة : " هذا عليّ بن أبي طالب لحمه من لحمي ، و دمه من دمي ، و هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي . يا امّ سلمة هذا عليّ أمير المؤمنين ، و سيّد المسلمين ، و وعاء علمي و وصييّ ، و بابي الّذي اوتى منه . أخي في الدنيا و الآخرة ، و معي في المقام الأعلى . يقتل الناكثين و القاسطين و المارقين " 3 .
" فقد سلكت " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : " و لقد سلكت " كما في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد ) 4 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 222 .
-----------
( 2 ) البقرة : 256 .
-----------
( 3 ) رواه الكنجي في كفاية الطالب : 69 و 70 . و الكشي في معرفة الرجال : اختياره : 37 ح 76 .
-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 4 : 220 . لكن في شرح ابن ميثم 5 : 212 مثل المصرية أيضا .
[ 344 ]
" مدارج " جمع مدرجة ، أي : مسالك .
" أسلافك " حيث إنّه حاربه عليه السّلام كما حارب أسلافه ، و هم عتبة و شيبة و أبو سفيان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و تكبّر عن قبول ولايته عليه السّلام كما تكبّر اولئك عن قبول نبوّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
" بادّعائك الأباطيل " قال في ( الصحاح ) : الأباطيل جمع الباطل على غير قياس كأنّهم جمعوا إبطيلا 1 .
" و إقحامك " الاقحام : الدخول بغير رويّة .
" غرور المين " فسّروا المين بالكذب و كأنّه لا يستعمل وحده كما في قوله عليه السّلام كما يأتي و كما في قول الشاعر في جذيمة و الزبّاء " و ألفى قولها كذبا و مينا " 2 .
" و الأكاذيب " جمع الاكذوبة .
و ادّعاء معاوية الأباطيل ، و إقحامه غرور المين و الأكاذيب إنّما كان بادعائه كونه وليّ عثمان ، و أنّ عثمان قتل مظلوما . فلم يكن وليّ عثمان ، و لم يكن عثمان قتل مظلوما . فلمّا أرادوا من أمير المؤمنين عليه السّلام الإقرار بكون عثمان قتل مظلوما أبى و أنكر كما مرّ .
" و بانتحالك " الانتحال : ادعاء باطل . قال الأعشى متبرّئا من ادّعائه أشعار غيره :
فكيف أنا و انتحالي القوافي
بعد المشيب كفى ذاك عارا 3
" ما قد علا عنك " أي : أمرا جلّ عنك ، و هو الخلافة . قال تعالى : لا ينال
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 4 : 1635 ، مادة ( بطل ) .
-----------
( 2 ) أورده لسان العرب 13 : 425 ، مادة ( مين ) .
-----------
( 3 ) أورده لسان العرب 11 : 651 ، مادة ( نحل ) .
[ 345 ]
عهدي الظالمين 1 .
" و ابتزازك " أي : سلبك . يقال : " رجعت الخلافة بزيزّي " أي : تبزّ بزّا و لا تؤخذ بالاستحقاق .
" لما اختزن دونك " أي : كتم من مثلك لعدم لياقتك .
و المراد و ثوبه على الخلافة الّتي هو عنها بمراحل حتّى عند العامة . فان كان طلحة و الزبير يدّعيان أنّهما من المهاجرين الأوّلين ، و من ستّة الشورى إلاّ أنّ معاوية كان من الطلقاء ، و من المؤلّفة ممّن أسلم كرها .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : أنّ معاوية كتب إلى أهل مكّة و المدينة أنّ عليّا قتل عثمان لأنّه آوى قتلته ، فليدفع قتلته نقتلهم بكتاب اللّه ثمّ نجعل الأمر شورى . فأسندوا أمرهم في الجواب إلى المسوّر بن مخرمة .
فكتب إلى معاوية مجاوبا عنهم : " ما أنت و الخلافة يا معاوية ، و أنت طليق و أبوك من الأحزاب " قال : و كتب معاوية إلى محمد بن مسلمة و ابن عمر و سعد ابن أبي وقّاص بمثل ذلك . فأجابوه بمثل ذلك 2 .
و في ( تاريخ الطبري ) عن الحسن البصري : أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة . إنتزاؤه على هذه الامّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم و فيهم بقايا الصحابة ، و ذوو الفضيلة ،
و استخلافه ابنه بعده سكّيرا خمّيرا يلبس الحرير ، و يضرب بالطنابير ،
و ادعاؤه زيادا و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " الولد للفراش و للعاهر الحجر " و قتله حجرا ، ويلا له من حجر و أصحاب حجر مرّتين 3 .
-----------
( 1 ) البقرة : 124 .
-----------
( 2 ) الامامة و السياسة 1 : 98 101 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 208 ، لسنة 51 .
[ 346 ]
و في ( تاريخ الطبري ) أيضا : أنّ سليمان بن صرد ، و المسيّب بن نجبة ،
و رفاعة بن شداد و جمعا آخر كتبوا إلى الحسين عليه السّلام بعد معاوية : أمّا بعد ،
فالحمد للّه الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الّذي انتزى على هذه الامّة . فابتزّها أمرها ، و غصبها فيأها ، و تأمّر عليها بغير رضى منها ، ثمّ قتل خيارها ،
و استبقى شرارها ، و جعل مال اللّه دولة بين جبابرتها و أغنيائها ، فبعدا له كما بعدت ثمود 1 .
" فرارا من الحقّ وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك و دمك " قال ابن أبي الحديد : يعني فرض طاعته عليه السّلام لأنّه و عاها سمعه لا ريب في ذلك إمّا بالنص في أيّام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما تذكره الشيعة فقد كان معاوية حاضرا يوم الغدير لأنّه حجّ معهم حجّة الوداع ، و قد كان أيضا حاضرا يوم تبوك حين قال له بمحضر من الناس كافة : " أنت منّي بمنزلة هارون من موسى " ، و إمّا بالبيعة كما نذكره نحن فإنّه قد اتّصل به خبره ، و تواتر عنده وقوعها .
و الظاهر من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه يريد المعنى الأوّل ، و نحن نخرّجه على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة .
فنقول : نفرض أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما نصّ عليه بالخلافة بعده ، أليس يعلم معاوية و غيره من الصحابة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له في ألف مقام " أنا حرب لمن حاربت و سلم لمن سالمت " و نحو ذلك من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " اللّهمّ عاد من عاداه و وال من والاه " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم له : " حربك حربي و سلمك سلمي " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " أنت مع الحقّ و الحق معك " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " هذا منّي و أنا منه " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " إنّه يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
" اللّهمّ أتني بأحبّ خلقك إليك " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " إنّه وليّ كلّ مؤمن بعدي "
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 261 لسنة 60 .
[ 347 ]
و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في كلام قاله " خاصف النعل " 1 .
قلت : و أشار إلى ما رواه ( فضائل أحمد بن حنبل ) عن أنس قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي ، يمضي فيهم أمري ، و يقتل المقاتلة و يسبي الذرية " .
قال أبو ذر : فما راعني إلاّ برد كفّ عمر من خلفي . فقال : من تراه يعني ؟
فقلت : ما يعنيك ، و إنّما يعني خاصف النعل علي بن أبي طالب 2 .
قال ابن أبي الحديد : و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " لا يحبّه إلاّ مؤمن و لا يبغضه إلاّ منافق " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " إنّ الجنّة لتشتاق إلى أربعة " و جعله أوّلهم و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعمّار : " تقتلك الفئة الباغية " و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " ستقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين بعدي " إلى غير ذلك ممّا يطول تعداده جدّا و يحتاج إلى كتاب مفرد يوضع له أفما كان ينبغي لمعاوية أن يفكّر في هذا و يتأمّله و يخشى اللّه و يتقيه فلعلّه عليه السّلام إلى هذا أشار بقوله : " و جحودا لما هو ألزم لك من لحمك و دمك ممّا قد وعاه سمعك و ملئ به صدرك " 3 .
قلت : قد أقرّ ابن أبي الحديد أنّ الظاهر من كلامه عليه السّلام الأوّل و حينئذ فيكون خلفاؤه الثلاثة أيضا مثل معاوية ، و كلّهم كانوا يعرفون ما قال سمعوا كلّ ما مرّ بآذانهم و رأوه بأعينهم ، لكن حليت الدنيا في أعينهم و راقهم زبرجها كما قال عليه السّلام في خطبته المعروفة 4 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : قال أبو حامد الغزالي في كتابه ( سرّ العالمين ) : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعليّ عليه السّلام يوم غدير خم : " من كنت مولاه فعليّ
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 220 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه عنه السبط في التذكرة : 39 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 221 .
-----------
( 4 ) نهج البلاغة 1 : 36 ، الخطبة 3 .
[ 348 ]
مولاه " فقال عمر بن الخطاب " بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة " و هذا تسليم و رضاء و تحكيم ثمّ بعد هذا غلب الهوى حبّا للرياسة ، و عقد البنود ، و خفقان الرايات ، و ازدحام الخيول في فتح الأمصار ،
و أمر الخلافة و نهيها . فحملهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون 1 .
و معاوية كان مقرّا بجميع فضائله عليه السّلام الّتي عدّدها إلاّ أنّه كان يقول انّه اتّبع صدّيقهم و فاروقهم . فكتب إلى محمّد بن أبي بكر في جواب كتاب كتبه إليه أنكر عليه ادّعاءه في قباله عليه السّلام و هو هو و هو هو : " آتاني كتابك إلى أن قال ذكرت حق ابن أبي طالب و قديم سوابقه ، و قرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نصرته له و مواساته إيّاه في كلّ خوف ، و هول إلى أن قال و قد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب و حقّه لازما لنا مبرما علينا . فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده ، و أتمّ له ما وعده ، و أظهر دعوته . فأبلج حجّته ، و قبضه اللّه إليه كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه ، و خالفه على أمره . على ذلك اتّفقا و اتّسقا ، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما و تلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم ، و أرادا به العظيم . ثمّ إنّه بايع لهما و سلّم لهما و أقاما لا يشركانه في أمرهما ، و لا يطلعانه على سرّهما إلى أن قال :
فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، و قس شبرك بفترك تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزن الجبال بحمله ، و لا يلين عن قسر قناته ، و لا يدرك ذو مقال أناته و أبوك مهّد مهاده ، و بنى له ملكه و شاده ، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك استبدّ به ، و نحن شركاؤه ، و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلّمنا إليه و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا . فأخذنا بمثله .
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 62 . و الآية 187 من آل عمران .
[ 349 ]
فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك .
رواه المسعودي في ( مروجه ) و نصر بن مزاحم في ( صفينه ) و غيرهما و أشار إليه الطبري في ( تاريخه ) 1 .
ثم قول ابن أبي الحديد النصّ عليه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم " تذكره الشيعة " مغالطة ، بل هم أيضا يذكرونه كما نذكره ، و قد صنّف في من ذكره منهم كتاب بل كتب .
و ممّن صنّف فيه الحنفي في ( ينابيعه ) ، و قد عنون الجزري رواته في تضاعيف ( اسده ) 2 و إنّما فرقهم و فرق الشيعة أنّ الشيعة يعملون بما قاله نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و هم لا يعملون بقول نبيّهم بل يقدّمون نصّ فاروقهم في نبيّهم :
" إنّ الرجل ليهجر " على نصّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع أنّ حديث المنزلة يكفيه عليه السّلام مرتبة و منزلة .
كما أنّ قوله : " و نحن نخرّج كلامه عليه السّلام : وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك و دمك ممّا قد وعاه سمعك و ملئ به صدرك على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة " أيضا غلط . فلازم أكثر تلك الأحاديث أيضا ثبوت خلافته .
" فما ذا بعد الحقّ إلاّ الضلال المبين " هكذا في ( المصرية ) ، و كلمة " المبين " زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 ، و أيضا لا وجه لها . فمقابل الحقّ مطلق الضلال ، و كلامه عليه السّلام لفظ الآية في يونس :
-----------
( 1 ) رواه نصر ابن مزاحم في وقعة صفين : 118 . و المسعودي في المروج 3 : 12 . و البلاذري في أنساب الأشراف 2 :
396 . و أشار اليه الطبري في تاريخه 3 : 557 ، لسنة 36 .
-----------
( 2 ) أمّا ينابيع المودة فالعمدة فيه هذه الأحاديث ، و أما اسد الغابة فروى فيه هذه الأحاديث متفرقة في ترجمة رواتها من الصحابة .
-----------
( 3 ) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 4 : 220 . و شرح ابن ميثم 5 : 212 .
[ 350 ]
فذلكم اللّه ربّكم الحقّ فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال فأنّى تصرفون 1 .
" و بعد البيان إلاّ اللبس " أي : التلبيس و لبس الحقّ بالباطل يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل و تكتمون الحقّ و أنتم تعلمون 2 .
" فاحذر الشبهة ، و اشتمالها على لبستها " أي : تلبيسها .
" فإنّ الفتنة طالما " أي : صارت في زمان طويل .
" أغدفت " أي : أرسلت و أرخت .
" جلابيبها " أي : ملاحفها فلا يتبين وجه الحقّ كمرأة أرخت جلبابها و سترت قبح وجهها .
" و أعشت الأبصار " بالنصب .
" ظلمتها " بالرفع ، و الأعشى الّذي لا يبصر بالليل يعني ظلمة الشبهة تجعل الأبصار غير مبصرة كظلمة الليل لبصر الأعشى .
و المراد أنّ وزر شبهة و فتنة يكون أبد الدهر عليه ، و شبهات معاوية و تلبيساته إلى اليوم في أذهان أهل السنة باقية . بل هل دين أهل السنة ، دين اخترعه لهم معاوية . و لذا قال الربيع بن نافع كما في ( تاريخ بغداد ) : معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه 3 .
قلت : و كفى صحابتهم خزيا و افتضاحا كون معاوية الّذي جاهر بالكفر و عمل ما عمل لهم سرّا .
" و قد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول " في ( الصحاح ) : الفنن : جمعه
-----------
( 1 ) يونس : 32 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 71 .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 1 : 209 .
[ 351 ]
أفنان ثمّ أفانين ، و هي الأساليب : أي أجناس الكلام 1 .
" ضعفت قواها " قوى جمع قوّة .
" عن السلم " أي : الصلح أو الاسلام ، و المراد ضعفت أقوياء أفانين كتابك عن السلم فكيف بضعافها .
" و أساطير " أي : أباطيل جمع اسطورة بالضم و إسطارة بالكسر .
" لم يحكها " بضم الحاء من حاك يحوك نسج .
" منك علم و لا حلم " أي : عقل ، و هو من استعمال اللازم في الملزوم . هذا و للنابغة في مثل ذلك :
أتاك بقول هلهل النسج كاذبا
و لم يأت بالحقّ الّذي هو ساطع
و للبحتري :
أتاني كتابك ذاك الّذي
تهدّدت فيه ضلالا و نوكا
" أصبحت منها كالخائض " أي : المقتحم .
" في الدهاس " أي : ما سهل من الأرض و لان ، و لم يبلغ أن يكون رملا .
" و الخابط " أي : الطارح نفسه .
" في الديماس " أي : في سرب مظلم .
و المراد أصبحت من الخلافة و ما تتعلّق به من أمرها من كونك و إلى عمر ، و وليّ عثمان كالخائض في الدهاس . فيخوض فيه كما يخاض في الماء ،
و الخابط في الديماس يعثر بكلّ حجر و مدر .
هذا ، و ديماس أيضا كان اسم سجن مظلم بواسط للحجاج قال جحدر اللص بعد خروجه من ذاك السجن .
إنّ الليالي نحت بي فهي محسنة
لا شك فيه من الديماس و الأسد
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 6 : 2177 ، مادة ( فنن ) ، و النقل بتصرف .
[ 352 ]
" و ترقّيت " أي : صعدت .
" إلى مرقبة " في ( الصحاح ) : " المرقب و المرقبة : الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب الموكّل بالضريب " 1 .
" بعيدة المرام " أي : المقصد .
" نازحة " أي : مرتفعة .
" الأعلام " أي : الجبال .
" تقصر دونها الأنوق " هو كالمثل ، و في ( الصحاح ) : الأنوق على فعول :
طائر و هو الرحمة و في المثل : " أعزّ من بيض الأنوق " لأنها تحرزه فلا يكاد يظفر به لأنّ أو كارها في رؤوس الجبال و الأماكن الصعبة البعيدة 2 .
" و يحاذى بها العيّوق " في ( الصحاح ) : العيّوق نجم أحمر مضيء في طرف المجرّة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدّمه .
ذكره في " عوق " و ذكره ( القاموس ) في " عوق و عيق " و قال : " واوي يائي " 3 و لا معنى له إلاّ أن يريد أن يعلم أنّ أصله " عيووق " أو " عييوق " .
و إنّما قال عليه السّلام لمعاوية : ترقيت إلى مرقبة بتلك الأوصاف من كونها بعيدة المرام نازحة الأعلام يقصر دونها الأنوق ، و يحاذى بها العيوق ، لأنّ المراد من تلك المرتبة الخلافة الّتي هي أمانة اللّه الّتي قال تعالى بعجز السماوات و الأرض و الجبال عن تحمّلها في قوله : إنّا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا 4 .
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 1 : 137 ، مادة ( رقب ) .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 4 : 1447 ، مادة ( أنق ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 4 : 1534 ، مادة ( عوق ) . و القاموس 3 : 270 271 مادة ( عوق و عيق ) .
-----------
( 4 ) الاحزاب : 72 .
[ 353 ]
و عهد اللّه تعالى الّذي قال فيه : لا ينال عهدي الظالمين 1 و كيف لا و هي تالي الرسالة لأنّها خلافة الرسالة و قد قال تعالى : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته 2 .
و ليس كلّ مؤمن قابلا لها فضلا عن معاوية المنافق . قال نصر بن مزاحم في ( صفينه ) : خرج عمّار يوما من أيّام صفين ، و جعل يقول : يا أهل الإسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عادى اللّه و رسوله ، و جاهدهما ، و بغى على المسلمين ، و ظاهر المشركين . فلمّا أراد اللّه أن يظهر دينه ، و ينصر رسوله أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسلم و هو و اللّه في ما يرى راهب غير راغب ، و قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنا و اللّه لنعرفه بعداوة المسلم ، و مودّة المجرم ؟ ألا و إنّه معاوية . فالعنوه لعنه اللّه ، و قاتلوه فإنّه ممّن يطفىء نور اللّه و يظاهر أعداء اللّه 3 .
" و حاش للّه أن تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا ، أو اجري لك على أحد منهم عقدا أو عهدا " روى نصر بن مزاحم : أنّ معاوية أتى جريرا في منزله أي لمّا بعثه عليه السّلام إليه لأخذ البيعة منه . و قال له : إنّي قد رأيت رأيا . قال : هاته . قال : اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام و مصر جباية . فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي ، و اسلّم له هذا الأمر ، و أكتب إليه بالخلافة . فقال جرير :
اكتب بما أردت ، و أكتب معك . فكتب معاوية بذلك إلى عليّ فكتب عليّ عليه السّلام إلى جرير أنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ ان استعمل معاوية على الشام و أنا بالمدينة فأبيت ذلك عليه ، و لم يكن اللّه ليراني أتّخذ المضلّين عضدا 4 .
" فمن الآن فتدارك نفسك و انظر لها فإنّك إن فرّطت حتّى ينهد " أي : ينهض .
-----------
( 1 ) البقرة : 124 .
-----------
( 2 ) الانعام : 124 .
-----------
( 3 ) وقعة صفين : 214 .
-----------
( 4 ) وقعة صفين : 52 ، و النقل بتقطيع .
[ 354 ]
" إليك عباد اللّه ارتجت " من الأفعال بلفظ المجهول من ارتجت الباب اغلقته .
" عليك الامور ، و منعت أمرا هو منك اليوم مقبول " و في الكتاب زيادات و اختلافات قبل ما نقله المصنف و زيادات بعده هكذا على ما روى " يا ابن حرب إنّ لجاجك في منازعة الأمر أهله من سفاه الرأي فلا يطمعنّك أهل الضلال " و قد نقله بتمامه ابن أبي الحديد في شرح كتابه عليه السّلام العاشر 1 .
" و السلام " ليس في نسختي من ( ابن ميثم ) 2 و الظاهر زيادته .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 419 .
-----------
( 2 ) توجد الكلمة في نسختنا 5 : 213 .
[ 355 ]
الفصل التاسع في اخباره عليه السّلام بالملاحم و ما يأتي من الأزمنة
[ 357 ]
1
الحكمة ( 369 ) وَ قَال ع يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ ؟ اَلْقُرْآنِ ؟ إِلاَّ رَسْمُهُ وَ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ اِسْمُهُ مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ اَلْبِنَاءِ خَرَابٌ مِنَ اَلْهُدَى سُكَّانُهَا وَ عُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ اَلْأَرْضِ مِنْهُمْ تَخْرُجُ اَلْفِتْنَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَأْوِي اَلْخَطِيئَةُ يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا وَ يَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا يَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً أَتْرُكُ اَلْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ وَ قَدْ فَعَلَ وَ نَحْنُ نَسْتَقِيلُ اَللَّهَ عَثْرَةَ اَلْغَفْلَةِ " يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلاّ رسمه " أي : خطّه و كتابته و تلاوته دون العمل .
و في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : لا و اللّه لا يرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبي بكر و عمر أبدا ، و لا إلى بني اميّة أبدا ، و لا في ولد طلحة و الزبير أبدا ، و ذلك
[ 358 ]
أنّهم نبذوا القرآن و أبطلوا السنن و عطّلوا الأحكام 1 .
و في ( عقاب الأعمال ) عن الصادق عليه السّلام : من قرأ القرآن ليأكل به الناس جاء يوم القيامة و وجهه عظم لا لحم فيه 2 .
و في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام قرّاء القرآن ثلاثة : رجل قرأ القرآن فاتّخذه بضاعة و استدرّ به الملوك ، و استطال به على الناس ، و رجل قرأ القرآن فحفظ حروفه و ضيّع حدوده ، و أقامه إقامة القدح فلا كثّر اللّه هؤلاء من حملة القرآن ،
و رجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله ، و أظمأ به نهاره ، و قام به في مساجده ، و تجافى به عن فراشه . فباولئك يدفع اللّه العزيز الجبّار البلاء ، و باولئك يديل اللّه تعالى من الأعداء ، و باولئك ينزّل اللّه تعالى الغيث من السماء ، فو اللّه لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر 3 .
" و من الإسلام إلاّ اسمه " في ( الكافي ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ اللّه تعالى خلق الإسلام . فجعل له عرصة ، و جعل له نورا ، و جعل له حصنا ، و جعل له ناصرا .
فأمّا عرصته فالقرآن ، و أمّا نوره فالحكمة ، و أمّا حصنه فالمعروف ، و أمّا أنصاره فأنا و أهل بيتي و شيعتنا إلى أن قال فلو أنّ الرجل من امّتي عبد اللّه تعالى عمره أيّام الدنيا ثمّ لقى اللّه تعالى مبغضا لأهل بيتي و شيعتي ما فرّج اللّه صدره إلاّ عن النفاق .
و ( فيه ) عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : الاسلام عريان فلباسه الحياء ، و زينته الوفاء ،
و مروّته العمل الصالح ، و عماده الورع ، و لكلّ شيء أساس و أساس الإسلام حبّنا أهل البيت 4 .
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 2 : 600 ح 8 .
-----------
( 2 ) عقاب الأعمال للصدوق : 329 ح 1 . عن الصادق عليه السّلام عن أبيه عن آبائه عليه السّلام .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 2 : 627 ح 1 .
-----------
( 4 ) الكافي للكليني 2 : 46 ح 2 و 3 .
[ 359 ]
" و مساجدهم " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( مساجدهم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 1 لأنّ المقام مقام الفصل لا الوصل .
" يومئذ " غامرة هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( عامرة ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 2 و بقرينة ما بعده .
" من البناء ، خراب من الهدى " عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يأتي في آخر الزمان ناس من امّتي يأتون المساجد ، فيقعدون حلقا ذكرهم الدنيا و حبّ الدنيا ، لا تجالسوهم فليس للّه بهم حاجة .
و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : للبغي في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش 3 .
و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لا تزخرفوا مساجدكم كما زخرفت اليهود و النصارى بيعهم 4 .
و في الخبر : إذا قام القائم جعل المساجد جمّا لا شرف لها كما كانت على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم 5 .
و في الأثر إذا خرج القائم عليه السّلام أمر بهدم المنار و المقاصير الّتي في المساجد 6 .
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء إلى أن قال و ارتفعت الأصوات في المساجد 7 .
-----------
( 1 ) توجد الواو في شرح ابن أبي الحديد 4 : 408 . و شرح ابن ميثم 5 : 423 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 408 . و شرح ابن ميثم 5 : 423 .
-----------
( 3 ) جامع الأخبار للشعيري : 70 .
-----------
( 4 ) لب اللباب للراوندي ، عنه المستدرك 1 : 228 باب 12 ح 1 .
-----------
( 5 ) الغيبة للطوسي : 283 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 6 ) كشف الغمة للاربلي ، عنه المستدرك 1 : 230 ح 1 ، و اثبات الوصية للمسعودي : 215 .
-----------
( 7 ) الخصال للصدوق 2 : 500 ح 1 .
[ 360 ]
و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لا تقوم الساعة حتّى يتبايع الناس في المساجد 1 .
" سكّانها و عمّارها شرّ أهل الأرض . منهم تخرج الفتنة ، و إليهم تأوى الخطيئة " رووا أنّ المأمون أمر بإشخاص سليمان بن محمّد الخطّابي من البصرة و كان إمام مسجدها و كان رأى على سارية منه " رحم اللّه عليّا إنّه كان تقيّا " فأمر بإزالته ، فلمّا مثل بين يديه قال له : أنت القائل " العراق عين الدنيا ، و البصرة عين العراق ، و المربد عين البصرة ، و مسجدي عين المربد ، و أنا عين مسجدي " و أنت أعور ؟ فإذن عين الدنيا عوراء . قال : لم أقل ذلك ، و لا أظنّ أنّك أحضرتني لذلك . قال : بلغني أنّك أصبحت فوجدت على سارية من سواري مسجدك " رحم اللّه عليّا إنّه كان تقيّا " فأمرت بمحوه . قال كان " لقد كان نبيّا " فأمرت بإزالته . فقال له المأمون : كذبت كانت القاف أصح من عينك الصحيحة . و و اللّه لو لا أن اقيم لك سوقا عند العامة لأحسنت تأديبك .
" يردّون من شذّ " من باب مدّ و فرّ .
" عنها فيها " أي : يردّون من تفرّق عن الفتنة فيها كما يردّ الراعي شاة تفرّقت عن الأغنام فيها .
" و يسوقون من تأخّر عنها إليها " كما يسوق السائق حمارا أو بقرا تأخّر عنهما إليهما ، و ردّهم كذلك ، و سوقهم كذلك لجدّيتهم في رواج الفتنة و صيرورتها معمولا بها .
و في ( عقاب الأعمال ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : سيأتي على امّتي زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه ، و لا من الاسلام إلاّ اسمه يسمّون به و هم أبعد الناس منه . مساجدهم عامرة ( من البناء ) و هي خراب من الهدي . فقهاء ذلك الزمان
-----------
( 1 ) لب اللباب للراوندي : عنه المستدرك 1 : 230 ح 7 .
[ 361 ]
شرّ فقهاء تحت ظلّ السماء منهم خرجت الفتنة ، و إليهم تعود 1 .
" يقول اللّه تعالى : فبي حلفت لأبعثنّ على اولئك فتنة أترك الحليم " هكذا في ( النسخ ) ، و الصواب : ( الحكيم ) و قد نسبه ابن ميثم إلى رواية 2 .
" فيها حيران " لا يرى وجه خلاص له كلّما فكر .
في ( عقاب الأعمال ) عن الباقر عليه السّلام : أنّ اللّه تعالى أنزل كتابا من كتبه على نبي من الأنبياء و فيه أن يكون خلق من خلقي يختتلون الدنيا بالدين . يلبسون مسوك الضان على قلوب كقلوب الذئاب . أشدّ مرارة من الصبر ، و ألسنتهم أحلى من العسل ، و أعمالهم الباطنة أنتن من الجيف . فبي يغترّون ؟ أم إيّاي يخادعون ؟ أم عليّ يجترئون ؟ فبعزّتي حلفت ، لأبعثنّ عليهم فتنة تطأ في خطامها حتّى تبلغ أطراف الأرض ، تترك الحكيم منها حيران فيها ، رأي ذي الرأي ، و حكمة الحكيم ألبسهم شيعا و اذيق بعضهم بأس بعض أنتقم من أعدائي بأعدائي فلا ابالي .
و عنه عليه السّلام قال : سئل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيم النجاة غدا ؟ قال : إنّما النجاة في ألاّ تخادعوا اللّه فيخذعكم ، فانه من يخادع اللّه يخدعه و ينزع منكم الايمان و نفسه يخدع لو يشعر . قيل له : فكيف يخادع اللّه ؟ قال : يعمل بما أمر اللّه ثم يريد به غيره فاتقوا اللّه في الرياء فانه شرك باللّه إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر حبط عملك ، و بطل أجرك ، فلا خلاص لك اليوم ، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له .
و عن الصادق عليه السّلام قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : سيأتي على امّتي زمان تخبث فيه سرائرهم ، و تحسن علانيتهم طمعا في الدنيا . لا يريدون به ما عند اللّه عزّ و جلّ
-----------
( 1 ) عقاب الاعمال : 301 ح 4 .
-----------
( 2 ) كذا في نهج البلاغة 4 : 88 . و شرح ابن أبي الحديد 4 : 408 و شرح ابن ميثم 5 : 424 .
[ 362 ]
يكون أمرهم رياء لا يخالطه خوف ، يعمّهم اللّه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم .
و عنه عليه السّلام قال عليّ عليه السّلام : إنّ في جهنّم رحى تطحن أفلا تسألوني ما طحنها ؟ فقيل له : و ما طحنها يا أمير المؤمنين ؟ فقال : العلماء الفجرة ، و القرّاء الفسقة ، و الجبابرة الظلمة ، و الوزراء الخونة ، و العرفاء الكذبة ، و إنّ في النار لمدينة يقال لها : الحصينة . أفلا تسألوني ما فيها ؟ فقيل له : و ما فيها يا أمير المؤمنين ؟ قال : فيها أيدي الناكثين 1 .
و عنهم عليه السّلام يقول عزّ و جل : " إذا عصاني من خلقي من يعرفني ، سلّطت عليه من لا يعرفني " 2 .
" و قد فعل " هكذا في ( النسخ ) 3 ، و كأنّه مصحّف " و كذلك يفعل " لأنّ مقوله تعالى إلى قوله " حيران " ، و أمّا هذا فكلامه عليه السّلام تصديقا لقوله تعالى ، نظير تصديق اللّه تعالى لقول ملكة سبأ : إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزّة أهلها أذلّة في قوله تعالى : و كذلك يفعلون 4 .
" و نحن نستقيل اللّه " أي : نطلب تجاوزه .
" عثرة الغفلة " عنه تعالى حتّى لا يجعلنا مثل اولئك .
-----------
( 1 ) عقاب الأعمال : 301 304 .
-----------
( 2 ) أخرجه الصدوق في اماليه : 190 ح 12 ، المجلس 40 . عن السجاد عليه السّلام و الكليني في الكافي 2 : 276 ح 30 عن الصادق عليه السّلام .
-----------
( 3 ) كذا في نهج البلاغة 4 : 88 . و شرح ابن أبي الحديد 4 : 409 و شرح ابن ميثم 5 : 424 .
-----------
( 4 ) النمل : 34 .
[ 363 ]
2
الحكمة ( 468 ) و قال ع يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ اَلْمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ لا تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ 30 34 2 : 237 تَنْهَدُ فِيهِ اَلْأَشْرَارُ وَ تُسْتَذَلُّ اَلْأَخْيَارُ وَ يُبَايِعُ اَلْمُضْطَرُّونَ وَ قَدْ نَهَى ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟ عَنْ بَيْعِ اَلْمُضْطَرِّينَ أقول : الأصل فيه رواية عيون ابن بابويه عن الرضا عن آبائه عليه السّلام عن الحسين عليه السّلام قال : خطبنا أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : سيأتي على الناس زمان عضوض يعضّ المؤمن على ما في يده و لم يؤمر بذلك ، قال اللّه تعالى : و لا تنسوا الفضل بينكم إنّ اللّه بما تعملون بصير 1 .
و سيأتي زمان يقدّم فيه الأشرار ، و ينسىء فيه الأخيار ، و يبايع المضطر ،
و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن بيع المضطر ، و عن بيع الغرر ، فاتّقوا اللّه يا أيّها الناس ، و اصلحوا ذات بينكم و احفظوني في أهلي 2 .
و رواه ( سنن أبي داود ) عن شيخ من بني تميم قال : خطبنا عليّ عليه السّلام فقال : سيأتي على الناس زمان عضوض يعضّ الموسر على ما في يديه و لم يؤمر بذلك . قال اللّه تعالى : و لا تنسوا الفضل بينكم و يبايع المضطرّون و قد نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن بيع المضطر ، و بيع الغرر ، و بيع الثمرة قبل أن تدرك 3 .
-----------
( 1 ) البقرة : 237 .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار للصدوق 2 : 45 ح 168 و مسند الرضا عليه السّلام فيه : 490 .
-----------
( 3 ) سنن أبي داود 3 : 255 ح 3382 .
[ 364 ]
" يأتي على الناس زمان عضوض " أي : زمان يعضّ الناس ككلب كلب . قال ابن أحمر :
نأت عن سبيل الخير إلاّ أقلّه
و عضّت من الشر القراح بمعظم 1
" يعض الموسر على ما في يديه " فلا يدع أن يخرج منه خير إلى غيره .
" و لم يؤمر بذلك " ( بل بضدّه ) قال اللّه سبحانه : و لا تنسوا الفضل بينكم 2 .
و في ( الكافي ) عن الباقر عليه السّلام : إنّ الشمس لتطلع ، و معها أربعة أملاك .
ملك ينادي : يا صاحب الخير أتمّ و أبشر ، و ملك ينادي : يا صاحب الشرّ إنزع و أقصر ، و ملك ينادي : أعط منفقا خلفا ، و آت ممسكا تلفا ، و ملك ينضحها بالماء ، و لو لا ذلك اشتعلت الأرض .
و عن الصادق عليه السّلام : من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنّة ؟ أنفق و لا تخف فقرا ، و أنصف الناس من نفسك ، و أفش السلام في العالم ، و اترك المراء و إن كنت محقّا .
و عن الرضا عليه السّلام قال لمولى له : هل أنفقت اليوم شيئا ؟ فقال لا فقال فمن أين يخلف اللّه علينا . أنفق و لو درهما واحدا .
و عنه عليه السّلام كتب إلى ابنه الجواد عليه السّلام بلغني أنّ الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير . فإنّما ذلك من بخل منهم لئلاّ ينال منك أحد خيرا ،
و أسألك بحقّي عليك لا يكن مدخلك و مخرجك إلاّ من الباب الكبير . فإذا ركبت فليكن معك ذهب و فضّة ثمّ لا يسألك أحد شيئا إلاّ أعطيته ، و من سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقلّ من خمسين دنيارا ، و الكثير إليك ، و من سألك
-----------
( 1 ) أساس البلاغة للزمخشري : 305 ، مادة ( عضّ ) .
-----------
( 2 ) البقرة : 237 .
[ 365 ]
من عمّاتك فلا تعطها أقلّ من خمسة و عشرين دينارا ، و الكثير إليك . إني إنّما اريد بذلك أن يرفعك اللّه فانفق ، و لا تخش من ذي العرش إقتارا 1 .
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : ما محق الإسلام محق الشحّ شيء . إنّ لهذا الشحّ دبيبا كدبيب النمل ، و شعبا كشعب الشرك و في نسخة ( الشوك ) 2 .
و عن الصادق عليه السّلام : جاء رجل الى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : إنّي شيخ كثير العيال قليل المال فنظر صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أصحابه و قال : قد أسمعنا . فقام رجل و قال :
كنت بالأمس مثلك . فذهب به إلى منزله فأعطاه مرودا من تبر ، و كانوا يتبايعون بالذهب و الفضة . فقال : هذا كلّه ؟ قال : نعم . قال : خذ تبرك . إنّي لست بإنسي و لا جنّي و لكنّي رسول من اللّه لأبلوك . فوجدتك شاكرا جزاك اللّه خيرا 3 .
" تنهد " أي : تنهض و تقوم .
" فيه الأشرار و تستذلّ الأخيار " في ( العقد الفريد ) : دفع الحجّاج إلى محمّد بن المنتشر الهمداني رجلا ذميّا ، و أمره بالتشديد عليه ، و الاستخراج منه . قال :
فقال لي : إنّ لك لشرفا و دينا و انّي لا أعطي على القسر شيئا فارفق بي . ففعلت .
فأدّى إليّ في اسبوع خمسمئة ألف . فبلغ ذلك الحجاج . فأغضبه فانتزعه من يدي ، و دفعه إلى الّذي كان يتولّى له العذاب . فدقّ يديه و رجليه . فلم يعطه شيئا ،
و إنّي لسائر يوما في السوق إذ صاح بي صائح . فالتفتّ فإذا أنابه معترضا على حمار مدقوق اليدين و الرجلين .
فقال لي : إنّك وليت منّي ما ولي هؤلاء . فرفقت بي ، و إنّهم صنعوا بي ما
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 4 : 42 44 ح 1 ، 5 ، 9 ، 10 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 4 : 45 ح 5 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 4 : 48 ح 11 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 366 ]
ترى ولي خمسمئة ألف عند فلان فخذها مكافأة لما أحسنت إليّ . فقلت : ما كنت لآخذ منك شيئا .
قال : فأمّا إذ أبيت فاسمع منّي حديثا احدّثك به حدّثنيه بعض أهل دينك عن نبيّك أنّه قال : إذا رضي اللّه عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته ، و جعل المال في سمحائهم ، و استعمل عليهم خيارهم ، و إذا سخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وقته ، و جعل المال في بخلائهم ، و استعمل عليهم شرارهم . فانصرفت فما وضعت ثوبي حتّى أتاني رسول الحجاج فأتيته فألفيته جالسا على فراشه ، و السيف مصلت بيده .
فقال لي : ادن . فدنوت شيئا ثمّ قال لي الثانية : ادن لا أبا لك . فقلت : ما بي إلى الدنوّ من حاجة ، و في يد الأمير ما أرى . فضحك و أغمد سيفه . و قال : إجلس ما كان من حديث الخبيث . فقلت له : أيّها الأمير ، و اللّه ما خنتك منذ ائتمنتني . ثمّ حدّثته فلمّا صرت إلى ذكر الرجل الّذي عنده المال أعرض عنّي بوجهه ، و أومأ إليّ أن لا تسمّه : ثمّ قال : إنّ للخبيث نفسا و قد سمع الأحاديث 1 .
" و يبايع المضطرّون و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن بيع المضطرين " عقد الشيخ في ( الاستبصار ) بابا لكراهية مبايعة المضطر ، ثمّ روى خبرا عن الصادق عليه السّلام قال : " يأتي على الناس زمان عضوض يعضّ كلّ امرئ على ما في يديه ، و ينسى الفضل ، و قد قال تعالى و لا تنسوا الفضل بينكم 2 ثمّ ينبري في ذلك الزمان أقوام يبايعون المضطرين اولئك هم شرار الناس " .
و روى خبرا آخر أنّه قيل للصادق : إنّ الناس يزعمون أنّ الربح على المضطر حرام ، و هو من الربا . فقال : و هل رأيت أحدا اشترى غنيا أو فقيرا إلاّ
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 266 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) البقرة : 237 .
[ 367 ]
من ضرورة قد أحلّ اللّه البيع ، و حرّم الربا بع و اربح و لا ترب . . .
ثمّ قال : لا تنافي بينهما . فالمضطر الّذي في الخبر الأوّل محمول على المضطر الّذي يضطرّه غيره إلى البيع بالجبر و الاكراه ، و في الخبر الثاني محمول على الّذي تضطرّه حاجته لا غيره 1 .
قلت : بل المضطر في الخبر الأوّل محمول بقرينة صدره على عدم تفضل الموسرين على المعسرين حتّى يضطر المعسرون إلى بيع نفائسهم بأقل ثمن ، و مثله كلامه عليه السّلام فإنّ الأصل فيهما واحد .
و كلام آخرهم عليه السّلام ككلام أوّلهم لا ما قاله من أنّه في ما أجبره جبار ،
و الخبر الثاني مورده أنّ كلّ من يشتري شيئا لابد أنّه كان محتاجا إلى ذاك الشيء . فلا بأس أن يأخذ البائع ربحا بدون ربا لا كما يتوهمه بعض القاصرين من المتصوّفين من حرمة أخذ الربح من كلّ مشتر .
و يوضح كون المراد من الخبر الأوّل ما قلناه . ما رواه ( الكافي ) : أنّ رجلا قال لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إنّي رأيت في منامي كأنّي خارج من الكوفة في موضع أعرفه ، و كأنّ شبحا من خشب أو رجلا منحوتا من خشب على فرس من خشب يلوّح بسيفه ، و أنا اشاهده فزعا مرعوبا . فقال له عليه السّلام : أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته . فاتّق اللّه الّذي خلقك ثمّ يميتك .
فقال الرجل : أشهد أنّك اوتيت علما . إنّ رجلا من جيراني جاءني و عرض عليّ ضيعته فهممت أن أملكها بوكس كثير لما عرفت أنّه ليس لها طالب غيري .
فقال له عليه السّلام : و صاحبك يتولاّنا و يتبرّأ من أعدائنا ؟
فقال : نعم . رجل جيّد البصيرة ، مستحكم الدين ، و أنا تائب إلى اللّه تعالى
-----------
( 1 ) كذا قال في الاستبصار 3 : 71 و 72 و النقل بتصرف يسير .
[ 368 ]
و إليك ممّا هممت به . فأخبرني لو كان ناصبا أيحلّ لي اغتياله .
فقال : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك و أراد منك النصيحة ، و لو إلى قاتل الحسين عليه السّلام 1 .
هذا ، و روى زيادات ( حج التهذيب ) عن محمّد بن جعفر ، عن أبيه عليه السّلام قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يأتي على الناس زمان يكون فيه حجّ الملوك نزهة ، و حجّ الأغنياء تجارة ، و حجّ المساكين مسألة 2 .
3
الخطبة ( 91 ) وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ ع أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا اَلنَّاسُ فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ اَلْفِتْنَةِ وَ لَمْ تَكُنْ لِيَجْرُأَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَ اِشْتَدَّ كَلَبُهَا فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلسَّاعَةِ وَ لاَ عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلاَّ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً وَ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ اَلْأُمُورِ وَ حَوَازِبُ اَلْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ اَلسَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْمَسْئُولِينَ وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَ ضَاقَتِ اَلدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ اَلْبَلاَءِ عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اَللَّهُ لِبَقِيَّةِ اَلْأَبْرَارِ مِنْكُمْ أقول : قال ابن أبي الحديد : و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 8 : 293 ح 448 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) التهذيب للطوسي 5 : 462 ح 259 .
[ 369 ]
السيرة و هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها عليّ عليه السّلام بعد انقضاء امر النهروان ، و فيها ألفاظ لم يوردها الرضي . . . 1 .
و في ( إرشاد المفيد ) أبو بكر محمّد بن المظفر البزاز ، عن أبي مالك كثير بن يحيى ، عن محمّد بن أبي السري ، عن أحمد بن عبد اللّه بن يونس ، عن سعد الكناني ، عن الأصبغ قال : لمّا بويع أمير المؤمنين عليه السّلام بالخلافة خرج إلى المسجد معتمّا بعمامة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم لابسا بردته ، فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ، و وعظ و أنذر ، ثمّ جلس متمكّنا و شبك بين أصابعه و وضعها أسفل سرّته .
ثمّ قال : يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني . سلوني فإنّ عندي علم الأولين و الآخرين . أما و اللّه لو ثني لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم إلى أن قال .
ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني فو الّذي فلق الحبّة ، و برأ النسمة لو سألتموني عن آية آية لأخبرتكم بوقت نزولها ، و فيم نزلت ، و أنبأتكم بناسخها من منسوخها ، و خاصّها من عامها ، و محكمها من متشابهها و مكّيها من مدنيّها ، و اللّه ما من فئة تضلّ أو تهدي إلاّ و أنا أعرف قائدها ، و سائقها ، و ناعقها إلى يوم القيامة 2 .
و روى في ( أماليه ) مسندا عن الأعمش ، عن عباية بن ربعي قال : كان عليّ عليه السّلام كثيرا ما يقول : سلوني قبل أن تفقدوني . فو اللّه ما من أرض مخصبة و لا مجدبة ، و لا فئة تضلّ مئة أو تهدي مئة إلاّ و أنا أعلم قائدها ، و سائقها و ناعقها إلى يوم القيامة " 3 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 178 .
-----------
( 2 ) الإرشاد للمفيد : 23 .
-----------
( 3 ) أخرجه أبو علي الطوسي في اماليه 1 : 58 ، جزء 2 . عن طريق المفيد لكن لم يجىء في أمالي المفيد .
[ 370 ]
و روى الصفار في ( بصائره ) عن الأصبغ قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول على هذا المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني ، و اللّه ما أرض مخصبة و لا مجدبة ،
و لا فئة تضلّ مئة أو تهدي مئة إلاّ و قد عرفت قائدها و سائقها ، و قد أخبرت بهذا رجلا من أهل بيتي يخبرها كبيرهم لصغيرهم إلى أن تقوم الساعة 1 .
و روى ابن عقدة كما في ( غيبة النعماني ) عن أحمد بن محمّد الدينوري ، عن علي بن الحسن الكوفي ، عن عميرة بنت دوس ، عن جدّها الخضر بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جدّه عمر بن سعيد قال : قال علي عليه السّلام يوما لحذيفة : لا تحدّث الناس بما لا يعرفون فيكفروا . إنّ من العلم صعبا شديدا محمله لو حملته الجبال عجزت عن حمله إلى أن قال يا ابن اليمان إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم تفل في فمي ، و أمرّ يده على صدري ، و قال : اللّهمّ أعط خليفتي ،
و وصيّي ، و قاضي ديني و منجز وعدي و أمانتي و وليّي في حوضي ،
و ناصري على عدوّك و عدوّي ، و مفرّج الكرب عن وجهي ، ما أعطيت آدم من العلم ، و نوحا من الحلم ، و إبراهيم من العترة الطيبة و السماحة ، و أيّوب من الصبر عند البلاء ، و داود من الشدّة عند منازلة الأقران ، و سليمان من الفهم .
اللّهمّ لا تخف على علي شيئا من الدنيا حتّى تجعلها كلّها بين عينيه ، مثل المائدة الصغيرة بين يديه . اللّهمّ أعطه حلاوة موسى ، و أجعله في نسله شيبه عيسى . اللّهمّ إنّك خلّفتني عليه ، و على عترته ، و ذرّيّته الطيبة المطهّرة الّتي أذهبت عنها الرجس و النجس ، و صرفعت عنها ملامسة الشيطان . اللّهمّ إن بغت قريش عليه ، و قدّمت غيره عليه ، فاجعله بمنزلة هارون من موسى إذا غاب عنه موسى .
ثمّ قال : يا عليّ كم في ولدك من ولد فاضل يقتل و الناس قيام ينظرون لا
-----------
( 1 ) البصائر : 319 ح 13 .
[ 371 ]
يغيّرون . إنّ القاتل و الآمر و الشاهد الّذي لا يغيّر ، كلّهم في الإثم و اللّعان مشتركون .
يا ابن اليمان إنّ قريش لا تشرح صدورها ، و لا ترضى قلوبها ، و لا تجري ألسنتها ببيعة عليّ و موالاته إلاّ على الكره و العمى .
يا ابن اليمان ستبايع قريش عليّا ثمّ تنكث عليه و تحاربه و تناضله و ترميه بالعظائم ، و بعد عليّ يلي الحسن ، و سينكث عليه . ثمّ يلي الحسين فتقتله فلعنت امّة تقتل ابن بنت نبيّها ، و لا تعزّ من امّة ، و لعن القائد لها ،
و المرتّب لفاسقها .
و الّذي نفس عليّ بيده لا تزال هذه الامّة بعد قتل الحسين ابني في ضلالة و ظلمة و جور ، و اختلاف في الدين ، و تبديل لما أنزل اللّه تعالى في كتابه ،
و إظهار البدع ، و إبطال السنن ، و ترك محكمات حتّى تنسلخ من الاسلام و تدخل في العمى . ما لكم يا بني اميّة ؟ لا هديتم يا بني اميّة و ما لكم يا بني فلان ؟ لكم الاتعاس . فما في بني فلان إلاّ ظالم معتد متمرّد على اللّه بالمعاصي ، قتّال لولدك ، هتّاك لستر حرمتي . فلا تزال هذه الامّة جبّارين يتكالبون على حرام الدنيا منغمس في بحار الهلكات ، و في أودية الدماء ، حتّى اذا غاب المتغيّب من ولدي عن عيون الناس ، و ماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته ، أطلعت الفتنة ،
و نزلت البلية ، و التحمت العصبية ، و غلا الناس في دينهم ، و أجمعوا على أنّ الحجّة ذاهبة و الإمامة باطلة ، و تحجّ حجيج الناس في تلك السنة من شيعة عليّ و تواصيهم التمكن و التجسس عن خلف الخلفاء ، فلا يرى له أثر . فعند ذلك سبّت شيعة علي . سبّها أعداؤها ، و غلبت عليها الأشرار و الفسّاق باحتجاجها ،
حتّى إذا بقيت الامّة ، و تدلّهت و أكثرت في قولها إنّ الحجّة هالكة ، و الإمامة باطلة . فوربّ علي إنّ حجّتها عليها قائمة ماشية في طرقاتها ، داخلة في دورها و قصورها ، جوّالة في شرق الأرض و غربها ، تسمع الكلام و تسلّم على
[ 372 ]
الجماعة ، ترى و لا ترى الى الوقت و الوعد ، و نداء المنادي من المساء 1 .
و في أوّل ( غارات الثقفي ) عن إسماعيل بن أبان ، عن عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد ، عن المنصور بن عمرو ، عن زرّ بن حبيش ، و عن أحمد بن عمران الأنصاري عن أبيه ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو عن زرّ قال : خطب علي عليه السّلام بالنهروان فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال : أيّها الناس أمّا بعد ، فأنا فقأت عين الفتنة و لم يكن أحد ليجترىء عليها غيري .
و في حديث أبن أبي ليلى : " لم يكن ليفقأها أحد غيري " .
إلى أن قال سلوني قبل أن تفقدوني ، إنّي ميّت أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم و ضرب بيده إلى لحيته و الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء في ما بينكم و بين الساعة ، و لا عن فئة تضلّ مئة ، أو تهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها و سائقها .
فقام إليه رجل . فقال : حدّثنا يا أمير المؤمنين عن البلاء . قال عليه السّلام : إنّكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل ، و إذا سئل مسؤول فليتثبّت . ألا و إنّ من ورائكم امورا أتتكم جللا مزوجا ، و بلاء مكلحا مبلحا . و الّذي فلق الحبة ، و برأ النسمة أن لو فقد تموني ، و نزلت كرائه الامور ، و حقائق البلاء . لقد أطرق كثير من السائلين ، و فشل كثير من المسؤولين ، و ذلك إذا قلصت حربكم و شمّرت عن ساق ، و كانت الدنيا بلاء عليكم ، على أهل بيتي حتّى يفتح اللّه لبقية الأبرار الخبر 2 .
" أما بعد أيّها الناس فأنا فقأت عين الفتنة " في ( القاموس ) : فقأ العين و البثرة و نحوهما كمنع : كسرها أو قلعها أو بخقها كفقأها 3 .
-----------
( 1 ) الغيبة للنعماني : 93 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 1 : 2 .
-----------
( 3 ) القاموس المحيط للفيروز آبادي 1 : 23 ، مادة ( فقأ ) .
[ 373 ]
و المراد فقؤه عليه السّلام عين فتنة : الجمل ، و صفين ، و النهروان .
هذا ، و كانت العرب إذا بلغت إبلهم ألفا فقؤوا عين الفحل فإن زادت فقؤوا الاخرى . فذلك المقفّى و المعمّى ، و كانوا يفتخرون بذلك قال :
فقأت لها عين الفحيل تعيفّا
و فيهن رعلاء المسامع و الحام
أيضا :
و هب لنا و أنت ذو امتنان
يفقأ فيها أعين البعران
قالوا : كان عامر بن الطفيل يوم فيف الريح ( اسم مكان كان به الوقعة ) يتعهد الناس فيقول : يا فلان ما رأيتك فعلت شيئا . فمن أبلى فليرني سيفه أو رمحه ، فكان كلّ من أبلى بلاء حسنا أتاه فأراه الدم على سنان رمحه أو سيفه .
فأتاه رجل من العدوّ . فقال : انظر ما صنعت بالقوم انظر إلى رمحي . فلمّا أقبل عليه لينظر و جاه بالرمح في و جنته ففلقها و فقأ عينه ، و ترك رمحه و عاد إلى قومه . دعاه إلى ذلك ما رآه يفعل بقومه . فقال : هذا و اللّه مبير قومي . و فقأ رجل عين آخر بحديدة محماة . فسمّى بنوه بني سمّال .
و في ( العقد ) من نوكي الأشراف عجل بن لجيم ، أرسل ابنه فرسا في حلبة فجاء سابقا . فقال له : يا أبه ما ترى اسمّيه ؟ قال : افقأ إحدى عينيه ، و سمّه الأعور . قال الشاعر :
رمتني بنو عجل بداء أبيهم
و أيّ عباد اللّه أنوك من عجل
أ ليس أبوهم عار عين جواده
فأضحت به الأمثال تضرب في الجهل 1
" و لم تكن ليجرؤ " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( ليجترئ ) كما في ( ابن
-----------
( 1 ) العقد الفريد 7 : 149 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 374 ]
أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) ، و كما مرّ عن الثقفي 1 .
" عليها أحد غيري " لعدم علمهم بقتال أهل القبلة . قال الصادق عليه السّلام : لو لم يقاتلهم أمير المؤمنين عليه السّلام لم يدر أحد بعده كيف يسير فيهم 2 .
و في ( المناقب ) : إنّ لمحمّد بن الحسن الفقيه كتابا يشتمل على ثلاثمئة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعل عليّ عليه السّلام 3 .
و قتل عليه السّلام في صفين المقبل و المدبر ، و أجهز على الجريح لكون قائدهم معاوية باقيا و قال عليه السّلام يوم الجمل بعد قتل طلحة و الزبير : لا تتبعوا موليّا ، و لا تجهزوا على جريح 4 .
ثمّ مراده عليه السّلام بقوله " و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري " من باقي الناس ،
لا أهل بيته . فأهل بيته عليه السّلام مثله .
و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في قول ابن أبي الحديد : لو لا أنّه عليه السّلام اجترأ على سلّ السيف فيها ما أقدم أحد عليه ، حتّى الحسن عليه السّلام ابنه أشار عليه ألاّ يبرح عرصة المدينة ، و نهاه عن المسير إلى البصرة حتّى قال له منكرا عليه إنكاره ، و لا تزال تحنّ حنين الامّة ، و قد روى ابن هلال أنّه كلّم أباه في قتال أهل البصرة بكلام أغضبه . فرماه ببيضة حديد عقرت ساقه فعولج منها شهرين . . . 5 ، غلط ، و خبراه من الروايات المجعولة من العامة . و كيف يعقل اعتراض من شهد القرآن بعصمته في صغره في قوله تعالى : إنّما يريد
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3 : 173 . و الغارات 1 : 6 . لكن لفظ شرح ابن ميثم 2 : 387 مثل المصرية .
-----------
( 2 ) التهذيب للطوسي 6 : 145 ح 5 .
-----------
( 3 ) مناقب السروي 2 : 44 .
-----------
( 4 ) رواه الطبري في تاريخه 3 : 518 و 545 ، لسنة 36 ، و البلاذري في أنساب الأشراف 2 : 262 ، و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 : 77 و غيرهم .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 175 .
[ 375 ]
اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 1 ، و من باهل به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في صباه في قوله جلّ و علا : قل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم . . . 2 في كبره على أمير المؤمنين عليه السّلام .
و لو أغمضنا عن ذلك كيف يمكن أن يخفى على الحسن عليه السّلام وجه الحكمة في وجوب قتال الناكثين لبيعة أبيه و المفسدين في الأرض ؟ أما كان سمع قوله تعالى : فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه 3 و كان تركهم خلاف الشريعة و السياسة ؟
ثمّ كيف يفعل مثل أمير المؤمنين عليه السّلام ما نسبه اليه ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
قال ابن أبي الحديد من الخطبة مما لم ينقله الرضي قوله عليه السّلام : " و لو لم أك فيكم لما قوتل أصحاب الجمل و أهل النهروان " و لم يذكر عليه السّلام صفين . قيل :
لأنّ الشبهة كانت في أهل الجمل و أهل النهروان ظاهرة الالتباس ، لأنّ طلحة و الزبير موعودان بالجنّة ، و عائشة موعودة أن تكون زوجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الآخرة كما هي زوجته في الدنيا ، و حال طلحة و الزبير في السبق و الجهاد و الهجرة معلومة و حال عائشة في محبّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لها و ثناؤه عليها ، و نزول القرآن فيها معلوم .
و أمّا أهل النهروان فكانوا أهل قرآن و عبادة و اجتهاد ، و عزوف عن الدنيا و إقبال على امور الآخرة ، و هم كانوا قرّاء أهل العراق و زهّادها .
و أمّا معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلّة الدين و الانحراف عن الاسلام ،
-----------
( 1 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 3 ) الحجرات : 9 .
[ 376 ]
و كذلك ناصره و مظاهره على أمره عمرو بن العاص ، و من اتّبعهما من طغام أهل الشام و أجلافهم و جهّال الاعراب ، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم ( كأهل الجمل و النهروان ) 1 .
قلت : كلامه كلّه خبط في خبط . ففيه أوّلا : من أين أنّه عليه السّلام اقتصر على ما قال . فقد نقل ( البحار ) عن ( غارات الثقفي ) أنّه قال : لو لم أكن فيكم ما قوتل أهل الجمل ، و لا أهل صفين ، و لا أهل النهروان 2 .
و كذلك رواه ابن ميثم فقال : قال عليه السّلام : " أمّا بعد ، فأنا فقأت عين الفتنة شرقيّها و غربيّها ، و منافقها و مارقها ، لم يكن ليجتري عليها غيري و لو لم أكن لما قوتل أصحاب الجمل و لا صفين و لا أصحاب النهروان 3 .
و ثانيا : إنّ جمعا من الأجلاّء عندهم كابن عمر ، و محمّد بن مسلمة ، و أبي موسى الأشعري ، و سعد بن أبي وقاص و هو عندهم من العشرة و هو من الستة استشكلوا في قتال أهل صفين و كانوا من القاعدين .
و ثالثا : إنّ زهادهم و قرّأءهم ، و في رأسهم ربيع بن خثيم استشكلوا في قتال معاوية . فروى ( صفين نصر بن مزاحم ) : أنّه عليه السّلام لمّا ندب الناس إلى حرب معاوية أتاه جمع من أصحاب عبد اللّه بن مسعود منهم ربيع بن خثيم ، و هم يومئذ أربعمائة رجل . فقالوا : إنّا قد شككنا في هذا القتال ، و لا غنى بك و لا بنا و لا بالمسلمين عمّن يقاتل العدوّ من الكفّار ، فولّنا بعض الثغور . فوجّه الربيع على ثغر الري 4 .
و روى أبو حنيفة الدينوري في ( الأخبار الطوال ) : أنّ جلّ الناس أجاب
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 179 .
-----------
( 2 ) الغارات للثقفي 1 : 7 و 16 . و عنه فتن البحار للمجلسي : 671 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ميثم 2 : 389 .
-----------
( 4 ) وقعة صفين : 115 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 377 ]
عليّا عليه السّلام إلى المسير إلى الشام إلاّ أصحاب عبد اللّه بن مسعود و عبيدة السلماني و ربيع بن خثيم في نحو من أربعمئة رجل من القرّاء . فقالوا : يا أمير المؤمنين قد شككنا في هذا القتال ، فولّنا بعض هذه الثغور . فولاّهم ثغر قزوين و الري ، و ولّى عليهم الربيع ، و عقد له لواء و كان أوّل لواء عقد بالكوفة 1 .
و كيف لا يستشكون في قتال معاوية ، و قد سمّو قيامه عليه السّلام فتنة . فروى ( استيعاب أبي عمرو ) هو من كتبهم المعتبرة في اسامة أنّ عليّ بن حشرم قال : قلت لوكيع : من سلم من الفتنة ؟ قال : أمّا المعروفون من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأربعة : سعد بن مالك ، و عبد اللّه بن عمر ، و محمّد بن مسلمة ،
و اسامة بن زيد و احتلط سائرهم قال : و لم يشهد أمرهم من التابعين أربعة :
الرفيع بن خثيم ، و مسروق بن الأجدع ، و الأسود بن يزيد ، و أبو عبد الرحمن السلمي 2 .
و روى نصر بن مزاحم أنّه عليه السّلام لمّا حرّض الناس لقتال أهل الشام ، و قال :
" سيروا إلى أعداء السنن و القرآن سيروا إلى بقية الأحزاب ، قتلة المهاجرين و الأنصار " فقام رجل من بني فزارة يقال له : أربد . فقال : أتريد أن تسيّرنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك كما سرت بنا إلى اخواننا من أهل البصرة . . . 3 .
و روى المفيد عن سعيد بن المسيّب قال : سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن عليّ عليه السّلام فقال له ابن عباس : إنّ عليّا عليه السّلام صلّى القبلتين ، و بايع
-----------
( 1 ) رواه الدينوري في الأخبار الطوال : 176 . و ابن مزاحم في وقعة صفين : 115 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 1 : 59 .
-----------
( 3 ) وقعة صفين : 94 .
[ 378 ]
البيعتين ، و لم يعبد صنما و لا وثنا ، و لم يضرب على رأسه بزلم ، و لا قدح .
ولد على الفطرة و لم يشرك بالله طرفة عين .
فقال الرجل : إنّي لم أسألك عن هذا ، و إنّما سألتك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتّى أتى البصرة . فقتل بها أربعين ألفا ثمّ سار إلى الشام فلقي حواجب العرب . فضرب بعضهم ببعض حتّى قتلهم ، ثمّ أتى النهروان و هم مسلمون فقتلهم عن آخرهم .
و في آخره : قال له ابن عباس : و علم أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم كلّهم في علم عليّ عليه السّلام كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر 1 .
و قال المسعودي في ( مروجه ) : نادى منادي المأمون في سنة ( 212 ) أن برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدّمه على أحد من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و انشئت الكتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر . فأعظم الناس ذلك و أكبروه و اضطربت العامّة فاشير عليه بترك ذلك فأعرض عمّا كان همّ به 2 .
قلت : لم يكبر اولئك سبّ أمير المؤمنين عليه السّلام و هو نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنص القرآن 3 ثمانين سنة ، و أكبروا سبّ معاوية و هو عدوّ اللّه و عدوّ رسوله ساعة .
و روى الآبي عن العلاء بن صاعد قال : لمّا حمل رأس صاحب الزنج و دخل به المعتضد إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله . فلمّا صار بباب الطاق صاح قوم : " رحم اللّه معاوية " و زاد حتّى علت أصوات العامة . فتغيّر وجه
-----------
( 1 ) رواه المفيد في أماليه : 235 ح 6 ، المجلس 27 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 454 و 455 .
-----------
( 3 ) استنادا الى قوله تعالى : أنفسنا و أنفسكم ( آل عمران : 61 ) .
[ 379 ]
المعتضد ، و قال : ما أعجب هذا ، و ما الّذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت .
و اللّه لقد بلغ أبي إلى الموت ، و ما أفلتّ أنا إلاّ بعد مشارفة الموت ، و لقينا كلّ بلاء حتّى أنجينا هؤلاء الكلاب من عدوّهم و حصّنا حرمهم و أولادهم ، فتركوا أن يترحموا على العبّاس ، و عبد اللّه بن العبّاس ، و من ولد من الخلفاء ، و تركوا الترحم على عليّ و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين . . . 1 .
و كيف جعل ابن أبي الحديد أمر معاوية عندهم ميتا و قد أخذوا دينهم عنه ،
و كان عندهم ستر أبي بكر و عمر ، و من طعن فيه طعن فيهما كما صرّح بذلك الخطيب 2 .
مع أنّ معاوية و إن كان فاسقا مشهورا إلاّ أنّ طلحة و الزبير بايعا أمير المؤمنين عليه السّلام ثم نكثا بيعته و معاوية لم يبايع حتّى ينكث ، و عائشة و طلحة و الزبير خرجوا للطلب بدم عثمان و هم قتلوه و حرّضوا الناس على قتله ،
و قد قتل مروان طلحة مع كونه في عسكره أخذا منه بثأر عثمان ، و معاوية لم يكن ذلك ، و لو فرض براءتهم من دم عثمان مع أنّ كونهم من الدخيلين في دمه كان أمرا واضحا لا يستطيعون إنكاره ، فلم يكونوا من عشيرة عثمان ، و لا من أوصيائه حتّى يطالبوا بدمه .
و أمّا معاوية فكان ابن عم عثمان ، و يجتمعان في اميّة ، و قد جعل عثمان إليه الطلب بدمه ، و كان عندهم خليفة و امامهم الثالث ، و كان معاوية واليا من قبله ، و قبله من قبل عمر ، و كانوا ينفذون أحكام عمر حتّى في قبال حكم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فأمر صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقتل معاوية إذا رأوه على منبره 3 ، فأراد رجل
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 340 ، شرح الخطبة 126 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 209 .
-----------
( 3 ) هذا الحديث أخرجه جمع منهم ابن مزاحم في وقعة صفين : 216 و 221 و ابن أبي شيبة في مسنده ( عنه المطالب العالية 4 : 313 ح 4499 ) و الطبري في تاريخه 8 : 186 ، لسنة 284 ) و عباد العصفري في أصله : 19 .
[ 380 ]
سمع ذلك قتله . فقالوا له : هو خليفة عمر . فقال : سمعا و طاعة لعمر .
و حتّى كانوا ينفذون أمر عمر في قتل أمير المؤمنين الّذي هو بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنصّ القرآن لو خالف أمره . فقال أبو طلحة الأنصاري يوم الشورى له عليه السّلام " إن لم تقبل حكمية ابن عمر لنقتلنّك كما أمر عمر " 1 .
فكان أمر طلحة و الزبير و عائشة و إن كانوا في نفوسهم أجلّ من معاوية أوضح بطلانا حيث كانوا هم القاتلين ، و طلبوا دمه من أمير المؤمنين عليه السّلام مع أنّه كان أبرأ منهم ، و إنّما كان عليه السّلام قد آوى قتلته و كانوا شيعته ، و هذا دليل على رضاه عليه السّلام بقتله و هو غير دخالته .
و أمّا ما ذكره من أنّ الزبير و طلحة كانا موعودين بالجنّة فعجب فمن أراد أن يتفلسف لم يتمسك إلاّ بامور معلومة ، و لو فرض صحّة هذه الرواية كان دليلا على بطلان الإسلام حيث لم تجوّز العقول أن يكون الرسول من اللّه يخبر من يصدر منه الخروج على الإمام ، و يفسد في الأرض و يسفك دماء آلاف من المسلمين بغير حقّ بأنّه من أهل الجنّة .
و العجب من إخواننا يسقطون اسم مالك بن نويرة من الصحابة ، و من المسلمين لكونه قال لخالد بن الوليد ، صاحبك فعل كذا .
فقتله خالد بذلك مؤمنا ظلما و غدرا كما اعترف به فاروقهم و يجعلون الرجلين مع إحداثهما تلك و ارادتهما قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و هو بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الحسنين عليه السّلام و هما سيّدا شباب أهل الجنّة ، و إن لم يتمكّنا من ذلك ، من أهل الجنّة .
و ما ذكره من كون عائشة موعودة بكونها زوجة النبيّ في الآخرة
-----------
( 1 ) تهديد أبي طلحة رواه جمع منهم : البلاذري في أنساب الأشراف 5 : 21 ، و الجوهري في السقيفة : 84 . لكن المضمون المشهور غير هذا .
[ 381 ]
مضحك فانّهم وضعوا ذلك في قبال ما روت الإمامية أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فوّض إلى أمير المؤمنين عليه السّلام طلاقها في الدنيا منه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إن عصته عليه السّلام و رواه ابن أعثم الكوفي منهم 1 .
و كيف تكون زوجته في الآخرة و قد أوصت ألاّ تدفن عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لاستحيائها منه لإحداثها .
و أعجب منه قوله " من كون نزول القرآن فيها معلوما " ففرعون و الشيطان نزول القرآن فيهما أيضا معلوم وليته استحيا و لم يذكر ذلك ، و لم يذكّر من غفل عن ذلك . فإنّ القرآن الّذي نزل فيها آيات منها و قرن في بيوتكن و لا تبرّجن تبرّج الجاهلية الاولى 2 و منها من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا 3 . يقول اللّه تعالى : من أتت من أزواج نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بفاحشة مبيّنة كالخروج على خليفة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قتل المؤمنين تعمّدا يضاعف لها العذاب بالنسبة إلى باقي الناس لو فعلوا ما فعلت ، و يقول إخواننا : إنّها تصير بذلك قرينة نبيّه في الجنّة ، و يقول تعالى إنّ ذلك على اللّه يسير و يكون هذا من فعله تعالى على اخواننا عظيما ، و يأتي باقي آياتها .
و أمّا قول ابن أبي الحديد : " و حال عائشة في محبّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم لها و ثناؤه عليها معلومة " فكيف لا يستحي من التّفوه بذلك ، و قد قال تعالى مخاطبا لها و لصاحبتها بنت فاروقهم إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين
-----------
( 1 ) الفتوح لابن أعثم 2 : 340 .
-----------
( 2 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 3 ) الاحزاب : 30 .
[ 382 ]
و الملئكة بعد ذلك ظهير 1 .
فأيّ عدوّ للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أعدى منهما حتّى يكون اللّه تعالى و جبريل و صالح المؤمنين أي أمير المؤمنين عليه السّلام مولاه و الملائكة بعد ذلك ظهير لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في قبالهما .
لكنّ الأصل في قوله محبّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لها فاروقهم لمّا أراد أن يعطيها من بيت المال و حقوق المسلمين أكثر من حقّها خلافا على اللّه و رسوله ،
و شكرا لها على مساعدتها له و صاحبه صدّيقهم في مرض موت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فإنّه لو لاها لما تمّ أمرهما من صلاة أبي بكر بالناس فيجعله عمر دليلا على استخلافه . فاعتذر عمر لعمله بأنّ النبيّ كان يحبّها .
و قد ضرب اللّه تعالى لهما المثل بالكفار فقال ضرب اللّه مثلا للّذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئا و قيل ادخلا النار مع الداخلين 2 إلاّ أنّ ذلك من فساد المبنى . فالمساكين لا يدرون ما يقولون .
و عن الأصبغ قال : كنت واقفا مع عليّ عليه السّلام يوم الجمل فجاء رجل حتّى وقف بين يديه . فقال : كبّر القوم ، و كبّرنا ، و هلّل القوم و هلّلنا ، و صلّى القوم و صلّينا فعلام نقاتلهم ؟ فقال عليّ عليه السّلام على ما أنزل اللّه تعالى في كتابه .
فقال : الرجل ليس كلّ ما أنزل اللّه أعلمه فعلّمنيه .
فقال عليّ عليه السّلام : ما أنزل في سورة البقرة . فقال الرجل : ليس كلّ ما أنزل في تلك السورة أعلمه . فقال عليه السّلام تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض إلى و لو شاء اللّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات و لكن
-----------
( 1 ) التحريم : 4 .
-----------
( 2 ) التحريم : 10 .
[ 383 ]
اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر 1 فنحن الّذين آمنّا ، و هم الّذين كفروا . فقال الرجل : كفر القوم و ربّ الكعبة ثمّ حمل فقاتل حتّى قتل 2 .
" بعد أن ماج غيهبها " قال ابن دريد في ( الجمهرة ) : " غيهب ثقيل و خم و كساء غيهب : كثير الصوف " و " الغيهب : سواد الليل " 3 .
و المراد هنا الأخير .
" و اشتدّ كلبها " بولاية عثمان ، و تصدّي بني اميّة للامور .
" فاسألوني قبل أن تفقدوني " قال لبيد :
في مقام ضيّق فرّجته
ببيان و لسان و جدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله
زلّ عن مثل مقامي و زحل
في ( صاحبي ابن فارس في باب الأسباب الإسلامية ) :
قال عليّ صلوات اللّه عليه و المهاجرون و الأنصار متوافرون : سلوني فواللّه ما من آية إلاّ و أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ؟ أم في سهل أم في جبل ؟
و حتّى قال صلوات اللّه عليه و أشار إلى ابنيه يا قوم استنبطوا منّي و من هذين علم ما مضى و ما يكون 4 .
هذا ، و في ( تاريخ بغداد ) : قال مقاتل يوما : سلوني عمّا دون العرش . فقام قيس القياس فقال : من حلق رأس آدم في حجّته . فبقي لا يدري ما يقول 5 .
و في ( الكشاف ) : دخل قتادة الكوفة . فقال : إسألوني عمّا شئتم ، و كان أبو حنيفة حاضرا و هو إذن غلام حدث فقال : إسألوه عن نملة سليمان أكان ذكرا
-----------
( 1 ) البقرة : 253 .
-----------
( 2 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 322 ، و النقل بتصرف يسير و الواقعة في حرب صفين لا الجمل .
-----------
( 3 ) جمهرة اللغة 3 : 357 و 1 : 319 .
-----------
( 4 ) الصاحبي : 79 .
-----------
( 5 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 166 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 384 ]
أم انثى ؟ فسألوه فلم يجب . فقال أبو حنيفة : كانت انثى . فقيل له : بم عرفت ؟
فقال : من قوله تعالى : و قالت نملة 1 و لو كان ذكرا لقال قال نملة فلفظ النملة تقع على الذكر و الانثى كلفظ الحمامة و الشاة و إنّما يميّز بينهما بعلامة التأنيث 2 .
قلت : من أين أنّه ليس تاء الوحدة و في ( حيوان الدميري ) : كان أبو يوسف يحفظ التفسير و المغازي و أيّام العرب . فمضى يوما ليسمع المغازي و أخلّ بمجلس أبي حنيفة أيّاما . فلمّا آتاه قال له يا أبا يوسف من كان صاحب راية جالوت . فقال له أبو يوسف : إنّك إمام ، و إن لم تمسك عن هذا سألتك على رؤوس الناس أيّما كان أوّل وقعة بدر أو احد ؟ فإنّك لا تدري ذلك ، و هي أهون مسائل التاريخ . فأمسك عنه 3 .
و في ( تاريخ الطبري ) : خطب إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام و هو وال على الحجاز من قبله في سنة ( 109 ) بمعنى . فقال : سلوني فأنا ابن الوحيد لا تسألون أحدا أعلم منّي . فقام إليه رجل من أهل العراق . فسأله عن الاضحية أواجبة هي أم لا ؟ فما درى أيّ شيء يقول له . فنزل 4 .
و في ( العقد ) : قال مقاتل بن سليمان و قد دخلته ابّهة العلم سلوني عمّا تحت العرش إلى أسفل من الثرى . فقام إليه رجل . فقال : ما نسألك عمّا تحت العرش و لا أسفل الثرى ، و لكن نسألك عمّا كان في الأرض ، و ذكره اللّه في كتابه ، أخبرني عن كلب أهل الكهف ما كان لونه . فأفحمه 5 .
-----------
( 1 ) النمل : 18 .
-----------
( 2 ) الكشاف 3 : 356 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) لم أجده في حياة الحيوان .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 5 : 397 ، لسنة 109 .
-----------
( 5 ) العقد الفريد 2 : 73 .
[ 385 ]
و قالوا : قال ابن الجوزي يوما على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني فسألته امرأة عمّا روي انّ عليّا عليه السّلام سار في ليلة الى سلمان فجهّزه و رجع . فقال :
روى ذلك . قالت : فعثمان طرح ثلاثة أيّام على المزابل منبوذا و عليّ حاضر ؟
قال : نعم : قالت : فقد لزم الخطأ لأحدهما . فقال لها : إن كنت خرجت من بيتك بغير إذن زوجك فعليك لعنة اللّه ، و إلاّ فعليه . فقالت المرأة : خرجت عائشة إلى حرب عليّ عليه السّلام بإذن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أم لا . فانقطع و لم يحر جوابا .
و شتّان بينه عليه السّلام يقول : سلوني عمّا أردتم من الدين و الدنيا ، و الأرض و السماء ، و بين أئمّتهم الّذين حظروا الناس عن سؤال تفسير قرآنهم .
فرووا انّه قيل لعمر : إنّ ضبيعا التميمي يسأل الناس عن تفسير حروف من القرآن . فقال : اللّهمّ أمكنّي منه . فبينما كان عمر يوما جالسا يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع ، و عليه ثياب و عمامة . فتقدّم فأكل فلمّا فرغ قال لعمر : ما معنى قوله تعالى و الذاريات ذروا فالحاملات و قرا 1 قال : و يحك أنت هو ؟ فقام إليه فحسر عن ذراعيه ، فلم يزل يجده حتّى سقطت عمامته . فإذا له ضفيرتان . فقال له : و الّذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك . ثمّ أمر به فجعل في بيت ثمّ يخرجه كلّ يوم فيضربه مئة فإذا برأ أخرجه فضربه مئة اخرى ثمّ حمله على قتيب و سيّره إلى البصرة ، و كتب إلى أبي موسى أن يحرّم على الناس مجالسته ، و يقوم في الناس خطيبا ثمّ يقول " إنّ ضبيعا قد ابتغى العلم و أخطأه " فلم يزل وضيعا في قومه و كان قبل سيّدهم حتّى مات 2 .
-----------
( 1 ) الذاريات : 1 2 .
-----------
( 2 ) أخرجه البزار و الدار قطني و ابن مردويه و ابن عساكر ( عنهم الدر المنثور 6 : 111 ) و غيرهم و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 386 ]
قلت : و صدق عمر في أنّ ضبيعا ابتغى العلم فأخطأه . فإنّه كان ترك باب مدينة علم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ابتغى العلم عند من كان كلّ الناس أفقه منه حتّى المخدّرات أفمن يهدي إلى الحقّ أحق أن يتّبع أمّن لا يهدي إلاّ أن يهدي فما لكم كيف تحكمون 1 .
و كانوا لا يعلمون شيئا من امور أنفسهم حتّى يخبرهم اليهود و النصارى .
ففي ( كامل الجزري ) في فتح البيت المقدس بعد ذكر فتح عمرو بن العاص مرج عيون فلمّا تمّ له ذلك أرسل إلى أرطبون رجلا يتكلّم بالرومية و قال له : اسمع ما يقول : و كتب معه كتابا . فلمّا وصل قال أرطبون لوزرائه : لا يفتح عمرو شيئا من فلسطين بعد أجنادين . فقالوا : من أين علمت ؟ قال :
صاحبها رجل صفته كذا و كذا و ذكر صفة عمر فرجع الرسول إلى عمرو ، و أخبره فكتب عمرو إلى عمر " إنّي اعالج بلادا قد ادّخرت لك " فعلم عمر أنّ عمرا لم يقل ذلك إلاّ لشيء سمعه . فسار عمر إلى أن قال :
فلمّا قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود : إنّك لا ترجع إلى بلادك حتّى يفتح اللّه عليك إلى أن ذكر طلبهم الأمان ، و مصالحة عمر لهم على الجزية فشهد ذلك اليهودي الصلح . فسأله عمر عن الدجّال و كان كثير السؤال عنه فقاله اليهودي : و ما مسألتك عنه ؟ أنتم و اللّه تقتلونه دون باب لدّ ببضع عشر ذراعا 2 .
و روى ابن بابويه ، و ابن قولويه باسنادهما عن الأصبغ قال : بينا عليّ عليه السّلام يخطب الناس و هو يقول : " سلوني قبل أن تفقدوني . فو اللّه لا تسألوني عن شيء يكون إلاّ أنبأتكم به " فقام اليه سعد بن أبي وقاص فقال : يا أمير
-----------
( 1 ) يونس : 35 .
-----------
( 2 ) الكامل 2 : 499 501 ، لسنة 15 ، و النقل بتلخيص .
[ 387 ]
المؤمنين أخبرني كم في رأسي و لحيتي من شعرة ؟
فقال له : " أما و اللّه لقد سألتني عن مسألة حدّثني خليلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّك تسألني عنها ، و ما في رأسك و لحيتك من عشرة إلاّ و في أصلها شيطان جالس ، و إنّ في بيتك لسخلا يقتل الحسين أبني " و عمر يومئذ يدرج بين يديه 1 .
و في ( الإرشاد ) : روى زكريا بن يحيى القطّان ، عن فضل بن الزبير ، عن أبي الحكم قال : سمعت مشيختنا و علماءنا يقولون : خطب عليّ عليه السّلام فقال في خطبته : " سلوني قبل أن تفقدوني ، فو اللّه لا تسألوني عن فئة تضلّ مئة و تهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها و سائقها إلى يوم القيامة " فقام اليه رجل .
فقال : أخبرني كم في رأسي و لحيتي من طاقة شعر ؟
فقال عليه السّلام : و اللّه لقد حدّثني خليلي بما سألت عنه ، و أنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك ، و على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطانا يستفزّك ،
و أنّ في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول اللّه ، و آية ذلك مصداق ما أخبرتك به ،
و لو لا أنّ الّذي سألتني عنه يعسر برهانه لأخبرتك به و كان ابنه في ذلك الوقت صغيرا يحبو فلمّا كان من أمر الحسين عليه السّلام ما كان تولّى قتله ،
و كان الأمر كما قال عليه السّلام 2 .
" فو الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء في ما بينكم و بين الساعة " صدّر عليه السّلام كلامه بالتأكيد القسمي حيث إنّ ما قاله عليه السّلام من إنبائهم عن كلّ ما سألوه في ما بينهم و بين القيامة أمر عظيم ينكره كثير من الناس . فإنّ عيسى عليه السّلام و هو أحد المرسلين ، و من اولي العزم من النبيّين إنّما قال
-----------
( 1 ) رواه الصدوق في اماليه : 115 ح 1 ، المجلس 28 ) و ابن قولويه في كامل الزيارات : 74 ح 12 .
-----------
( 2 ) الارشاد : 174 .
[ 388 ]
و انبّئكم بما تأكلون و تدّخرون في بيوتكم 1 من إنبائهم بامور معيّنة مشخّصة ، و أمّا الإنباء بما يحدث إلى يوم القيامة . فامور غير متناهية لا يحصل ذلك إلاّ لمن له اتّصال تام بالمبدأ الأعلى .
و هذا يصدّق ما عليه جمهور الإمامية من كون الأئمّة عليه السّلام أفضل من جميع الأنبياء حتّى اولى العزم من الرسل . فإنّ بالأعلمية تحصل الأفضلية بحكم البداهة فكما انّ العالم أفضل من الجاهل كذلك الأكثر علما أفضل من الأقلّ علما .
قال الجاحظ في رسالة له في فضل أهل البيت عليه السّلام و قد نقلها الشيخ سليمان الحنفي بتمامها في كتابه ( ينابيع المودّة ) فقد علم الناس كيف كان كلام عليّ كرّم اللّه وجهه قاعدا و قائما ، و في الجماعات و منفردا . في الشرائع و الأحكام ، و الحلال و الحرام ، و أخبار الأكوان ، و تأويلات القرآن ،
و إنباء الحوادث بما كان و ما يكون ، بالتعلّم من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أو بالكشف الجليّ ، أو بالجفر و الميراث ، أو بالوهب اللدني 2 .
و روي عن عمّار قال : كنت مع عليّ في بعض غزواته . فمررنا بواد مملوّ نملا . فقلت : يا أمير المؤمنين يكون أحد من خلق اللّه يعلم كم عدد هذا النمل ؟
قال : نعم يا عمّار . أعرف رجلا يعلم كم عدده ، و كم فيه ذكر ، و كم فيه انثى .
فقلت : من ذلك يا مولاي الرجل ؟ فقال يا عمار : أو ما قرأت في سورة يس و كلّ شيء أحصيناه في امام مبين 3 ؟ فقلت : بلى يا مولاي قال : أنا ذلك الإمام المبين 4 .
-----------
( 1 ) آل عمران : 49 .
-----------
( 2 ) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي : 155 .
-----------
( 3 ) يس : 12 .
-----------
( 4 ) أخرجه البحراني في البرهان 4 : 7 ح 10 .
[ 389 ]
و في ( فواتح الميبدي ) عن ( تفسير الثعلبي ) : " كان ابن عباس يتلو حم عسق و يقول : كان علي عليه السّلام يعلم الفتن بهذين اللفظين 1 .
و في ( أنساب البلاذري ) في عنوان " عبيد اللّه بن زياد " روى مسندا عن مجاهد قال : قال عليّ عليه السّلام و هو بالكوفة " كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيّكم يحمل قويّهم ضعيفهم " فقال : " نفعل و نفعل " فحرّك رأسه ثمّ قال " توردون ثمّ تعرّدون ثمّ تطلبون البراءة و لا براءة لكم " .
و روى عن يوسف بن موسى مثله ، و زاد و تعينون عليه شرّ أهل زمانه في نسبه و سيرته 2 .
" و لا عن فئة تهدي مئة و لا تضلّ مئة إلاّ أنبأتكم بناعقها " الأصل في النعق صياح الراعي بالغنم قال تعالى : كمثل الّذي ينعق بما لا يسمع إلاّ دعاء 3 أي :
الغنم تسمع صوت الراعي و لا تدري ما يقال لها ، و قال الأخطل :
إنعق بضأنك يا جرير فإنّما
منّتك نفسك في الخلاء ضلالا 4
ثم استعير لمن يأمر و يزجر جمعا تحت أمره ، و قالوا : الناعقان ، كوكبان من كواكب الجوزاء .
" و قائدها و سائقها " روى أبو مخنف و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر أنّه عليه السّلام قال في عائشة و فئتها : " و قد علمت و اللّه أنّها الراكبة الجمل لا تحلّ عقدة ، و لا تسير عقبة ، و لا تنزل منزلا إلاّ إلى معصية اللّه حتّى تورد نفسها ،
و من معها موردا يقتل ثلثهم ، و يهرب ثلثهم ، و يرجع ثلثهم " .
و في ( مقاتل أبي الفرج ) بعد ذكر صلح الحسن عليه السّلام مع معاوية و دخول
-----------
( 1 ) أنساب الأشراف للبلاذري 4 ق 2 : 82 .
-----------
( 2 ) انساب الاشراف 4 ق 2 : 82 .
-----------
( 3 ) البقرة : 171 .
-----------
( 4 ) أورده لسان العرب 10 : 356 ، مادة ( نعق ) .
[ 390 ]
معاوية الكوفة مسندا عن عطاء بن السائب عن أبيه قال : بينما عليّ عليه السّلام على المنبر إذ دخل رجل . فقال : يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة . فقال عليه السّلام : لا و اللّه ما مات . إذ دخل رجل آخر . فقال : يا أمير المؤمنين مات خالد بن عرفطة . فقال عليه السّلام : لا و اللّه ما مات و لا يموت حتّى يدخل من باب هذا المسجد يعني باب الفيل براية ضلالة يحملها حبيب بن عمار . فوثب رجل . فقال : يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمّار ، و أنا لك شيعة . قال عليه السّلام : فإنّه كما أقول .
قال : فقدم خالد بن عرفطة على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمّار . قال مالك : حدّثنا الأعمش بهذا الحديث . فقال : حدّثني صاحب هذه الدار و أشار إلى دار السائب أبي عطا أنّه سمع عليّا عليه السّلام يقول هذه المقالة 1 .
و روى أواخر ( روضة الكافي ) عن معلّى بن خنيس قال : كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ أقبل محمّد بن عبد اللّه . فسلّم ثمّ ذهب . فرقّ له أبو عبد اللّه عليه السّلام و دمعت عيناه . فقلت له : لقد رأيتك صنعت ما لم تكن تصنع . فقال : رققت له لأنّه ينسب إلى أمر ليس له . لم أجده في كتاب عليّ عليه السّلام من خلفاء الامّة و لا ملوكها 2 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) بعد ذكر تخيير عبيد اللّه بن زياد عمر بن سعد بين ردّه عهد الري و تصدّيه لقتال الحسين عليه السّلام و قتله ، و اختياره التصدّي قال محمّد بن سيرين : و قد ظهرت كرامة عليّ عليه السّلام في هذا ، فإنّه لقي عمر بن سعد يوما و هو شابّ . فقال له : " ويحك يا ابن سعد كيف بك إذا أقمت يوما مقاما تخيّر فيه بين الجنّة و النار فتختار النار ؟ " 3 .
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 46 .
-----------
( 2 ) الكافي 8 : 395 ح 594 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 247 .
[ 391 ]
" و مناخ ركابها " أي : اضجاع آبالها على ركباتها .
" و محطّ رحالها " أي : إنزال أمتعتها من ظهورها .
روى نصر بن مزاحم في ( صفينه ) ، عن الحسن بن كثير ، عن أبيه أنّ عليّا عليه السّلام أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل يا أمير المؤمنين هذه كربلا . فقال : ذات كرب و بلاء ثمّ أومى بيده إلى مكان فقال هاهنا موضع رحالهم و مناخ ركابهم و أومى إلى موضع آخر فقال هاهنا مهراق دمائهم 1 .
قلت : و الموضع الأوّل الّذي أشار عليه السّلام إليه يقال له : " خيمگاه " و الموضع الثاني يقال له : " قتلگاه " .
و روى ( اسد الغابة ) عن غرفة الأزدي بالغين المعجمة قال : دخلني شكّ من شأن عليّ عليه السّلام فخرجت معه على شاطئ الفرات . فعدل عن الطريق ،
و وقف و وقفنا حوله . فقال بيده : " هذا موضع رواحلهم و مناخ ركابهم ، و مهراق دمائهم بأبي من لا ناصر له في الأرض و لا في السماء إلاّ اللّه " فلمّا قتل الحسين عليه السّلام خرجت حتّى أتيت المكان الّذي قتلوا فيه . فإذا هو كما قال ، ما أخطأ شيئا فاستغفرت اللّه ممّا كان منّي من الشك ، و علمت أنّ عليّا لم يقدم فيه إلاّ بما عهد إليه 2 .
" و من يقتل من أهلها قتلا و يموت منهم موتا " روى الكشّي أنّ رشيد الهجري كان من أصحاب أسرار أمير المؤمنين عليه السّلام و كان عليه السّلام علّمه من يقتل من شيعته بقتله ، و من يموت منهم بميتته ، و كان يسمّيه رشيد البلايا 3 .
قال ابن أبي الحديد : و هذه الدعوى ، أي : قوله عليه السّلام : " فاسألوني قبل أن
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 142 .
-----------
( 2 ) اسد الغابة 4 : 169 .
-----------
( 3 ) اختيار معرفة الرجال : 75 ح 131 .
[ 392 ]
تفقدوني إلى و من يقتل من أهلها قتلا ، و من يموت منهم موتا " ليست منه عليه السّلام ادّعاء الربوبيّة ، و لا ادّعاء النبوّة ، و لكنّه كان يقول : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبره بذلك ، و لقد امتحنّا أخباره . فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كإخباره عن الضربة الّتي يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته .
و كإخباره عن قتل الحسين ابنه عليه السّلام و ما قاله في كربلاء حيث مرّ بها .
و كإخباره بملك معاوية الأمر بعده .
و كإخباره عن الحجاج ، و عن يوسف بن عمر ، و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان ، و ما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم ،
و صلب من يصلب منهم .
و كإخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين .
و كإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السّلام إلى البصرة لحرب أهلها .
و كإخباره عن عبد اللّه بن الزبير ، و قوله فيه " خبّ ضبّ يروم أمرا و لا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا ، و هو بعد مصلوب قريش " .
و كإخباره عن هلاك البصرة تارة بالغرق ، و اخرى بالزنج و هو الّذي صحّفه قوم . فقالوا : بالريح .
و كإخباره عن الأئمّة الّذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر و الداعي و غيرهما في قوله عليه السّلام : " و إنّ لآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالطالقان لكنزا سيظهره اللّه إذا شاء دعاه حتّى يقوم بإذن اللّه فيدعو إلى دين اللّه " .
و كإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة ، و قوله فيه : " يقتل عند أحجار الزيت " ، و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا " يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر ، يأتيه سهم غرب يكون فيه منيّته . فيا
[ 393 ]
بؤسا للرامي ، شلّت يده ، و وهن عضده " .
و كإخباره عن قتلى فخّ و قوله فيهم : " و هم خير أو من خير أهل الأرض " .
و كإخباره عن المملكة العلوية بالغرب و تصريحه بذكر كتّابه و هم الّذين نصروا أبا عبد اللّه المعلّم ، و كقوله عليه السّلام مشيرا إلى عبيد اللّه المهدي و هو أوّلهم " ثمّ يظهر صاحب القيروان الغضّ البضّ ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذى البداء المسجّى بالرداء " و كان عبيد اللّه المهدي مترفا مشربا حمرة رخص البدن تارّ الأطراف و ذو البداء : إسماعيل بن جعفر بن محمّد و هو المسجّى بالرداء لأنّ أباه أبا عبد اللّه جعفرا سجّاه بردائه لمّا مات ، و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته ،
و تزول عنهم الشبهة في أمره .
و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم " و يخرج من ديلمان بنو الصيّاد " إشارة إليهم ، و كان أبوهم صياد السمك يصيد منهم بيده ما يقوت هو و عياله بثمنه فأخرج اللّه تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة ، و نشر ذريّتهم حتّى ضربت الأمثال بملكهم ، و كقوله عليه السّلام فيهم : " ثمّ يستشري أمرهم حتّى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء " فقال له قائل : فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السّلام : " مئة أو تزيد قليلا " و كقوله عليه السّلام فيهم " و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمّه على دجلة " و هو إشارة إلى عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسين و كان معزّ الدولة أقطع اليد قطعت يده في الحرب و كان ابنه بختيار مترفا صاحب لهو و شراب ، و قتله عضد الدولة فنّا خسرو ابن عمّه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب ، و سلبه ملكه فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي ، و رتّب عوضه المطيع ، و إنّ بهاء الدولة أبا نصر ابن عضد الدولة خلع الطائع ، و رتّب عوضه القادر و كانت مدّة ملكهم كما أخبر به عليه السّلام .
[ 394 ]
و كإخباره عبد اللّه بن العباس بانتقال الأمر إلى أولاده فإنّ علي بن عبد اللّه لمّا ولد أخرجه أبوه عبد اللّه بن عبّاس إلى عليّ عليه السّلام فأخذه و تفل في فيه ،
و حنّكه بتمرة قد لاكها ، و دفعه إليه ، و قال له : خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة ، و هي الّتي ذكرها أبو العبّاس المبرّد في كتاب ( الكامل ) ،
و ليست الرواية التّي يذكر فيها العدد بصحيحة ، و لا منقولة من كتاب معتمد عليه ، و كم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ، ممّا لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس كثيرة ، و كتب السير تشتمل عليها مشروحه 1 .
قلت : إنّ ابن أبي الحديد قال : إنّ هذا الادعاء منه لا تسألوني عن شيء في ما بينكم و بين الساعة إلى آخر ما مرّ ليست منه عليه السّلام ادّعاء الربوبية ، و لا ادّعاء النبوّة . كون ذلك عدم ادّعاء منه عليه السّلام للربوبيّة و لا للنبوّة مسلّم لكن لم لم يذكر أنّ ذلك ادّعاء منه للإمامة ؟ إن أراد بذلك إلاّ المغالطة فإنّه عليه السّلام إنّما كان مدّعيا للإمامة و أقام على دعواه هذه البيّنة ، كما أنّ الأنبياء أقاموها على دعواهم الرسالة فيقول عيسى عليه السّلام و انبّئكم بما تأكلون و تدّخرون في بيوتكم 2 .
قال محمّد بن محمّد بن النعمان في ( إرشاده ) : و من آيات اللّه الباهرة في أمير المؤمنين عليه السّلام و الخواص الّتي أفرده بها ، و دلّ بالمعجز منها على إمامته ،
و وجوب طاعته ، و ثبوت حجّته ، ما هو من جملة الخواص الّتي أبان اللّه تعالى بها الأنبياء و الرسل عليه السّلام ، و جعلها إعلاما لهم على صدقهم . فمن ذلك ما استفاض عنه عليه السّلام من إخباره عن الغائبات و الكائن قبل كونه . فلا يخرم من ذلك شيئا ، و يوافق المخبر منه خبره حتّى يتحقّق الصدق فيه ، و هذا من أبهر
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 175 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) آل عمران : 49 .
[ 395 ]
معجزات الأنبياء عليه السّلام ألا ترى إلى قوله تعالى في ما أبان به المسيح عليه السّلام من المعجز الباهر و الآية العجيبة الدالة على نبوّته : و انبّئكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم 1 ؟ و جعل تعالى مثل ذلك من عجيب آيات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال عند غلبة فارس على الروم : أ لم . غلبت الروم . في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون . في بضع سنين 2 فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى ، و قال تعالى في أهل بدر قبل الوقعة : سيهزم الجمع و يولّون الدبر 3 فكان الأمر كما قال تعالى من غير اختلاف في ذلك ، و قال عزّ و جلّ : لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين محلّقين رؤوسكم و مقصّرين لا تخافون 4 فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى ، و قال سبحانه : إذا جاء نصر اللّه و الفتح . و رأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا 5 فكان الأمر في ذلك كما قال تعالى ، و قال سبحانه مخبرا عن ضمائر قوم من أهل النفاق :
و يقولون في أنفسهم لولا يعذّبنا اللّه بما نقول 6 فخبّر عن ضمائرهم و ما أخفوه من سرائرهم ، و قال تعالى في قصّة اليهود : قل يا أيّها الّذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين . و لا يتمنّونه أبدا بما قدّمت أيديهم و اللّه عليم بالظالمين 7 فكان الأمر كما قال تعالى ، و لم يجسر أحد منهم أن يتمنّاه فحقّق ذلك خبره و أبان به
-----------
( 1 ) آل عمران : 49 .
-----------
( 2 ) الروم : 1 4 .
-----------
( 3 ) القمر : 45 .
-----------
( 4 ) الفتح : 27 .
-----------
( 5 ) النصر : 1 و 2 .
-----------
( 6 ) المجادلة : 8 .
-----------
( 7 ) الجمعة : 6 7 .
[ 396 ]
عن صدقه و دلّ به على نبوّته 1 .
و قول ابن أبي الحديد : " و لكنّه عليه السّلام كان يقول : انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبره بذلك " لا يدلّ على عدم إمامته بل على عدم نبوّته . فإنّ الإمام علومه من النبيّ ،
و النبيّ من اللّه تعالى ، و إذا كانت أخباره الغيبية من الكثرة بمثابة تكون مظنّة لزعم الإلهية فيه عليه السّلام كما وقع من جمع فقال شاعرهم فيه عليه السّلام :
و من قال على المنبر يوما
سلوني فحاروا في معانيه
لم لم يقل بإمامته عليه السّلام .
لكن إخواننا أنكروا في مورده عليه السّلام البديهيّات و المتواترات و الفطريات و جعلوا أقوال اللّه تعالى ، و أقوال رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه عليه السّلام من اللغويات . أ لم يقل اللّه تعالى هل يستوي الّذين يعلمون و الّذين لا يعلمون 2 ؟ و لم يقل أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدي إلاّ أن يهدي فما لكم كيف تحكمون 3 ؟ أ لم يقل رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم في غدير خم بالتواتر : " أ لست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى . فقال : فمن كنت مولاه و أولى به من نفسه فعلي مولاه ،
و أولى به من نفسه " 4 ؟ إلى غير ذلك من يوم دعوته أوّلا عشيرته الأقربين إلى يوم وفاته .
و أمّا قول ابن أبي الحديد في ما مرّ : " و أمّا الرواية الّتي يذكر فيها العدد ( أي من بني العباس ) فليست بصحيحة و لا منقولة من كتاب معتمد عليه " فلعلّه أشار إلى ما في تاريخ الطبري : ذكر عن عليّ بن يحيى المنجم أنّه قال :
كنت أقرأ على المتوكّل قبل قتله بأيّام كتابا من كتب الملاحم . فوقفت على
-----------
( 1 ) الارشاد : 165 .
-----------
( 2 ) الزمر : 9 .
-----------
( 3 ) يونس : 35 .
-----------
( 4 ) ينظر حديث الغدير المتواتر أخرجه جمع كثير منهم ابن عساكر في ترجمة علي عليه السّلام 2 : 5 290 ح 503 593 .
[ 397 ]
موضع من الكتاب فيه " إنّ الخليفة العاشر يقتل في مجلسه " فتوقفت عن قراءته و قطعته ، فقال لي : مالك قد وقفت ، قلت : خير . قال : لابدّ و اللّه من أن تقرأه فقرأته ، وحدت عن ذكر الخلفاء . فقال المتوكّل : ليت شعري من هذا الشقي المقتول 1 .
و في ( تاريخ الطبري ) أيضا قال أبو البديل : بعث الربيع و الحسن الحاجب إليّ في الليل . فجئت و عندهما رجل . فقال : هذا غلام الغمر بن يزيد و قد أصبنا معه كتاب الدولة . ففتحت الكتاب فنظرت فيه إلى سني المهدي ، فإذا هي عشر سنين إلى أن قال فأتى بعنبسة الورّاق الاعرأبي مولى آل بديل .
فقلت له : " خطّ مثل هذا الخطّ ، و ورقة مثل هذا الورقة ، و صيّر مكان عشر سنين أربعين سنة و صيّرها في الكتاب . ففعل فواللّه لو لا أنّي رأيت العشر في تلك و الأربعين في هذه ما شككت أنّ الخطّ ذلك الخط و أنّ الورقة تلك الورقة " 2 .
و في ( تاريخ الطبري ) أيضا عن أبي حشيشة قال : كان المأمون يقول : " إنّ الخليفة بعدي في اسمه عين " فكان يظنّ أنّه العباس ابنه ، فكان المعتصم ،
و كان يقول : " و بعده ( من اسمه ) هاء " فيظنّ أنّه هارون فكان الواثق ، و كان يقول " و بعده أصفر الساقين " فكان يظّن أنّه أبو الجنائز العباس . فكان المتوكّل ذلك فلقد رأيته إذا جلس على السرير يكشف عن ساقيه فكانا أصفرين كانّما صبغا بزعفران ( و اسم الواثق هارون ) 3 .
و كتاب الدولة و إن لم يذكر فيه أنّه عمّن إلاّ أنّ الأصل فيه هو عليه السّلام فقال
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 7 : 396 ، لسنة 247 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 6 : 375 ، لسنة 163 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 7 : 399 ، لسنة 247 .
[ 398 ]
الطبري في ( ذيله ) : أوصى أبو هاشم بن محمّد بن الحنيفة إلى محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس ، و دفع إليه كتبه ، و قال له " إنّ هذا الأمر إنّما هو في ولدك . فكانت الشيعة الّذين كانوا يأتون أبا هاشم ، و يختلفون إليه قد صاروا بعد ذلك إلى محمّد بن عليّ . . . 1 .
و معلوم أنّ كتب أبي هاشم من أبيه محمّد بن الحنفية و أنّ كتب ابن الحنفية من أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام .
و في ( تاريخ القرطبي ) بعد ذكره أسر سبكرى من فارس سنة ( 298 ) و ادخاله على فيل ، و عليه برنس ، و بين يديه ثلاثة عشر أسيرا عليهم البرانس قال الصولي : شهدت هذا اليوم فتذكّرت فيه حديثا كان حدّثناه صافي الحرم يوم بويع فيه المقتدر . قال : رأيت المقتدر ، و هو صبي في حجر المعتضد أبيه و المعتضد ينظر في دفتر كان كثيرا ما ينظر فيه و هو يضرب على كتف المقتدر ، و يقول له " كأنّي بملوك فارس قد ادخلوا عليك على الفيلة و الجمال عليهم البرانس " كان صافي يوم بيعة المقتدر يحدّث بهذا و يدعو أن يحقّق اللّه هذا القول 2 .
و قد أخبر عليه السّلام ابنه محمّد بن الحنفية بإرادة ابن الزبير إهلاكه و خلاصه منه بخيل المختار .
ففي ( مروج المسعودي ) : قال الديال بن حرملة : كنت في من استفزّه أبو عبد اللّه الجدلي من قبل المختار . فنفرنا معه في أربعة آلاف فارس . فقال الجدلي : هذه خيل عظيمة ، و أخاف أن يبلغ ابن الزبير الخبر فيعجل على بني هاشم فيأتي عليهم . فانتدبوا معي فانتد بنا معه في ثماني مئة فارس جريدة
-----------
( 1 ) منتخب ذيل المذيل : 132 .
-----------
( 2 ) رواه القرطبي في صلة تاريخ الطبري : 25 و النقل بتصرف يسير .
[ 399 ]
خيل فما شعر ابن الزبير إلاّ و الرايات تخفق على رأسه إلى أن قال و خطب ابن الزبير . فقال : قد بايعني الناس ، و لم يتخلّف إلاّ هذا الغلام يعني ابن الحنفية و الموعد بيني و بينه أن تغرب الشمس . ثمّ اضرم داره عليه نارا .
فدخل ابن العباس عليه و قال : إنّي لا آمنه عليك فبايعه . فقال له ابن الحنفية " سيمنعه عنّي حجاب قويّ " فجعل ابن عبّاس ينظر إلى الشمس و يفكّر في كلام ابن الحنفية ، و قد كادت الشمس أن تغرب . فوافاهم الجدلي في الخيل 1 .
و قد نقل ابن أبي الحديد في ما مرّ إخباره عليه السّلام بعدم نيل ابن الزبير خلافة تامة و كونه مصلوب قريش ، و لم يذكر إخباره عليه السّلام بقتله في مكّة و خراب الكعبة بواسطته . ففي ( تاريخ الطبري ) قال ابن سليم و ابن المشمعل الأسديان : خرجنا حاجّين من الكوفة حتّى قدمنا مكّة : فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين عليه السّلام و ابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى في ما بين الحجر و الباب . فتقرّبنا منهما . فسمعنا ابن الزبير و هو يقول للحسين عليه السّلام :
إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فآزرناك و ساعدناك و نصحنا لك و بايعناك . فقال له الحسين عليه السّلام : إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشا يستحل حرمتها . فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش 2 .
و لم يذكر ابن أبي الحديد أيضا في ما أخبر عليه السّلام به من حال أهل بيته زيد الشهيد فروى أبو الفرج في ( مقاتله ) مسندا عنه عليه السّلام قال : يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في ابّهة . . . 3 .
و لم يذكر في ما أخبر عليه السّلام به من حال الرجال أبا مسلم مبيد بني اميّة
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 76 و 77 و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 288 ، لسنة 60 .
-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 88 .
[ 400 ]
و مؤسّس الدولة العباسيّة ، فروى الأعمش كما في ( مناقب السروي ) أنّ أهل الشام لمّا هزموا ميمنة عليّ عليه السّلام قال ثلاث مرّات : " يا أبا مسلم خذهم " فقال الأشتر ، أو ليس أبو مسلم معهم . فقال عليه السّلام : لست اريد الخولاني ، و إنّما اريد رجلا يخرج في آخر الزمان من المشرق يهلك اللّه به أهل الشام ، و يسلب عن بني اميتة ملكهم 1 .
و لم يذكر إخباره عليه السّلام ببناء بغداد كما رواه الخطيب و غيره 2 ، و ببناء المعتصم سامرا و اتّخاذه جنده من الترك ، و تركه العرب كما في خطبته المعروفة بالزهراء 3 ، لكن عرفت أنّ ابن أبي الحديد أراد الإجمال حيث قال :
و كم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجري ممّا لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس .
و قد أخبر عليه السّلام ببناء الحلّة و ببانيه سيف الدولة ، و بعلماء الشيعة علىّ بن طاووس و غيره . نقل المجلسي عن خط الجباعى عن الشهيد عن خط العلاّمة عن خط والده قال : وجدت رقعة عليها مكتوب بخط عتيق ما صورته " بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أخبرنا به الشيخ الأجل أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي إملاء من لفظه عند نزوله بالحلّة السيفية و قد وردها حاجّا سنة ( 574 ) و رأيته يلتفت يمنة و يسرة ، فسألته عن سبب ذلك قال : إنّني لأعلم أنّ لمدينتكم هذه فضلا جزيلا .
قلت : و ما هو ؟
-----------
( 1 ) مناقب السروي 2 : 262 .
-----------
( 2 ) رواه الخطيب في تاريخ بغددا 1 : 38 و 39 ، و السروي في مناقبه 2 : 264 لكن رواه الخطيب عن علي ( ع ) عن النبيّ ( ص ) .
-----------
( 3 ) ليس هذا في الخطبة الزهراء التي رواها ابن عبد ربه في العقد 4 : 142 و غيره بل روى السروي في مناقبه 2 : 274 قطعة من الخطبة الزهراء ثم روى بعده هذا الكلام .
[ 401 ]
قال : أخبرني أبي ، عن أبيه ، عن جعفر بن قولويه ، عن محمّد بن يعقوب الكليني ، عن علي بن إبراهيم القمي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن الأصبغ بن نباتة . قال : صحبت أمير المؤمنين عليه السّلام عند وروده إلى صفّين ، و قد وقف على تلّ ثمّ أومأ إلى أجمة ما بين بابل و تل عرير و قال " مدينة و أيّ مدينة " .
فقلت له : يا مولاي أراك تذكر مدينة ، أكان هاهنا مدينة و انمحت آثارها ؟ فقال : " لا و لكن ستكون مدينة يقال لها : الحلّة السيفية يمدّنها رجل من بني أسد يظهر بها قوم أخيار لو أقسم أحدهم على اللّه لأبرّ قسمه " 1 .
و قد أخبر عليه السّلام بهدم الكعبة . فعن ( غريب الحديث و الفائق ) : قال عليّ عليه السّلام : أكثروا الطواف بهذا البيت . فكأنّي برجل من الحبشة أصلع أصمع جالس عليه و هو يهدم 2 .
و قد أخبر عليه السّلام بسفيان الثوري . فروى الكشّي في عنوان سفيان الثوري دخول جمع من أهل حديث البصرة على الصادق عليه السّلام و تحديث رجل منهم ،
عن سفيان عن جعفر يعني الصادق عليه السّلام بمفتريات . فقال الصادق عليه السّلام له :
إنّ عليّا عليه السّلام لمّا أراد الخروج من البصرة لعنها ، و قال : فيك الداء الدويّ كلام القدر الّذي فيه الفرية على اللّه ، و استحلالهم الكذب علينا 3 .
و قد أخبر عليه السّلام بتزلزل أمر بني اميّة تارة بكونه بعد هشام . ففي ( نسب قريش للزبير بن بكار ) في عنوان عاصم بن المنذر ، روى عاصم عن ابن الزبير أنّه سمع علي بن أبي طالب يقول : هلاك بني اميّة على رجل أحول منهم ،
-----------
( 1 ) بحار الأنوار للمجلسي 60 : 222 ح 55 .
-----------
( 2 ) رواه عنهما السروى في مناقبه 2 : 258 .
-----------
( 3 ) اختيار معرفة الرجال : 397 و النقل بتلخيص .
[ 402 ]
و هشام كان أحول 1 .
و اخرى بكونه بعد سنة مئة بقيام دعاة العباسيّين . فروى المنهال عن نعيم بن دجاجة قال : قال أبو مسعود لعليّ عليه السّلام : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : لا يأتي على الناس سنة مئة و على الأرض عين تطرف . فقال عليه السّلام له ، غلطت في أوّل ظنّك و هل الرخاء إلاّ بعد المئة 2 .
و في اخباره عليه السّلام المنامية ما في ( نشوار المحاضرة للتنوخي ) : حدّثني أبو الحسين المنجّم الصوفي في عضد الدولة ثمّ حدّثني عضد الدولة و أبو الحسين حاضر و قد مضت سنون على حديث أبي الحسين ، و لم أكن حدّثته و لا غيره فقال عضد الدولة : اعتللت علّة صعبة أيس منها الطبيب ، و أيست من نفسي و كان تحويل سنتي تلك في النجوم رديّا نحسا موحشا ثمّ زادت العلّة علي . فأمرت أن يحجب الناس كلّهم ، و لا يدخل عليّ أحد إلاّ حاجب النوبة ،
و حتّى منعت الطبيب . فأقمت كذلك أيّاما ثلاثة أو أربعة و أنا أبكي في خلوتي على نفسي إذ جاء حاجب النوبة فقال : أبو الحسين الصوفي يطلب الوصول ،
و قد اجتهدنا به في الانصراف . فما فعل و قال عندي بشارة .
فقلت : بصوت ضعيف يريف أن يقول لي : بلغ الكوكب الفرني ، و يمخرق عليّ من هذا القبيل ما يزيد به ألمي فلينصرف . فخرج الحاجب ، و رجع و قال :
إمّا أن يكون أبو الحسين جنّ أو معه أمر عظيم . فإنّه قال : قل له لو أمرت بضرب عنقي ما أنصرفت ، و و اللّه ما اكلّمك في معنى النجوم بكلمة واحدة .
فقلت : ادخله فلمّا دخل قال : أنت و اللّه في عافية و اليوم تبرأ رأيت في منامي أمير المؤمنين عليّا عليه السّلام و الناس يهرعون إليه يسألونه المسائل
-----------
( 1 ) لم أجده في النسخة المطبوعة من نسب قريش .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 362 ، شرح الخطبة 57 ، و النقل بتلخيص .
[ 403 ]
فتقدّمت أنا و قلت : أنا رجل غريب ، و تعلّقت بحبّ هذا الأمير الّذي أنا معه ، و قد بلغ إلى اليأس من العلّة الّتي أصابته فادع اللّه له بالعافية .
فقال : تعني فنا خسرو بن الحسين بن بويه ؟ فقلت : نعم .
فقال : قل له : أنسيت ما أخبرتك به امّك في المنام الّذي رأته و هي حامل بك ألست قد أخبرتها بمدّة عمرك و أنّك ستعتلّ إذا بلغت كذا و كذا سنة علّة تيأس منها الأطباء ثمّ تبرأ منها ، و أنت تصلح من هذه العلّة غدا و يتزايد صلاحك إلى أن تركب و تعاود عاداتك كلّها في يوم كذا ، و كذا يوما و لا قطع عليك قبل الأجل الّذي أخبرتك به امّك عنّي .
قال : و قد كنت نسيت أنّ امّي قالت لي إنّها رأت في المنام أنّي إذا بلغت هذه السنة اعتللت هذه العلّة . فحين سمعت الكلام من أبي الحسين ذكرت و حدثت لي في نفسي قوّة لم تكن قبل إلى أن قال :
و عادت عاداتي في اليوم الّذي قال أبو الحسين . ثمّ قال : ما فاتني في نفسي من هذا المنام إلاّ شيء كنت أشتهي أن يكون فيه ، و شيء كنت أشتهي ألاّ يكون فيه : أمّا الّذي أشتهي ألاّ يكون فهو عليه السّلام وقف على أنّي أملك حلب ، و لو كان عنده أنّي أملك شيئا ممّا يجاوز حلبا لقاله . فأخاف أن يكون هذا غاية حدّي من تلك الناحية حتّى لمّا جاءني الخبر بأنّ سيف الدولة قد أخذ لي الدعوة بحلب ذكرت المنام فتنغّص عليّ لأجل هذا الاعتقاد ، و أمّا الّذي كنت أشتهي أن يكون فيه فهو أن أعلم من هذا الّذي يملك من ولدي .
قال التنوخي : و بقي عضد الدولة بعد هذا سنين و ما تجاوزت دعوته حلب 1 .
و في ( مروج المسعودي ) : رأى المعتضد في النوم و هو في سجن أبيه
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن طاووس في خرج المهموم : 198 201 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 404 ]
كأن شيخا جالسا على دجلة يمدّ يده إلى ماء دجلة فيصير في يده و تجفّ دجلة ثمّ يردّه من يده . فتعود دجلة كما كانت . قال : فسألت عنه . فقيل لي : هذا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . قال : فقمت و سلّمت عليه . فقال لي : يا أحمد إنّ هذا الأمر صائر إليك . فلا تتعرّض لولدي و لا تؤذهم . فقلت : السمع و الطاعة لأمير المؤمنين عليه السّلام .
قال المسعودي : لمّا ورد مال من محمّد بن زيد من بلاد طبرستان ليفرّق في آل أبي طالب سرّا ، و غمز بذلك إلى المعتضد ، أحضر الرجل الّذي كان يحمل المال إليهم . فأنكر عليه إخفاء ذلك ، و أمره بإظهاره ، و قرّب آل أبي طالب 1 .
و في ( كامل الجزري ) بعد ذكر القبض على الطائع و إعادة القادر و كان في البطيحة من قبل بهاء الدولة حكى هبة اللّه بن عيسى كاتب مهذب الدولة صاحب البطيحة أنّي كنت احضر القادر كلّ اسبوع مرّتين . فيكر مني فدخلت عليه يوما . فلم أرمنه ما ألفته من إكرامه ، و رأيته تأهّب تأهّبا لم تجر به عادته .
فسألته عن السبب فقال : رأيت البارحة في منامي كأنّ نهركم هذا قد اتّسع .
فصار مثل دجلة دفعات . فسرت على حافّته متعجّبا منه ، و رأيت قنطرة عظيمة إذ رأيت شخصا قد تأمّلني من ذلك الجانب . فقال : أتريد أن تعبر ؟ قلت : نعم .
فمدّ يده حتّى وصلت إليّ فأخذوني و عبّرني ، فهالني فعله . فقلت : من أنت ؟ قال :
عليّ بن أبي طالب ، و هذا الأمر صائر إليك ، و يطول عمرك فيه . فأحسن إلى ولدي و شيعتي .
قال هبة اللّه . فما انتهى القادر إلى هذا القول حتّى سمعنا صياح الملاّحين الواردين لإصعاده ليتولّى الخلافة ، فخاطبته بالإمرة ، و كان في عزله سنتين
-----------
( 1 ) مروج الذهب 4 : 181 .
[ 405 ]
و أحد عشر شهرا 1 .
" و لو قد فقدتموني و نزلت بكم كرائه الأمور " و من الأمثال " معضلة و لا أبا حسن " 2 .
و روى ( الأمالي ) عن زرّ بن حبيش قال : مرّ عليّ عليه السّلام على بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سلمان في ملأ فقال سلمان : ألا تقومون تأخذون بحجزته تسألونه ؟ فو الّذي فلق الحبة ، و برأ النسمة لا يخبركم بسرّ نبيّكم أحد غيره و إنّه لعالم الأرض ، و زرها ، و إليه تسكن ، و لو فقد تموه لفقدتم العلم و أنكرتم الناس 3 .
" و حوازب الخطوب " أي : شدائد الامور .
" لأطرق " أي أرخى عينيه ينظر إلى الأرض ، و لم يتكلّم .
" كثير من السائلين " لتحيّره من يسأل .
" و فشل " أي : جبن .
" كثير من المسؤولين " إنّما قال عليه السّلام كثير من المسؤولين لأنّ المراد باقي الناس غير أهل بيته ، و أما أهل بيته فهم مثله .
روى أبو الفرج الإصبهاني في ( مقاتله ) بأسانيد متعدّدة عن فضل بن عبد الرحمن الهاشمي و ابن داجة ، و عبد الأعلى بن أعين ، و محمّد بن أبي الكرام الجعفري ، و عبد اللّه بن يحيى ، و عبد اللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ قال : و قد دخل حديث بعضهم في بعض أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء و فيهم إبراهيم الإمام ، و أبو جعفر المنصور ، و صالح بن عليّ ، و عبد اللّه بن
-----------
( 1 ) الكامل لابن الأثير 9 : 81 ، سنة 381 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) هذا كلام معاوية اورده ابن الأثير في النهاية 3 : 254 ، مادة ( عضل ) ، و غيره و روى مضمونه عن عمر أيضا .
-----------
( 3 ) أمالي المفيد : 138 ح 2 ، المجلس 17 .
[ 406 ]
الحسن ، و ابناه محمّد ، و إبراهيم ، و محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فقال صالح بن عليّ : قد علمتم أنّكم الّذين يمدّ الناسّ إليهم أعينهم ، و قد جمعكم اللّه في هذا الموضع . فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم . و تواثقوا على ذلك حتّى يفتح اللّه و هو خير الفاتحين .
فقال عبد اللّه بن الحسن : قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلمّوا فلنبايعه .
و قال أبو جعفر المنصور : و اللّه لقد علمتم ما الناس إلى أحد أميل أعناقا و لا أسرع اجابه إلى هذا الفتى يعني محمّد بن عبد اللّه .
فقالوا : و اللّه صدقت إنّ هذا لهو الّذي نعلم . فبايعوا محمّدا جميعا ،
و مسحوا على يده إلى أن قال و جاء جعفر بن محمّد عليه السّلام فاوسع له عبد اللّه بن الحسن إلى جنبه ، و تكلّم عبد اللّه بمثل كلامه .
فقال جعفر عليه السّلام : لا تفعلوا فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد ، و إن كنت ترى يا عبد اللّه أنّ ابنك هذا هو المهدي . فليس به ، و لا هذا أوانه ، و إن كنت إنّما تريد أن تخرج غضبا للّه و لتأمر بالمعروف ، و تنهى عن المنكر . فإنّا و اللّه لا ندعك و أنت شيخنا ، و نبايع ابنك في هذا الأمر . فغضب عبد اللّه ، و قال : لقد علمت خلاف ما تقول ، و اللّه ما اطلعك اللّه على غيبه و لكنه يحملك على هذا ، الحسد لابني .
فقال : و اللّه ما ذاك يحملني ، و لكن هذا و ضرب بيده على ظهر السفاح و إخوته و أبناؤهم ، دونكم و ضرب بيده على كتف عبد اللّه و قال : إنّها و اللّه ما هي إليك ، و لا إلى ابنيك ، و لكنّها لهم ، و إنّ ابنيك لمقتولان ثمّ نهض و توكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري . فقال : أرأيت صاحب الرداء الأصفر يعني أبا جعفر المنصور و اللّه يقتل محمّدا . قال عبد العزيز : قلت :
أيقتل محمّدا ؟ فقال : نعم . فقلت : في نفسي حسده و ربّ الكعبة ، ثمّ و اللّه ما
[ 407 ]
خرجت من الدنيا حتّى رأيته .
قال : فلمّا قال جعفر ذلك نهض القوم و افترقوا ، و تبعه عبد الصمد و المنصور فقالا له : أتقول هذا . قال : نعم أقوله و اللّه و أعلمه 1 .
و روى مسندا عن عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم أنّ عيسى بن موسى العباسي و هو الّذي قتل محمّدا و إبراهيم من قبل المنصور ، و كان ولىّ العهد بعده من السفاح فجعله المنصور بعد ابنه المهدي و خلعه رأسا لمّا قدم قال جعفر بن محمّد عليه السّلام : أهو هو ؟ قيل : من تعني يا أبا عبد اللّه ؟ قال :
المتلعّب بدمائنا ، و اللّه لا يخلأ منها بشيء .
و عن الرومي قال : أرسلني جعفر بن محمّد أنظر ما يصنعون . فجئته فأخبرته أنّ محمّدا قتل ، و أنّ عيسى بن موسى قبض على عين أبي زياد .
فابلس طويلا . ثمّ قال : ما يدعو عيسى إلى أن يسيء بنا ، و يقطع أرحامنا . فو اللّه لا يذوق هو و لا ولده منها شيئا أبدا 2 .
و في ( الأخبار الطوال للدينوري ) قال الأصمعي : دخلت على الرشيد و كنت غبت عنه حولين بالبصرة فاومأ إليّ بالجلوس قريبا منه فجلست في خفّ الناس ثمّ قال : أتحبّ أن ترى محمّدا و عبد اللّه إلى أن قال كيف بكم إذا ظهر تعاديهما و بدا تباغضهما ، و وقع بأسهما بينهما حتّى تسفك الدماء ، و يودّ كثير من الأحياء أنّهم كانوا موتى ، فقلت للرشيد : هذا شيء قضى به المنجّمون عند مولدهما أو شيء أثرته العلماء في أمرهما ؟ قال : بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما . قالوا : فكان المأمون يقول في خلافته : كان الشريد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 171 173 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواهما أبو الفرج في المقاتل : 184 .
[ 408 ]
جعفر عليه السّلام فلذلك قال ما قال 1 .
و روى النعماني أنّ عليّا عليه السّلام دخل المسجد الحرام يوما و معه الحسن عليه السّلام إذ جاء رجل حسن الهيئة . فسلّم عليه عليه السّلام و قال : أسألك عن ثلاث قال : سل عمّا بدالك :
فقال : أخبرني عن الإنسان إذا نام أين يذهب روحه ، و عن الرجل كيف يذكر و ينسى ، و عن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام و الأخوال . فالتفت عليه السّلام إلى الحسن عليه السّلام و قال : أجبه يا أبا محمّد .
فقال له : أمّا ما سألت عن الروح . فإنّ الروح معلّقة بالريح ، و الريح معلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة فإن أذن اللّه تعالى بردّ تلك الروح على ذلك البدن جذبت تلك الروح الريح ، و جذبت الريح الهواء فأستكنت في بدن صاحبها ، و إلاّ جذب الهواء الريح ، و جذبت الريح الروح . فلا تردّ على صاحبها إلى وقت بعثه 2 .
" و ذلك إذا قلّصت " أي : ارتفعت .
" حربكم و شمّرت عن ساق " أي : خفّت . في ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا أخبر علي عليه السّلام الناس بغلبة أهل الشام عليهم قالوا : قد علمنا يا أمير المؤمنين أنّ قولك كله و جميع لفظك يكون حقّا أترى معاوية يكون علينا أميرا ؟ فقال : لا تكرهون إمرة معاوية فإن إمرته سلم و عافية . فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنّها الحنظل و عدا كان مفعولا 3 .
" و ضاقت الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه " هكذا في ( المصرية ) و كلمة
-----------
( 1 ) الأخبار الطوال : 384 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) أخرجه النعماني في الغيبة : 39 و الكليني في الكافي 1 : 525 ح 1 ، و البرقي في المحاسن : 332 ح 99 ، و غيرهم و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) الامامة و السياسة 1 : 152 .
[ 409 ]
" معه " زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 1 .
" أيّام البلاء عليكم حتّى يفتح اللّه لبقية الأبرار منكم " روى ( مقاتل أبي الفرج ) بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال : أتيت الحسن بن عليّ عليه السّلام حين بايع معاوية إلى أن قال قال الحسن عليه السّلام : أبشر يا سفيان . فإنّى سمعت عليّا عليه السّلام يقول : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : يرد عليّ الحوض أهل بيتي ، و من أحبّهم كهاتين ، يعني السبّابتين أو كهاتين يعني السبابة و الوسطى إحداهما تفضل على الاخرى . ابشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البر و الفاجر حتّى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 .
4
من الخطبة ( 187 ) بعد ما مر في الإمامة العامة :
أَيُّهَا اَلنَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَأَنَا بِطُرُقِ اَلسَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ اَلْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وَ تَذْهَبُ بِأَحْلاَمِ قَوْمِهَا أقول : الظاهر أنّ الأصل في العنوان ما رواه المدائني قال : خطب عليّ عليه السّلام فذكر الملاحم فقال : " سلوني قبل أن تفقدوني أما و اللّه لتشعرن الفتنة الصماء برجلها ، و تطأ في خطامها . يالها من فتنة شبّت نارها بالحطب الجزل ، مقبلة من شرق الأرض ، رافعة ذيلها ، داعية ويلها ، بدجلة أو حولها . ذاك إذا استدار الفلك و قلتم مات أو هلك ، بأيّ واد سلك " . فقال قوم تحت منبره " للّه
-----------
( 1 ) الكلمة مذكورة في شرح ابن أبي الحديد 2 : 174 ، و شرح ابن ميثم 2 : 388 .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 44 .
[ 410 ]
أبوه ما أفصحه كاذبا " 1 .
" أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني " قال ابن أبي الحديد : حدّثني من أثق به من أهل العلم حديثا و إن كان فيه بعض الكلمات العامية إلاّ أنّه يتضمّن ظرفا و لطفا ، و يتضمّن أيضا أدبا قال : كان ببغداد في أيّام الناصر لدين اللّه أحمد بن المستضيء باللّه واعظ مشهور بالحذق و معرفة الحديث و الرجال ،
و كان يجتمع تحت منبره خلق عظيم من عوام بغداد و فضلائها ، و كان مشتهرا بذمّ أهل الكلام و خصوصا المعتزلة على قاعدة الحشوية ، و مبغضي أرباب العلوم العقلية . و كان أيضا منحرفا عن الشيعة يرضي العامّة بالميل عليهم . فاتّفق قوم من رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يسأله من تحت منبره ، و يخجله فسألوا عمّن ينتدب لهذا . فاشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف بأحمد بن عبد العزيز الكزي و يشتغل بشيء يسير من كلام المعتزلة ،
و يتشيّع و قد شدّ طرفا من الأدب و قد رأيته أنا في آخر عمره ، و الناس يختلفون إليه في تعبير الرؤيا فأحضروه و طلبوا إليه أن يعتمد ذلك فأجابهم ،
و جلس ذلك الواعظ يوما ، و اجتمع الناس عنده على طبقاتهم ، و تكلّم على عادته . فأطال فلمّا مرّ في ذكر صفات الباري تعالى في أثناء الوعظ قام إليه الكزّي . فسأله أسئلة عقليّة على منهاج معتزلي المتكلّمين . فلم يكن للواعظ عنها جواب نظرى . و إنّما دفعه بالخطابة و الجدل ، و سجع الألفاظ ، و قال في آخر كلامه .
أعين المعتزلة حوّل ، و أصواتي في مسامعهم طبول ، و كلامي في أفئدتهم نصول . يا من بالاعتزال يصول ، و يحك كم تحوم و تجول حول من لا تدركه العقول . كم أقول كم أقول ، خلّوا هذا الفضول . فارتجّ المجلس ، و صرخ
-----------
( 1 ) رواه عن صفين المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 50 ، شرح الخطبة 69 .
[ 411 ]
الناس ، و علت الأصوات ، و طاب الواعظ و طرب ، و خرج من هذا الفصل إلى غيره فشطح شطح الصوفية ، و قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، و كرّرها . فقام إليه الكزي .
فقال : يا سيّدي ما سمعنا أنّه قال هذه الكلمة إلاّ عليّ بن أبي طالب و تمام الخبر معلوم .
و أشار الكزي بقوله و تمام الخبر معلوم . إلى قول عليّ عليه السّلام : لا يقولها بعدي إلاّ مدّع . فقال الواعظ : و هو في نشوة طربه ، و أراد إظهار فضله و معرفته برجال الحديث و الرواة : من عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام أهو عليّ بن أبي طالب بن المبارك النيسابوري ؟ أم عليّ بن أبي طالب بن اسحق المروزي ؟ أم علي بن أبي طالب بن عثمان القيرواني ؟ أم عليّ بن أبي طالب بن سليمان الرازي ؟ و عدّ سبعة أو ثمانية من أصحاب الحديث كلّهم يقال له عليّ بن أبي طالب .
فقالم الكزي : و قام من يمين المجلس آخر ، و من يسار المجلس : ثالث و انتدبوا له ، و بذلوا أنفسهم للحميّة و وطّنوها على القتل .
فقال الكزي : يا سيّدي صاحب هذا القول هو عليّ بن أبي طالب زوج فاطمة سيّدة نساء العالمين ، و إن كنت ما عرفته بعد بعينه فهو الشخص الّذي لمّا آخى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين الأتباع و الأذناب آخى بينه و بين نفسه ، و أسجل على نفسه على أنّه نظيره ، و مماثله . فهل نقل في جهازكم أنتم من هذا شىء . أو ثبت تحت حبّكم من هذا شىء ؟
فأراد الواعظ أن يكلّمه . فصاح عليه القائم من الجانب الأيمن و قال : يا سيّدي محمّد بن عبد اللّه كثير في الأسماء ، و لكن ليس فيهم من قال له ربّ العزة ما ضلّ صاحبكم و ما غوى . و ما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي
[ 412 ]
يوحى 1 و كذلك عليّ بن أبي طالب كثير في الأسماء و لكن ليس فيهم من قال له صاحب الشريعة : أنت منّي بمنزله هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي .
فالتفت إليه الواعظ ليكلّمه . فصاح عليه القائم من الجانب الأيسر و قال :
إن كنت لا تعرف عليّا عليه السّلام فأنت معذور .
و إذا خفيت على الفتيّ فعاذر
ألا تراني مقلة عمياء
و اضطرب المجلس و ماج كما يموج البحر ، و افتتن الناس ، و تواثب بعضهم على بعض ، و تكشفت الرؤوس ، و مزقت الثياب ، و نزل الواعظ و احتمل حتّى أدخل دارا اغلقت عليه بابها ، و حضر أعوان السلطان فسكّنوا الفتنة ، و صرفوا الناس إلى منازلهم ، و أنفذ الناصر لدين اللّه في آخر ذاك اليوم .
فأخذ الكزي و الرجلين اللّذين قاما معه فحبسهم أيّاما ليطفىء النائرة . ثمّ أطلقهم 2 .
و في ( نجوم ابن طاووس ) عن كتاب ابن جمهور القمي بأسانيده أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا صعد المنبر و قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، قام إليه رجل فسأله عن السواد الّذي في القمر . فقال : أعمى سأل عن عمياء . أما سمعت أنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : فمحونا آية اللّيل و جعلنا آية النهار مبصرة 3 .
فالمحو السواد الّذي تراه في القمر . إنّ اللّه تعالى خلق من نور عرشه شمسين ، و أمر جبرائيل . فأمرّ جناحه بالّذي سبق من علمه لمّا أراد أن يكون من اختلاف الليل و النهار و الشمس و القمر . . . 4 .
و روى ( الخصال ) : أنّه عليه السّلام كان بالكوفة بالجامع ، إذ قام إليه رجل من
-----------
( 1 ) النجم : 2 4 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 217 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) الأسراء : 12 .
-----------
( 4 ) خرج المهموم : 97 .
[ 413 ]
أهل الشام . فسأله عن مسائل ، و كان في ما سأله أن قال : أخبرني عن ستّة من الأنبياء لهم اسمان . قال عليه السّلام : هم يوشع بن نون و هو ذو الكفل ، و يعقوب و هو إسرائيل و الخضر و هو حلقيا ، و يونس و هو ذو النون ، و عيسى و هو المسيح ،
و محمّد و هو أحمد صلوات اللّه عليهم أجمعين 1 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : قال ابن عباس في ما روى العوفي عنه شهدت يوما عليّا عليه السّلام و سئل عن الفاتحة . فقال : نزلت من كنز تحت العرش و لو ثنيت لي وسادة لذكرت في فضلها حمل بعير ذكر ، و ليس في القرآن آية إلاّ و أنا أعلم متى نزلت ، و في أيّ شيء نزلت ثمّ انشد :
إذا المشكلات تصدّين لي
كشفت حقائقها بالنظر
و إن برقت في خلال الصواب
عمياء لا يعتريني فكر
مقنّعة بغيوب الامور
وضعت عليها نفيس الدرر
لسانا كشقشقة الأرحبيّ
أو كالحسام إذا ما سطر
و لست بإمعة في الرجال
أسائل هذا و ذا ما الخبر
و لكنّني مدرة الأصغرين
و جلاّب خير و دفّاع شر 2
" فلأنا بطرق المساء أعلم منّي بطرق الأرض " قال ابن أبي الحديد : المراد ما اختص عليه السّلام به من العلم بمستقبل الامور ، و لا سيّما في الملاحم و الدول ، و قد صدّق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الإخبار بالغيوب المتكرّر لا مرّة ، و لا مئة مرّة حتّى زال الشك و الريب في أنّه إخبار عن علم لا على سبيل الاتفاق ، و قيل :
المراد أنا بالأحكام الإلهية أعلم منّي بالامور الدنيوية ، و الأوّل أظهر 3 .
-----------
( 1 ) الخصال 1 : 322 ح 7 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 168 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 217 ، و النقل بتقطيع .
[ 414 ]
قلت : و أيّا كان المراد دليل على اتّصاله بالمبدأ الأعلى ، و كونه حجّة اللّه على الخلق كالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فطرق الأرض و جغرافيتها يمكن أن يعلمها جميع الناس ، و طرق السماء لا يمكن علمها إلاّ لحجج اللّه تعالى كما أنّ العلم بالأحكام الالهيّة على ما هي عليه لا يمكن إلاّ لهم ،
و قد قال عليه السّلام في خطبة : " لا يقع اسم الهجرة على أحد إلاّ بمعرفة الحجّة في الأرض " 1 .
" قبل أن تشغر " أي : ترفع .
" برجلها فتنه تطأ " أي : تضع قدمها .
" في خطامها " أي : زمامها .
" و تذهب بأحلام " أي : عقول .
" قومها " و مراده عليه السّلام بفتنة تطأ في خطامها ، و تذهب بأحلام قومها ،
فتنة بني أميّة و بني العباس بعده عليه السّلام ، و قوله عليه السّلام و قبل أن تشغر . . .
ظرف لقوله عليه السّلام أوّلا " سلوني قبل أن تفقدوني " و قوله عليه السّلام بينهما " فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض " معترضة لبيان وجوب سؤاله ،
و الرجوع إليه .
روى ( مسند أحمد بن حنبل ) عنه عليه السّلام خبر ارتقائه على كتف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أن قال قال عليّ عليه السّلام : فنهض بي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّه ليخيّل إليّ أنّي لو شئت أن أنال افق السماء لنلته إلى أن قال .
قال سعيد بن المسيّب : فلهذا كان عليّ عليه السّلام يقول : " سلوني عن طرق السماوات . فإنّي أعرف بها من طرق الأرضين ، و لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " .
-----------
( 1 ) رواه الرضي في نهج البلاغة 2 : 129 ، ضمن الخطبة 187 .
[ 415 ]
قال سعيد بن المسيب : لم يكن أحد من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقولها إلاّ عليّ عليه السّلام 1 .
5
الخطبة ( 173 ) وَ اَللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلِجِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ ؟ بِرَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ أَلاَ وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى اَلْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ وَ اَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اِصْطَفَاهُ عَلَى اَلْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلاَّ صَادِقاً وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَ مَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ مَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلاَّ أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي وَ اَللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلاَّ وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا وَ لاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلاَّ وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا أقول : رواه منذر مع زيادات و قد نقله ابن ميثم عند قوله عليه السّلام : " فتن كقطع اللّيل " ففيه " و الّذي فلق الحبة ، و برأ النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة و متى تخرب ، و متى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة ، و إنّ عندي من ذلك علما جمّا ، و ان تسألوني تجدوني به عالما لا أخطئ منه علما و لا وافيا . و لقد استودعت علم القرون الاولى و ما هو كائن إلى يوم القيامة 2 .
" و اللّه لو شئت أن اخبر كل رجل منكم بمخرجه و مولجه " روي أنّ جاثليقا جاء في نفر من النصارى إلى أبي بكر ، و سأله مسائل عجز عنها أبو بكر . فقال
-----------
( 1 ) هذا سياق السبط في التذكرة : 27 ، و الحديث أخرجه أحمد في مسنده 1 : 84 ، و الحاكم في المستدرك 2 : 366 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 16 ، شرح الخطبة 100 .
[ 416 ]
له : كفّ أيّها النصراني ، و إلاّ أبحنا دمك . فقال الجاثليق : أهذا عدل على من جاء مسترشدا طالبا ؟ دلوني على من أسأله عمّا أحتاج إليه . فجاء عليّ عليه السّلام إلى أن قال فقال له الجاثليق : بم بنت أيّها العالم عن الرعية الناقصة ؟ قال عليه السّلام : بما اخبرتك به عن علمي بما كان و ما يكون . قال : فهلمّ شيئا من ذلك أتحقّق به دعواك . فقال عليه السّلام : خرجت أيّها النصراني من مستقرّك مستنكرا لمن قصدت بسؤالك له مضمرا خلاف ما أظهرت من الطلب و الاسترشاد . فأريت في منامك مقامي ، و امرت فيه باتّباعي . قال : صدقت و اللّه ، و أنا أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه ،
و أنّ محمّدا رسوله ، و أنّك وصيّه ، و أحق الناس بمقامه . و أسلم الّذين معه أيضا ، فقال عمر له : الحمد لله الّذي هداك غير أنّه يجب أن تعلم أنّ علم النبوّة في أهل بيت صاحبها ، و الأمر بعده لمن رضي به العامة . . . 1 .
و في ( مناقب السروي ) عن الأصبغ قال : أمرنا عليّ عليه السّلام بالمسير من الكوفة إلى المدائن . فسرنا يوم الأحد ، و تخلّف عنّا عمرو بن حريث ، و الأشعث ،
و جرير البجلي مع خمسة نفر . فخرجوا إلى مكان بالحيرة يقال له الخورنق ،
و السدير ، و قالوا : إذا كان يوم الجمعة لحقنا عليّا قبل أن يجمع الناس . فصلّينا معه . فبيناهم جلوس ، و هم يتغدّون إذ خرج عليهم ضبّ فاصطادوه فأخذه عمرو ابن حريث فبسط كفّه . فقال : بايعوا . هذا أمير المؤمنين . فبايعه الثمانية ثمّ أفلتوه ، و ارتحلوا و قالوا : إنّ عليّا يزعم أنه يعلم الغيب فقد خلعناه ، و بايعنا مكانه ضبا إلى أن قال بعد ذكر لحوقهم به عليه السّلام و هو على المنبر فقال : " إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه : يوم ندعوا كلّ اناس بإمامهم 2 و أنا اقسم باللّه ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر من هذه الامّة إمامهم ضبّ ، و لو شئت أن
-----------
( 1 ) رواه أبو علي الطوسي في اماليه 1 : 222 جزء 8 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الاسراء : 71 .
[ 417 ]
اسمّيهم لفعلت " فتغيّرت ألوانهم . . . 1 .
" و جميع شأنه لفعلت " قال ابن أبي الحديد : أقسم عليه السّلام أنّه لو شاء أن يخبر كلّ واحد منهم أين خرج ، و كيفية خروجه من منزله و أين يلج ، و كيفية و لوجه ،
و جميع شأنه من مطعمه ، و مشربه ، و ما عزم عليه من أفعاله ، و ما أكله ، و ما ادّخره في بيته ، و غير ذلك من شؤونه و أحواله لفعل ، و هذا كقول المسيح عليه السّلام و انبّئكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم 2 .
و في ( تاريخ الطبري ) : لمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليّا عليه السّلام أصحابه و شيعته . فبايعوه و قالوا : نحن أولياء من و اليت ، و أعداء من عاديت .
فشرط لهم فيه سنة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي و كان شهد معه الجمل و صفين و معه راية خثعم فقال له ( عليّ عليه السّلام ) : بايع على كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال ربيعة : على سنّة أبي بكر و عمر . قال له عليّ عليه السّلام : و يلك لو أنّ أبابكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكونا على شيء من الحقّ فبايعه . فنظر إليه عليّ عليه السّلام و قال : " أما و اللّه لكأنّي بك ، و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت ، و كأنّي بك وطئتك الخيل بحوافرها " .
فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة 3 .
و رواه ( خلفاء ابن قتيبة ) و زاد : قال قبيصة فرأيته يوم النهروان قتيلا قد و طأت الخيل وجهه و شدخت رأسه ، و مثّلت به . فذكرت قول عليّ عليه السّلام ، و قلت :
للّه درّ أبي الحسن ما حرّك شفتيه قط بشيء إلاّ كان كذلك 4 .
و رواه عن أبي الجهم العدوي و كان معاديا لعليّ عليه السّلام قال :
-----------
( 1 ) مناقب السروى 2 : 261 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 487 ، و الآية 49 من آل عمران .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 56 سنة 37 .
-----------
( 4 ) الامامة و السياسة 1 : 146 .
[ 418 ]
خرجت بكتاب عثمان ، و المصريون قد نزلوا بذي خشب إلى معاوية ،
و قد طويته طيّا لطيفا ، و جعلته في قراب سيفي ، و قد تنكّبت عن الطريق و توخّيت سواد الليل حتّى كنت بجانب الجرف إذا رجل على حمار مستقبلي ، و معه رجلان يمشيان أمامه فإذا هو عليّ بن أبي طالب قد أتى من ناحيه البدو ، فأثبتني و لم اثبته حتّى سمعت كلامه . فقال : أين تريد يا صخر ؟
قلت : البدو فادع الصحابة . قال : فما هذا الّذي في قراب سيفك ؟ قلت : لا تدع مزاحك أبدا ثمّ جزته 1 .
و رووا أنّه ذكر لا سقف بدير الديلم من أرض فارس و قد أتت عليه عشرون و مئة سنة أنّ رجلا يعنونه عليه السّلام قد فسرّ الناقوس . فقال : سيروا بي إليه . فإنّي أجده أنزع بطينا . فلمّا وافاه عليه السّلام قال : قد عرفت صفته في الإنجيل و أنا أشهد أنّه وصيّ ابن عمّه .
فقال عليه السّلام له : جئت لتؤمن أ أزيدك رغبة في إيمانك ؟ قال : نعم . قال عليه السّلام :
إنزع مدرعتك . فأر أصحابك الشامة الّتي بين كتفيك . فقال : أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه ،
و أنّ محمّدا عبده و رسوله ، و شهق شهقة . فمات .
فقال عليه السّلام : " عاش في الإسلام قليلا ، و ينعم في جوار اللّه كثيرا " 2 .
و روى أبو مخنف أنّ عمرو بن اليثربي الّذي قتل يوم الجمل في أصحاب عائشة زيد بن صوحان ، و علباء ، و هند الجملي من أصحابه عليه السّلام :
أسره عمّار بن ياسر ، و جاء به إليه قال له عليه السّلام : أدنني منك اسارّك . فقال عليه السّلام له : أنت متمرّد ، و قد أخبرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالمتمرّدين ، و ذكرك فيهم . فقال له أما و اللّه لو وصلت إليك لعضضت أنفك منك . فأمر به عليّ عليه السّلام فضربت
-----------
( 1 ) رواه السروى في مناقبه 2 : 259 .
-----------
( 2 ) رواه السروي في مناقبه 2 : 268 .
[ 419 ]
عنقه 1 . و مثله وقع لابنه الحسن عليه السّلام مع ابن ملجم 2 .
و روى محمّد بن يعقوب أنّ عائشة أنفذت رجلا شديد العدواة له بكتاب لها إليه . فمضى فاستقبله راكبا فناوله الكتاب . ففضّ خاتمه ثمّ قرأه ثمّ قال له :
تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا و شرابنا ، و نكتب جواب كتابك . قال : هذا و اللّه لا يكون . فثنى عليه السّلام رجله فنزل و أحدق به ثمّ قال للرجل : أسألك ؟ قال : نعم .
قال : و تجيبني ؟ قال : نعم .
قال : ناشدتك اللّه أقالت عائشة : إلتمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل فاتي بك . فقالت : ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل . فقلت كثيرا ما أتمنّى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطى ، و أنّي ضربته ضربة بالسيف يسبق السيف الدم ؟ فقال : اللّهمّ نعم .
قال : فانشدك اللّه أقالت : فاذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنّك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا بغلة النبيّ متنكّبا قوسا ، معلّقا كنانته بقربوس سرجه ، أصحابه خلفه كأنّهم طير صوافّ ؟ قال : اللّهمّ نعم .
قال : فانشدك اللّه هل قالت لك ؟ : ان عرض عليك طعامه أو شرابه فلا تنالنّ منه شيئا . فإنّ فيه السحر ؟ قال : اللّهمّ نعم .
قال فمبلغّ عنيّ ؟ قال : اللّهمّ نعم . فإنّي أتيتك و ما في الأرض خلق أبغض إليّ منك ، و أنا الساعة ما في الأرض خلق أحبّ إليّ منك . فمرني بما شئت .
فقال : إدفع كتابي هذا إليها ، و قل لها : ما أطعت اللّه و رسوله حيث أمرك
-----------
( 1 ) رواه عن أبي مخنف ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 86 ، شرح الخطبة 13 .
-----------
( 2 ) روى ما وقع بين الحسن عليه السّلام و بينه الطبري في تاريخه 4 : 112 ، سنة 38 ، و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1 :
160 ، و أبو الفرج في المقاتل : 22 ، و غيرهم .
[ 420 ]
اللّه بلزوم بيتك . . . 1 .
و روى محمّد بن جبلة الخيّاط عن عكرمة عن زيد الأحمسي أنّ عليّا عليه السّلام كان جالسا في مسجد الكوفة ، و بين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت امرأة مختمرة لا تعرف . فوقفت فقالت لعليّ عليه السّلام : يا من قتل الرجال و سفك الدماء ، و أيتم الصبيان ، و أرمل النساء فقال عليّ عليه السّلام : " و إنّها لهي السلقلقة الجعلة المجعة ، و إنّها لهي . هذه شبيهة الرجال و النساء الّتي ما رأت دما قط " . فولّت هاربة منكسة رأسها . فتبعها عمرو بن حريث . فلمّا صارت بالرحبة قال لها : و اللّه لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل . فادخلي منزلي حتّى أهب لك و أكسوك . فلمّا دخلت منزله أمر جواريه بتفتيشها ،
و كشفها ، و نزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها . فبكت و سألته أن لا يكشفها ،
و قالت : أنا و اللّه كما قال ، لي ركب النساء و انثيان كانثيي الرجال ، و ما رأيت دما قط . فتركها و أخرجها ثمّ جاء إلى عليّ عليه السّلام فأخبره .
فقال : إنّ خليلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبرني بالمتمرّدين عليّ من الرجال و المتمرّدات من النساء إلى أن تقوم الساعة . و نقله ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام فقمت بالأمر 2 .
و روى ( البصائر ) عن الحرث الأعور قال : كنت ذات يوم مع أمير المؤمنين عليه السّلام في مجلس القضاء إذ أقبلت امرأة مستعدية على زوجها .
فتكلّمت بحجّتها و تكلم الزوج بحجّته . فوجب القضاء عليها . فغضبت غضبا شديدا ثم قالت : و اللّه يا أمير المؤمنين لقد حكمت عليّ بالجور و ما بهذا أمرك
-----------
( 1 ) أخرجه الصفار في البصائر : 263 ح 4 ، و السروى في مناقبه 2 : 260 ، و الراوندي في الخرائج عنه فتن البحار :
388 ، لكن لم يوجد في الكافي و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 208 ، شرح الخطبة 37 .
[ 421 ]
اللّه تعالى . فقال لها : يا سلفع ، يا مهيع ، يا قردع ، بل حكمت عليك بالحقّ الّذي علمته . فلمّا سمعت منه هذا الكلام ولّت هاربة إلى أن قال قالت : أمّا قوله لى :
يا سلفع فو اللّه ما كذب على أنّي لا أحيض من حيث تحيض النساء 1 .
و قال ابن أبي الحديد : و من عجيب ما وقفت عليه من إخباره عليه السّلام عن الغيوب قوله في الخطبة الّتي يذكر فيها الملاحم و هو يشير إلى القرامطة ينتحلون لنا الحبّ و الهوى و يضمرون لنا البغض و القلى ، و آية ذلك قتلهم ورّاثنا . و هجرهم أحداثنا .
و صحّ ما أخبر به لأنّ القرامطة قتلت من آل أبي طالب عليه السّلام خلقا كثيرا و أسماؤهم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الاصبهاني .
و مرّ أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابيّ في جيشه بالغري ، و بالحائر فلم يعرجّ على واحد منهما و لا دخل و لا وقف 2 .
قلت : و من غريب ما وقفت عليه ما رواه النعماني في ( غيبته ) بإسناده عن أبي صادق أنّه عليه السّلام قال : ملك بني العباس عسر لا يسر فيه ، دولتهم لو اجتمع عليهم الترك و الديلم و السند و الهند و البربر و الطيلسان لم يزيلوه ، و لا يزالون يتمرغون و يتنعمون في غضارة من ملكهم حتّى يشذّ عنهم مواليهم و أصحاب ألويتهم ، و يسلّط اللّه عليهم علجا يخرج من حيث بدئ ملكهم لا يمرّ بمدينة إلاّ فتحها و لا ترفع له راية إلاّ هدّها ، و لا نعمة إلاّ أزالها . الويل لمن ناواه .
فلا يزال كذلك حتّى يظفر و يدفع بظفره إلى رجل من عترتي يقول بالحقّ و يعمل به 3 .
-----------
( 1 ) بصائر الدرجات : 379 ح 18 ، و جمع غيره .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 .
-----------
( 3 ) غيبة النعماني : 167 .
[ 422 ]
فقوله عليه السّلام " حتّى يشذّ عنهم مواليهم و أصحاب ألويتهم " إشارة إلى خروج الأتراك الّذين كانوا امراء جيوش العباسيّين من زمان المعتصم عليهم و عزلهم خليفة ، و نصبهم آخر ، و سملهم لهم .
و قوله عليه السّلام " و يسلّط اللّه عليهم علجا يخرج من حيث بدئ ملكهم لا يمرّ بمدينة إلاّ فتحها ، و لا ترفع له راية إلاّ هدّها ، و لا نعمة إلاّ أزالها الويل لمن ناواه " إشارة إلى هولاكوخان ، و فتحه لبلاد الإسلام إلى بغداد ، و استيصاله دولة العباسيّين ، و قتله للمستعصم آخرهم .
و قوله : " و يدفع بظفره إلى رجل من عترتي يقول بالحقّ و يعمل به " اشارة إلى تفويضه الأمر إلى عليّ بن طاووس الّذي كان تالى العصمة صاحب كرامات فإنّه كان وجيها في دولة المغول ، و مقرّبا عند هولاكو .
و نظيره روي عن الصادق عليه السّلام و قد وقف ابن طاووس على ذاك ، و أعتقد أنّه المراد و لكن لم يتفطّن لهذا . فقال في إقباله : عزم على الافطار في ( 13 ) ربيع الأوّل من سنة ( 662 ) فصامه لوجدانه حديثا في ملاحم البطائني عن أبي بصير أنّ الصادق عليه السّلام قال له : " إنّ اللّه أجلّ من أن يترك الأرض بلا إمام عادل ،
و ليس ترى امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرجا أبدا مادام لولد بني فلان ملك حتّى ينقرض ملكهم . فإذا انقرض ملكهم أتاح اللّه لامّة محمّد برجل منّا أهل البيت يشير بالتقى ، و يعمل بالهدى ، و لا يأخذ في حكمه الرشا ، و إنّي لأعرفه باسمه و اسم أبيه " .
قال ابن طاووس : و من حيث انقرض ملك بني العبّاس لم أجد و لم أسمع برجل من أهل البيت يشير بالتقى ، و يعمل بالهدى ، و لا يأخذ في حكمه الرشا كما قد تفضّل اللّه علينا ظاهرا و باطنا ، و غلب على ظنّي أنّ ذلك اشارة إلينا ،
و إنعام علينا . فقلت : اللّهمّ إن كنت أنا الرجل المشار إليه فلا تمنعني عن صومه على عادتك عندي . فوجدت إذنا ، و أمرا بصومه فصمته و قد تضاحى نهاره ،
[ 423 ]
و قلت : إن كنت أنا المشار إليه . فلا تمنعني من صلاة الشكر و أدعيتها . فقمت و لم أمنع بل وجدتني مأمورا . فصلّيتها ، و دعوت بأدعيتها ، و قد رجوت أن يكون تعالى شرّفني بذكر في الكتب السالفة على لسان الصادق عليه السّلام فإنّنا قبل الولاية على العلويين كنّا في تلك الصفات مجتهدين ، و بعد الولاية على العلويين زدنا في الاجتهاد في هذه الصفات و السيرة فيهم بالتقوى ، و العمل معهم بالهدى ، و ترك الرشا قديما و حديثا ، و لا يخفى ذلك على من عرفنا ، و لم يتمكّن أحد في هذه الدولة القاهرة من العترة كما تمكّنا نحن من صدقاتها المتواترة ، و استجلاب الفرامين المتضمنة لعدلها و رحمتها المتظاهرة . . . 1 .
و النعماني ألّف كتابه في سنه ( 340 ) فقال فيه مشيرا إلى القائم عليه السّلام " و له الآن نيّف و ثمانون سنة " 2 و هولاكو كان بعد ( 660 ) هذا . و اختلف تعبيره مع تعبير الصادق عليه السّلام عن ابن طاووس فقال عليه السّلام " من عترتي " و قال :
الصادق عليه السّلام " منّا أهل البيت " لأنّ ابن طاووس كان حسنيا .
و قال ابن أبي الحديد : و قال عليه السّلام في هذه الخطبة و هو يشير إلى السارية الّتي كان يستند إليها في مسجد الكوفة : " كأنّي بالحجر الأسود منصوبا هاهنا برهة ، ويحهم إنّ فضيلته ليست في نفسه ، بل في موضعه و أسه ، يمكث هاهنا برهة ثم هاهنا ، و أشار إلى البحرين ثمّ يعود إلى مأواه و أمّ مثواه " و وقع الأمر في الحجر الأسود بموجب ما أخبر به عليه السّلام 3 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : و قد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم ، فوجدت في كثير منها اختلالا ظاهرا ، هذه المواضع الّتي أنقلها ليست
-----------
( 1 ) الاقبال : 599 و 600 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) غيبة النعماني : 103 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 .
[ 424 ]
من تلك الخطب المضطربة بل من كلام له عليه السّلام وجدته متفرّقا في كتب مختلفة .
و من ذلك أنّ تميم بن اسامة بن زهير بن دريد التميمي اعترضه و هو يخطب على المنبر و يقول : " سلوني قبل أن تفقدوني . فو اللّه لا تسألوني عن فئة تضلّ مئة ، و تهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها و سائقها ، و لو شئت لأخبرت كلّ واحد منكم بمخرجه ، و مدخله و جميع شأنه " .
فقال له فكم في رأسي طاقة شعر . فقال له : " أما و اللّه إنّي لأعلم ذلك و لكن أين برهانه لو أخبرتك به ، و لقد اخبرت بقيامك ، و مقالك ، و قيل لي : إنّ على كلّ شعرة [ في ] رأسك ملكا يلعنك ، و شيطانا يستفزّك ، و آية ذلك أنّ في بيتك سخلا يقتل ابن رسول اللّه ، و يحضّ على قتله " .
فكان الأمر بموجب ما أخبر به عليه السّلام كان ابنه حصين بالصاد المهملة يومئذ طفلا رضيعا . ثمّ عاش إلى أن صار على شرطة عبيد اللّه بن زياد فأخرجه إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين عليه السّلام و يتوعّده إن أرجأ ذلك فقتل عليه السّلام صبيحة اليوم الّذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته 1 .
و قال ابن أبي الحديد أيضا : و من ذلك قوله عليه السّلام للبراء بن عازب يوما :
" يا براء أ يقتل الحسين عليه السّلام و أنت حيّ فلا تنصره " فقال : لا كان ذلك . يا أمير المؤمنين فلمّا قتل الحسين عليه السّلام كان البراء يذكر ذلك و يقول : أعظم بها حسرة إذ لم أشهده و اقتل دونه 2 .
قلت : و روى ( صفين نصر ) مسندا عن هرثمة بن سليم قال : غزونا مع عليّ عليه السّلام غزوة صفين . فلمّا نزلنا بكربلا صلّى بنا صلاة . فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال " واها لك أيّها التربة ليحشرون منك
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 489 .
[ 425 ]
قوم يدخلون الجنّة بغير حساب " .
فلمّا رجع إلى أمرأته و هي جرداء بنت سمير و كانت شيعة لعليّ عليه السّلام فقال لها زوجها هرثمة ، ألاّ اعجبك من صديقك أبي الحسن لمّا نزلنا كربلا رفع إليه من تربتها فشمّها و قال " واها لك يا تربة ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب . و ما علمه بالغيب ؟ " فقالت : دعنا منك أيّها الرجل . فإنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لم يقل إلاّ حقا .
فلمّا بعث عبيد اللّه البعث الّذي بعثه إلى الحسين عليه السّلام و أصحابه قال كنت فيهم في الخيل الّتي بعث إليهم فلمّا انتهيت إلى القوم و حسين و أصحابه عرفت المنزل الّذي نزل بنا علي عليه السّلام فيه ، و البقعة الّتي رفع إليه من ترابها ،
و القول الّذي قاله . فكرهت مسيرى . فأقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحسين عليه السّلام فسلّمت عليه و حدّثته بالّذي سمعت من أبيه في هذا المنزل .
فقال : معنا أنت أو علينا ؟
فقلت : يا ابن رسول اللّه لا معك ، و لا عليك ، تركت أهلي و ولدي أخاف عليهم من ابن زياد . فقال الحسين عليه السّلام فولّ هربا حتّى لا ترى لنا مقتلا ، فو الّذي نفس محمّد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل و لا يغيثنا إلاّ أدخله اللّه النار . فأقبلت في الأرض هاربا حتّى خفي عليّ مقتله .
و روى عن ابن جحيفة قال : جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله و أنا أسمع . فقال : حديث حدثتنيه عن عليّ عليه السّلام قال : نعم . بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ عليه السّلام فأتيته بكربلا . فوجدته يشير بيده و يقول : هاهنا ، هاهنا .
فقال له رجل : و ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟
قال عليه السّلام : ثقلّ لآل محمّد عليه السّلام ينزل هاهنا ، فويل لهم منكم ، و ويل لكم منهم .
فقال له الرجل : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟
[ 426 ]
قال : " ويل لهم منكم تقتلونهم ، و ويل لكم منهم يدخلكم اللّه بقتلهم إلى النار " 1 .
و مرّ في العنوان السابق إخباره عليه السّلام بكون خالد بن عرفطة صاحب جيش ضلالة ، و صاحب لوائه حبيب بن جمّاز يدخل بها من باب الفيل . فكان خالد على مقدّمة عمر بن سعد ، و صاحب رايته حبيب أدخلها المسجد من باب الفيل .
و روى ( عيون ابن بابويه ) مسندا عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا عن آبائه عليه السّلام عن عليّ عليه السّلام قال : كأنّي بالقصور قد شيّدت ،
حول قبر الحسين ، و كأنّي بالمحامل تخرج من الكوفة إلى قبر الحسين و لا تذهب الليالي و الأيام حتّى يسار إليه من الآفاق ، و ذلك عند انقطاع ملك بني مروان 2 .
و عن النعمان بن سعد قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : سيقتل رجل من ولدي بأرضر خراسان بالسمّ ظلما إسمه إسمي ، و اسم أبيه اسم ابن عمران ،
موسى ألا فمن زاره في غربته غفر اللّه تعالى ذنوبه . . . 3 .
و روى ( مروج المسعودي ) : أنّه لمّا بلغه عليه السّلام تثبيط أبي موسى الأشعري ، أهل الكوفة عن اللحوق به ، و يقول لهم : إنّما هي فتنة ، كتب عليه السّلام إليه :
" إعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموما مدحورا . فما هذا أوّل يومنا منك ، و إنّ لك فيها لهنات و هنيّات 4 و قوله " و إنّ لك " إشارة إلى صيرورته حكما و حكمه عليه عليه السّلام .
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 140 141 .
-----------
( 2 ) رواه الصدوق في عيون الأخبار 2 : 48 ح 190 ، و صاحب مسند الرضا عليه السّلام فيه : 470 .
-----------
( 3 ) رواه الصدوق في عيون الأخبار 2 : 262 ح 17 ، و في الفقيه 2 : 349 ح 30 ، و في اماليه : 104 ح 5 ، المجلس 25 .
-----------
( 4 ) مروج الذهب 2 : 359 .
[ 427 ]
" و لكن أخاف أن تكفروا في برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم " قال ابن أبي الحديد : أي أخاف عليكم الغلوّ في أمري ، و أن تفضّلوني على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الإلهية كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح عليه السّلام لمّا أخبرهم بالامور الغائبة 1 .
و مع أنّه عليه السّلام قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقد كفر كثير منهم ، و ادّعوا فيه النبوّة و ادّعوا فيه أنّه شريك الرسول في الرسالة ،
و ادّعوا فيه أنّه هو كان الرسول ، و لكن الملك غلط فيه ، و ادّعوا أنّه الّذي بعث محمّدا إلى الناس ، و ادّعوا فيه الاتّحاد ، و لم يتركوا نوعا من أنواع ، الضلالة فيه إلاّ قالوه ، و اعتقدوه ، و قال شاعرهم فيه :
و من أهلك عادا و ثمودا بدواهيه
و من كلّم موسى فوق طور إذ يناديه
و من قال على المنبر يوما و هو راقيه
سلوني أيّها الناس فحاروا في معانيه
و أيضا :
إنّما خالق الخلائق من زعزع
أركان حصن خيبر جذبا
قد رضينا به إماما و مولى
و سجدنا له إلها و ربّا
و قال الشهرستاني في ( ملله ) : السبائية أصحاب عبد اللّه بن سبا الّذي قال لعليّ عليه السّلام " أنت أنت " يعني أنت الإله فنفاه إلى المدائن و زعموا أنّه كان يهوديّا فأسلم . و كان في اليهوديّة يقول في يوشع وصيّ موسى مثل ما قال في عليّ عليه السّلام ، و هو أوّل من أظهر القول بالفرض بإمامة عليّ عليه السّلام و منه انشعبت أصناف الغلاة ، و زعموا أنّ عليّا حيّ لم يقتل ، و فيه الجزء الإلهي ، و لا
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 .
[ 428 ]
يجوز أن يستولي عليه ، و هو الّذي يجيء في السحاب و الرعد صوته ، و البرق سوطه ، و أنّه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا 1 .
و إنّما أظهر ابن سبا هذه المقالة بعد انتقال عليّ عليه السّلام و اجتمعت عليه جماعة و هم أوّل فرقة قالت بالتوقف و الغيبة و الرجعة ، و قالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمّة بعد عليّ ، و هذا المعنى ممّا كان يعرفه الصحابة و إن كانوا على خلاف مراده . هذا عمر رضي اللّه عنه كان يقول فيه حين فقأعين واحد في الحرم ، و رفعت القصة إليه " ما ذا أقول في يد اللّه فقأت عينا في حرم اللّه " فاطلق عمر اسم الإلهة عليه لمّا عرف منه ذلك 2 .
" ألا و إنّي مفضيه إلى الخاصة ممّن يؤمن ذلك منه " و ممّن أفضى عليه السّلام إليه و أظهر له مآل أمره من خواص شيعته ، ميثم التمار ، و كميل بن زياد ، و قنبر و رشيد الهجري ، و مزرع بن عبيد اللّه ، و جويرية بن مسهر ، و حجر بن عدي ،
و عمرو بن الحمق ، و جمع آخر .
فروى محمّد بن محمّد بن النعمان أنّ ميثما كان عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه عليه السّلام منها فأعتقه . فقال له : ما اسمك ؟ قال : سالم . قال عليه السّلام :
أخبرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ اسمك الّذي سمّاك به أبواك في العجم ميثم . قال :
صدق اللّه و رسوله ، و صدقت يا أمير المؤمنين ، و اللّه إنّه لا سمي . قال : فارجع إلى اسمك الّذي سمّاك به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دع سالما . فرجع إلى ميثم ، و اكتنى بأبي سالم ، و قال عليه السّلام له ذات يوم : " إنّك تؤخذ بعدي فتصلب و تطعن بحربه
-----------
( 1 ) قد اثبت العلامة السيد مرتضى العسكري في بطلان اسطورة السبائية هذا في كتابه : " عبد اللّه بن سبأ و أساطير اخرى " فراجعه .
-----------
( 2 ) الملل و النحل 1 : 155 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 429 ]
فإذا كان يوم الثالث ابتدر منخراك و فمك دما يخضب لحيتك ، فانتظر ذلك الخضاب فتصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة ، و أقربهم من المطهرة ، و امض حتّى أريك النخلة التي تصلب على جذعها " فأراه إيّاها .
و كان ميثم يأتيها فيصلّي عندها و يقول : " بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت ، و لم يزل يتعاهدها حتّى قطعت ، و كان يلقى عمرو بن حريث .
فيقول له : إنّي مجاورك . فأحسن جواري . فيقول له عمرو : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم و هو لا يعلم ما يريد .
و حجّ في السنة الّتي قتل فيها . فدخل على امّ سلمة . فقالت : من أنت ؟ قال :
أنا ميثم . قالت : و اللّه لربما سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يذكرك ، و يوصي بك عليّا عليه السّلام في جوف الليل . فسألها عن الحسين عليه السّلام ؟ فقالت : هو في حائط له . قال : أخبريه أنّني قد أحببت السلام عليه ، و نحن ملتقون عند ربّ العالمين ، فدعت امّ سلمة بطيب ، و طيّبت لحيته ، و قالت له : أمّا انّها ستخضب بدم .
فقدم الكوفة فأخذه عبيد اللّه بن زياد فادخل عليه . فقيل له : هذا كان من آثر الناس عند عليّ . قال : و يحكم هذا الأعجمي ؟ قيل له : نعم . قال له عبيد اللّه : أين ربّك ؟ قال : بالمرصاد لكلّ ظالم و أنت أحد الظلمة ، قال إنّك على عجمتك لتبلغ الّذي تريد ، ما أخبرك صاحبك أنّي فاعل بك ؟ قال : أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة أنا أقصرهم خشبة ، و أقربهم إلى المطهرة . قال : لنخالفنّه قال : كيف تخالفه فو اللّه ما أخبرني إلاّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن جبرئيل عن اللّه تعالى فكيف تخالف هؤلاء ، و لقد عرفت الموضع الّذي اصلب عليه اين هو من الكوفة ، و أنا أوّل خلق اللّه الجم في الإسلام " .
فحبسه و حبس معه المختار بن أبي عبيد . فقال له ميثم : إنّك تفلت و تخرج ثائرا بدم الحسين عليه السّلام . فتقتل هذا الّذي يقتلنا . فلمّا دعا عبيد اللّه
[ 430 ]
بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد اللّه يأمره بتخلية سبيله فخلاّه .
و أمر بميثم أن يصلب . فاخرج فقال له رجل لقيه : ما أغناك عن هذا يا ميثم فتبسّم و قال و هو يومئ إلى النخله " لها خلقت و لي غذيت " فلمّا رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث و قال عمرو : قد كان و اللّه يقول " إنّي مجاورك " فأمر جاريته بكنس تحت خشبته و رشّه و تجميره .
فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم . فقيل لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد .
فقال : ألجموه و كان أوّل خلق اللّه الجم في الإسلام و كان قتله قبل قدوم الحسين عليه السّلام إلى العراق بعشرة أيّام .
فلمّا كان اليوم الثالث من صلبه طعن ميثم بالحربة . فكبّر ثمّ انبعث في آخر النهار فمه و أنفه دما قال المفيد : و الرواية به بين العلماء مستفيضة 1 .
و في ( الإرشاد ) أيضا : روى جرير عن المغيرة قال : لمّا ولي الحجّاج طلب كميل بن زياد . فهرب منهم فحرم قومه عطاءهم . فلمّا رأى كميل ذلك قال :
أنا شيخ كبير و قد نفد عمري ، و لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم . فخرج فدفع بيده إلى الحجّاج . فلمّا رآه قال له : لقد كنت احبّ أن أجد عليك سبيلا . فقال له كميل : لا تصرف عليّ أنيابك ، و لا تهدّم عليّ فو اللّه ما بقي من عمري إلاّ مثل كواسل الغبار . فاقض ما أنت قاض . فإنّ الموعد اللّه و بعد القتل الحساب ، و لقد خبّرني أمير المؤمنين عليه السّلام أنّك قاتلي .
فقال له الحجّاج : الحجّة عليك إذن . فقال له كميل : ذاك إذا كان القضاء إليك قال : بلى قد كنت في من قتل عثمان . إضربوا عنقه . فضربت عنقه 2 .
و فيه أيضا : روى أصحاب السيرة من طرق مختلفة أنّ الحجّاج قال ذات
-----------
( 1 ) الإرشاد : 170 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الإرشاد : 172 .
[ 431 ]
يوم : احبّ أن اصيب رجلا من أصحاب أبي تراب . فأتقرّب إلى اللّه بدمه . فقيل له : ما نعلم أحدا كان له أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه . فبعث في طلبه .
فاتى به . فقال له : أنت قنبر ؟ قال : نعم قال : أبو همدان ؟ قال نعم . قال : مولى عليّ بن أبي طالب ؟ قال : اللّه مولاي و أمير المؤمنين وليّ نعمتي . قال : إبرأ من دينه .
قال فإذا برئت من دينه تدلّني على دين غيره أفضل منه ؟ قال : إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك قال : قد صيّرت ذلك إليك قال : و لم قال : لأنّك لا تقتلني قتلة إلاّ قتلتك مثلها ، و لقد أخبرني أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ منيّتي تكون ذبحا ظلما بغير حق قال فأمر به فذبح 1 .
و فيه روى ابن عباس عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي قال : كنت عند زياد إذ اتي برشيد الهجري . فقال له زياد : ما قال لك صاحبك يعني عليّا عليه السّلام إنّا فاعلون بك ؟ قال : تقطّعون يدي و رجلي ،
و تصلبونني .
فقال زياد : أم و اللّه لا كذّبنّ حديثه . خلّوا سبيله . فلمّا أراد أن يخرج قال زياد : و اللّه ما نجد له شيئا شرّا ممّا قال له صاحبه ، إقطعوا يديه و رجليه و اصلبوه . فقال رشيد : هيهات قد بقي لي عندكم شيء أخبرني به أمير المؤمنين عليه السّلام . فقال زياد : إقطعوا لسانه . فقال رشيد : الآن و اللّه جاء تصديق خبر أمير المؤمنين عليه السّلام . و هذا الخبر قد نقله المؤالف و المخالف عمّن ثقاتهم عمّن سميناه و اشتهر أمره عند علماء الجميع .
و فيه روى عبد العزيز بن صهيب عن أبي العالية قال : حدّثني مزرع بن عبد اللّه قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول : أم و اللّه ليقبلنّ جيش حتّى إذا كان بالبيداء خسف بهم فقلت له إنّك لتحدّثني بالغيب ؟ قال : إحفظ ما أقول لك ، و اللّه ليكوننّ
-----------
( 1 ) الإرشاد : 173 .
[ 432 ]
ما أخبرني به عليه السّلام و ليؤخذنّ رجل فليقتلنّ و ليصلبنّ بين شرفتين من شرف هذا المسجد . قلت : إنّك لتحدّثني بالغيب ؟ قال : حدّثني الثقة المأمون عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال أبو العالية : فما أتت علينا جمعة حتّى اخذ مزرع فقتل و صلب بين الشرفتين ، و قال : قد كان حدّثني بثالثة . فنسيتها .
و فيه روى العلماء أنّ جويرية بن مسهّر وقف على باب القصر . فقال :
أين أمير المؤمنين عليه السّلام ؟ فقيل له : نائم . فنادى : أيّها النائم استيقط فو الّذي نفسي بيده لتضربنّ ضربة على رأسك تخضب منها لحيتك كما أخبرتنا بذلك من قبل فسمعه عليه السّلام فنادى أقبل يا جويرية حتّى احدّثك بحديثك . فأقبل فقال :
و أنت و الّذي نفسي بيده لتعتلنّ إلى العتلّ الزنيم ، و ليقطعنّ يدك و رجلك ثمّ لتصلبنّ تحت جذع كافر . فمضى على ذلك الدهر حتّى ولي زياد في أيّام معاوية فقطع يده و رجله ثمّ صلبه إلى جذع ابن مكعبر و كان جذعا طويلا فكان تحته 1 .
و روى النسوي أنّ عليّا عليه السّلام قال : " يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود " فقتل حجر و أصحابه ( بمرج عذراء ) 2 .
و روى الكشّي في خبر أنّ عليّا عليه السّلام لمّا نزل الكوفة أتاه عمرو بن الحمق فأقام معه ثمّ قال عليه السّلام له يوما : ألك دار ؟ قال : نعم قال : بعها و اجعلها في الأزد .
فإنّي غدا لو غبت لطلبت . فمنعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّها إلى حصن الموصل إلى أن قال :
" فإذا صرت قريبا من الحصن في موضع كذا و كذا رهقتك الخيل .
-----------
( 1 ) الإرشاد : 170 و 171 .
-----------
( 2 ) رواه عن تاريخ النسوى السروي في مناقبه 2 : 272 .
[ 433 ]
فانزل عن فرسك و مرّ إلى الغار فإنّه يشترك في دمك فسقة من الجنّ و الإنس " إلى أن قال :
فنزل عن فرسه و دخل الغار و عار فرسه . فلمّا دخل الغار ضربه أسود سالح فيه ، و جاءت الخيل . فلمّا رأوا فرسه عائرا . قالوا : هذا فرسه و هو قريب .
فطلبوه فأصابوه في الغار فكلّما ضربوا أيديهم إلى شيء من جسمه تبعهم اللّحم . فأخذوا رأسه . فأتوا به معاوية فنصبه على رمح ، و هو أوّل رأس نصب في الإسلام 1 .
و في ( اسد الغابة ) : كان ممّن سار إلى عثمان و هو أحد الأربعة الّذين دخلوا عليه الدار ، و صار بعد ذلك من شيعة عليّ عليه السّلام و أعان ، حجر بن عدي ،
و كان من أصحابه فخاف زيادا فهرب من العراق إلى الموصل ، و اختفى في غار بالقرب منها . فأرسل إلى معاوية العامل بالموصل ليحمل عمرا إليه .
فأرسل العامل عبد الرحمن بن ام الحكم ابن اخت معاوية ليأخذه من الغار .
فوجده ميّتا قد نهشته حيّة . فأخذوا رأسه . قال عمّار الذهبي : أوّل رأس حمل في الإسلام رأس عمرو 2 .
" و الّذي بعثه بالحقّ ، و اصطفاه على الخلق . ما أنطق إلاّ صادقا " روى الثقفي في ( غاراته ) عن الأعمش عن رجاله قال : خطب عليّ عليه السّلام فقال : و اللّه لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مئة ثمّ لو شئت لحدّثتكم من غدوة إلى أن تغيب الشمس لا أخبرتكم إلاّ حقّا ثمّ لتخرجنّ فلتزعمنّ أنّي أكذب الناس ، و أفجرهم 3 .
" و قد " هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و لقد ) كما في ( ابن أبي الحديد
-----------
( 1 ) اختيار معرفة الرجال : 46 ح 96 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) اسد الغابة 4 : 100 .
-----------
( 3 ) رواه عن الغارات ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 47 ، شرح الخطبة 69 ، لكن لم يوجد في النسخة المطبوعة .
[ 434 ]
و ابن ميثم و الخطيّة ) 1 .
" عهد إليّ بذلك كلّه " و من كلامه عليه السّلام المتواتر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لي : " إنّ الامّة ستغدر بك بعدي " 2 .
" و بمهلك من يهلك ، و منجى من ينجو " قال ابن أبي الحديد : أي من الصحابة و غيرهم 3 .
" و مآل هذا الأمر " و في ابن ميثم : " و مال هذا الأمر " و هو الصحيح . قال ابن أبي الحديد : أي أمر الإسلام ، و أمر الخلافة و الدولة 4 .
قال ابن أبي الحديد : إعلم أنّه غير مستحيل أن يكون بعض الأنفس مختصّة بخاصية تدرك بها المغيبات ، و قد تقدّم من الكلام في ذلك ما فيه الكفاية ، و لكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كلّ المغيبات ، لأنّ القوّة المتناهية لا تحيط بامور غير متناهية ، و كلّ قوّة في نفس حادثة ، فهي متناهية . فوجب أن يحمل كلامه عليه السّلام لا على أن يريد به عموم العالمية بل يعلم امورا محدودة من المغيبات ممّا اقتضت حكمة الباري سبحانه أن يؤهّله لعلمه ، و كذلك القول في النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّه إنّما كان يعلم امورا معدودة لا امورا غير متناهية 5 .
قلت : العلم الفعلي كما ذكر لا يمكن حصوله عموما لبشر من نبيّ أو وصيّ و إنّما هو مختصّ باللّه تعالى الّذي علمه ذاتي و لدنيّ ، و أما العلم القويّ فلا مانع من حصول ملكة عمومه على قدر الطاقة البشرية .
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 487 ، لكن لفظ شرح ابن ميثم 3 : 346 ، مثل المصرية .
-----------
( 2 ) اخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 140 و 142 ، و البخاري في تاريخه 1 ق 2 : 174 ، و الخطيب في تاريخ بغداد 11 :
216 ، و الجوهري في السقيفة : 69 ، و غيرهم .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 346 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 488 .
[ 435 ]
و روى ابن المغازلي عن ابن عباس قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " ما علّمني ( ربّي ) شيئا إلاّ علمه عليّ فهو باب مدينة علمي " ثمّ دعاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليه فقال له : " يا عليّ سلمك سلمي ، و حربك حربي و أنت العلم في ما بيني و بين امّتي من بعدي " 1 .
و عن ابن مسعود قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في دعوة إبراهيم و اجنبني بنيّ أن نعبد الأصنام 2 لمّا قال تعالى له لا ينال عهدي الظالمين 3 :
" فانتهت الدعوة إليّ و إلى علي ، لم يسجد أحد منّا لصنم قط . فاتّخذني اللّه نبيّا و اتّخذ عليّا وصيّا " 4 .
" و ما أبقى شيئا يمر على رأسي إلاّ أفرغه في اذني " جمعه عليه السّلام بين المرّ على الرأس ، و الإفراغ في الاذن في غاية الفصاحة ، كما أنّ كلاّ من المرّ على الرأس و الإفراغ في الاذن كناية حسنة في نفسها كقوله عليه السّلام .
" و أفضى به اليّ " أي : أصحره لي ، أي : في أيّام الثلاثة و غدرهم به و عدم رعايتهم لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه يوم الغدير ، و في أيّام قيامه ، و نكث الناكثين ،
و قسط القاسطين ، و مروق المارقين ، و تخاذل الناس عنه إلى شهادته ، و مثله أهل بيته المعصومون كانوا يعلمون ما يجري عليهم من أعدائهم أيّام حياتهم ، و لذا كانوا يقولون : شيعتنا أصبر منّا ، لأنّا نصبر على ما نعلم ، و هم يصبرون على ما لا يعلمون .
" أيّها الناس إنّي و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلاّ و أسبقكم إليها ، و لا أنهاكم عن معصية إلاّ و أتناهى قبلكم عنها " كونه عليه السّلام كما قال أمر واضح يصدّقه كلّ
-----------
( 1 ) المناقب لابن المغازلي : 50 ح 73 .
-----------
( 2 ) ابراهيم : 35 .
-----------
( 3 ) البقرة : 124 .
-----------
( 4 ) المناقب لابن المغازلي : 276 ح 322 .
[ 436 ]
مؤالف و مخالف ، و لا ينكره إلاّ مكابر ، و أما قول عروة بن الزبير و كان من بغضه له عليه السّلام أنّه كان يأخذه الرمع عند ذكره عليه السّلام فيسبّه و يضرب بيده على الاخرى " ما يغني أنّه لم يخالف إلى ما نهى عنه ، و قد أراق من دماء المسلمين ما أراق " 1 فيقال له : إنّما أراق عليه السّلام دماء المنافقين بشهادة قوله تعالى : يا أيّها النبيّ جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم 2 فجاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم الكفّار بشخصه و جاهد المنافقين بنفسه أي : بأمير المؤمنين عليه السّلام لقوله تعالى : و أنفسنا 3 و لو لاه يلزم أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما امتثل أمره تعالى .
6
الحكمة ( 185 ) و قال ع مَا كَذَبْتُ وَ لاَ كُذِّبْتُ وَ لاَ ضَلَلْتُ وَ لاَ ضُلَّ بِي أقول : قال ابن أبي الحديد : قالها مرارا إحداهنّ في واقعة النهروان 4 .
قلت : إنّما روى من قوله عليه السّلام الفقرة الاولى في تلك الواقعة كما سترى ،
و قد رويت في تلك مرتين : احداهما في ذي الثدية ، و الاخرى في عبور الخوارج الجسر ، و روي جميع العنوان مع إضافة في الجمل ، و رويت الفقرة الاولى في إخباره عن تسلّط بني اميّة بعده أيضا .
ففي ( المروج ) : دسّ معاوية اناسا إلى الكوفة يشيعون موته . فأكثر الناس القول في ذلك حتّى بلغ عليّا عليه السّلام فقال في مجلسه : قد أكثرتم من نعي معاوية و اللّه ما مات و لا يموت حتّى يملك ما تحت قدمي ، و إنّما أراد ابن آكلة
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 360 ، شرح خطبة 57 .
-----------
( 2 ) التوبة : 73 .
-----------
( 3 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 318 .
[ 437 ]
الأكباد أن يعلم ذلك منّي . فبعث من يشيع ذلك فيكم ليعلم ما عندي فيه .
و مرّ عليه السّلام في كلام كثير يذكر فيه أيام معاوية و من تلاه من يزيد و مروان و بنيه و ذكر الحجاج و ما يسومهم من العذاب ، فارتفع الضجيج و كثر البكاء و الشهيق . فقام رجل و قال : لقد وصفت امورا عظيمة . إنّ ذلك كائن ؟ قال عليه السّلام :
" و اللّه إنّ ذلك كائن ، ما كذبت و لا كذبت " فقال آخر : متى ذلك ؟ فقال : إذا خضبت هذه من هذه و وضعت إحدى يديه على لحيته و الاخرى على رأسه فقال عليه السّلام : لا تبكوا في وقتكم هذا فستبكون بعدي طويلا 1 .
" ما كذبت و لا كذبت " في ( تاريخ الطبري ) عن أبي مخنف أنّ عليّا عليه السّلام خرج في طلب ذي الثدية . فوجده الريّان بن صبرة في حفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلا . فلمّا استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة . فلمّا استخرج قال عليّ عليه السّلام : " اللّه أكبر ما كذبت و لا كذبت . أمّا و اللّه لو لا أن تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قضى اللّه على لسان نبيّكم مستبصرا في قتالهم عارفا بالحقّ الّذي نحن عليه " 2 .
و روى الخطيب في أبي قتاده أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قتال أهل النهروان قفل أبو قتادة و معه ستّون أو سبعون من الأنصار ، فبدأ بعائشه فقالت له : ما وارءك ؟ فقال لها لمّا تفرقت المحكّمة من عسكر أمير المؤمنين لحقناهم فقتلناهم . فقالت : ما كان معك من الوفد ؟ قال : بلى ستّون أو سبعون قالت : أفكلّهم يقول مثل الّذي تقول ؟ قال : نعم . قالت : فقصّ عليّ القصّة إلى أن قال .
قال لها أبو قتادة : فأقمنا ندور على القتلى حتّى وقفت على بغلة
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 418 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 65 ، سنة 37 ، و النقل بتلخيص .
[ 438 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و على راكبها . فقال : إقلبوا القتلى و هم في نهر . فقلبناهم حتّى خرج في آخرهم رجل أسود على كتفه مثل حلمة الثدي . فقال عليّ عليه السّلام : " اللّه أكبر ، و اللّه ما كذبت و لا كذبت كنت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قد قسّم فيئا . فجاء هذا فقال : إعدل يا محمّد فو اللّه ما عدلت منذ اليوم . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثكلتك امّك و من يعدل إذا لم أعدل . فقال عمر : ألا أقتله ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم له : دعه فإنّ له من يقتله " .
فقالت عائشة : ما يمنعني ما بيني و بين علي أن أقول الحقّ . سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " تفترق امّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة محلّقون رؤوسهم ، محفّون شواربهم ، ازرهم إلى إنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقتلهم أحبّهم إليّ ، و أحبّهم إلى اللّه تعالى " .
قال أبو قتادة : فقلت : يا امّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الّذي منك ؟
قالت : يا أبا قتادة كان أمر اللّه قدرا مقدورا ، و للقدر أسباب . . . 1 .
قلت : الّذي كان من أبي جهل مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيضا كان قدرا و له أسباب .
و روى الخطيب أيضا في ابن عباس عنه قال : خرج عليّ عليه السّلام و أنا خلفه فجعل يقول : و يلكم إلتمسوه يعني المخدّج فالتمسوه فجاءوا فقالوا : لم نجده . فعرف ذلك في وجهه . فقال : ويلكم ضعوا عليهم القصب فجاءوا به .
فلمّا رآه خرّ ساجدا 2 .
و روى في أبي جحيفة عنه قال : قال : عليّ عليه السّلام إنّ في الحروريّة رجلا مخدجا إلى أن قال فالتمسوه فلم يوجد و أنا في من يلتمس فما رأيت عليّا عليه السّلام جزع جزعا قط أشدّ من جزعه يومئذ . فقالوا : ما نجده يا أمير
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 1 : 159 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 174 .
[ 439 ]
المؤمنين . قال : ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قالوا : النهروان . قال : صدق اللّه و رسوله و كذبتم إنّه لفيهم فالتمسوه فالتمسناه فوجدناه في ساقية . . . 1 .
و روى في عبد اللّه بن خباب أنّه عليه السّلام قال : اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي المرأة . فطلبوا ثمّ رجعوا إليه فقالوا : ما وجدنا . فقال : " و اللّه ما كذبت و لا كذبت و إنه لفي القوم " ثلاث مرّات يجيئونه فيقول لهم هذا القول 2 .
و روى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن رويم قال : قال عليّ عليه السّلام : يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثدية . فلمّا طحن القوم و رام استخراج ذي الثدية أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة ، و ركب بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال : اطرح على كلّ قتيل منهم قصبة . فلم أزل كذلك ، و أنا بين يديه و هو راكب خلفي و الناس يتبعونه حتّى بقيت في يدي واحده فنظرت إليه و إذا وجهه أربد و إذا هو يقول : " ما كذبت و لا كذبت " فإذا خرير ماء عند موضع فقال : فتّش هذا ففتّشته فإذا قتيل قد صار في الماء ، و إذا رجله في يدي فجذبتها و قلت : هذه رجل إنسان . فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الاخرى ، و جرّرناه حتّى صار على التراب . فإذا هو المخدج . فكبّر علي عليه السّلام بأعلى صوته ثمّ سجد فكبّر الناس كلّهم 3 .
و في ( كامل المبرد ) : قيل لعليّ عليه السّلام إنّهم يريدون الجسر . فقال لن يبلغوا النطفة ، و جعل الناس يقولون له في ذلك حتّى كادوا يشكّون ثمّ قالوا : قد رجعوا يا أمير المؤمنين . فقال : " و اللّه ما كذبت و لا كذبت " . . . 4 .
و عن أبي مخنف قام في الجمل رجل إلى عليّ عليه السّلام فقال : يا أمير
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 1 : 199 .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 206 .
-----------
( 3 ) لم اجده في تاريخ بغداد .
-----------
( 4 ) الكامل في التاريخ للمبرد 7 : 107 .
[ 440 ]
المؤمنين أيّ فتنة أعظم من هذه . إنّ البدريّة ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف . فقال عليّ عليه السّلام : " و يحك أتكون فتنة أنا أميرها و قائدها ، و الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالحقّ و كرّم وجهه ما كذبت و لا كذبت ، و لا ضللت ، و لا ضلّ بي ، و لا زللت و لا زلّ بي ، و إنّي لعلى بينّة من ربّي بيّنها اللّه لرسوله ، و بيّنها رسوله لي ، و سادعى يوم القيامة ، و لا ذنب لي ، و لو كان لي ذنب لكفّر عنّي ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم " 1 .
هذا و روى المدائني في ( صفينه ) : أنّ عليّا عليه السّلام خطب بعد النهروان فذكر طرفا من الملاحم إلى أن قال قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه : أشهد أنّه كاذب على اللّه و رسوله . قال الكوفي : و ما يدريك ؟ قال :
فو اللّه ما نزل ( عليّ عليه السّلام ) عن المنبر حتّى فلج الرجل فحمل إلى نزله في شق محمل فمات من ليلته 2 .
" و لا ضللت و لا ضلّ بي " روى القمي في تفسير قوله تعالى " ما ضلّ صاحبكم و ما غوى . و ما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي يوحى " 3 .
عن أبي جعفر عليه السّلام يعني ما ضلّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في عليّ ، و ما ينطق فيه بالهوى ، و ما كان قال فيه إلاّ بالوحي الّذي أوحى إليه 4 .
7
الخطبة ( 36 ) و من خطبة له ع في تخويف أهل ؟ النهروان ؟ :
فَأَنَا نَذِيرُكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا اَلنَّهَرِ وَ بِأَهْضَامِ هَذَا اَلْغَائِطِ
-----------
( 1 ) رواه عن أبي مخنف ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 89 ، شرح الخطبة 13 .
-----------
( 2 ) رواه عن صفين المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 49 و 50 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 3 ) النجم : 2 4 .
-----------
( 4 ) رواه القمي في تفسيره 2 : 334 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 441 ]
عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لاَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ اَلدَّارُ وَ اِحْتَبَلَكُمُ اَلْمِقْدَارُ وَ قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ اَلْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ اَلْمُخَالِفِينَ اَلْمُنَابِذِينَ حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَى هَوَاكُمْ وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ اَلْهَامِ سُفَهَاءُ اَلْأَحْلاَمِ وَ لَمْ آتِ لاَ أَبَا لَكُمْ بُجْراً وَ لاَ أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً الخطبة ( 58 ) و من كلام له ع كلم به الخوارج أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ وَ لاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ أَ بَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ وَ جِهَادِي مَعَ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ لَ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ 15 22 6 : 56 فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَ اِرْجِعُوا عَلَى أَثَرِ اَلْأَعْقَابِ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ أَثَرَةً يَتَّخِذُهَا اَلظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً قوله ع و لا بقي منكم آبر يروى بالباء و الراء من قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أي يصلحه . و يروى آثر و هو الذي يأثر الحديث أي يرويه و يحكيه و هو أصح الوجوه عندي كأنه ع قال لا بقي منكم مخبر . و يروى آبز بالزاي المعجمة و هو الوائب و الهالك أيضا يقال له آبز أقول : جمعنا بينهما لأنّ الطبري رواهما كلاما واحدا مع اختلاف ما ،
فروى عن أبي مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب أنّ عليّا عليه السّلام أتى أهل النهر . فوقف عليهم . " فقال أيّتها العصابة الّتي أخرجها عداوة المراء و اللجاجة ،
و صدّها عن الحقّ الهوى ، و طمح بها النزق ، و أصبحت في اللبس ، و الخطب العظيم . إنّي نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الامّة غدا صرعى بأثناء هذا النهر ،
و بأهضام هذا الغائط بغير بيّنة من ربّكم ، و لا برهان بيّن . أ لم تعلموا أنيّ
[ 442 ]
نهيتكم عن الحكومة ، و أخبرتكم أن طلب القوم إيّاها منكم دهن و مكيدة لكم ،
و نبّأتكم أنّ القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، و أنّي أعرف بهم منكم .
عرفتهم أطفالا و رجالا ، فهم أهل المكر و الغدر ، و أنّكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم . فعصيتموني حتّى إذا أقررت بأن حكّمت . فلمّا فعلت شرطت و استوثقت . فأخذت على الحكمين أن يحييا ما احيا القرآن ، و أن يميتا ما أمات القرآن . فاختلفا و خالفا حكم الكتاب و السنة . فنبذنا أمرهما و نحن على أمرنا الأوّل . فما الّذي [ جاء ] بكم و من أين أتيتم " ؟ قالوا : إنّا حكّمنا فلمّا حكّمنا أثمنا و كنّا بذلك كافرين ، و قد تبنا . فإن تبت كما تبنا فنحن منك و معك ، و إن أبيت فاعتزلنا . فإنّا منابذوك على سواء . إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين . فقال عليّ عليه السّلام :
" أصابكم حاصب ، و لا بقي منكم و ابر أبعد إيماني برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هجرتي معه و جهادي في سبيل اللّه أشهد على نفسي بالكفر . لقد ضللت إذن و ما أنا من المهتدين " 1 .
و رواه الزبير بن بكار في ( موفقياته ) أيضا عن عليّ بن صالح قال : لمّا استوى الصفّان بالنهروان تقدّم أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام بين الصفّين ثمّ قال :
أمّا بعد أيّتها العصابة الّتي أخرجتها عادة المراء و الضلالة ، و صدف بها عن الحقّ إلى الهوى و الزيغ إلى :
فقال : خطيبهم : أما بعد يا عليّ فإنّا حين حكّمنا كان ذلك كفرا منّا ، فإن تبت كما تبنا فنحن معك و منك ، و إن أبيت فنحن منابذوك على سواء إنّ اللّه لا يحب الخائنين . فقال عليّ عليه السّلام : " أصابكم حاصب ، و لا بقي منكم و ابر . أبعد إيماني بالله و جهادي في سبيل اللّه ، و هجرتي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم اقرّ بالكفر ؟
لقد ضللت إذن ، و ما أنا من المهتدين ، و لكن منيت بمعشر أخفّاء الهام ، سفهاء
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 62 ، سنة 37 .
[ 443 ]
الأحلام ، و اللّه المستعان . ثمّ حمل عليهم فهزمهم 1 .
و روى الطبري أيضا عن أبي مخنف عن أبي سلمة الزهري ابن بنت أنس بن مالك ، أنّ عليّا عليه السّلام قال لأهل النهر : يا هؤلاء إنّ أنفسكم قد سؤلت لكم فراق هذه الحكومة الّتي أنتم أبدأتموها و سألتموها و أنا لها كاره ، و أنبأتكم أنّ القوم سألو كموها مكيدة و دهنا ، فأبيتم علي إباء المخالفين ، و عدلتم عنّي عدول النكداء العاصين ، حتّى صرفت رأيي إلى رأيكم و أنتم و اللّه معاشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام . فلم آت لا أبا لكم حراما ، و اللّه ما خبلتكم عن اموركم ، و لا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ، و لا أو طأتكم عشوة ، و لا دنيت لكم الشراء و ان كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا . فأجمع رأي ملأكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن و لا يعدواه ، فتاها و تركا الحقّ و هما يبصرانه ، و كان الجور هواهما ، و قد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل و الصد للحقّ بسوء رأيهما ، و جور حكمهما و الثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ ، و أتيا بما لا يعرف . فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا و الخروج من جماعتنا أن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ثمّ تستعرضوا الناس تضربون رقابهم ، و تسفكون دماءهم . إنّ هذا لهو الخسران المبين ، و اللّه لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند اللّه قتلها فكيف بالنفس الّتي قتلها عند اللّه حرام 2 .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان الأوّل : روى محمّد بن حبيب قال :
خطب علي عليه السّلام الخوارج يوم النهر . فقال لهم : نحن أهل بيت النبوّة ، و موضع الرسالة ، و مختلف الملائكة ، و عنصر الرحمة ، و معدن العلم و الحكمة . نحن
-----------
( 1 ) الموفقيات : 325 ح 181 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 63 ، سنة 37 .
[ 444 ]
افق الحجاز بنا يلحق البطيء ، و إلينا يرجع التائب . أيّها القوم إنّي نذير لكم أن تصبحوا صرعى باهضام هذا الوادي . . . 1 .
قول المصنف : " في تخويف أهل النهروان " في ( بلدان الحموي ) :
النهروان ثلاث نهروانات : الأعلى و الأوسط ، و الأسفل ، و هي كورة واسعة بين بغداد ، و واسط من الجانب الشرقي ، حدّها الأعلى متّصل ببغداد ، و فيها عدّة بلاد متوسطة منها إسكاف ، و جر جرايا ، و الصافية ، و دير قنّى .
و قال حمزة الاصبهاني : و يقبل من نواحي آذربيجان إلى جانب العراق و ادجرار . فيسقى قرى كثيرة ثمّ ينصبّ ما بقي منه في دجلة أسفل المدائن ،
و لهذا النهر اسمان احدهما فارسي و الآخر سرياني فالفارسي ( جوروان ) و السرياني تامّرا فعرب الاسم الفارسي . فقيل : نهروان .
و في ( بلدان ابن الكلبي ) : تامرا و نهروان إبنا جوخي حفرا النهرين فنسبا إليهما 2 .
و في ( تاريخ الطبري ) : لمّا بعث عليّ عليه السّلام أبا موسى لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضا فاجتمعوا في منزل عبد اللّه بن وهب الراسبي . فقال لهم : فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذا البدع المضلّة ، فقال له حرقوص بن زهيران :
المتاع بهذه الدنيا قليل ، و قال حمزة بن سنان الأسدي : ولّوا أمركم رجلا منكم فإنّه لابدّ لكم من عماد و سناد و راية تحفّون بها و ترجعون إليها . فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى ، و عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى ،
و على حمزة بن سنان و شريح بن أوفي العبسي ، فأبيا ، و عرضوها على
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 207 ، شرح الخطبة 36 .
-----------
( 2 ) معجم البلدان 5 : 324 325 .
[ 445 ]
عبد اللّه بن وهب فقال : هاتوها فبايعوه . فقال بشر : نخرج إلى المدائن فنزلها و نأخذ بأبوابها . فقال زيد ابن حصين : إنّكم إن خرجتم مجتمعين اتبعتم .
اخرجوا وجدانا مستخفين حتّى تنزلوا جسر نهروان . فأما المدائن فبها من يمنعكم . و اجتمع خوارج البصرة أيضا في خمسمئة رجل ، و جعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي ، و أقبل يعترض الناس ، و على مقدّمته الأشرس بن العوف اشيباني ، و سار حتّى لحق بعبد اللّه بالنهر 1 .
قوله عليه السّلام " فأنا نذيركم " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( فأنا نذير لكم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 2 .
" أن تصبحوا صرعى " أي : هلكى .
" بأثناء هذا النهر " في ( الصحاح ) : الثني واحد أثناء الشيء : أي : تضاعيفه تقول : أنفذت كذا ثني كتابي ، أي : في طيه 3 .
" و بأهضام " جمع هضم بالكسر : المطمئن من الأرض . يقال في التحذير " الليل و اهضام الوادي " أي : لعل هناك من لا يؤمن اغتياله .
" هذا الغائط " الأصل في الغائط : المطمئن من الأرض الواسع ، و لمّا كان من أراد قضاء الحاجة أتى الغائط صار " أتى الغائط " كناية عن قضاء الحاجة و " الغائط " عن العذرة .
" على غير بيّنة من ربّكم و لا سلطان مبين معكم " فتكونوا خسرتم الدنيا و الآخرة .
" قد طوّحت بكم الدار " أي : توّهت بكم و ذهبت بكم هاهنا و هاهنا و فيه رمز
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 54 56 ، سنة 37 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 201 ، لكن في شرح ابن ميثم 2 : 89 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 6 : 2294 ، مادة ( ثني ) .
[ 446 ]
إلى عدم إمكان الإستقرار للخوارج بأرض ، فإنّهم كلّ يوم كانوا بموضع و هو إخبار بالغيب منه عليه السّلام فيهم غير إخباره عليه السّلام بهلاكتهم .
" و احتبلكم المقدار " أي : جعلكم القدر و القضاء في حبالته و أصطادكم بها .
قال ابن أبي الحديد في ( مسند أحمد بن حنبل ) عن مسروق قال : قالت لي عائشة : إنّك من ولدي و من أحبهم إليّ . فهل عندك علم من المخدّج . فقلت : نعم .
قتله علي على نهر يقال لأعلاه تامرا و لأسفله النهروان بين الخافيق و طرفاء .
قالت : إبغني على ذلك بيّنة . فأقمت رجالا شهدوا عندها بذلك . فقلت لها : سألتك بصاحب القبر ما الّذي سمعت من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيهم ؟ فقالت : نعم سمعته يقول : " إنّهم شرّ الخلق و الخليقة ، يقتلهم خير الخلق و الخليقة ، و أقربهم عند اللّه وسيلة " 1 .
و في ( صفين المدائني ) : لمّا عرفت عائشة أنّ عليّا عليه السّلام قتل ذا الثدية قالت لمسروق : لعن اللّه عمرو بن العاص فإنه كتب إليّ يخبرني أنّه قتله بالإسكندرية ، ألا انّه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " يقتله خير امّتي من بعدي " 2 .
" و قد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة " الّتي طلبها معاوية بتدبير عمرو بن العاص له ، و قال عليه السّلام كما عرفت من رواية الطبري " و أخبرتكم أن طلب القوم إيّاها منكم دهن و مكيدة ، لكم نبّأتكم أنّ القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن ، و أنّي أعرف بهم منكم عرفتهم أطفالا و رجالا أهل المكر و الغدر " 3 .
-----------
( 1 ) رواه عن مسند أحمد ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 202 ، لكن لم اجده في مسند أحمد .
-----------
( 2 ) رواه عن صفين المدائني : ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 202 ، شرح الخطبة 36 .
-----------
( 3 ) تارخى الطبري 4 : 62 ، سنة 37 .
[ 447 ]
" فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين " إنّما قال عليه السّلام " المخالفين المنابذين " لأنّهم لم يقنعوا بمجرد المخالفة بل قالوا له عليه السّلام : لو لم تقبل الحكومة لقتلناك أو نأخذك و نعطيك بيد معاوية . فنابذوا إليه عليه السّلام طاعته . يقال نابذه الحرب أي كاشفه .
" حتّى صرفت رأيي إلى هواكم " دفعا لغائلتكم .
" أنتم معاشر أخفّاء " جمع خفيف .
" الهام " أي : الرؤوس ، و خفة الرأس دليل قلة العقل .
" سفهاء الأحلام " و السفيه مقابل الحليم . فإضافة السفهاء إلى الأحلام تفيد أنّ حلمهم سفه .
" و لم آت لا أبا لكم بجرا " بالضم أي : شرا .
" و لا أردت لكم ضرّا " بل نفعا و خيرا .
" أصابكم حاصب " قال الجزري أي : عذاب من اللّه و أصله رميتم بالحصباء من السماء ، و في ( الجمهرة ) : " ريح حاصب : تقشر الحصى عن وجه الأرض " 1 .
" و لا بقي منكم آبر " قد عرفت أنّ الطبري رواه " وابر " 2 . و هو الصحيح .
فإنّه الأنسب . قال الجوهري : و ما بها وابر : أي أحد . قال الشاعر :
فابت إلى الحي الّذين وراءهم
جريضا و لم يفلت من الجيش وابر
و في ( الجمهرة ) : و لا يستعمل وابر إلاّ في النفي 3 .
هذا و قال ابن أبي الحديد : يمكن أن يزداد في تفسيرات الرضي بأن يقال
-----------
( 1 ) النهاية 1 : 394 ، مادة ( حصب ) ، و جمهرة اللغة 1 : 223 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 63 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 2 : 842 ، مادة ( وبر ) ، و جمهرة اللغة 3 : 203 .
[ 448 ]
المراد بقوله " آبر " أي : نمّام يفسد ذات البين ، و الآبر أيضا من يبغي القوم من أبرت الكلب إذا أطعمته الأبرة في الخبز 1 .
قلت : هما إن صحا مفهوما لم يصحّا مرادا . فإنّه لا معنى لأن يقال لا بقي منهم نمّام أو آبر كلب . فليس كلّما يصح مفهوما يصحّ مرادا ، و لذا فرّق الرضي بين معنيي " الآبز " بالزاي . ففسره بالأوّل ، و اقتصر في الثاني على أنه مجرّد مفهوم .
و كيف كان فقد استجيب دعاؤه عليه السّلام عليهم كما وقع اخباره عليه السّلام فيهم .
قال ابن أبي الحديد : روى أبو عبيدة معمر بن المثنى قال : إستنطقهم عليّ عليه السّلام بقتل عبد اللّه بن خباب فأقرّوا به . فقال : إنفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة . فتكتّبوا كتائب و أقرّت كلّ كتيبة بمثل ما أقرّت به الاخرى من قتل ابن خباب و قالوا : و لنقتلنّك كما قتلناه . فقال علي عليه السّلام : " و اللّه لو أقرّ أهل الدنيا كلّهم بقتله هكذا ، و أنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم " ثمّ التفت إلى أصحابه . فقال لهم :
" شدّوا عليهم فأنا أوّل من يشد عليهم " ، و حمل بذي الفقار حملة منكره ثلاث مرّات كلّ حملة يضرب به حتّى يعوج متنه ثمّ يخرج فيسوّيه بركبته ثمّ يحمل به حتّى أفناهم 2 .
و روى الطبري : أنه ما لبثوا عبد اللّه بن وهب و ألفين و ثماني مئة معه أن أناموهم ، و روى عن حكيم بن سعد قال : ما هو إلاّ أن لقينا أهل البصرة . فما لبثناهم فكأنّما قيل لهم موتوا فماتوا قبل أن تشتدّ شوكتهم 3 .
و روى عن عون بن أبي جحيفة أنّ عليّا عليه السّلام لمّا أراد أن يبعث أبا موسى
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 380 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 207 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 64 ، سنة 37 .
[ 449 ]
للحكومة أتاه رجلان من الخوارج ، زرعة بن البرج الطائي ، و حرقوص بن زهير السعدي فدخلا فقالا له : لا حكم إلاّ للّه . فقال عليّ عليه السّلام : لا حكم إلاّ للّه .
فقال له حرقوص : تب من خطيئتك ، و ارجع عن قضيّتك ، و اخرج بنا إلى عدّونا نقاتلهم حتّى نلقى ربنا .
فقال لهم علي عليه السّلام : قد أردتكم على ذلك فعصيتموني ، و قد كتبنا بيننا و بينهم كتابا ، و شرطنا شروطا ، و أعطينا عليها عهودنا و مواثيقنا ، و قد قال اللّه عزّ و جلّ : و أوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها و قد جعلتم اللّه عليكم كفيلا إنّ اللّه يعلم ما تفعلون 1 .
فقال حرقوص : ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه .
فقال عليّ عليه السّلام : ما هو ذنب ، و لكنّه عجز من الرأي و ضعف من الفعل ،
و قد تقدّمت إليكم في ما كان منه ، و نهيتكم عنه .
فقال له زرعة : أما و اللّه لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب اللّه ، قاتلتك أطلب بذلك وجه اللّه و رضوانه .
فقال له عليّ عليه السّلام : بؤسا لك ما اشقاك كأنّي بك قتيلا تسفي عليك الريح .
قال : و ددت أن قد كان ذلك .
فقال له عليّ عليه السّلام : " لو كنت محقا كان في الموت على الحقّ تعزية عن الدنيا إنّ الشيطان قد استهواكم . . . " 2 .
" أبعد إيماني بالله " أوّل من آمن به .
" و جهادي مع رسول اللّه " في جميع غزواته و ليس عليه السّلام في ( المصرية ) مع أنه في الثلاثة .
-----------
( 1 ) النحل : 91 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 52 ، سنة 37 .
[ 450 ]
" أشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذن و ما أنا من المهتدين " قال ابن أبي الحديد : قال المبرد في ( كامله ) : و من شعر عليّ عليه السّلام الّذي لا اختلاف فيه أنّه قاله و أنه كان يردده أنهم ( أي : الخوارج ) لمّا ساموه أن يقرّلهم بالكفر و يتوب حتّى يسيروا معه إلى الشام . فقال " أبعد صحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و التفقّه في الدين أرجع كافرا " ؟ ثمّ قال :
يا شاهد اللّه عليّ فاشهد
أنّي على دين النبيّ أحمد
من شك في اللّه فإنّي مهتدي
و في ( كامل المبرد ) أيضا : أنّ عليّا عليه السّلام في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة ابن صوحان العبدي و قد كان وجّهه و زياد بن النضر مع ابن عباس إليهم فقال له : بأيّ القوم رأيتهم أشدّ إطافة . قال : يزيد بن قيس الأرحبي . فركب عليه السّلام إلى حروراء . فجعل يتخللّهم حتّى صار إلى مضرب يزيد .
فصلّى فيه ركعتين ثمّ خرج فاتّكأ على قوسه ، و أقبل على الناس . فقال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة ، ثمّ كلّمهم و ناشدهم . فقالوا : إنّا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم ، و قد تبنا فتب إلى اللّه كما تبنا بعد ذلك . فقال عليّ عليه السّلام أنا أستغفر اللّه من كلّ ذنب . فرجعوا معه و هم ستّة آلاف . فلمّا استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليا عليه السّلام رجع عن التحكيم و رآه ضلالا و قالوا : إنّما ينتظر أن يسمن الكراع ، و يجبي الأموال ثمّ ينهض بنا إلى الشام . فأتى الأشعث عليّا عليه السّلام فقال : إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا و الإقامة عليها كفرا . فقام عليّ عليه السّلام فخطب فقال : " من زعم أنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب ، و من رأها ضلالا فقد ضلّ " فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت 1 .
قلت : العجب من الخوارج يجعلون نصب من يحكم من القرآن لا من
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 206 ، و كامل المبرد 7 : 109 و 138 .
[ 451 ]
نفسه كفرا و لا يجعلون نصب إمام يحكم لهم من نفسه على خلاف حكم اللّه كفرا و الأغرب منه أنّهم جعلوا تحكيمه عليه السّلام على وفق القرآن ضلالا ، و لم يجعلوا تحكيم عمر في ستّة الشورى ضلالا و لمّا خرج حوثرة الأسدي على معاوية في عام الجماعة بعث معاوية إليه جيشا من أهل الكوفة . فلمّا نظر حوثرة إليهم قال لهم : " يا أعداء اللّه أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدّوا سلطانه ، و أنتم اليوم تقاتلون معه لتشدّوا سلطانه " . فيقال له : لازم قولكم بصحة إمامة أبي بكر و عمر أن يكون الأمر كذلك ، فهل سبب إمامتهما إلاّ بيعة جمع كرها و طوعا يوم السقيفة ؟ و معاوية في عام الجماعة صار كذلك ، و قد كان كتب إلى الحسن عليه السّلام أنّه في ذاك اليوم بمنزلة أبي بكر بعينه بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لعمري لقد صدق . فإن كان أهل الكوفة أعداء اللّه فهم أيضا أعداء اللّه .
و كذلك القول في عبد الملك قبل فتحه الكوفة و بعده . فسأل الخوارج جند العراق عن عبد الملك و قد كان فتح الكوفة ، و لم يعلموا به فقالوا : عدوّ اللّه ،
و اخبروا غدا بفتحه ، فسألهم الخوارج عنه . فقالوا : ، وليّ اللّه : فقالوا لهم : يا أعداء اللّه كيف صار عدوّ اللّه بالأمس وليّ اللّه اليوم ؟ فيقال لهم : هو لازم قولكم أيضا بإمامة الرجلين ، و إنّما أنتم جئتم بالتضادّ و التفرقة بين الملزوم و اللازم .
و سأل عبيدة بن هلال اليشكري أبا حزابة التميمي من جند المهلّب عن سيرة أئمتّهم صدقا و حقّا . فقال : يبيحون الدم الحرام ، و يجبون المال من غير حلّه ، و ينفقونه في غير وجهه ، و يظلمون اليتيم ماله ، و ينيكون امّه ، فقال له عبيدة : أمثل هؤلاء يتّبع ؟ فيقال له : أنت تقول بإمامة عمر و هو نصب عثمان الّذي كان نصبه نصب السفيانية و المروانية مع علمه بصدور جميع ذلك مع مناكر أكبر ، و كبائر أكثر منه و منهم .
هذا ، و لمّا غلب الحجاج في دير الجماجم على أهل العراق أخذ يبايع
[ 452 ]
الناس ، و كان لا يبايع أحدا إلاّ قال له : إشهد أنّك كفرت . فإنّ قال نعم بايعه ، و إلاّ قتله . فأتاه رجل من خثعم كان معتزلا للناس جميعا . فسأله عن حاله . فأخبره باعتزاله . فقال له : أنت متربّص . إشهد أنّك كافر . قال بئس الرجل إذن أنا . أعبد اللّه ثمانين سنة ثمّ أشهد على نفسي بالكفر ؟ قال : إذن أقتلك . قال : و إن قتلتني .
فقتله فلم يبق أحد من أهل العراق و الشام إلاّ رحمه .
" فابوا شرّ مآب " أي : ارجعوا شرّ مرجع ، و هو الكفر بعد الإيمان .
" و ارجعوا على أثر الأعقاب " و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا 1 .
" أمّا إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، و سيفا قاطعا " في ( كامل المبرد ) : قال زياد : ألا ينهى كلّ قوم سفهاءهم . لو لا أنّكم أطفأتم هذه النار لقلت إنّكم ارئتموها . فكانت القبائل إذا أحسّت بخارجية فيهم شدّتهم ، و أتت بهم زيادا فكان هذا أحد ما يذكر من تدبير زياد ، و له تدبير آخر أخرجوا معهم امرأة فظفر زياد بها فقتلها ثمّ عرّاها . فلم تخرج النساء بعد على زياد ، و كنّ إذا دعين إلى الخروج قلن : لو لا التعرية لسارعنا . و كانت الخوارج أيّام ابن عامر أخرجوا معهم امرأتين يقال لإحداهما كحيلة ، و الاخرى قطام ، فجعل أصحاب ابن عامر يعيّرونهم و يصيحون بهم : يا أصحاب كحيلة و قطام يعرّضون لهم بالفجور .
و بعث عبيد اللّه بن زياد إلى البلجاء و كانت من مجتهداتهم فاتى بها فقطع يديها و رجليها و رمى بها في السوق 2 .
" و أثرة يتّخذها الظالمون فيكم سنّة " في ( الكامل ) : لما رأى أبو هلال
-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .
-----------
( 2 ) كامل المبرد 7 : 185 188 ، و النقل بتلخيص .
[ 453 ]
مرداس و كان من قعدي الخوارج جدّ ابن زياد في طلب الخوارج عزم على الخروج . فقال لأصحابه : و اللّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين . يجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل ، مفارقين للفصل ، و اللّه إنّ الصبر على هذا لعظيم ، و إنّ تجريد السيف و إخافة السبيل لعظيم ، و لكنّا ننتبذ عنهم ، و لا نجرّد سيفا ، و لا نقاتل إلاّ من قاتلنا . فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل ، و كهمس بن طلق الصريمي . فلمّا مضى بأصحابه ، لقيه عبد الله بن رباح النصاري و كان له صديقا فقال له : أين تريد ؟ قال : أن أهرب بديني و دين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة . فقال له : أعلم بكم أحد ؟ قال لا .
قال : فارجع . قال : أو تخاف عليّ مكروها ؟ قال : نعم و أن يؤتى بك . قال : فلا تخف فإنّي لا اجردّ سيفا و لا أخيف أحدا ، و لا اقاتل إلاّ من قاتلني ثمّ مضى حتّى نزل آسك بين رامهرمز و ارّجان فمرّ به مال يحمل لابن زياد ، و قد قارب أصحابه الأربعين فحطّ ذلك المال . فأخذ منه عطاءه و اعطيات أصحابه ،
و ردّ الباقي على الرجل و قال قولوا لصاحبكم : إنّما قبضنا اعطياتنا . و روي أنّ رجلا من أصحاب ابن زياد قال : خرجنا في جيش نريد خراسان . فمررنا بآسك فإذا نحن بهم ستّة و ثلاثين رجلا فصاح بنا أبو بلال : أ قاصدون لقتالنا .
فقلنا : إنّما نريد خراسان . فقال : أبلغوا من لقيكم أنّا لم نخرج لنفسد في الأرض ،
و لا نروّع أحدا و لكن هربا من الظلم ، و لسنا نقاتل إلاّ من يقاتلنا ، و لا نأخذ من الفيء إلاّ اعطياتنا . ثمّ قال : أندب إلينا أحد ؟ قلنا : نعم . أسلم بن زرعة الكلابي .
قال : فمتى ترونه يصل إلينا ؟ قلنا يوم كذا و كذا . فقال : حسبنا اللّه و كان ابن زياد وجّه أسلم في ألفين ، و قد تتامّ أصحاب مرداس فلمّا صار إليهم أسلم ،
صاح به أبو بلال : ما الّذي تريد ؟ قال : أن أردّكم إلى ابن زياد . قال : إذن يقتلنا .
قال : و إن . قال : تشركه في دمائنا . قال : إنّي أدين أنّه محقّ و أنّكم مبطلون .
فصاح به حريث بن حجل ، أهو محقّ و هو يطيع الفجرة ، و يقتل بالظنّة ، و يخصّ
[ 454 ]
بالفيء ، و يجور بالحكم ؟ أما علمت أنّه قتل بابن سعاد أربعة برئاء و أنا أحد قتلته ، و لقد وضعت في بطنه دارهم كانت معه ؟ ثمّ حملوا عليه حملة رجل واحد . فانهزم هو و أصحابه من غير قتال . فلمّا ورد على ابن زياد غضب غضبا شديدا ، و قال له : ويلك أ تمضي في ألفين . فتنهزم لحملة أربعين و كان أسلم يقول : لئن يذمّني ابن زياد و أنا حي أحبّ إليّ من أن يمدحني ميّتا و كان إذا خرج إلى السوق أو مرّ بصبيان صاحوا به : " أبو بلال وراءك " و ربّما صاحوا به : يا معبد خذه . حتّى شكا ذلك إلى ابن زياد . فأمر الشرط أن يكفّوا الناس عنه . فقال أحد الخوارج في هزيمته :
أ ألفا مؤمن في ما زعمتم
و يهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
و لكنّ الخوارج مؤمنونا
ثمّ ندّب لهم ابن زياد عباد بن أخضر فالتقوا في يوم جمعة و ذكر قتل عباد لهم في الصلاة بعد إعطائهم الأمان و كتب ابن زياد من الكوفة إلى عبيد اللّه بن أبي بكرة خليفته على البصرة بالجدّ في طلب الخوارج . فكان يأخذهم و يحبسهم فإذا شفع في أحد كفّله إلى أن يقدم ابن زياد . فلمّا قدم أخذ من في السجن فقتلهم و طلب الكفلاء . فمن لم يأت بمن كفل له قتله ، و كان ابن أبي بكرة أتى بعروة بن ادية في من أتى به منهم فأطلقه ، و قال أنا كفيلك . فقال له : إيت بعروة . قال لا أقدر عليه . قال : إذن أقتلك . فطلبه ابن أبي بكرة حتّى دلّ عليه في سرب العلاء المنقري . فقرأ عليه الكاتب في شرب العلاء ، فقال للكاتب :
صحّفت ، و ددت أنّه كان ممّن يشرب . فأتى به فأمر ابن زياد بقطع يديه و رجليه و صلبه على باب داره إلى أن قال .
و كان زياد ولّى شيبان الأشعري طلب الخوارج فجدّ في طلبهم و أخافهم فأتاه ليلة و هو متّكئ بباب داره رجلان منهم فضرباه بأسيافهم و قتلاه ثمّ أتى زياد برجل من الخوارج . فقال : اقتلوه متّكئا كما قتل شيبان
[ 455 ]
متّكئا فصاح الخارجي يا عدلاه يهزأ به 1 .
قول المصنّف قال الشريف : هكذا في ( المصرية ) ، و هو زائد لعدم وجوده في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 2 .
" قوله عليه السّلام و لا بقي منكم آبر يروى بالباء و الراء " هكذا في ( المصرية ) ،
و الصواب : ( يروى بالراء ) كما في ( ابن ميثم و الخطية ) و لكن في ( ابن أبي الحديد ) : ( يروي على ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون كما ذكرناه آبر بالراء ) 3 .
" من قولهم للذي . . . " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( من قولهم آبر للذي ) كما في ( ابن ميثم و الخطية ) ، و لكن في ( ابن أبي الحديد ) : ( من قولهم رجل آبر للذي ) 4 .
قوله : " و يروي آثر و هو الّذي يأثر الحديث أي يرويه و يحكيه " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( أي : يحكيه و يرويه ) كما في ( ابن ميثم و الخطية ) ، و كذا ( ابن أبي الحديد ) و لكن قبله : ( و يروى آثر بالثاء بثلاث نقط يراد به الّذي يأثر الحديث ) 5 .
قوله : " لا بقي منكم مخبر " هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد و الخطيّة ) و لكن في ( ابن ميثم ) : ( لا بقي منكم من يروي حديثا ) 6 .
هذا ، و في السير لمّا جيء بكتاب زياد إلى معاوية في ألاّ يردّ حجرا و أصحابه . قال ابن امّ الحكم لمعاوية : " جذاذها جذاذها " فقال معاوية : " لأتعّنّ
-----------
( 1 ) كامل المبرد 7 : 189 204 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) في شرح ابن أبي الحديد 1 : 379 ، " قال الرضي " و في شرح ابن ميثم 2 : 151 ، " قال الشريف " .
-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 379 ، لكن لفظ شرح ابن ميثم 2 : 151 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 379 ، و لفظ ابن ميثم 2 : 151 ، " من قولهم للذي " .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 380 ، و شرح ابن ميثم 2 : 151 ، لكن فيهما " يرويه و يحكيه " .
-----------
( 6 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 380 ، و شرح ابن ميثم 2 : 151 ، مثل المصرية .
[ 456 ]
آبرا " فلم يفهم أهل الشام معنى كلامهما . فأتوا النعمان بن بشير . فقال لهم :
قتل القوم .
8
الخطبة ( 59 ) قال ع لما عزم على حرب ؟ الخوارج ؟ و قيل له إنهم قد عبروا جسر ؟ النهروان ؟ :
مَصَارِعُهُمْ دُونَ اَلنُّطْفَةِ وَ اَللَّهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ ( يعني بالنطفة ماء النهر و هو أفصح كناية عن الماء و إن كان كثيرا جما ) أقول : رواه المبرد في ( كامله ) ، و الخطيب في ( تاريخ بغداده ) ،
و المسعودي في ( مروجه ) ، و المفيد في ( ارشاده ) ، و ابن طاووس في ( نجومه ) و ابن ميثم في ( شرحه ) .
ففي الأوّل : " و قيل لعليّ عليه السّلام . إنّهم يريدون الجسر . فقال ، " لن يبلغوا النطفة " و جعل الناس يقولون له في ذلك حتّى كادوا يشكّون . ثمّ قالوا : قد رجعوا يا أمير المؤمنين . فقال : " و اللّه ما كذبت و لا كذبت " ثمّ خرج إليهم في أصحابه ، و قال : " إنّه و اللّه ما يقتل منكم عشرة ، و لا يفلت منهم عشرة " فقتل من أصحابه تسعة ، و أفلت منهم ثمانية و كان مقدار من أصاب علي عليه السّلام منهم بالنهروان ألفين و ثماني مئة على أصحّ الأقاويل و كان عددهم ستّة آلاف ،
و كان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يستر أمره ، و لم يشهد الحرب ، و إنّ رجلا منهم قتل ثلاثة من أصحابه عليه السّلام و قال :
أ قتلهم و لا أرى عليّا
و لو بدا أو جرته الخطيّا
فخرج إليه عليّ عليه السّلام فلمّا خالطه السيف قال : حبّذا الروحة إلى الجنّة .
فقال عبد اللّه بن وهب : ما أدري إلى الجنّة أم إلى النار ؟ فقال رجل من سعد : إنّما
[ 457 ]
حضرت اغترارا بهذا ، و أراه قد شك . فانخزل بجماعة من أصحابه ، و مال ألف إلى ناحية أبي أيوب الأنصاري و كان على ميمنة عليّ عليه السّلام و جعل الناس يتسلّلون 1 .
و في الثاني في عنوان عبد اللّه بن خباب : قال أبو الأحوص كنّا مع عليّ عليه السّلام يوم النهروان . فجاءت الحرورية فكانت من وراء النهر قال : " و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر " ثمّ نزلوا : فقالوا لعليّ عليه السّلام قد نزلوا قال " و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر " ، فأعادوا عليه هذه المقالة ثلاثا كلّ ذلك يقول لهم على مثل قوله الأوّل . فقالت الحرورية بعضهم لبعض يرى علي أنّا نخافه .
فأجازوا . فقال عليّ عليه السّلام لأصحابه : " لا تحرّكوهم حتّى يحدثوا حدثا " فذهبوا إلى منزل عبد اللّه بن خباب و كان منزله على شاطئ النهر فأخرجوه و قدّموه إلى الماء . فذبحوه كما تذبح الشاة . فسال دمه مثل الشراك ما امذقرّ و اخرجوا امّ ولده فتشقّوا عمّا في بطنها . فاخبر علي عليه السّلام بما صنعوا .
فقال علي عليه السّلام : اللّه أكبر نادوهم أخرجوا لنا قاتل عبد اللّه . قالوا : كلّنا قتله فناداهم ثلاثا ، كلّ ذلك يقولون هذا القول . فقال علي عليه السّلام : دونكم القوم فما لبثوا أن قتلوهم . فقال علي عليه السّلام : اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي المرأة . . . 2 .
و في الثالث : بعث الخوارج إلى علي عليه السّلام كلّنا قتلة أصحابك ، و كلّنا مستحلّ لدمائهم و أخبره الرسول و كان من يهود السود أنّ القوم قد عبروا نهر طبرستان في هذا الوقت و هذا النهر عليه قنطرة تعرف بقنطرة طبرستان بين حلوان و بغداد من بلاد خراسان .
فقال عليّ عليه السّلام " و اللّه ما عبروه و لا يقطعونه حتّى نقتلهم بالرميلة دونه "
-----------
( 1 ) كامل المبرد 7 : 106 108 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 205 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 458 ]
ثمّ تواترت عليه الأخبار بقطعهم لهذا النهر و عبورهم هذا الجسر و هو يأبى ذلك و يحلف أنّهم لم يعبروه و أنّ مصارعهم دونه ، ثمّ قال " سيروا إلى القوم فو اللّه لا يفلت منهم إلاّ عشرة ، و لا يقتل منكم عشرة " ثمّ سار عليه السّلام فأشرف عليهم و قد عسكروا بالموضع المعروف بالرميلة على ما قال لأصحابه . فلمّا أشرف عليهم قال : اللّه أكبر صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أن قال فأمر عليه السّلام بطلب المخدج فطلبوه فلم يقدروا عليه . فقام عليه السّلام و عليه أثر الحزن لفقد المخدج . فانتهى إلى قتلى بعضهم فوق بعض . فقال : أفرجوا ففرجوا يمينا و شمالا و استخرجوه . فقال عليه السّلام : اللّه أكبر ما كذبت على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّه لناقص اليد ليس فيها عظم طرفها حلمة ثدي المرأة عليها خمس شعرات أو سبع ، رؤوسها معقفة .
ثمّ قال : إيتوني به ، فنظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة عليه شعرات سود إذا مدّت اللحمة امتدت حتّى تحاذي بطن يده الاخرى ثمّ تترك فتعود إلى منكبه . فثنى رجله و نزل و خرّ للّه ساجدا 1 .
و في الرابع : روى أصحاب السيرة في حديثهم عن جندب بن عبد اللّه الأزدي قال : شهدت مع عليّ عليه السّلام الجمل و صفين لا أشكّ في قتال من قاتله ،
حتّى نزلت النهروان . فدخلني شكّ في قتال القوم و قلت : قراؤنا و خيارنا نقتلهم ، إنّ هذا لأمر عظيم ؟ فخرجت غدوة أمشي ، و معي إداوة ماء حتّى برزت من الصفوف . فركزت رمحي و وضعت ترسي عليه ، و استترت من الشمس . فإنّي لجالس حتّى ورد عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام . فقال لي : يا أخا الأزد أمعك طهور ؟
قلت : نعم فناولته الإداوة . فمضى حتّى لم أره ثمّ أقبل ، و قد تطهر فجلس
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 405 و 406 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 459 ]
في ظلّ الترس ، و إذا فارس يسأل عنه . فقلت : يا أمير المؤمنين هذا فارس يريدك . قال : فأشر إليه . فأشرت إليه فجاء فقال : يا أمير المؤمنين قد عبر القوم ،
و قد قطعوا النهر فقال : كلاّ ما عبروا .
فقال : بلى و اللّه لقد فعلوا ، و انّه لكذلك إذ جاء آخر فقال : يا أمير المؤمنين قد عبر القوم . قال : كلاّ ما عبروا . قال : و اللّه ما جئتك حتّى رأيت الرايات في ذلك الجانب و الأثقال . قال : و اللّه ما فعلوا و إنّه لمصرعهم و مهراق دمائهم ثمّ نهض و نهضت معه .
فقلت في نفسي : الحمد للّه الّذي بصّرني هذا الرجل ، و عرّفني أمره هذا أحد رجلين إمّا رجل كذّاب جريّ أو على بيّنة من ربّه ، و عهد من نبيّه ، اللهمّ إنّي اعطيك عهدا تسألني عنه يوم القيامة إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله ، و أوّل من يطعن بالرمح في عينه ، و إن كان القوم لم يعبروا أن اقيم على المناجزة و القتال ، فدفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات و الأثقال كما هي . فأخذ بقفائي و دفعني ثمّ قال : يا أخا الأزد أتبيّن لك الامر ؟ قلت : أجل يا أمير المؤمنين . فقال : شأنك بعدوّك . فقتلت رجلا من القوم ثمّ قتلت آخر ثمّ اختلفت أنا و رجل أضربه و يضربني . فوقعنا جميعا فاحتملني أصحابي و أفقت حين أفقت و قد فرغ من القوم . و هذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار 1 .
قلت : و في الخبر زيادة دلالة إخباره عليه السّلام بشكّ الرجل .
و في الخامس : روينا بإسناد متّصل إلى الأصبغ قال : لمّا رحل علي عليه السّلام من نهر براثا إلى النهروان ، و قد قطع جسرها ، و سمرّت سفنها . فنزل و قد سرّح الجيش إلى جسر بوران ، و معه رجل من أصحابه قد شكّ في قتال الخوارج .
-----------
( 1 ) الإرشاد : 167 .
[ 460 ]
فإذا رجل يركض . إلى أن قال لمّا بلغ الخوارج نزولك البارحة نهر براثا ولّوا هاربين . فقال له عليّ عليه السّلام : " أنت رأيتهم حين ولّوا " قال : نعم . قال : " كذبت . لا و اللّه ما عبروا النهروان ، و لا يجاوزوا الأثيلات و لا النخيلات حتّى يقتلهم اللّه عزّ و جلّ على يدي ، عهد معهود و قدر مقدور . لا ينجو منهم عشرة و لا يقتل منّا عشرة . . . 1 .
و في السادس : في الخبر لمّا خرج عليه السّلام إلى أصحاب النهر جاءه رجل من أصحابه . فقال : البشرى يا أمير المؤمنين إنّ القوم عبروا النهر لمّا بلغهم وصولك فأبشر فقد منحك اللّه أكتافهم . فقال : اللّه أنت رأيتهم قد عبروا . فقال :
نعم . فقال عليه السّلام : " و اللّه ما عبروه و لن يعبروه و إنّ مصارعهم دون النطفة ،
و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة لم يبلغوا الأثلاث ، و لا قصر توران حتّى يقتلهم اللّه ، و قد خاب من افترى " قال ثمّ جاءه جماعة من أصحابه ، واحدا بعد آخر كلّهم يخبره بما أخبره الأوّل . فركب عليه السّلام و سار حتّى انتهى إلى النهر . فوجد القوم بأسرهم قد كسروا جفون سيوفهم و عرقبوا خيولهم ، و جثوا على الركب ، و حكّموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل .
و روي أنّ شابّا من أصحابه قال في نفسه حين حكم عليه السّلام بما حكم من أمرهم و سار إلى النهر لبيان صدق حكمه : و اللّه لأكوننّ قريبا منه فإن كانوا عبروا النهر لأجعلنّ سنان رمحي في عينه . أيدعي علم الغيب فلمّا وجدهم لم يعبروا نزل عن فرسه و أخبره بما روى في نفسه و طلب منه أن يغفر له فقال عليه السّلام له : " إنّ اللّه هو الّذي يغفر الذنوب جميعا فاستغفره " .
و فيه أيضا روي أنّه عليه السّلام قال لأبي أيّوب الأنصاري و كان على ميمنته لمّا بدأت الخوارج بالقتال : إحملوا عليهم فو اللّه لا يفلت منهم عشرة ، و لا يهلك
-----------
( 1 ) خرج المهموم : 105 .
[ 461 ]
منكم عشرة . فلمّا قتلهم وجد المفلت منهم تسعة ، و المقتول من أصحابه ثمانية 1 .
و قال ابن أبي الحديد : هذا الخبر من الأخبار الّتي تكاد تكون متواترة لاشتهاره . و نقل الناس كافة له ، و هو من معجزاته و أخباره المفصّلة عن الغيوب . فالاخبار المفصّلة عن الغيوب مثل هذا الخبر فإنّه لا يحتمل التلبيس لتقييده بالعدد المعين في أصحابه ، و في الخوارج ، و وقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة و لا نقصان ، و ذلك أمر إلهي عرفه من جهة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و عرفه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من جهة اللّه سبحانه ، و القوّة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا ، و لقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره ، و بمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته و أحواله المنافية لقوى البشر غلا فيه من غلا حتّى نسب إلى أنّ الجوهر الإلهي حلّ في بدنه كما قالت النصاري في عيسى عليه السّلام .
و قد أخبره النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذلك فقال له : " يهلك فيك محبّ غال و مبغض قال " و قال له تارة اخرى : " و الّذي نفسي بيده لو لا أنّي أشفق أن يقول فيك طوائف من امّتي ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لاتمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة " .
قال : و لمعترض أن يقول قد يقع الاخبار عن الغيوب من طريق النجوم .
فإنّ المنجّمين قد اتّفقوا على أنّ شكلا من أشكال الطالع إذا وقع لمولود اقتضى أن يكون صاحبه متمكّنا من الإخبار عن الغيوب ، و قد يقع الإخبار عن الغيوب لأصحاب زجر الطير و البهائم كما يحكى عن بني لهب في الجاهلية .
و قد يقع الأخبار عن الغيوب للقيافة كما يحكى عن بني مدلج . أو قد يخبر به أرباب التسخيرات ، و أرباب السحر و الطلسمات . و قد يقع الإخبار عن الغيوب
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 2 : 153 .
[ 462 ]
لأرباب النفس الناطقة القوية الصافية الّتي تتّصل مادّتها الروحانية على ما تقوله الفلاسفة . و قد يقع الإخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة على ما رآه أكثر الناس ، و قد وردت الشريعة نصّابه .
قال : و قد يقع الإخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي كما رأيناه عن أبي البيان و ابنه ، و قد يقع الإخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك إنسانا آخر ، لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحادا أو كالاتحاد ، و ذلك كما يحكي أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب المعتبر ، قال : و المرأة العمياء الّتي رأيناها ببغداد و تكررت مشاهدتنا لها مدّة مديدة قدرها ما يقارب ثلاثين سنة و هي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا . فتدّل عليها بأنواعها و أشكالها و مقاديرها و أعدادها غريبها و مألوفها ، دقيقها و جليلها ، تجيب على أثر السؤال من غير توقف و لا استعانة بشيء من الأشياء إلاّ أنّها كانت تلتمس أن يرى الّذي يسأل عنه أبوها أو تسمعه في بعض الأوقات دون بعض ، و عند قوم دون قوم . فيتصوّر في أمرها أنّ الّذي تقوله بإشارة من أبيها ، و كان الّذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة إذا قيل بصريح الكلام الّذي هو الطريق الأخضر و إنّما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع و الأشكال في مدّة واحدة كلمة واحدة و اقصاه كلمتان ،
و هي الّتي يكرّرها في كلّ قول ، و مع كلّ ما يسمع و يرى " سلها و سلها تخبرك " أو " قولي له " أو " قولي يا صغيرة " .
قال أبو البركات : و لقد عاندته يوما و حاققته في أن لا يتكلّم و أريته عدّة أشياء . فقال : لفظة واحدة فقلت له : " الشرط أملك " فاغتاظ و احتدّ طيشه عن أن يملك نفسه . فباح بخبيئته . قال : و مثلك يظنّ أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة فاسمع الآن ثمّ التفت إليها و أخذ يشير باصبعه إلى شيء و هو يقول تلك الكلمة و هي تقول : " هذا كذا و هذا كذا " على الاتّصال من غير توقف و هو يقول تلك
[ 463 ]
الكلمة لا زيادة عليها ، و هي لفظة واحدة بلحن واحد ، و هيئة واحدة حتّى ضجرنا ، و اشتدّ تعجبّنا ، و رأينا أنّ هذه الاشارة لو كانت تتضمّن هذه الأشياء لكانت أعجب من كلّ ما تقوله العمياء .
و من عجيب ما شاهدناه من أمرها أنّ أباها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به . فتخبر هي عنه على معتقد أبيها كأنّ نفسها نفسه ،
و رأيناها تقول ما لم يعلم أبوها من خبيئة في الخبيئة الّتي اطّلع عليها أبوها ،
فكانت تطّلع على ما قد علمه أبوها ، و على ما لا يعلمه أبوها ، و هذا أعجب ،
و حكاياتها أكثر من أن تعدّ ، و عند كلّ أحد من حديثها ما ليس عند الآخر ، لأنّها كانت تقول من ذلك على الاتّصال لشخص شخص جوابا بحسب السؤال ، و ما زلت أقول : إنّ من يأتي بعدنا لا يصدّق ما رأيناه منها . فقلت لي : اريد أن تفيدني العلّة في معرفة هذه . فقلت لك : العلّة الّتي تصلح في جواب لم في نسبة المحمول إلى الموضوع يكون الحدّ الأوسط في القياس ، و هذه فالعلّة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوّتها و خاصتها . فما الّذي أقوله في هذا ؟ و هل لي أن أجعل ما ليس بعلّة علّة ؟
قال ابن أبي الحديد : و اعلم أنّنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب ، و لكن كلّ ذلك مستند إلى الباري سبحانه بإقداره ،
و تمكينه ، و تهيئة أسبابه . فإن كان المخبر عن الغيوب ممّن يدّعى النبوّة لم يجز أن يكون إلاّ بإذن اللّه ، و أن يريد به استدلال المكلّفين على صدق مدّعي النبوّة لأنّه لو كان كاذبا لكان تمكين اللّه تعالى ذلك إضلالا للمكلّفين ، و كذلك لا يجوز أن يمكّن اللّه سبحانه الكاذب في ادّعاء النبوّة من الإخبار عن الغيب بطريق السحر و تسخير الكواكب و الطلسمات ، و لا بالزجر و القيافة ، و لا بغير ذلك من الطرق المذكورة ، لما فيه من استفساد البشر و إغوائهم ، و أمّا إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدّعيا للنبوّة ، نظر في حاله فإن كان من الصالحين ،
[ 464 ]
نسب ذلك إلى أنّه كرامة أظهرها اللّه تعالى على يده إبانة له و تمييزا من غيره كما في حق علي عليه السّلام ، و إن لم يكن كذلك ، أمكن أن يكون ساحرا أو كاهنا 1 .
قلت : ما ذكره أخيرا مغالطة . فكما كان إخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الغيوب تصديق نبوّته ، كذلك إخبار أمير المؤمنين عليه السّلام عن الغيوب تصديق إمامته من اللّه تعالى بواسطة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . لأنه كان مدّعيا ذلك بالتواتر ، و كونه تصديقا له من فطريات العقول و ضرورياتها .
قول المصنّف : " و قيل له إنّهم عبروا جسر النهروان " قد عرفت من رواية المسعودي أنّه يقال لجسر النهروان قنطرة طبرستان .
قوله عليه السّلام " مصارعهم " : أي محل هلاكتهم .
" دون النطفة " قد عرفت من رواية المسعودي أنه عليه السّلام قال نقتلهم بالرميلة دونه .
" و اللّه لا يفلت " أي : ينجو .
" منهم عشرة " قد عرفت أنّ المبرّد و ابن ميثم و ابن طاووس رووه كالمصنّف ، و لكن المسعودي رواه " منهم إلاّ عشرة " و الظاهر و همه .
" و لا يهلك منكم عشرة " قد عرفت من رواية ابن ميثم أنّ المخاطب له بذلك أبو أيوب الأنصارى الّذي كان على ميمنته عليه السّلام ، ثمّ قد عرفت من رواية المبرّد أنّ المفلت من الخوارج ثمانية ، و المقتول من أصحابه عليه السّلام تسعة و ابن ميثم قال بالعكس .
و روى الطبري عن أبي مخنف أنّ المقتول من أصحابه عليه السّلام سبعة ، و به قال سبط ابن الجوزي و الجزري ، و زاد الأخير و كان في من قتل من أصحابه عليه السّلام يزيد بن نويرة الأنصاري و له صحبة و سابقة ، و شهد له
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 425 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 465 ]
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالجنّة و كان أوّل من قتل 1 .
و في ( تاريخ الطبري ) : كان أحد الثمانية الّذين هربوا من الخوارج يوم النهر عليّ بن أبي شمر التيمي ، و كان من فرسان العرب و نسّاكهم 2 .
و روى الخطيب في أبي برزة كون المقتولين من أصحابه عليه السّلام تسعة 3 ،
و للتشابه الخطي بين سبعة و تسعة حصل الاختلاف ، و الأصل واحد ، و أمّا قول ابن ميثم بالثمانية 4 فساقط .
و أمّا ما في آخر ( صفين نصر ) : " و اصيب من أصحاب علي يوم النهروان ألف و ثلاثمئة قال : و ذكر جابر عن الشعبي ، و أبي الطفيل ذكروا في عدّة قتلى صفين و النهروان و النخيلة نحوا ممّا ذكر تميم الناجي " 5 فخبر شاذ مع أنّه لم يعلم كونه من نصر ، فقبل أوّل خبره " من هنا عند عبد اللّه بن عقبة " مع أن خبره مختلط . فعدّ زيد بن صوحان العبدي في عداد أصحاب طلحة و الزبير مع أنّه لا ريب في كونه من أصحابه عليه السّلام ، و بالجملة لا عبرة بما هو كذلك .
قول المصنّف : " يعني بالنطفة ماء النهر ، و هو أفصح كناية " هكذا في ( المصرية ) ، و سقط منها كلمة " عن الماء " كما في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطيّة ) 6 .
" و إن كان كثيرا جمّا " يعني انّ النطفة تكون كناية عن الماء و إن لم يكن
-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 4 : 67 ، سنة 37 ، و السبط في التذكرة : 105 ، و الجزري في الكامل 3 : 348 ، سنة 37 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 139 ، سنة 43 .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 1 : 182 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 2 : 153 .
-----------
( 5 ) وقعة صفين لنصر بن مزاحم : 559 .
-----------
( 6 ) توجد كلمة " عن الماء " في شرح ابن أبي الحديد 1 : 424 ، لكن ليست في شرح ابن ميثم 2 : 153 .
[ 466 ]
قليلا كما يوهمه كون أصل النطفة ماء قليلا .
هذا ، و زاد ابن أبي الحديد في كلام الرضي : " و قد أشرنا إلى ذلك في ما تقدّم عند مضيّ ما أشبهه " إلاّ أنّه ليس في ( ابن ميثم ) الّذي نسخته بخط المصنّف ، و لا في ( الخطّية ) المصححة نسبة كما ليس في ( المصرية ) ، و لعلّه كان حاشية خلّط بالمتن في نسخة ابن أبي الحديد ، و كيف كان فمرّ في الخطبة ( 48 ) قوله عليه السّلام : " و قد أردت أن أقطع هذه النطفة " ، و قول المصنّف ثمة " و يعني بالنطفة ماء الفرات و هو من غريب العبارات و عجيبها " 1 .
9
الحكمة ( 323 ) وَ قَالَ ع وَ قَدْ مَرَّ بِقَتْلَى ؟ اَلْخَوَارِجِ ؟ ؟ يَوْمَ اَلنَّهْرَوَانِ ؟
بُؤْساً لَكُمْ لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ فَقِيلَ لَهُ مَنْ غَرَّهُمْ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ اَلشَّيْطَانُ اَلْمُضِلُّ وَ اَلْأَنْفُسُ اَلْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ فَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي وَ وَعَدَتْهُمُ اَلْإِظْهَارَ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ اَلنَّارَ من الخطبة ( 59 ) و قال ع لما قتل ؟ الخوارج ؟ فقيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم :
كَلاَّ وَ اَللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ اَلرِّجَالِ وَ قَرَارَاتِ اَلنِّسَاءِ كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ و قال ع فيهم :
لاَ تَقْتُلُ ؟ اَلْخَوَارِجَ ؟ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ اَلْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ اَلْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ ( يعني ؟ معاوية ؟ و أصحابه )
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 424 ، و شرح ابن ميثم 2 : 153 ، و نهج البلاغة 1 : 97 .
[ 467 ]
أقول : نقلنا الأوّل هنا لأنّ الثاني مربوط به قال المسعودي في ( مروجه ) مرّ عليّ عليه السّلام بالخوارج و هم صرعى فقال : " لقد صرعكم من غرّكم " قيل و من غرّهم ؟ قال : " الشيطان و أنفس السوء " فقال أصحابه : قد قطع اللّه دابرهم إلى آخر الدهر . فقال عليه السّلام : " كلاّ و الّذي نفسي بيده ، و إنّهم لفي أصلاب الرجال ،
و أرحام النساء ، لا تخرج خارجة إلاّ خرجت بعدها مثلها حتّى تخرج خارجة بين الفرات و دجلة مع رجل يقال له الأشمط ، يخرج إليه رجل منّا أهل البيت فيقتله و لا تخرج بعدها خارجة إلى يوم القيامة " 1 و روى الأوّل فقط الطبري . فقال " مرّ علي عليه السّلام على الخوارج و هم صرعى فقال : بؤسا لكم لقد ضرّكم من غرّكم " فقالوا : من غرّهم ؟ قال عليه السّلام :
" الشيطان و أنفس بالسوء أمارة ، غرّتهم بالأماني ، و زيّنت لهم المعاصي ،
و نبّأتهم أنّهم ظاهرون " 2 .
و روى الثاني فقط الخطيب في حبّة العرني فقال : قال حبّة : لمّا فرغنا من النهروان قال رجل : و اللّه لا يخرج بعد اليوم حروري أبدا . فقال عليّ عليه السّلام مه لا تقل هذا . فو الّذي فلق الحبة و برأ النسمة إنّهم لفي أصلاب الرجال و أرحام النساء ، و لا يزالون يخرجون حتّى تخرج طائفة منهم بين نهرين حتّى يخرج إليهم رجل من ولدي فيقتلهم فلا يعودون أبدا 3 .
قول المصنّف : " و قال عليه السّلام : و قد مرّ بقتلي الخوارج يوم النهروان " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( يوم النهر ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 4 .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 407 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 66 ، سنة 37 .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 8 : 275 .
-----------
( 4 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 4 : 392 ، و شرح ابن ميثم 5 : 403 ، مثل المصرية أيضا .
[ 468 ]
و في ( تاريخ الطبري ) : و طلب عليّ عليه السّلام في القتلى من به رمق . فوجدهم أربعمئة رجل فأمر بهم . فدفعوا إلى عشائرهم ، و قال : إحملوهم معكم .
فداووهم فإذا برؤوا فوافوا بهم الكوفة ، و خذوا ما في عسكرهم من شيء ، و أما السلاح و الدوابّ و ما شهدوا به عليه الحرب . فقسّمه بين المسلمين ، و أما المتاع و العبيد و الإماء فإنّه حين قدم ردّه على أهله ، و دفن رجال من الناس قتلاهم . فقال عليه السّلام حين بلغه ذلك " ارتحلوا أتقتلونهم ثمّ تدفنونهم " فارتحل الناس . . . 1 .
قلت : و هو دالّ على كفر جميع الخارجين عليه .
قوله عليه السّلام : " بؤسا لكم " دعاء عليهم لاستحقاقهم ذلك بفعلهم .
" لقد ضركم من غركم " حسب استناد فعل المسبب إلى فعل السبب .
فالضارّ لهم في الحقيقة هو الغارّ لهم .
" فقيل له : من غرّهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السّلام : الشيطان المضلّ " و غركم باللّه الغرور 2 .
" و الأنفس الأمارة بالسوء " و في ابن أبي الحديد 3 : " و النفس الأمارة بالسوء " و قد عرفت أنّ الطبري نقله : " و أنفس بالسوء أمارة " و هو أحسن .
فالتنكير أنسب في المقام .
" غرّتهم " أي : الشيطان ، و أنفسهم الأمارة .
" بالأماني " جمع الامنية بمعنى التمنّي . قال تعالى حكاية عن المؤمنين للمنافقين يوم القيامة : و لكنكم فتنتم أنفسكم و تربصتم و ارتبتم و غرّتكم
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 66 ، سنة 37 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الحديد : 14 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 392 .
[ 469 ]
الأمانّي حتّى جاء أمر اللّه و غرّكم باللّه الغرور 1 . و أمّا الأماني في قوله تعالى :
و منهم امّيّون لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ 2 فقيل : بمعنى قراءات من " تمنيت الكتاب " قرأته .
" و فسحت لهم " أي : وسعت لهم .
" بالمعاصي " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( في المعاصي ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .
" و وعدتهم الإظهار " هو نظير حكايته تعالى عن الشيطان مع كفّار بدر في قوله تعالى : و اذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم و قال لا غالب لكم اليوم من الناس و إنّي جار لكم فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه 4 .
" فاقتحمت بهم النار " أي : أدخلتهم النار ، و الاقتحام الدخول في مهلك و في أمر شديد .
" و لمّا قتل الخوارج فقيل له : يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم قال عليه السّلام " هكذا في ( المصرية ) و مثلها ( ابن أبي الحديد ) إلاّ أنّه قال : " و قال لمّا " الخ و في ( ابن ميثم ) : " و قال عليه السّلام لمّا قيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم " و هو الصحيح 5 .
" كلاّ و اللّه انّهم نطف في أصلاب الرجال " يخرج من بين الصلب و الترائب 6 .
-----------
( 1 ) الحديد : 14 .
-----------
( 2 ) البقرة : 78 .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 4 : 392 ، و شرح ابن ميثم 5 : 403 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 4 ) الانفال : 48 .
-----------
( 5 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 427 ، و لفظ شرح ابن ميثم 2 : 153 ، " لما قتل الخوارج قيل له " .
-----------
( 6 ) الطارق : 7 .
[ 470 ]
" و قرارات النساء " مأخوذ من قوله تعالى : ثمّ جعلناه نطفة في قرار مكين 1 .
و في ( العقد ) : قال الحجاج لامرأة من الخوارج : لأحصدنّكم حصيدا .
فقالت أنت تحصد ، و اللّه يزرع . فأين قدرتك من قدرة اللّه ؟ 2 .
" كلّما نجم " أي : ظهر .
" منهم قرن " أي : كبير .
" قطع " في زمان بني أمية و بني العباس .
و في ( المروج ) : ذكرنا في كتابنا اخبار الزمان من خبر الخوارج شأن مرداس التميمي و عطية الحنفي ، و أبي فديك ، و سودة الشيباني ، و وقعة ابن الماحوز مع المهلّب ، و مقتله ، و خبر عبد ربه ، و اخبار خوارج اليمن كأبي حمزة الأزدي و بيهس الهيصمي ، و ذكرنا في كتابنا ( المقالات ) فرقهم من الأباضية و هم سراة عمان من الأزد و الحمرية و الصفرية و غيرهم ، و ذكرنا بلدانهم مثل بلاد سنجار و تلّ أعفر من بلاد ديار ربيعة ، و السن ، و البواريج و الحديقة ممّا يلي بلاد الموصل ، ثمّ من سكن بلاد آذربيجان ، و من سكن منهم بلاد سجستان ، و جبال هراة و هشتانه ، و بوشنج من بلاد خراسان ، و من بلاد مكران . . . 3 .
و في ( التنبيه و الإشراف ) : غلب الضحاك الشيباني في أيام مروان الحمار على العراق ، و لم يغلب قبله ، و لا بعده أحد من الخوارج على العراق ،
و سار للقاء مروان في جيوش عظيمة ، و معه سليمان بن هشام بن عبد الملك
-----------
( 1 ) المؤمنون : 13 .
-----------
( 2 ) رواه الجاحظ في البيان 2 : 356 ، و البغدادي في بلاغات النساء : 198 ، لكن لم اجده في العقد .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 3 : 138 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 471 ]
في جميع مواليه و رجاله مؤتمّا بالضحاك تابعا ، و في ذلك قال بعض شعراء الخوارج مفتخرا :
ألم تر أنّ اللّه أنزل نصره
و صلّت قريش خلف بكر بن وائل
فالتقيا بكفر توثا ، و أقاموا يقتتلون أيّاما إلى أن قتل الضحاك و خليفته الخيبري ، و سارت الأباضية من اليمن من قبل عبد اللّه بن يحيى الكندي الملقّب طالب الحق ، عليهم أبو حمزة الأزدي ، و بلج بن عقبة . فنزلوا مكّة يوم عرفة في سنة ( 129 ) و وادعهم عبد الملك بن سليمان بن عبد الملك عامل مكّة إلى انقضاء الحج ثمّ هرب إلى المدينة . فجهزّ عبد الواحد للقائهم جيشا أمّر عليهم عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فالتقوا بقديد في سنة ( 130 ) فقتل عبد العزيز في جمع كثير أكثرهم من قريش ، فقالت نائحتهم :
ما للزمان و ماليه
أفنت قديد رجاليه
فلأبكين سريرة
و لأبكين علانية
و دخلت الخوارج المدينة . فغلبوا عليها ثلاثة أشهر ، فوجّه مروان إليهم عبد الملك السعدي . فالتقوا بوادي القرى . فقتل بلج ، و أكثر الخوارج ، و نجا أبو حمزة إلى مكّة . فلحقه بها فقتله ، و سار إلى اليمن . فلقيه عبد اللّه بن يحيى بنواحي صنعاء . فقتل عبد اللّه ، و أكثر من معه ، و لحق بقيّتهم بعد قتل طالب الحق أيّام مروان إلى حضرموت . فأكثرها أباضية إلى هذا الوقت سنة ( 332 ) 1 .
و في ( المروج ) ، و قد أتى الهيثم بن عدي ، و المدائني ، و أبو البختري القاضي و غيرهم على اخبار الخوارج و أصنافهم في ما أفردوه من كتبهم ،
و ذكرنا في كتابنا المقالات من خرج منهم من وقت التحكيم في عصر عصر
-----------
( 1 ) التنبيه و الإشراف للمسعودي : 282 و 283 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 472 ]
إلى آخر من خرج ، منهم بديار ربيعة على بني حمدان في سنة ( 318 ) الرجل المعروف بعرون خرج ببلاد كفرتوثي ، و ورد إلى نصيبين . فكانت له مع أهلها حرب اسرفيها ، و قتل منهم خلق عظيم . و المعروف بأبي شعيب خرج في بني مالك و غيرهم من ربيعة ، و قد كان أدخل على المقتدر . و كان للأباضية بعد ( 320 ) ببلاد عمان حروب و تحكيم و إمام نصبوه ، و قتل من كان معه 1 .
و فيه : و في سنة ( 77 ) كانت للحجاج حروب مع شبيب الخارجي و ولّى عنه الحجاج بعد قتل ذريع كان في أصحابه حتى أحصى عددهم بالقضيب .
فدخل الكوفة ، و تحصّن في دار الأمارة و دخل شبيب و امّه و زوجته غزالة ،
الكوفة عند الصباح و قد كانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصّلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة و آل عمران فأتوا الجامع في سبعين رجلا فصلّوا به الغداة ، و خرجت غزالة ممّا كانت أوجبته على نفسها . فقال الناس بالكوفة في تلك السنة :
وفت الغزالة نذرها
يا ربّ لا تغفر لها
و كانت الغزالة من الشجاعة و الفروسية بالموضع العظيم ، و كذلك امّ شبيب و لمّا بلغ عبد الملك تحصين الحجاج في دار الأمارة من شبيب بعث من الشام بعساكر كثيرة عليها سفيان بن الأبرد الكلبي لقتال شبيب . فخرجوا إلى شبيب فانهزم و قتلت الغزالة و امّه و مضى شبيب في فوارس و اتّبعه سفيان فلحقه بالأهواز فولّى . فلمّا حصل على جسر دجيل نفر به فرسه و عليه الحديد الثقيل من درع و مغفر . فألقاه في الماء . فقال له بعض أصحابه : أغرقا ؟ قال :
ذلك تقدير العزيز العليم . فألقاه دجيل ميتا بشاطئه . فحمل على البريد إلى الحجاج فأمر بشق بطنه . فاستخرج قلبه فإذا هو كالحجر إذا ضربت بها نبا
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 138 ، و النقل بتلخيص .
[ 473 ]
عنها ، فشق فاذا في داخله قلب صغير كالكرة فشقّ فاصيب علقة الدم في داخله 1 .
" حتّى يكون آخرهم لصوصا سلاّبين " قال ابن أبي الحديد : ممن انتهى أمره إلى ذلك ، الوليد بن طريف الشيباني في أيّام هارون ، و عمرو الخثعمي في أيّام المتوكّل ، و خرج بعدهما جمع بكرمان ، و جمع بعمان ممن قصده الفساد ذكرهم أبو إسحاق الصابي في كتابه 2 .
قلت : لم أقف على مستند الرضي في هذه العبارة ، و قد عرفت ، أنّ الخطيب و المسعودي رويا العنوان بدون الفقرة ، و نقلا بدلها : " حتّى يخرج إليهم رجل من ولدي . فيقتلهم فلا يعودون أبدا " ، و الظاهر أصحية هذا ، و أنّ مراده عليه السّلام القائم عليه السّلام و هم إلى زماننا باقون ، و لابدّ من انقراضهم على يد المهدي .
قول المصنّف " و قال عليه السّلام فيهم لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه يعني معاوية و أصحابه " لم أقف أيضا على مستنده ، و يبعد أن يكون من كلامه عليه السّلام حيث إنّه عليه السّلام لو كان قال ذلك لما تصدّى شيعته لقتالهم مع أنّهم كانوا مجدّين في ذلك ، و في رأسهم صعصعة بن صوحان ثمّ معقل بن قيس ، و عدي بن حاتم ، و شريك بن الأعور ثمّ شيعة الكوفة و البصرة .
ففي ( تاريخ الطبري ) : أنّ المستورد الخارجي لمّا أراد الخروج في سنة ( 43 ) أو سنة ( 42 ) في أمارة المغيرة على الكوفة قام المغيرة خطيبا . فقال : أيم اللّه لا يخرجون في حيّ من أحياء العرب في هذا المصر إلاّ أبدتهم و جعلتهم
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 139 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 445 446 ، و النقل بتلخيص .
[ 474 ]
نكالا لمن بعدهم إلى أن قال فبعث المغيرة إلى الرؤساء فقال لهم : ليكفني كلّ امرئ منهم قومه إلى أن قال فقام صعصعة و ذكر خطبته لقومه عبد القيس إلى أن قال في ما قال لهم حتّى أهلك اللّه بكم ، و بمن كان على مثل هديكم و رأيكم ، الناكثين يوم الجمل ، و المارقين يوم النهر و سكت ، عن ذكر أهل الشام لأنّه كان حينئذ سلطانهم و لا قوم أعدى للّه و لكم ، و لأهل بيت نبيّكم و لجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة الّذين فارقوا إمامنا ، و استحلّوا دماءنا ،
و شهدوا علينا بالكفر . فإيّاكم أن تؤوهم في دوركم فانّه ليس ينبغي لحيّ من أحياء العرب أن يكونوا أعدى لهذه المارقة منكم ، و قد و اللّه ذكر لي أنّ بعضهم في جانب من الحيّ ، و أنا باحث عن ذلك . فإن كان حقّا تقربت إلى اللّه تعالى بدمائهم . فإنّ دمائهم حلال . يا معشر عبد القيس إنّ و لاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم و برأيكم يعني تشيّعهم فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلا . فإنّهم أسرع شيء إليكم و إلى أمثالكم إلى أن قال فقال المغيرة للرؤساء : من ترون أبعث إليهم ؟ فقام إليه عدي بن حاتم . فقال : كلّنا لهم عدو ، و لرأيهم مسفّه ، فأيّنا شئت سار إليهم .
فقام معقل بن قيس ، و قال له : لا أرى أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدي لهم و لا أشدّ عليهم منّي ، فابعثني إليهم . فإنّي أكفيكهم بإذن اللّه تعالى .
فقال : اخرج على اسم اللّه ، و جهّز معه ثلاثة آلاف رجل ، و قال المغيرة لقبيصة بن الدمون : إلصق لي بشيعة عليّ . فأخرجهم مع معقل فإنّه كان من رؤساء أصحابه . فإذا بعث بشيعته الّذين كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعا استأنس بعضهم ببعض ، و تناصحوا ، و هم أشدّ استحلالا لدماء هذه المارقة ، و أجرأ عليهم من غيرهم ، و قد قاتلوا قبل هذه المرّة إلى أن قال و لم يلبث قبيصة أن أخرج الجيش معه ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة و فرسانهم إلى أن قال قال المستورد لأصحابه إنّ هذا الخرف معقل بن قيس قد وجّه اليكم و هو من
[ 475 ]
السبائية المفترين الكاذبين إلى أن قال سأل عبد اللّه بن عامر أمير البصرة عن المغيرة كيف صنع فقيل له : إنّه نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان قاتل الخوارج مع عليّ ، و كان من أصحابه فبعثه و بعث معه شيعة عليّ لعداوتهم لهم . فقال : أصاب الرأي .
فبعث عبد اللّه بن عامر إلى شريك بن الأعور الحارثي و كان يرى رأي عليّ عليه السّلام فقال له : اخرج إلى هذه المارقة فانتخب ثلاثة آلاف رجل من الناس ثمّ اتبعهم حتّى تخرجهم من أرض البصرة أو تقتله ، و قال له بينه و بينه : اخرج إلى أعداء اللّه بمن يستحلّ قتالهم من أهل البصرة فظنّ شريك به أنّه يعني شيعة عليّ عليه السّلام و لكنّه يكره أن يسمّيهم فانتخب شريك الناس و ألحّ على فرسان ربيعة الّذين كان رأيهم في الشيعة ، و تجيبه العظماء منهم . ثمّ إنّه خرج فيهم مقبلا إلى المستورد إلى أن قال فأخبر من قدم على المغيرة بالفتح أنّ معقلا و المستورد مشى كلّ واحد منهما إلى صاحبه ، و بيد المستورد الرمح و بيد معقل السيف . فالتقيا فأشرع المستورد الرمح في صدر معقل حتّى خرج السنان من ظهره . فضربه معقل بالسيف على رأسه حتّى خالط السيف امّ الدماغ فخرّا ميّتين 1 .
و أما استشهاد ابن أبي الحديد للعنوان بأنّ المبرّد في ( كامله ) قال : خرج حوثرة الأسدي ، و حابس الطائي على معاوية فصار إلى موضع أصحاب النخيلة و كان معاوية بالكوفة ، و قد كان الحسن بن علي عليه السّلام خرج يريد المدينة . فوّجه إليه معاوية و قد تجاوز طريقه يسأله أن يكون المتولّي لمحاربة الخوارج . فكان جواب الحسن عليه السّلام : و اللّه لقد كففت عنك لحقن دماء
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 140 858 ، سنة 43 ، و النقل بتلخيص .
[ 476 ]
المسلمين أ فاقاتل عنك قوما أنت و اللّه أولى بالقتال منهم " 1 ؟ فأعمّ ، حيث إنّ حوثرة و حابسا لم يكونا ممّن قاتل أمير المؤمنين عليه السّلام و إنّما اعتزلاه ، و شكّا في أمره ، و أرادا بعد قتال معاوية لوضوح بطلانه .
ففي ( تاريخ الطبري ) : رفع علي عليه السّلام يوم النهروان راية أمان مع أبي أيوب إلى أن قال فقال فروة بن نوفل الأشجعي : و اللّه ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليّا ؟ لا أدري إلاّ أن أنصرف حتّى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتباعه ،
و انصرف في خمسمئة فارس حتّى نزل البند نيجين و الدسكرة 2 .
و فيه : خرجت الخوارج الّذين اعتزلت أيّام علي عليه السّلام بشهر زور في سنة ( 41 ) على معاوية . قال عوانة : قدم معاوية الكوفة قبل أن يبرح الحسن حتّى نزل النخيلة . فقالت الخمسئة من الحرورية الّتي كانت اعتزلت بشهر زور مع فروة بن نوفل الأشجعي : قد جاء الآن مالا شك فيه ، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه فأقبلوا و عليهم فروة حتّى دخلوا الكوفة ، فأرسل إليهم معاوية خيلا من أهل الشام . فكشفوهم ، فقال معاوية لأهل الكوفة : لا أمان لكم و اللّه عندي حتّى تكفّوا بوائقكم . فخرجوا إليهم فقاتلوهم . فقالت الخوارج لهم : ويلكم ما تبغون منّا ؟ أليس معاوية عدوّنا و عدوّكم ؟ دعونا حتّى نقاتله و إن أصبناه كنّا قد كفيناكم عدوّكم ، و إن أصابنا كنتم قد كفيتمونا . قالوا : لا و اللّه حتّى نقاتلكم 3 .
و بالجملة نهيه عليه السّلام عن قتال الخوارج بعده عليه السّلام بعد اصرار خواص شيعته على قتالهم غير معلوم ، اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّه بعد صلح إمامهم مع
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 453 ، و كامل المبرد 7 : 178 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 64 ، سنة 37 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 126 ، سنة 41 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 477 ]
معاوية كان قتالهم لهم جايزا ، و وجه كلامه عليه السّلام مع العامة ، و الكلام في نفسه صحيح بكون معاوية أولى بالمقاتلة من الخوارج ، لكون الخوارج طلبوا الحقّ فأخطأوه لكونهم أخفّاء الهام سفهاء الاحلام ، و معاوية و أتباعه طلبوا الباطل .
فأدركوه .
و قد روى ( التهذيب ) في باب قتال أهل البغي بإسناده ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه عليه السّلام لمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السّلام من أهل النهروان قال : لا يقاتلهم بعدي إلاّ من هم أولى بالحقّ منه .
و عنه عن جعفر عن أبيه عليه السّلام قال : ذكرت الحرورية عند علي عليه السّلام قال :
إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم ، و إن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإنّ لهم في ذلك مقالا 1 .
و في ( تاريخ الطبري ) بعد ذكر قصة المستورد المتقدّم ، و ندب المغيرة بن شعبة و الي الكوفة من قبل معاوية الناس إليهم ، و قيام معقل بن قيس من رؤساء الشيعة للتصدي لحربهم ثمّ قام صعصعة بن صوحان و قال : إبعثني إليهم أيّها الأمير فأنا و اللّه لدمائهم مستحلّ ، و بحملها مستقلّ .
فقال له المغيرة : إجلس فإنّما أنت خطيب فأحفظه ذلك و إنّما قال : ذلك لأنّه بلغه أنّه يعيب عثمان ، و يكثر ذكر علي عليه السّلام و يفضّله و قد كان دعاه فقال :
إيّاك أن يبلغني أنّك تعيب عثمان عند أحد من الناس ، و إيّاك أن يبلغني أنّك تظهر شيئا من فضل علي علانية . فإنّك لست بذاكر من فضل عليّ شيئا أجهله بل أنا أعلم بذلك ، و لكن هذا السلطان قد ظهر ، و قد أخذنا باظهار عيبه للناس .
فنحن ندع كثيرا ممّا أمرنا به ، و نذكر الشيء الّذي لا نجد بدّا منه ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية . فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك و بين أصحابك ، و في
-----------
( 1 ) التهذيب 6 : 144 و 145 ح 4 و 7 .
[ 478 ]
منازلكم سرّا ، و أمّا علانية في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا ، و لا يعذرنا فيه . فكان يقول له نعم . أفعل . ثمّ يبلغه أنّه قد عاد إلى مانهاه عنه 1 .
10
خطبة ( 179 ) وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع :
وَ قَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ ؟ اَلْكُوفَةِ ؟ قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ ؟ بِالْخَوَارِجِ ؟ وَ كَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ ع فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ اَلرَّجُلُ قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا فَقَالَ اَلرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ ع بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ؟ ثَمُودُ ؟ أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ اَلْأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وَ صُبَّتِ اَلسُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ اَلشَّيْطَانَ اَلْيَوْمَ قَدِ اِسْتَفَلَّهُمْ وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلٍّ عَنْهُمْ فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ اَلْهُدَى وَ اِرْتِكَاسِهِمْ فِي اَلضَّلاَلِ وَ اَلْعَمَى وَ صَدِّهِمْ عَنِ اَلْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِي اَلتِّيهِ الخطبة ( 44 ) و من كلام له ع لما هرب ؟ مصقلة بن هبيرة الشيباني ؟ إلى ؟ معاوية ؟ ،
و كان قد ابتاع سبي ؟ بني ناجية ؟ من عامل ؟ أمير المؤمنين عليه السلام ؟
و أعتقهم ، فلما طالبه بالمال خاس به و هرب إلى ؟ الشام ؟ :
قَبَّحَ اَللَّهُ ؟ مَصْقَلَةَ ؟ فَعَلَ فِعْلَ اَلسَّادَاتِ وَ فَرَّ فِرَارَ اَلْعَبِيدِ فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ وَ لاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 144 ، سنة 43 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 479 ]
وَ اِنْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ أقول : إنّما نقلنا الثاني هنا مع عدم تضمنه إخبارا منه عليه السّلام عن المستقبل لكونه مربوطا بالأوّل مع أنّه عليه السّلام أخبر بعدم رجوع مصقلة كما سترى ، و إن لم يذكر في العنوان .
و العنوان الأوّل جمع من المصنّف بين كلامه عليه السّلام مع الرجل الّذي قال و كتابه عليه السّلام إلى زياد بن خصفة كما ستعرف ، و الأوّل إلى قوله عليه السّلام " مخلّ عنهم " و إنّما جمع لكون كلّ من الكلامين في اولئك القوم ، و زاد في كتابه الإخبار عنهم بأنّ جمعا منهم يقتلون و جمعا يؤسرون كما ترى ، و هو من آيات إمامته عليه السّلام أيضا . روى العنوان الأوّل الطبري و الثاني هو و المسعودي 1 .
قول المصنّف " و قد أرسل رجلا من أصحابه " الرجل هو فقيم بن عبد اللّه الأزدي .
" يعلم له علم أحوال قوم " هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( يعلم له علم قوم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 2 .
" من جند الكوفة " هم ثلاثمأة رجل من بني ناجية ، و رأسهم الخرّيت بن راشد ، و أصلهم من البصرة .
" و قد همّوا " هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) و لكن في ( الخطية و ابن ميثم ) : " همّوا " 3 .
" باللحاق بالخوارج ، و كانوا على خوف منه عليه السّلام فلمّا عاد إليه الرجل "
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 88 و 93 و 100 ، سنة 38 ، و مروج الذهب 2 : 408 .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2 : 508 ، و شرح ابن ميثم 3 : 379 ، مثل المصرية أيضا .
-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 508 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 379 ، مثل المصرية .
[ 480 ]
ليس في نسخة ( ابن ميثم ) " إليه الرجل " 1 .
" قال له : أمنوا " هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد ) و لكن في ( الخطية و ابن ميثم ) : " أ أمنوا " 2 .
" فقطنوا " أي : أقاموا .
" أم جبنوا فظعنوا " أي : ارتحلوا .
" فقال الرجل " و ليس في ( ابن ميثم ) : " الرجل " 3 .
" بل ظعنوا يا أمير المؤمنين فقال عليه السّلام : بعدا لهم كما بعدت ثمود " قال تعالى : ألا بعدا لثمود 4 ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود 5 .
" أما لو اشرعت الأسنّة إليهم " في ( الصحاح ) : " اشرعت الرمح قبله أي :
سددته ، قال :
و ليست بتاركة محرما
و لو حف بالاسل الشرع 6
" و صبّت السيوف " كناية عن تواترها ، و الأصل فيه قوله تعالى : فصبّ عليهم ربّك سوط عذاب 7 .
" على هاماتهم " جمع الهامة بتخفيف الميم أي : الرأس .
" لقد ندموا على ما كان منهم " من فراقه ، و الخروج عليه .
" إنّ الشيطان اليوم قد استفلّهم " في ( الصحاح ) : فللت الجيش هزمته ، و الفلّ
-----------
( 1 ) في نسختنا من شرح ابن ميثم 3 : 379 ، مثل المصرية .
-----------
( 2 ) بل في شرح ابن أبي الحديد 2 : 508 ، " أ أمنوا " و في شرح ابن ميثم 3 : 379 ، مثل المصرية .
-----------
( 3 ) في نسختنا من شرح ابن ميثم 3 : 379 ، مثل المصرية .
-----------
( 4 ) هود : 65 .
-----------
( 5 ) هود : 95 .
-----------
( 6 ) صحاح اللغة 3 : 1246 ، مادة ( شرع ) .
-----------
( 7 ) الفجر : 13 .
[ 481 ]
بالكسر الأرض الّتي لم تمطر ، يقال أفللنا أي : صرنا في فلّ من الأرض . . . 1 و لا مناسبة لواحد منهما و إن اختار ابن أبي الحديد الثاني و ابن ميثم الأوّل 2 .
و يحتمل أن يكون مصحّف استفالهم . يقال رجل فال أي : ضعيف الرأي مخطئ الفراسة ، و بدّلته رواية الطبري بقوله : " قد استهواهم و أضلّهم " و قال ابن أبي الحديد و يروي " من استفزّهم " أي : استخفّهم 3 .
" و هو غدا متبرى منهم " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي برىء منك 4 و إذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم و قال لا غالب لكم اليوم من الناس و إنّي جار لكم فلّما تراءت الفئتان نكص على عقبيه و قال إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون 5 .
" و متخلّ عنهم " هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( و مخلّ عنهم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 6 .
و في ( تاريخ الطبري ) : قال عبد اللّه بن فقيم : كان الخرّيت بن راشد مع ثلاثمئة رجل من بني ناجية مقيمين مع عليّ عليه السّلام بالكوفة قدموا معه من البصرة و كانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل ، و شهدوا معه صفّين و النهروان فجاء في ثلاثين راكبا من أصحابه يسير بينهم إلى عليّ عليه السّلام حتّى قام بين يديه فقال له : و اللّه لا اطيع أمرك و لا اصلّي خلفك ، و إنّي غدا لمفارقك و ذلك بعد تحكيم الحكمين فقال له عليّ عليه السّلام ثكلتك امّك إذن تعصي ربّك ، و تنكث
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 5 : 1793 ، مادة ( خلل ) .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 508 ، و شرح ابن ميثم 3 : 379 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 508 .
-----------
( 4 ) الحشر : 16 .
-----------
( 5 ) الانفال : 48 .
-----------
( 6 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 508 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 379 ، مثل المصرية أيضا .
[ 482 ]
عهدك ، و لا تضرّ إلاّ نفسك . خبّرني لم تفعل ذلك ؟ قال : لأنك حكّمت في الكتاب ،
و ضعفت عن الحق إذ جدّ الجدّ ، و ركنت إلى القوم الّذين ظلموا أنفسهم فأنا عليك زار و عليهم ناقم ، و لكم جميعا مبائن . فقال له عليّ عليه السّلام : " هلم ادارسك الكتاب و اناظرك في السنن ، و افاتحك امورا من الحق أنا أعلم بها منك . فعلّك تعرف ما أنت له منكر الآن ، و تستبصر ما أنت عنه الآن جاهل " قال : فإنّي عائد إليك قال " لا يستهوينك الشيطان ، و لا يستخفّنك الجهل ، و اللّه لئن استرشدتني و استنصحتني و قبلت منّي لأهدينّك سبيل الرشاد " فخرج من عنده إلى أن قال قال عليه السّلام لي : " دعه فإن عرف الحقّ و أقبل إليه عرفنا ذلك ،
و قبلنا منه ، و ان أبي طلبناه " . فقلت و لم لا تأخذه الآن و تستوثق منه و تحبسه .
فقال : إنّا لو فعلنا ذلك بكلّ من نتّهمه من الناس ملأنا سجننا منهم ، و لا أرى الحبس و العقوبة حتّى يظهروا لنا الخلاف إلى أن قال مسرّا إذهب الى منزل الرجل . فأعلمني ما فعل فانّه كلّ يوم لم يكن يأتيني فيه إلاّ قبل هذه الساعة .
فأتيت إلى منزله فإذا ليس منهم ديّار ، فدعوت على أبواب دور اخرى كان فيها طائفة من أصحابه فإذا ليس فيها داع ، و لا مجيب . فرجعت . فقال لي حين رآني :
" وطنوا فأمنوا أم جبنوا فظعنوا " فقلت : بل ظعنوا و اعلنوا . فقال : " قد فعلوها بعدا لهم كما بعدت ثمود . أما لو قد اشرعت لهم الأسنة ، و صبّت على هامهم السيوف لقد ندموا . إنّ الشيطان اليوم قد استهواهم و أضلّهم ، و هو غدا متبرّئ منهم ، و مخلّ عنهم " فقام إليه زياد بن خصفة . فقال : إنّه لو لم يكن من مضرّة هؤلاء إلاّ فراقهم إيّانا لم يعظم فقدهم . فنأسى ، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا ، و قلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنّا ، و لكنّا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممّن يقدمون عليه من أهل طاعتك ، فاذن في اتّباعهم حتّى أردّهم إليك إلى أن قال قال عليه السّلام : و سأكتب إلى عمّالي فيهم . فكتب نسخة واحدة . فأخرجها إلى العمّال : " أمّا بعد ، فإنّ رجالا خرجوا هرّابا و نظنّهم
[ 483 ]
وجّهوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم أهل بلادك و اجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضك و اكتب إليّ بما ينتهي إليك عنهم " .
و عن عبد اللّه بن وال التيمي قال : و اللّه إنّي لعند أمير المؤمنين عليه السّلام إذ جاءه فيج بيده كتاب من قبل قرظة بن كعب الأنصاري أنّ خيلا مرّت بنا من قبل الكوفة متوجّهة نحو نفر ، و أنّ رجلا من دهاقين أسفل الفرات يقال له زإذان فروخ أقبل من قبل أخواله . فعرضوا له فقالوا : أمسلم أنت أم كافر ؟ فقال : بل مسلم . قالوا : فما قولك في عليّ ؟ قال : أمير المؤمنين ،
و سيّد البشر . فقالوا له : كفرت . ثمّ حملت عليه عصابة منهم فقطّعوه ،
و وجدوا معه رجلا من أهل الذمّة . فقالوا : ما أنت ؟ قال : من أهل الذمّة .
قالوا : أمّا هذا فلا سبيل عليه . فكتب عليه السّلام إليه " أمّا بعد . فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة الّتي مرّت بك فقتلت البرّ المسلم ، و أمن عندهم المخالف الكافر . إنّ اولئك قوم استهواهم الشيطان . فضلّوا و كانوا كالّذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا و صمّوا فأسمع و أبصر يوم يختبر أعمالهم " 1 .
" فحسبهم بخروجهم من الهدى و ارتكاسهم في الضلال و العمى " في ( الصحاح ) : " و اللّه أركسهم بما كسبوا أي : ردّهم إلى كفرهم . و ارتكس فلان في أمر أي : قد نجا منه " 2 .
" و صدّهم عن الحقّ و جماحهم " أي : إسراعهم من قوله تعالى : لولّوا إليه و هم يجمحون 3 .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 86 89 ، سنة 38 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 2 : 933 ، مادة ( ركس ) .
-----------
( 3 ) التوبة : 57 .
[ 484 ]
" في التيه " في ( الصحاح ) : تاه في الأرض أي : ذهب متحيّرا ، و التيه المفازة يتاه فيها 1 .
في ( تاريخ الطبري ) : عن أبي سعيد العقيلي قال : كتب عليّ عليه السّلام إلى زياد بن خصفة : أمّا بعد فقد بلغني كتابك ، و فهمت ما ذكرت من الناجي و إخوانه الّذين طبع اللّه على قلوبهم ، و زيّن لهم الشيطان أعمالهم فهم يعمهون و يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ، و وصفت ما بلغ بك و بهم الأمر . فأمّا أنت و أصحابك فاللّه ، سعيكم ، و على اللّه تعالى جزاؤكم . فأبشر بثواب من اللّه خير من الدنيا الّتي يقتل الجّهال أنفسهم عليها . فإنّ ما عندكم ينفد ، و ما عند اللّه باق و ليجزيّن الّذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ، و أمّا عدوّكم الّذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال و ارتكاسهم فيه ،
و ردّهم الحقّ ، و لجاجهم في الفتنة ، فذرهم و ما يفترون ، و دعهم في طغيانهم يعمهون . فتسمع و تبصر كأنّك بهم عن قليل بين أسير و قتيل 2 .
و فيه : لمّا بلغ عليّا عليه السّلام مصاب بني ناجية ، و قتل صاحبهم قال : " هوت أمّه ما كان أنقص عقله ، و أجرأه على ربّه فإنّه جاءني مرّة . فقال لي : في أصحابك رجال قد حسبت أن يفارقوك فما ترى فيهم ؟ فقلت له : إنّي لا آخذ على التهمة ، و لا اعاقب على الظنّ ، و لا اقاتل إلاّ من قاتلني و ناصبني و أظهر لي العداوة ، و لست مقاتله حتّى أدعوه و اعذر إليه . فإن تاب و رجع إلينا قبلنا منه و هو أخونا ، و إن أبي إلاّ الاعتزام على حربنا ، استعنّا عليه اللّه و ناجزناه . فكفّ عنّي ما شاء اللّه ثمّ جاءني مرّة اخرى . فقال لي : قد حسبت أن يفسد عليك عبد اللّه بن وهب الراسبي ، و زيد ابن حصين . إنّي سمعتهما يذكرانك بأشياء لو
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 6 : 2229 ، مادة ( تيه ) .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 93 ، سنة 38 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 485 ]
سمعتها لم تفارقهما حتّى تقتلهما أو توثقهما . فلا يفارقاك من حبك أبدا ، فقلت :
إني مستشيرك فيهما فماذا تأمرني . قال : آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما . فعلمت أنه لا ورع و لا عاقل 1 .
و فيه : كتب علي عليه السّلام إلى معقل بن قيس بعد ذكر قتله سبعين من ناجية ، و ثلثمئة من العلوج من أصحاب الخرّيت في جبال رامهرمز ، و فرار الخرّيت إلى أسياف البحر :
أمّا بعد فالحمد للّه على تأييد أوليائه ، و خذلان أعدائه جزاك اللّه و المسلمين خيرا . فقد أحسنتم البلاء ، و قضيتم ما عليكم ، و سل عن أخي بني ناجية . فإن بلغك أنّه قد استقرّ ببلد من البلدان فسر إليه حتّى تقتله أو تنفيه ،
فإنّه لن يزال للمسلمين عدوّا و للقاسطين وليّا ما بقي 2 .
و فيه : قرأ معقل كتابا من علي عليه السّلام عليهم " من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من يقرأ عليه كتابي هذا من المؤمنين ، و المسلمين ، و النصارى و المرتدين . سلام على من اتّبع الهدى ، و آمن بالله و رسوله ، و كتابه و البعث بعد الموت ، و أوفى بعهد اللّه ، و لم يكن من الخائنين .
أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى كتاب اللّه ، و سنّة نبيّه ، و العمل بالحق ، و بما أمر اللّه في الكتاب . فمن رجع إلى أهله منكم ، و كفّ يده و اعتزل هذا الهالك المحارب الّذي جاء يحارب اللّه و رسوله و المسلمين ، و سعى في الأرض فسادا ، فله الأمان على ماله و دمه ، و من تابعه على حربنا ، و الخروج من طاعتنا استعنّا باللّه عليه ، و جعلنا اللّه بيننا و بينه ، و كفى باللّه نصيرا " .
قال : و أخرج معقل راية أمان فنصبها و قال : من أتاها من الناس فهو آمن
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 101 ، سنة 38 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 96 ، سنة 38 .
[ 486 ]
إلاّ الخرّيت و أصحابه الّذين حاربونا و بدؤونا أوّل مرّة . فتفرّق عن الخرّيت جلّ من كان معه من غير قومه ، و عبّى معقل أصحابه فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي ، و على ميسرته المنجاب بن راشد الضبي . ثمّ زحف بهم نحو الخرّيت و حضر معه قومه ، مسلموهم و نصاراهم ، و مانع الصدقة منهم ،
و بعث معقل إلى الميمنة و الميسرة : إذا حملت فاحملوا بأجمعكم . فحركّ رايته و هزّها ، ثمّ حمل أصحابه ، و بصر النعمان بن صهبان الراسبي بالخرّيت .
فحمل عليه فطعنه فصرعه عن دابته . ثمّ نزل و قد جرحه فأثخنه فاختلفا ضربتين فقتله النعمان ، و قتل معه في المعركة سبعون ، و ما بقي ذهبوا يمينا و شمالا ، و بعث معقل ، الخيل إلى رجالهم ، فسبى من أدرك منهم . فسبى رجالا كثيرا و نساء و صبيانا . فمن كان منهم مسلما خلاّه و أخذ بيعته و ترك له عياله ، و من ارتدّ عرض عليه الاسلام فرجع ، خلّى سبيله و سبيل عياله 1 .
قوله عليه السّلام في كتابه إلى زياد بن خصفة بعد ما مرّ من المصنّف : " كأنّك بهم عن قليل بين أسير و قتيل " قد عرفت أنه من إخباره عن المستقبل الّذي لا يعلم بالحدس و التخمين ، بل من تعليم ربّ العالمين .
هذا ، و من أحسن ما انشئ في قتل العدو و أسره ، قول إبراهيم بن العبّاس : و قسم اللّه عدوّه أقساما ثلاثة ، روحا معجّلة إلى عذاب اللّه ، و رأسا منقولة إلى دار خلافة اللّه ، إستنزلوه من معقل إلى عقال ، و بدّلوه آجالا ، و قديما غذت العصبيته أبناءها فحلبت عليهم درّها مرضعة ، و ركبت بهم مخاطرها موضعة ، حتّى إذا وثقوا فأمنوا ، و ركبوا فاطمأنّوا ، و أمتدّ رضاع ، و آن فطام .
فجرت مكان لبنها دما ، و اعقبتهم من حلو غذائها مرا ، و نقلتهم من عزّ إلى ذلّ ،
و من فرحة إلى ترحة ، و من مسرّة إلى حسرة ، قتلا و أسرا ، و غلبة و قسرا ، و قلّ
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 97 و 98 ، سنة 38 ، و النقل بتلخيص .
[ 487 ]
من أوضع في الفتنة مرهجا ، و اقتحم لهبها مؤجّجا . إلاّ استلحمته آخذة بمخنقه ، و موهنة بالحق كيده ، حتّى جعلته لعاجله جزرا ، و لآجله حطبا ،
و للحق موعظة ، و عن الباطل مزجرة ، اولئك لهم خزي في الدنيا ، و لعذاب الآخرة أشدّ و ما اللّه بظلاّم للعبيد .
" قول المصنّف : و من كلام له عليه السّلام لمّا هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية " و كما أخبر عليه السّلام بأنّ بني ناجية الّذين خرجوا مع الخرّيت يؤول أمرهم إلى قتل و أسر ، و صار كما قال عليه السّلام . إستأذنه عليه السّلام قوم مصقلة الكتاب إليه برجوعه . فأذن لهم و أخبرهم أنه لا يرجع حتّى يموت . فصار كما قال عليه السّلام .
ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : ذكروا أنّه قام إلى علي عليه السّلام وجوه بكر بن وائل فقالوا : إنّ نعيما أخا مصقلة يستحي منك بما صنع مصقلة ، و قد أتانا اليقين أنّه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك إلاّ الحياء ، و لم يبسط منذ فارقنا لسانه ، و لا يده . فلو كتبنا إليه كتابا ، و بعثنا من قبلنا . فانّا نستحي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل العراق إلى معاوية . فقال علي عليه السّلام : اكتبوا . فكتبوا : أما بعد فقد علمنا أنّك لم تلحق بمعاوية رضى بدينه ، و لا رغبة في دنياه ، و لم يعطفك عن علي عليه السّلام طعن فيه ، و لا رغبة عنه ، و لكن توسطت أمرا . فقويت فيه الظن ،
و أضعفت فيه الرجاء . فكان أولاهما عندك أن قلت أفوز بالمال ، و ألحق بمعاوية ، و لعمرنا ما أستبدلت الشام بالعراق ، و لا السكاسك بربيعة ، و لا معاوية بعليّ عليه السّلام ، و لا اصبت دنيا تهنأ بها ، و لا حظّا تحسد عليه ، و إنّ أقرب ما يكون مع اللّه أبعد ما يكون مع معاوية . فارجع إلى مصرك . فقد اغتفر لك أمير المؤمنين عليه السّلام الذنب ، و احتمل الثقل .
و اعلم أنّ رجعتك اليوم خير منها غدا ، و كانت أمس خيرا منها اليوم ،
و إن كان عليك حياء من الرجوع إلى الحقّ . فما أنت فيه أعظم . فقبّح اللّه أمرا ليس فيه دنيا و لا آخرة .
[ 488 ]
فكتب مصقلة إليهم : جاءني كتابكم و إنّي أخبركم أنّ من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير ، و قد علمتم الأمر الّذي قطعني من عليّ ، و أضافني إلى معاوية و قد علمت أني لو رجعت إلى عليّ و إليكم لكان ذنبي مغفورا ، و لكنّي أذنبت إلى معاوية . فلو رجعت إلى عليّ أحدثت عيبا و أحييت عارا ، و كنت بين لائمين أوّلهما خيانة ، و آخرهما غدر ، و لكنّي اقيم بالشام . فان غلب معاوية فداري العراق ، و إن غلب عليّ فداري أرض الروم . فأمّا الهوى فإليكم طائر ، و كانت فرقتي عليّا على بعض العذر أحبّ إليّ من فرقتي معاوية و لا عذر لي . فرجع الرسول بالكتاب . فأقرأه عليّا . فقال : كفّوا عن صاحبكم فليس براجع حتّى يموت 1 .
و في ( بلدان البلاذري ) : ولّى معاوية مصقلة طبرستان و جميع أهلها حرب و ضمّ إليه عشرة آلاف و يقال عشرين ألفا فكاده العدو و أروه الهيبة له حتّى توغّل بمن معه في البلاد . فلمّا جاوزوا المضائق ، أخذها العدوّ عليهم ،
و هدّوا الصخور من الجبال على رؤوسهم . فهلك ذلك الجيش أجمع ، و هلك مصقلة فضرب الناس به المثل فقالوا " حتّى يرجع مصقلة من طبرستان " 2 .
" و كان قد ابتاع سبي بني ناجية " في ( الأعاني ) و ناجية امّهم بنت جرم بن أبان و هو علاف ، و هو أوّل من اتّخذ الرحال العلافيه . فنسبت إليه ، و اسمها ليلي سمّيت ناجية لأنّها سارت في مفازة معه . فعطشت فاستسقته . فقال لها :
الماء بين يديك و هو يريها السراب حتّى جاءت الماء . فشربت و سمّيت ناجية 3 .
-----------
( 1 ) الامامة و السياسة 1 : 87 88 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) فتوح البلدان للبلاذري : 330 .
-----------
( 3 ) الأغاني 10 : 205 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 489 ]
و في عليّ بن الجهم الناجي : يدّعون أنّهم من سامة بن لؤي بن غالب ،
و تدفعهم قريش عن ذلك ، و تسمّيهم بني ناجية ينسبون إلى امّهم ناجية إمرأة سامة بن لوى و كان سامة في ما يقال خرج إلى ناجية البحرين مغاضبا لأخيه كعب بن لؤي في مماظّة كانت بينهما . فطأطأت ناقته رأسها إلى الأرض لتأخذ شيئا من العشب . فعلق بمشفرها أفعى فعطفته على قتبها فحكّته به . فدبّ الأفعي على القتب حتّى نهش ساق سامة فقتله ، و كانت معه امرأته ناجية . فتزوجت رجلا من أهل البحرين . فولدت منه الحرث ، و مات أبوه ، و هو صغير . فلمّا ترعرع طمعت امّه في أن تلحقه بقريش . فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤي . فرحل من البحرين إلى كعب بن لؤي ، و أخبره أنّه ابن أخيه سامة بن لؤي . فعرف كعب امّه ، و ظنّه صادقا في دعواه ، و مكث عنده مدّة حتّى قدم مكّة ركب من أهل البحرين فرأوا الحرث . فسلّموا عليه ، و حادثوه ساعة فقال لهم كعب : من أين تعرفونه ؟ قالوا له : هذا ابن رجل من أهل بلدنا يقال له فلان و شرحوا له خبره فنفاه كعب و نفى امّه . فرجعا إلى البحرين فكانا هناك ، و تزوّج الحرث و أعقب ، و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عمّي سامة لم يعقب .
ثمّ نقل عن ابن الكلبي كون الحرث بن سامة ، و أنّ ناجية لم تكن امّه بل أمّ أخيه غالب ، و أنّ الحرث خلف عليها بعد أبيه سامة ، و هلك و لم يعقب . قال و مثله الهيثم بن عدي : و إنّما بنو ناجية انتموا إلى الحرث بن سامة باطلا 1 .
و في ( أنساب البلاذري ) عن هشام بن محمّد الكلبي عن أبيه عن عدّة عن عليّ عليه السّلام قال : سامة حق ، أمّا العقب فليس له ، و قال قوم : كان لناجية ولد من غير سامة ، و كان سامة متبنّيا له . فنسب إليه . فالعقب لذلك الولد 2 .
-----------
( 1 ) الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني 10 : 203 205 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) انساب الاشراف للبلاذري 1 : 46 47 .
[ 490 ]
و قال ابن أبي الحديد : و في ( الأغاني ) في مروان بن أبي حفصة : عليّ بن الجهم خطب امرأة من قريش . فلم يزوّجوه ، و بلغ المتوكّل ذلك . فسأل عن السبب فحدّث بقصّة بني سامة بن لؤي ، و أنّ أبا بكر و عمر لم يدخلاهم في قريش ، و أنّ عثمان أدخلهم فيها ، و أنّ عليّا عليه السّلام أخرجهم منها . فارتدّوا ، و أنّه قتل من ارتدّ منهم ، و سبى بقيتهم . فباعهم من مصقلة بن هبيرة . فضحك المتوكّل ، و بعث إلى علي بن الجهم . فأحضره ، و أخبره بما قال القوم ، و كان فيهم مروان بن أبي حفصة و كان المتوكّل يغريه بعلي بن الجهم و هجائه فقال :
إنّ جهما حين تنسبه
ليس من عجم و لا عرب
لجّ في شتمي بلا سبب
سارق للشعر و النسب
من اناس يدّعون أبا
ماله في الناس من عقب
فغضب عليّ بن الجهم ، و لم يجبه لأنه كان يستحقره فأومأ إليه المتوكّل أن يزيده فقال :
أ ءنتم يا ابن جهم من قريش
و قد باعوكم ممّن يزيد
أترجو أن تكاثرنا جهارا
بأصلكم و قد بيع الجدود ؟
و لمّا أخذ بنو ناجية يوم الجمل بخطام جمل عايشة قالت لهم : صبرا فإنّى أعرف فيكم شمائل قريش 1 .
و في ( مروج المسعودي ) أبي كثير من الناس كون بني ناجية من ولد سامة و قالوا : إنّ سامة ما أعقب . قال عليّ بن محمّد بن جعفر العلوي في من انتمى إلى سامة بن لؤي :
و سامة منّا فأمّا بنوه
فأمرهم عندنا مظلم
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 263 264 .
[ 491 ]
اناس أتونا بأنسابهم
خرافة مضطجع يحلم
و قلنا لهم مثل قول الوصي
و كلّ أقاويله محكم
إذا ما سئلت فلم تدرما
تقول ، فقل : ربّنا أعلم
و لست ترى أحدا منهم إلاّ منحرفا عن عليّ عليه السّلام ، و بلغ من انحراف علي بن الجهم الناجي أنه كان يلعن أباه . فسئل عن ذلك . فقال بتسميته إيّاي عليّا 1 .
و في ( الأغاني ) : سمع أبو العيناء عليّ بن الجهم يوما يطعن على أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له : أنا أدري لم تطعن عليه . فقال له : أتعني قصّة بيعة أهلي من مصقلة ؟ قال : لا أنت أوضع من ذلك ، و لكن لأنّه قتل الفاعل فعل قوم لوط و المفعول به و أنت اسفلهما . و فيه يقول البحتري :
إذا ما حصلّت عليا قريش
فلا في العير أنت و لا النّفير
و لو أعطاك ربّك ما تمنّى
لزاد الخلق في عظم الايور
علام هجوت مجتهدا عليّا
بما لفّقت من كذب و زور ؟
أما لك في استك الوجعاء شغل
يكفّك عن أذى أهل القبور ؟
و أدخلهم الزبير بن بكار في قريش لمخالفة فعل أمير المؤمنين عليه السّلام لإجماعهم على بغضه حسب المشهور من مذهب الزبير . . . 2 .
قلت : و سبقه في ذلك عمّه مصعب الزبيري ، و لابدّ أنّهما قلّدا خالة جدهما عائشة باشتراك بغضهم له عليه السّلام مثل بني ناجيه . قال مصعب في ( نسب قريشه ) : عبد البيت بن الحارث بن سامة ، هم الّذين قتلهم عليّ ، و كان رئيسهم الخرّيت 3 .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 407 708 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) الاغاني 1 : 205 206 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) نسبت قريش : 440 .
[ 492 ]
هذا و في ( البيان ) مرّ ابن أبي علقمة الموسوس بمجلس بني ناجية فكبا حماره لوجهه . فضحكوا منه . فقال : ما يضحككم ؟ رأى وجوه قريش فسجد 1 .
" من عامل أمير المؤمنين عليه السّلام " يعني أمير جنده معقل بن قيس و إلاّ فمصقلة كان عامله عليه السّلام على أردشير خرّه .
ففي ( تاريخ الطبري ) : أقبل معقل ببني ناجيه حتّى مرّ بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني و هو عامل عليّ عليه السّلام على أردشير خره و هم خمسمئة انسان . فبكى النساء و الصبيان ، و صاح الرجال : يا أبا الفضل يا حامي الرجال و فكّاك العناة امنن علينا فاشترنا . فقال مصقلة : اقسم باللّه لأتصدقنّ عليهم إنّ اللّه يجزي المتصدّقين . فبلغها عنه معقل . فقال : و اللّه لو أعلم أنه قاله توجعا لهم و إزراء عليكم لضربت عنقه ، و لو كان في ذلك تفاني تميم و بكر بن وائل .
ثمّ إنّ مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل . فقال له : بعني بني ناجية . فقال : نعم أبيعهم بألف ألف . و دفعهم إليه و قال له : عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين عليه السّلام . فقال : أنا باعث الآن بصدر ، ثمّ أبعث بصدر آخر كذلك ، حتّى لا يبقى منه شيء ، و أقبل معقل إلى علي عليه السّلام و أخبره بما كان منه في ذلك . فقال له : أحسنت ، و أصبت ، و انتظر على مصقلة أن يبعث إليه بالمال ، و بلغ عليّا عليه السّلام أنّ مصقلة خلّى سبيل الاساري ، و لم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء . فقال عليه السّلام : " ما أظن مصقلة إلاّ قد تحمّل حمالة إلاّ أراكم سترونه عن قريب ملبّدا " .
ثمّ إنّه عليه السّلام كتب إليه : " أما بعد فإنّ من أعظم الخيانة خيانة الامّة ، و أعظم الغشّ على أهل المصر غشّ الإمام ، و عندك من حقّ المسلمين خمسمئة ألف .
-----------
( 1 ) البيان و التبيين للجاحظ 3 : 333 .
[ 493 ]
فابعث بها إليّ ساعة يأتيك رسولي ، و إلاّ فأقبل حين تنظر في كتابي فإنّي قد تقدمت إلى رسولي إليك لا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلاّ أن تبعث بالمال " و كان الرسول أبا جرّة الحنفي فقال له أبو جرّة : إبعث بالمال الساعة ، و إلاّ فاشخص إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فلمّا قرأ كتابه أقبل حتّى نزل البصرة إلى أن قال ثمّ أقبل حتّى أتى عليّا عليه السّلام فأقرّه أيّاما ثمّ سأله المال . فأدّى إليه مئتي ألف ثمّ إنّه عجز فلم يقدر عليه .
و قال ذهل بن الحرث : دعاني مصلقة إلى رحله . فقدّم عشاؤه . فطعمنا منه ثمّ قال : و اللّه إنّ أمير المؤمنين يسألني ، و لا أقدر عليه . فقلت له : و اللّه لو شئت ما مضت عليك جمعة حتّى تجمع جميع المال . فقال : و اللّه ما كنت لأحمّلها قومي ، و لا أطلب فيها إلى أحد ثمّ قال : أما و اللّه لو أنّ ابن هند هو طالبي بها أو ابن عفّان لتركها لي ، أ لم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج آذربيجان مأة ألف في كلّ سنة .
فقلت له : إنّ هذا لا يرى هذا الرأي لا و اللّه ما هو بباذل شيئا كنت أخذته فما مكث إلاّ ليلة حتّى لحق بمعاوية ، و بلغ ذلك عليّا عليه السّلام فقال : " ما له برّحه اللّه فعل فعل السيّد ، و فرّ فرار العبد ، و خان خيانة الفاجر . أما و اللّه إنّه لو أقام فعجز مازدنا على حبسه . فإن وجدنا له شيئا أخذناه ، و إن لم يقدر على مال تركناه " ثمّ سار إلى داره فنقضها و هدمها ، و كان أخوه نعيم بن هبيرة شيعيا مناصحا لعليّ عليه السّلام و كتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من النصارى من بني تغلب يقال له حلوان : إني كلّمت معاوية فيك فوعدك الإمارة ، و منّاك الكرامة ، فأقبل إليّ ساعة يلقاك رسولي . فأخذه مالك بن كعب الأرحبي . فسرّح به إلى عليّ عليه السّلام فأخذ كتابه . فقرأه . فقطع يد النصراني فمات فكتب نعيم إلى مصقلة :
لا ترمينّ هداك اللّه معترضا
بالظّن منك فما بالي و حلوانا
[ 494 ]
ذاك الحريص على ما نال من طمع
و هو البعيد فلا يحزنك إذ خانا
ماذا أردت إلى إرساله سفها
ترجو سقاط امرئ لم يلق و سنانا
عرّضته لعليّ إنّه أسد
يمشي العرنضي من آساد خفّانا
قد كنت في منظر عن ذا و مستمع
تحمي العراق و تدعى خير شيبانا
حتّى تقحّمت أمرا كنت تكرهه
للراكبين له سرّا و إعلانا
لو كنت أدّيت ما للقوم مصطبرا
للحقّ أحييت أحيانا و موتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا
فضل ابن هند و ذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سنّ الغرم من ندم
ماذا تقول و قد كان الّذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة
لم يرفع اللّه بالبغضاء إنسانا
و رواه ( غارات الثقفي ) ، و زاد على نقل ابن أبي الحديد و قيل لعليّ عليه السّلام حين هرب مصقلة : اردد الّذين سبوا و لم تستوف أثمانهم ، في الرق . فقال : ليس ذلك في القضاء بحق . قد عتقوا إذ أعتقهم الّذي اشتراهم ، و صار مالي دينا على الّذي اشتراهم 1 .
" و اعتقه " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب ( و أعتقهم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 2 .
" فلمّا طالبه بالمال خاس به " أي : غدر به .
" و هرب إلى الشام " و في ( أمثال الكرماني ) : و قال مصقلة لمّا هرب منه عليه السّلام و لحق بمعاوية .
و فارقت خير الناس بعد محمّد
لمال قليل لا محالة ذاهب
-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 4 : 99 101 ، سنة 38 ، و الثقفي في الغارات 1 : 362 370 ، و عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 271 ، شرح الخطبة 44 .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 261 ، و شرح ابن ميثم 2 : 115 ، مثل المصرية أيضا .
[ 495 ]
قوله عليه السّلام " قبح اللّه مصقلة " في ( الصحاح ) : قبّحه اللّه أي : نحّاه عن الخير 1 .
" فعل فعل السادات " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( السادة ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 2 ثمّ فعله فعل السادة بشرائه السبي و عتقهم .
" و فرّ فرار العبيد " لئلاّ يؤدي الثمن .
" فما أنطق مادحه " في شراء السبي و عتقهم . و قال الأخطل في ذلك :
و سل بمصقلة الكبري ما فعلا
بملتف و مفيد لا يمنّ و لا
تهلكه النفس في ما فاته عذلا
إلى أن قال .
و قد فككت عن الأسرى وثاقهم
و ليس يرجون تلجأ و لا دخلا
و قد تنفذتهم من قعر مظلمة
إذا الجبان رأى أمثالها زحلا
فهم فداؤك إذ يبكون كلهم
و لا يرون لهم جاها و لا نفلا
ما في معدّ فتى يغني رباعته
إذا يهمّ بأمر صالح عملا
الخ كما في ديوانه 3 ، و قال آخر :
و مصلقة الّذي قد باع بيعا
ربيحا يوم ناجية بن سالم
" حتّى أسكته " بفراره . قال عمرو بن معديكرب كما في بيان الجاحظ و غيره :
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم
نطقت و لكنّ الرماح اجرّت
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 1 : 393 ، مادة ( قبح ) .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 261 ، و لفظ شرح ابن ميثم 2 : 115 ، مثل المصرية .
-----------
( 3 ) ديوان الاخطل : 143 و 145 .
[ 496 ]
قال الجاحظ : أي لم يطعن قومي بالرماح . فاثني عليهم ، و لكنّهم فرّوا فأمسكت كالمجرّ الّذي في فمه جرار أي عود يعرض في فم الفصيل لئلاّ يرتضع 1 .
" و لا صدّق واصفه حتّى بكته " أي : عنّفه . قال بشار في بعضهم :
أثنى عليك ولى حال تكذّبني
في ما أقول فاستحي من الناس
قد قلت إنّ أبا حفص لأكرم من
يمشي فخاصمني في ذلك إفلاسي
هذا ، و قال القطامي في يزيد بن المهلّب :
لعل عيني أن ترى يزيدا
يقود جيشا جحفلا شديدا
تسمع للأرض به وئيدا
ثمّ إنّه سار بعد ذلك إلى العقر حتّى شهد مع مسلمة بن عبد الملك قتال يزيد . فقال يزيد : ما أبعد شعر القطامي من فعله .
هذا ، و مدح شاعر الحسن بن سهل و ظن الحسن أنّ همّته قصيرة فقال له : إحتكم . فقال : ألف ناقة . فوجم الحسن و لم يمكنه ، و كره أن يفتضح ،
و قال : يا هذا إنّ بلادنا ليست بلاد إبل ، و لكن ما قال امرؤ القيس :
إذا ما لم يكن إبل فمعزى
كأنّ قرون جلّتها العصي
ثمّ أمر يحيى بن خاقان أن يعطيه بكلّ شاة دينارا . هذا ، و لبعضهم :
مدح الفضل نفسه بالفعال
فعلا عن مديحنا بالمقال
أمروني بمدحه قلت كلاّ
كبر الفضل عن مديح الرجال
" و لو أقام لأخذنا ميسوره " من ثلاثمئة ألف بقيت عليه على رواية الطبري ،
و من مئة ألف على رواية المسعودي 2 .
-----------
( 1 ) رواه الجاحظ في البيان 1 : 337 ، و ابن منظور في لسان العرب 4 : 126 ، مادة ( جرّ ) .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 100 ، سنة 38 ، و مروج الذهب 2 : 408 .
[ 497 ]
" و انتظرنا بماله و فوره " مصدر و فر الشيء أي : كثر . و في ( الصحاح ) قولهم : " توفر و تحمد " يضرب هذا المثل للرجل تعطيه الشيء فيردّه عليك من غير تسخط 1 .
11
الخطبة ( 13 ) و من كلام له ع في ذم أهل ؟ البصرة ؟
كُنْتُمْ جُنْدَ اَلْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ اَلْبَهِيمَةِ رَغَا فَأَجَبْتُمْ وَ عُقِرَ فَهَرَبْتُمْ أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ وَ عَهْدُكُمْ شِقَاقٌ وَ دِينُكُمْ نِفَاقٌ وَ مَاؤُكُمْ زُعَاقٌ وَ اَلْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ وَ اَلشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَأَنِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ قَدْ بَعَثَ اَللَّهُ عَلَيْهَا اَلْعَذَابَ مِنْ فَوْقِهَا وَ مِنْ تَحْتِهَا وَ غَرِقَ مَنْ فِي ضِمْنِهَا وَ فِي رِوَايَةٍ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ وَ فِي رِوَايَةٍ كَجُؤْجُؤِ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلاَدُكُمْ أَنْتَنُ بِلاَدِ اَللَّهِ تُرْبَةً أَقْرَبُهَا مِنَ اَلْمَاءِ وَ أَبْعَدُهَا مِنَ اَلسَّمَاءِ وَ بِهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ اَلشَّرِّ اَلْمُحْتَبَسُ فِيهَا بِذَنْبِهِ وَ اَلْخَارِجُ بِعَفْوِ اَللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَرْيَتِكُمْ هَذِهِ قَدْ طَبَّقَهَا اَلْمَاءُ حَتَّى مَا يُرَى مِنْهَا إِلاَّ شُرَفُ اَلْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ جُؤْجُؤُ طَيْرٍ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ الخطبة ( 14 ) و من كلام له ع في مثل ذلك :
أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ اَلْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وَ سَفِهَتْ حُلُومُكُمْ فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ وَ أُكْلَةٌ لِآكِلٍ وَ فَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 2 : 847 ، مادة ( وفر ) .
[ 498 ]
أقول : رواها أبو حنيفة الدينوري في ( اخبار طواله ) ، و ابن قتيبة في ( عيونه ) و ابن عبد ربه في ( عقده ) ، و سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) ،
و المسعودي في ( مروجه ) و الحموي في ( معجمه ) ، و رواها القمي في ( تفسيره ) ، و المفيد في ( جمله ) . و ابن ميثم في ( شرحه ) .
قال الأوّل : دخل عليّ عليه السّلام البصرة فأتى مسجدها الأعظم و اجتمع الناس إليه . فصعد المنبر . فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثمّ قال : " أمّا بعد فأنّ اللّه ذو رحمة واسعة ، و عقاب أليم . فما ظنّكم بي يا أهل البصرة جند المرأة ، و أتباع البهيمة . رغا فقاتلتم ، و عقر فانهزمتم . أخلاقكم دقاق و عهدكم شقاق ، و ماؤكم زعاق . أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء و أيم اللّه ليأتين عليها زمان لا يرى منها إلاّ شرفات مسجدها في البحر ، مثل جؤجؤ السفينة إلى أن قال و شخص عليّ عليه السّلام عن البصرة و استعمل عليها عبد اللّه بن عباس . فلما انتهى إلى المبرد التفت إلى البصرة ثمّ قال : " الحمد لله الّذي أخرجني من شرّ البقاع ترابا ، و أسرعها خرابا ، و أقربها من الماء ، و أبعدها من السماء " 1 .
و قال الثاني : رقى عليّ عليه السّلام في البصرة المنبر . فقال : يا أهل البصرة ، و يا بقايا ثمود . يا أتباع البهيمة ، و يا جند المرأة . رغا فاتّبعتم ، و عقر فانهزمتم ،
دينكم نافق ، و أحلامكم دقاق ، و ماؤكم زعاق . يا أهل البصرة و البصيرة ،
و السبخة و الخريبة . أرضكم أبعد أرض من السماء ، و أقربها من الماء ،
و أسرعها خرابا و غرقا .
و مثله السادس و زاد ألا إني سمعت رسول اللّه عليه السّلام يقول : أما علمت أنّ جبرئيل حمل جميع الأرض على منكبه الأيمن . فأتاني بها ، ألا أني وجدت
-----------
( 1 ) الاخبار الطوال : 161 .
[ 499 ]
البصرة أبعد بلاد اللّه من السماء ، و أقربها من الماء ، و أخبثها ترابا ، و أسرعها خرابا ، ليأتين عليها يوم لا يرى منها إلاّ شرفات جامعها كجؤجؤ السفينة في لجّة البحر إلى أن قال و في رواية قال : أمّا بعد . فإنّ اللّه ذو رحمة واسعة . فما ظنّكم يا أهل البصرة ، يا أهل السبخة ، يا أهل المؤتفكة إئتفكت بأهلها ثلاثا ،
و على اللّه الرابعة يا جند المرأة إلى أن قال حتّى صار إلى المبرد ، و التفت ،
و قال : الحمد للّه الّذي أخرجني من شرّ البقاع ترابا ، و أسرعها خرابا . . . 1 .
و قال الثالث : لمّا انقضى أمر الجمل ، دعا عليّ عليه السّلام بآجرتين فعلاهما فحمد اللّه ، و أثنى عليه . ثمّ قال : " يا أنصار المرأة و أصحاب البهيمة . رغا فجئتم ،
و عقر فهربتم . نزلتم شر بلاد و أبعدها من السماء ، بها مغيض كلّ ماء ، و لها شر أسماء هي البصرة ، و البصيرة ، و المؤتفكة و تدمر " 2 .
و قال الرابع : قال علي عليه السّلام : يا جند المرأة ، و أتباع كلّ ناعق ، ماؤكم زعاق ،
و دينكم نفاق . دعاكم الشيطان فأجبتم ، و عقر فعقرتم . كأنّي أنظر إلى مسجد كم قد بعث اللّه عليه العذاب من فوقه و من تحته . فهو كجؤجؤ سفينة أو كنعام جاثمة ، أو كجؤجؤ طائر في لجّة بحر . أرضكم بعيدة من السماء قريبة من الماء . خفّت عقولكم ، و سفهت أحلاكم 3 .
و قال الخامس : و خطب علي عليه السّلام بالبصرة خطبته الطويلة الّتي يقول فيها : يا أهل السبخة يا أهل المؤتفكة إئتفكت بأهلها من الدهر ثلاثا ، و على اللّه تمام الرابعة . يا جند المرأة يا أتباع البهيمة . . . 4 .
-----------
( 1 ) عيون الأخبار 1 : 216 ، و معجم البلدان 1 : 436 ، و اللفظ للمعجم .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 72 و 4 : 146 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 79 .
-----------
( 4 ) مروج الذهب 2 : 368 .
[ 500 ]
و قال القمّي في سورة النجم في قوله تعالى : و المؤتفكة أهوى 1 المؤتفكة البصرة ، و الدليل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السّلام : يا أهل البصرة و يا أهل المؤتفكة . يا جند المرأة ، و أتباع البهيمة . رغا فأجبتم ، و عقر فهربتم .
ماؤكم زعاق ، و أخلاقكم رقاق ، فبكم ختم النفاق و لعنتم على لسان سبعين نبيّا . إنّ رسول اللّه عليه السّلام أخبرني أنّ جبرئيل أخبره أنه طوى له الأرض . فرأي البصرة أقرب الأرضين من الماء ، و أبعدها من السماء ، و فيها تسعة أعشار الشر ، و الداء العضال ، المقيم فيها مذنب ، و الخارج منها برحمة . و قد ائتفكت بأهلها مرتين ، و على اللّه تمام الثالثة و تمام الثالثة في الرجعة 2 .
و قال المفيد : روى نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن أبي خالد ، عن عبد اللّه بن عاصم ، عن محمّد بن بشير الهمداني ، عن الحرث بن سريع قال : لمّا ظهر عليّ عليه السّلام على أهل البصرة ، و قسمّ ما حواه العسكر قام فيهم خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلّى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال : أيّها الناس إنّ اللّه عزّ و جلّ ذو رحمة واسعة ، و مغفرة دائمة لأهل طاعته ، و قضى أنّ نقمته و عقابه على أهل معصيته . يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة ، و يا جند المرأة و أتباع البهيمة ، رغا فرجفتم ، و عقر فانهزمتم ، أحلامكم دقاق ، و عهدكم شقاق ،
و دينكم نفاق ، و أنتم فسقة مرّاق ، أرضكم قريبة من الماء ، بعيدة من السماء .
خفّت عقولكم و سفهت أحلامكم . شهرتم سيوفكم علينا ، و سفكتم دماءكم ،
و خالفتم إمامكم . فأنتم اكلة الآكل ، و فريسة الظافر ، و النار لكم مدّخر ، و العار لكم مفخر .
يا أهل البصرة نكثتم بيعتي ، و ظاهرتم علي ذوي عدواتى . فما ظنّكم يا
-----------
( 1 ) النجم : 53 .
-----------
( 2 ) تفسير القمي 2 : 339 .
[ 501 ]
أهل البصرة الآن ؟ فقال إليه رجل منهم . فقال : نظنّ خيرا يا أمير المؤمنين و نرى أنك ظفرت و قدرت . فإن عاقبت فقد أجرمنا ، و إن عفوت فالعفو أحبّ إلى ربّ العالمين . فقال عليه السّلام : قد عفوت عنكم . فإيّاكم و الفتنة . فإنّكم أوّل من نكث البيعة ، و شق عصا الامّة . فارجعوا من الحوبة ، و أخلصوا في ما بينكم و بين اللّه بالتوبة 1 .
و قال ابن ميثم روي أنه قال : يا أهل المؤتفكة . إئتفكت بأهلها ثلاثا ،
و على اللّه تمام الرابعة . يا جند المرأة ، و أعوان البهيمة . رغا فأجبتم ، و عقر فانهزمتم . أخلاقكم دقاق ، و ماؤكم زعاق . بلادكم أنتن بلاد اللّه تربة و أبعد من السماء . بها تسعة أعشار الشر ، المحتبس فيها بذنبه ، و الخارج منها بعفو اللّه ،
كأنّي أنظر إلى قريتكم هذه ، و قد طبّقها الماء حتّى ما يرى منها إلاّ شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجّة بحر .
فقام إليه الأحنف بن قيس . فقال : يا أمير المؤمنين متى ذلك ؟ قال : " إذا صارت أجمتكم قصورا " .
و بعد هذا الفصل من الخطبة فصول لا تعلق لها بهذا الموضع .
إلى أن قال في فصل آخر من هذه الخطبة مادحا :
" يا أهل البصرة إنّ اللّه لم يجعل لأحد من أمصار المسلمين خطّة شرف و لا كرم إلاّ و قد جعل فيكم أفضل ذلك ، و زادكم من فضله بمنّه ما ليس لهم .
أنتم أقوم الناس قبلة . قبلتكم على المقام حيث يقوم الإمام بمكة ، و قارئكم أقرأ الناس ، و زاهدكم أزهد الناس ، و عابدكم أعبد الناس ، و تاجركم أتجر الناس ،
و أصدقهم في تجارته ، و مصدقكم أكرم الناس صدقة ، و غنيكم أشد الناس بذلا و تواضعا ، و شريفكم أحسن الناس خلقا ، و أنتم أكرم الناس جوارا ،
-----------
( 1 ) الجمل : 217 .
[ 502 ]
و أقلّهم تكلّفا لما لا يعينه ، و أحرصهم على الصلاة في جماعة ، ثمرتكم أكثر الثمار ، و أموالكم أكثر الأموال ، و صغاركم أكيس الأولاد ، و نساؤكم أقنع الناس ، و أحسنهن تبعّلا . سخّر لكم الماء يغدو عليكم و يروح صلاحا لمعاشكم ، و البحر سببا لكثرة أموالكم . فلو صبرتم ، و استقمتم لكانت شجرة طوبى لكم مقيلا ، و ظلا ظليلا ، غير أنّ حكم اللّه فيكم ماض ، و قضاءه نافذ ، لا معقّب لحكمه و هو سريع الحساب . يقول اللّه و إن من قرية إلاّ نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذّبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا 1 .
و اقسم لكم يا أهل البصرة ما الّذي ابتدأتكم به من التوبيخ إلاّ تذكيرا و موعظة لما بعد . لكيلا تسرعوا إلى الوثوب في مثل الّذي و ثبتم ، و قد قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : و ذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين 2 و لا الّذي ذكرت فيكم من المدح و التطريه بعد التذكير و الموعظة رهبة منّي لكم ، و لا رغبة في شيء ممّا قبلكم . فإنّي لا اريد المقام بين أظهركم إن شاء اللّه لامور تحضرني قد يلزمني القيام بها في ما بيني و بين اللّه لا عذر لي في تركها ، و لا علم لكم بشيء منها حتّى يقع ممّا اريد أن أخوضها مقبلا و مدبرا . فمن أراد أن يأخذ بنصيبها منه فليفعل . فلعمري إنّه للجهاد الصافي صفّاه لنا كتاب اللّه ، و لا الّذي أردت به من ذكر بلادكم موجدة منّي عليكم لما شافهتموني غير أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لي يوما و ليس معه غيري يا عليّ إنّ جبرئيل الروح الأمين حملني على منكبه الأيمن حتّى أراني الأرض و من عليها ، و أعطاني أقاليدها ، و علّمني ما فيها ، و ما قد كان على ظهيرها ،
و ما يكون إلى يوم القيامة ، و لم يكبر ذلك علي كما لم يكبر على أبي آدم . علّمه
-----------
( 1 ) الاسراء : 58 .
-----------
( 2 ) الذاريات : 55 .
[ 503 ]
الأسماء و لم يعلمها الملائكة المقّربين .
و إنّي رأيت بقعة على شاطئ البحر تسمّى البصرة . فإذا هي أبعد الأرض من السماء ، و أقربها من الماء ، و أنّها لأسرع الأرض خرابا ، و أخبثها ترابا ،
و أشدّها عذابا ، و لقد خسف بها في القرون الخالية مرارا ، و ليأتينّ عليها زمان إنّ لكم يا أهل البصرة ، و ما حولكم من القرى ، من الماء ليوما عظيما بلاؤه ،
و إني لأعرف موضع منفجره من قريتكم هذه . ثمّ امور قبل ذلك تدهمكم عظيمة اخفيت عنكم ، و علمناها . فمن خرج عنها عند دنوّ غرقها . فبرحمة من اللّه سبقت له ، و من بقي فيها غير مرابط بها فبذنبه . و ما اللّه بظلاّم للعبيد 1 هذا ، و روى ابن قتيبة في ( عيونه ) عن الحسن البصري خبر الذم إلى أن قال بعد قوله : و عقر فانهزمتم أما أني لا أقول رغبة فيكم ، و لا رهبة منكم غير أنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : تفتح أرض يقال لها البصرة أقوم الأرضين قبلة . قارئها أقرأ الناس ، و عابدها أعبد الناس ، و عالمها أعلم الناس ،
و متصدّقها أعظم الناس صدقة ، و تاجرها أعظم الناس تجارة . منها إلى قرية يقال : لها الابلّة أربعة فراسخ يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا ،
الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر " .
و رواه الحموي لكن فيه " يستشهد عند مسجد جامعها ، و موضع عشورها ثمانون ألف شهيد " 2 .
قول المصنّف " و من كلام له عليه السّلام في ذم أهل البصرة " هكذا في ( المصرية ) ، و لكن في ابن ميثم : " في ذم البصرة و أهلها " و مثله في الخطيّة ،
و كذا في ابن أبي الحديد في نسخة فهو الصواب 3 .
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 1 : 289 293 .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار 1 : 216 ، و معجم البلدان 1 : 436 .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 83 ، و شرح ابن ميثم 1 : 289 ، مثل المصرية أيضا .
[ 504 ]
و في ( الجمهرة ) : " البصرة حجارة رخوة ، و به سمّيت البصرة لأنّ أرضها الّتي بين العقيق ، و أعلى المربد كذلك ، و هو الموضع الّذي يسمّى الحزيز . قال الشاعر ذو الرمة :
تداعين باسم الشيب في متثلّم
جوانبه من بصرة و سلام 1
و في ( المعجم ) قال ابن الأنباري : البصرة في كلام العرب الأرض الغليظة ، و قال ابن الأعرأبي : البصرة حجارة صلاب . و ذكر الشرقي بن القطامي أنّ المسلمين حين وافوا مكان البصرة للنزول بها نظروا إليها من بعيد ، و أبصروا الحصى عليها . فقالوا إنّ هذه أرض بصرة ، يعنون حصبة .
و ذكر أحمد بن محمّد الهمداني ، عن محمّد بن شرحبيل بن حسنة قال :
سمّيت البصرة لأنّ فيها حجارة سوداء صلبة . قال الطرماح بن حكيم :
مؤلفة تهوي جميعا كما هوى
من النيق فوق البصرة المتطحطح
و قال الازهري : البصر الحجارة إلى البياض بالكسر فاذا جاءوا بالهاء قالوا بصرة .
و قال حمزة الاصبهاني : قال موبذ بن اسوهشت : البصرة تعريب " بس راه " لأنّها كانت ذات طرق كثيرة ، انشعبث إلى أماكن مختلفة .
و عن نافع بن الحارث بن كلدة أن ثابت السدوسي قال لعمر : إنّي مررت بمكان دون دجلة فيه قصر ، و فيه مسالح للعجم يقال له : الخريبة ، و يسمّى أيضا البصيرة بينه و بين دجلة أربعة فراسخ ، له خليج بحريّ فيه الماء إلى أجمة قصب . فأعجب ذلك عمر . . .
و يقال في النسب إليها : البصري بالكسر . فيغيّر كما يقال في النسب
-----------
( 1 ) جمهرة اللغة 1 : 259 .
[ 505 ]
إلى اليمن يمان ، و إلى تهامة تهام ، و إلى الري رازي 1 .
و قالوا : البصرة عثمانية ، و الكوفة علوية ، و الشام اموية ، و الجزيرة خارجية ، و الحجاز سنيّة .
و عن ( غارات الثقفي ) : أنّ رجلا قال لعليّ عليه السّلام : أتيتك من بلد ما تركت به لك محبّا . قال : من أين أتيت ؟ قال : من البصرة . قال : أما إنّهم لو يستطيعون أن يحبّوني لأحبّوني إنّي و شيعتي في ميثاق اللّه لا يزداد فينا رجل ، و لا ينقص إلى يوم القيامة .
و عنه : أنّ عبيد اللّه بن زياد بنى مساجد بالبصرة تقوم على بغض عليّ عليه السّلام و الوقيعة فيه : مسجد بني عدي ، و مسجد بني مجاشع ، و مسجد كان في العلاّفين على فرضة البصرة ، و مسجد في الأزد 2 .
قوله عليه السّلام : " كنتم جند المرأة " و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا بلغه أنّ أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى كما في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) ، أو لمّا ذكر عنده ملكة سبأ كما في ( عيون القتيبي و جمل المفيد ) : " لا أفلح قوم تدبّرهم أمرأة " و أراد أبو بكرة اللحوق بطلحة و الزبير . فلمّا سمع أنّ عائشة هي المتولّية لأمرهم تذّكر قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند ذاك انصرف 3 .
و روى أيضا أنه تذكر قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم " إنّ قوما يخرجون بعدي في فتنة رأسها امرأة لا يفلحون أبدا " فانصرف 4 .
-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 : 430 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) الغارات 2 : 555 و 558 .
-----------
( 3 ) أخرج السبط في التذكرة : 67 ، و المفيد في الجمل : 159 و 160 ، و أيضا البخاري في صحيحه 4 : 228 ، و الترمذي في سننه 4 : 527 ح 2262 ، و النسائي في سننه 8 : 227 ، و الحاكم في المستدرك 4 : 291 ، لكن لم أجده في عيون الأخبار .
-----------
( 4 ) اخرج هذا المعنى ابن أبي شيبة و البزّار و الذهبي ، عنهم المطالب العالية و ذيله 4 : 303 ، و سعيد بن المنصور و أبو
[ 506 ]
و في ( مروج المسعودي ) : ذكر المدائني عن بعضهم أنّه رأى بالبصرة رجلا مصطلم الأذن . فسأله عن قصّته . فذكر أنّه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى . فنظر إلى رجل منهم يخفض برأسه و يرفعه و هو يقول :
لقد أوردتنا حومة الموت امّنا
فلم تنصرف إلاّ و نحن رواء
أطعنا بني تيم لشقوة جدّنا
و ما تيم إلاّ أعبد و إماء
فقلت : سبحان اللّه أتقول هذا عند الموت . قل : لا إله إلاّ اللّه فقال : " يا ابن اللخناء إيّاي تأمر بالجزع عند الموت " . فولّيت منه متعجبا . فصاح بي : ادن مني و لقّنّي الشهادة . فصرت إليه فلما قربت فاستدناني ثم التقم اذني فذهب بها ، فجعلت ألعنه و أدعو عليه . فقال : إذا صرت إلى امّك فقالت : من فعل هذا بك ؟
فقل : عمير بن الأهلب الضبيّ مخدوع المرأة الّتي أرادات أن تكون أمير المؤمنين 1 .
و في ( حيوان الجاحظ ) قال السيّد الحميري في عائشة و أتباعها :
جاءت مع الأشقين في هودج
تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنّها في فعلها هرّة
تريد أن تأكل أولادها 2
و في ( تاريخ الطبري ) : أطافت ضبة و الأزد بعائشة يوم الجمل ، و إذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل . فيفتّونه و يشمّونه و يقولون : بعر جمل أمنّا ريحه ريح مسك 3 ، و خرج من أهل الجمل شيخ صبيح نبيل عليه جبّة و شى و هو يقول :
يا معشر الأزد عليكم امّكم
فإنّها صلاتكم و صومكم
يعلى و البيهقي و الطبراني و ابن الجوزي ، عنهم منتخب كنز العمال 5 : 440 .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 370 .
-----------
( 2 ) الحيوان للجاحظ 1 : 197 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 530 ، سنة 36 .
[ 507 ]
و الحرمة العظمى الّتي تعمّكم
فأحضروها جدّكم و حزمكم
لا يغلبن سمّ العدوّ سمّكم
إنّ العدوّ إن علاكم رمّكم
و خصّكم بجوره و عمّكم
لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم
قال أبو مخنف : لم يقل أحد من رجّاز البصرة قولا كان أحبّ إلى أهل الجمل من قول هذا الشيخ . فاستقتل الناس عند قوله ، و ثبتوا حول الجمل فخرج عوف ابن قطن الضبيّ و هو ينادي : ليس لعثمان ثأر إلاّ عليّ و ولده .
فأخذ خطام الجمل و قال :
يا امّ يا امّ خلا مني الوطن
لا ابتغي القبر و لا أبغي الكفن
من هاهنا محشر عوف بن قطن
إن فاتنا اليوم عليّ فالغبن
أو فاتنا ابناه حسين و حسن
إذن أمت بطول همّ و حزن
ثمّ تقدم يضرب بسيفه حتّى قتل 1 .
و روى الواقدي كما في ( جمل المفيد ) أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قسمة المال قام خطيبا . فقال مشيرا إلى عائشة كانت و اللّه على القوم أشأم من ناقة الصخرة 2 .
و روى أيضا أنّ عليّا عليه السّلام كتب بعد الفتح كتابا الى أهل الكوفة و فيه " فما كانت ناقة الحجر بأشأم منها على أهل ذاك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير " 3 .
و في ( العقد ) قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعائشة : يا حميراء كأنّي بك ينبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليّا و أنت له ظالمة 4 .
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 85 ، شرح الخطبة 13 .
-----------
( 2 ) الجمل : 215 .
-----------
( 3 ) الجمل : 216 .
-----------
( 4 ) العقد الفريد 5 : 75 .
[ 508 ]
هذا ، و في ( مقاتل أبي الفرج ) : لمّا أرادوا دفن الحسن عليه السّلام عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ركبت عائشة بغلا ، و استنفرت بني اميّة ، مروان و من كان هناك منهم ، و من حشمهم ، و هو قول القائل
" فيوما على بغل ، و يوما على جمل "
1 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : فأتاها القاسم بن محمّد بن أبي بكر . فقال لها : يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء 2 .
هذا ، و في ( عيون القتيبي ) : فخر ناس من بني الحرث بن كعب عند السفاح فقال لخالد بن صفوان : ألا تكلّم يا خالد ؟ قال : أخوال الخليفة و أهله . قال فأنتم اعمام الخليفة و عصبته . فقال خالد : ما عسى أن أقول لقوم بين ناسج برد ، و دابغ جلد ، و سائس قرد ، دلّ عليهم هدهد ، و غرقتهم فارة ، و ملكتهم امرأة 3 .
" و أتباع البهيمه " قال ابن أبي الحديد : كان جمل عائشة راية عسكر البصرة قتلوا دونه كما تقتل الرجال تحت راياتها .
قال المدائني و الواقدي : ما حفظ رجز قط أكثر من رجز قيل يوم الجمل ،
و أكثره لبني ضبة و الأزد الّذين كانوا حول الجمل يحامون عنه و لقد كانت الرؤوس تندر عن الكواهل ، و الأيدي تطيح من المعاصم ، و أقتاب البطن تندلق من الأجواف ، و هم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتحلحل ، و لا تتزلزل حتّى لقد صرخ عليّ عليه السّلام بأعلى صوته : و يلكم إعقروا الجمل . فإنّه شيطان 4 .
و قال في موضع آخر لمّا عزمت عائشة على الخروج طلبوا لها بعيرا ،
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبين : 49 .
-----------
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 225 .
-----------
( 3 ) عيون الاخبار 1 : 217 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 83 و 84 ، و النقل بتقطيع .
[ 509 ]
يحمل الهودج . فجاءهم يعلى بن اميّة بالبعير المسمّى عسكرا و كان عظيم الخلق شديدا فلمّا رأته أعجبها ، و أنشأ الجمّال يحدّثها بقوّته و شدّته و يقول في أثناء حديثه : عسكر . فلمّا سمعت هذه اللفظة استرجعت ، و قالت : ردّوه لا حاجة لي فيه ، و ذكرت حيث سئلت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذكر لها هذا الاسم ، و نهاها عن ركوبه و أمرت أن يطلب لها غيره . فلم يوجد لها ما يشبهه ، فغيّر لها جلال غير جلاله ، و قيل لها قد أصبنا أعظم منه خلقا و أشدّ قوّة 1 .
و في ( الاستيعاب ) : عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لنسائه " أيتّكنّ صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلى كثير ، و تنجو بعدما كادت " . و هذا الحديث من أعلام نبوته صلّى اللّه عليه و آله و سلم 2 . قلت : و من أعلام إمامته عليه السّلام .
و روى الكشّي عن سلمان أنّه كان إذا رأى الجمل الّذي يقال له عسكر .
يضربه . فيقال له : يا أبا عبد اللّه ما تريد من هذه البهيمة ؟ فيقول : ما هذا بهيمة ،
و لكن هذا عسكر بن كنعان الجني . يا أعرأبي لا تنفق جملك هاهنا ، و لكن اذهب به إلى الحوأب فإنّك تعطى به ما تريد .
و عن الباقر عليه السّلام قال : اشتروا عسكرا بسبعمئة درهم و كان شيطانا 3 .
" رغا " في ( الصحاح ) : رغا البعير يرغو رغاء إذا ضجّ ، و في المثل : " كفي برغائها مناديا " أي : أنّ رغاء بعيره يقوم مقام ندائه في التعرّض للضيافة و القرى ، و قولهم " ما له ثاغية و لا راغية " أي : شاة و لا نافة 4 .
" فأجبتم " قال ابن أبي الحديد : قالوا : و استدار الجمل كما تدور الرحاة و تكاثفت الرجال حوله ، و اشتد رغاؤه و اشتد زحام الناس عليه ، و نادى
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 80 ، شرح الخطبة 78 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 4 : 361 .
-----------
( 3 ) اختيار معرفة الرجال : 13 ح 30 31 .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 6 : 2359 و 2360 ، مادة ( رغا ) .
[ 510 ]
الحتات المجاشعي : أيّها الناس امّكم امّكم ، و تقدّم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أميّة و كان اسم سيفه ولول فارتجز فقال :
أنا ابن عتاب و سيفي ولول
و الموت عند الجمل المجلّل
فحمل عليه الأشتر فقتله . قالوا : و أخذ خطام الجمل سبعون من قريش قتلوا كلّهم ، و لم يكن يأخذ بخطام الجمل أحد إلاّ سالت نفسه أو قطعت يده ،
و تناول عبد اللّه بن أبزي خطام الجمل و كان كلّ من أراد الجدّ في الحرب و قتال مستميت يتقدّم إلى الجمل فيأخذ بخطامه ثمّ شدّ و قال :
أضربهم و لا أرى أبا حسن
ها إنّ هذا حزن من الحزن
فشدّ عليه السّلام عليه بالرمح فقتله ، و قال : قد رأيت أبا حسن ، فكيف رأيته ؟
و ترك الرمح فيه 1 .
" و عقر فهربتم " قال ابن أبي الحديد : قال أبو مخنف : حدّثنا مسلم الأعور عن حبّة العرني قال : فلمّا رأى عليّ عليه السّلام أنّ الموت عند الجمل ، و أنه مادام قائما فالحرب لا تطفأ ، وضع سيفه على عاتقه ، و عطف نحوه ، و أمر أصحابه بذلك و مشى نحوه ، و الخطام مع بني ضبّة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، و استحرّ القتل في بني ضبّة فقتل منهم مقتلة عظيمة ، و خلص عليّ عليه السّلام في جماعة من النخع و همدان إلى الجمل . فقال لرجل من النخع اسمه بحير دونك الجمل يا بحير .
فضرب عجز الجمل بسيفه . فوقع لجنبه ، و ضرب بجرانه الأرض ، و عجّ عجيجا لم يسمع بأشدّ منه . فما هو إلاّ أن صرع الجمل حتّى فرّت الرجل كما يطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ، و احتملت عائشة بهودجها . فحملت إلى دار عبد اللّه بن خلف ، و أمر عليّ عليه السّلام بالجمل أن يحرق ثمّ يذرّى في الريح ،
و قال عليه السّلام : لعنه اللّه من دابة . فما أشبهه بعجل بني اسرائيل ثمّ قرأ : و انظر إلى
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 85 88 ، و النقل بتصرف .
[ 511 ]
إلهك الّذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثمّ لننسفنه في اليم نسفا 1 .
و أقول : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في قوله للناس : " لتتبعن بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتّى لو دخلوا حجر ضبّ لدخلتموه " فكما عبد بنو إسرائيل العجل عبدت هذه الامّة هذا الجمل الّذي كان كعجل بني إسرائيل ، و صاحبته .
فكانوا يفتّون بعره ، و يقولون : بعر جمل امّنا مسك ، كما عبدوا أباها الّذي كان عجل فاروقهم ، و يشهد له أيضا قوله عليه السّلام و هو الّذي يدور معه الحق حيثما دار لمّا اتوا به عليه السّلام لبيعته مخاطبا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني 2 .
و قال ابن أبي الحديد : عند قوله : " إنّ النساء نواقص الإيمان " قال عليّ عليه السّلام لما فني الناس على خطام الجمل ، و قطعت الأيدي و سالت النفوس :
" ادعوا لي الأشتر و عمّارا " . فجاءا . فقال : " إذهبا فاعقرا هذا الجمل فإنّ الحرب لا يبوخ ضرامها مادام حيّا إنّهم قد اتّخذوه قبلة " 3 .
و في ( جمل المفيد ) : روى منصور بن أبي الأسود ، عن مسلم الأعور ،
عن حبّة العرني قال : و اللّه لأنظرن إلى الرجل الّذي ضرب الجمل ضربة على عجزه فسقط لجنبه . فكأنّي أسمع عجيج الجمل ما سمعت قط عجيجا أشدّ منه ، قال : لمّا عقر ، انقطع بطان الهودج . فزال عن ظهر الجمل ، و انقضّ أهل البصرة منهزمين ، و جعل عمّار ، و محمّد بن أبي بكر يقطعان الحقب و الانساع ، و احتملاه أي الهودج و وضعاه على الأرض ، فأقبل عليّ عليه السّلام حتى وقف عليها و هي في هودجها ، فقرع الهودج بالرمح ، و قال : يا حميراء
-----------
( 1 ) طه : 97 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 89 ، و الآية 150 من سورة الأعراف .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 81 .
[ 512 ]
أرسول اللّه أمرك بهذا المسير ؟ 1 .
و روى ( أماليه ) : أنّ منادي عليّ عليه السّلام نادى : عليكم بالبعير فانه شيطان ،
فعقره رجل برمحه ، و قطع إحدى يديه رجل آخر . فبرك و رغا ، و صاحت عائشة صيحة شديدة . فولّى الناس منهزمين 2 .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد : قصد أهل الكوفة قصد الجمل ، و دونه كالجبال ، كلّما خفّ قوم جاء أضعافهم . فنادى عليه السّلام : و يحكم ارشقوا الجمل بالنبل إعقروه لعنه اللّه . فرشق بالسهام . فلم يبق فيه موضع إلاّ أصابه النبل و كان مجفجفا . فتعلّقت السهام به . فصار كالقنفذ ، و نادت الأزد و ضبّة : ( يا لثارات عثمان ) فأخذوها شعارا ، و نادى أصحاب عليّ عليه السّلام ( يا محمّد ) فاتّخذوها شعارا ، و اختلط الفريقان ، و نادى عليّ عليه السّلام بشعار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : ( يا منصور أمت ) و هذا في اليوم الثاني من أيام الجمل . فلمّا دعا بها تزلزلت أقدام القوم ، و ذلك وقت العصر بعد أن كان الحرب من وقت الفجر .
و قال الواقدي : روي أنّ شعاره عليه السّلام كان في ذلك اليوم " حم لا يبصرون اللّهمّ انصرنا على القوم الناكثين " ثمّ تحاجز الفريقان ، و القتل فاش فيهما إلاّ أنه في أهل البصرة أكثر ، و أمارات النصر لائحة لعسكر الكوفة ثمّ تواقفوا في اليوم الثالث . فبرز أوّل الناس ابن الزبير الخ 3 .
قلت : إنّما قال المسعودي إنّ الوقعة كانت في يوم واحد . فقال " كانت وقعة الجمل في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الاولى من سنة ستّ و ثلاثين قتل فيها من أصحاب الجمل من أهل البصرة و غيرهم ثلاثة عشر
-----------
( 1 ) الجمل : 203 .
-----------
( 2 ) أمالي المفيد : 58 ح 3 ، المجلس 7 ، في ضمن حديث .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 78 .
[ 513 ]
ألفا ، و من أصحاب عليّ عليه السّلام خمسة آلاف إلى أن قال و كانت وقعة واحدة في يوم واحد " 1 .
و هو المفهوم من ( تاريخ الطبري ) ناسبا له إلى الواقدي . فقال " و كانت الوقعة يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ( 36 ) في قول الواقدي " 2 .
و في ( المروج ) : قيل لأبي لبيد الجهمي من الأزد : أتحبّ عليّا ؟ قال : كيف احبّ رجلا قتل من قومي في بعض يوم ألفين و خمسمئة ، و قتل من الناس حتّى لم يكن أحد يعزّي أحدا ، و اشتغل أهل كلّ بيت بمن لهم 3 .
" أخلاقكم دقاق " في ( تاريخ بغداد ) : قدم شريك القاضي البصرة فأبى أن يحدّثهم فاتّبعوه حين خرج ، و جعلوا يرجمونه بالحجارة في السفينة ، و هو يقول لهم : يا أبناء الظؤرات ، و يا أبناء السنائخ لا سمعتم منّي حرفا 4 .
" و عهدكم شقاق " أي : خلاف .
" و دينكم نفاق " ليس فيه إيمان ، و لمّا ارتدّ عيينة بن حصن الفزازي ، و تبع طليحة الأسدي . فأسر و ادخل المدينة فكان الصبيان يقولون له : يا عدوّ اللّه أكفرت بعد إيمانك ؟ فيقول : ما آمنت طرفة عين .
" و ماؤكم زعاق " أي : ملح مرّ . في ( المروج ) : قال رجل من الكوفة لرجل من البصرة : ماؤكم كدر زهك زفر ، و ماؤنا أصح للأجسام من ماء دجلة فإنّ ماءها يقطّع شهوة الرجال ، و يذهب بصهيل الخيل ، و إن لم يتدسم النازلون عليها أصابهم قحول في عظامهم ، و يبس في جلودهم ، و إذا كان فضيلة مائنا على
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 368 و 371 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 539 ، سنة 36 .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 2 : 371 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد 9 : 293 .
[ 514 ]
دجلة فما ظنّك بفضيلته على ماء البصرة ، و هو يختلط بماء البحر ، و الماء المستنقع في اصول القصب و الهروي 1 ، و قال الصابي :
نحن بالبصرة الذميمة نسقي
شرّ سقيا من مائها الاترنجي
أصفر منكر ثقيل غليظ
خاثر مثل حقنة القولنج 2
" و المقيم " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( المقيم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .
" بين أظهركم مرتهن بذنبه ، و الشاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه " و في ( جمل المفيد ) : قال عليه السّلام : " هي مسكن الجن ، الخارج منها برحمة ، و الداخل إليها بذنب . أما أنّها لا تذهب الدنيا حتّى يجيء إليها كلّ فاجر ، و يخرج منها كلّ مؤمن " 4 .
و في ( البلدان ) : قدم أعرابي البصرة فكرهها . فقال :
هل اللّه من وادي البصيرة مخرجي
فأصبح لا تبدو لعيني قصورها
و أصبح قد جاوزت سيحان سالما
و أسلمني أسواقها و جسورها
و مربدها المذري علينا ترابه
إذا شحجت أبغالها و حميرها
فنضحي بها غير الرؤوس كأننّا
اناسي موسى نبش عنها قبورها
و قال الجاحظ : من عيوب البصرة اختلاف هوائها في يوم واحد لأنّهم يلبسون القمص مرّة و المبطّنات مرة لاختلاف جواهر الساعات ، و لذلك سمّيت الرعناء . قال الفرزدق :
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 331 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) اورده معجم البلدان 1 : 437 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 83 ، و شرح ابن ميثم 1 : 289 .
-----------
( 4 ) الجمل : 225 .
[ 515 ]
لو لا أبو مالك المرجو نائله
ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا 1 .
و في كتب الأدب : ضاقت على النضر بن شميل اللغوي النحوي الأديب الأسباب في البصرة . فعزم على الخروج إلى خراسان . فشيّعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف من المحدّثين ، و الفقهاء ، و اللغويين ، و النحاة ،
و الادباء . فجلس لوداعهم بالمربد ، و قال : يا أهل البصرة لو وجدت عندكم كيلجة من الباقلاء ما فارقتكم ، فلم يكن فيهم واحد يتكفل له ذلك فسار إلى مرو ، و أقام بها فأثرى 2 .
و في ( اللسان ) : في حديث أنس : البصرة إحدى المؤتفكات . فانزل في ضواحيها و إيّاك و المملكة . قال شمر : أراد بالممكلة و سطها 3 .
و في ( ملاحم سنن أبي داود ) عن أنس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : " إنّ الناس يمصّرون أمصارا ، و إن مصرا منها يقال له البصرة أو البصيرة فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإيّاك و سباخها ، و كلاءها ، و سوقها ، و باب امرائها و عليك بضواحيها فإنّه يكون بها خسف ، و قذف ، و رجف ، و قوم يبيتون يصبحون قردة و خنازير " 4 .
هذا ، و لمّا زنا المغيرة بن شعبة بالبصرة لمّا كان عاملا عليها من قبل عمر ، و لقّن عمر شاهده الرابع زيادا لمنع عن أداء الشهادة حتّى لا يرجم ، عزله عن البصرة جزاء فعله إلاّ أنه ولاّه الكوفة . فصار استهزاء بين الناس . قال ابن سيرين كما في ( عيون القتيبي ) : يقول الرجل لصاحبه " غضب اللّه عليك
-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 : 436 و 3 : 293 .
-----------
( 2 ) رواه الحموي في معجم الادباء 19 : 238 ، و السيوطي في بغية الوعاة 2 : 316 .
-----------
( 3 ) لسان العرب 10 : 495 ، مادة ( ملك ) ، و أيضا النهاية 4 : 359 ، مادة ( ملك ) .
-----------
( 4 ) سنن أبي داود 4 : 113 ح 4307 .
[ 516 ]
كما غضب عمر على المغيرة عزله عن البصرة و استعمله على الكوفة " 1 .
" كأنّي بمسجدكم كجؤجؤ سفينة " أي : صدرها .
" قد بعث اللّه عليها العذاب من فوقها و من تحتها و غرق من في ضمنها " قال ابن أبي الحديد : البصرة غرقت مرّتين : مرّة في أيّام القادر باللّه ، و مرّة في أيّام القائم بأمر اللّه . غرقت بأجمعها ، و لم يبق منها إلاّ مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السّلام . جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس و من جهة الجبل المعروف بجبل السنام و خربت دورها ، و غرق كلّ ما في ضمنها ، و هلك كثير من أهلها ، و أخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم 2 .
هذا ، و في ( عرائس الثعلبي ) : اختلف في موضع قتل هابيل . حكى الطبري قال جعفر الصادق عليه السّلام : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم . . . 3 .
قلت : و في أخبارنا ، ما بنى مسجد إلاّ على قطرة من دم نبيّ 4 .
" و في رواية و أيم اللّه لتغرقنّ بلدتكم حتّى كأنّي أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة ، أو نعامة " و في ( الصحاح ) : النعامة من الطير يذكّر و يؤنّث 5 .
" جاثمة " في ( الصحاح ) : جثم الطائر أي : تلبّد بالأرض 6 .
" و في رواية كجؤجؤ طير في لجّة بحر " و روى ( غارات إبراهيم الثقفي ) : أنّ
-----------
( 1 ) عيون الاخبار 1 : 216 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 84 .
-----------
( 3 ) العرائس : 45 .
-----------
( 4 ) لم أجده بهذا المضمون .
-----------
( 5 ) صحاح اللغة 5 : 2043 ، مادة ( نعم ) .
-----------
( 6 ) صحاح اللغة 5 : 1882 ، مادة ( جثم ) .
[ 517 ]
جارية بن قدامة لمّا حرّق بالبصرة ابن الحضرمي الّذي قدم بها من قبل معاوية ، و دفع غائلته ، و كتب زياد و كان خليفة ابن عباس عليها يومئذ إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك مع ظبيان بن عمارة . قال عليه السّلام لظبيان : " إنها ( أي البصرة ) أوّل القرى خرابا إمّا غرقا ، و إمّا حرقا ، حتّى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة " ثمّ قال له : أين منزلك منها ؟ فقال : مكان كذا . فقال عليك بضواحيها 1 .
" و في رواية اخرى " الظاهر كون هذا الخ حاشية خلطت بالمتن لعدم وجوده في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 2 .
" بلادكم أنتن بلاد اللّه تربة " في ( المعجم ) قدم ابن شدقم البصرة فآذاه قذرها . فقال :
إذا ما سقى اللّه البلاد فلا سقى
بلادا بها سيحان برقا و لا رعدا
بلاد تهبّ الريح فيها خبيثة
و تزداد نتنا حين تمطر أو تندى
و قال الصابي :
ليس يغنيك في الطهارة بالبصرة
إن حانت الصلاة اجتهاد
إن تطهّرت فالمياه سلاح
أو تيمّمت فالصعيد سماد
قال ابن لنكك :
نحن بالبصرة في لون
من العيش ظريف
نحن ما هبّت شمال
بين جنات وريف
فإذا هبّت جنوب
فكأنّا في كنيف 3
قال زياد : مثل الكوفة كمثل اللهاة يأتيها الماء ببرده و عذوبته ، و مثل
-----------
( 1 ) الغارات 2 : 412 .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن ميثم 1 : 289 ، لكن توجد الزيادة في شرح ابن أبي الحديد 1 : 83 .
-----------
( 3 ) معجم البلدان 1 : 437 و 3 : 294 .
[ 518 ]
البصرة كالمثانة يأتيها الماء ، و قد تغيّر و فسد .
" أقربها من الماء ، و أبعدها من السماء ، و بها تسعة أعشار الشرّ . المحتبس فيها بذنبه ، و الخارج بعفو الله " سأل الصادق عليه السّلام عن أهل البصرة . فقيل : إنّهم مرجئة ، و قدريّة ، و حرورية . فقال : لعن اللّه تلك الملل الكافرة المشركة الّتي لا تعبد اللّه بشيء 1 .
و في ( المعجم ) قال أبو العيناء : قال لي المتوكل : بلغني انّك رافضي .
فقلت : و كيف أكون رافضيا و بلدي البصرة ، و منشئي مسجد جامعها ،
و استاذي الأصمعي ، و جيراني باهلة 2 ؟
" كأنّي أنظر إلى قريتكم هذه قد طبقّها الماء حتّى ما يرى منها إلاّ شرف المسجد كأنّه جؤجؤ طير في لجّة بحر " مرّ شرحه مع أنّك قد عرفت عدم كون تمام الكلام من قوله " و في رواية اخرى " إلى هنا من النهج .
قول المصنّف : " و من كلام له عليه السّلام في مثل ذلك " هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد و الخطية ) و لكن في ( ابن ميثم ) " و منها في مثل ذلك " 3 .
قوله عليه السّلام " أرضكم قريبة من الماء . بعيدة من السماء " قال ابن أبي الحديد : إنّ أرباب علم الهيئة و صناعة التنجيم يذكرون أنّ أبعد موضع في الأرض عن السماء الابلّة و ذلك موافق لقوله عليه السّلام " بعيدة من السماء " و معنى البعد عن السماء ههنا هو بعد تلك الأرض المخصوصة عن دائرة معدّل النهار ، و البقاع و البلاد تختلف في ذلك ، و قد دلّت الأرصاد ، و الآلات النجومية على أنّ أبعد موضع في المعمورة عن دائرة معدّل النهار هو الابلّة ، و الابلّة
-----------
( 1 ) رواه الكليني في الكافي 2 : 387 ح 13 و 409 ح 2 .
-----------
( 2 ) معجم الادباء 1 : 153 .
-----------
( 3 ) هكذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 89 ، و اما ابن ميثم فلم يجعل له عنوانا أصلا 1 : 294 .
[ 519 ]
قصبة البصرة ، و هذا الموضع من خصائص أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب ، و لا تهتدي إليه ، و هو مخصوص بالمدقّقين من الحكماء ،
و هذا من أسراره ، و غرائبه البديعة 1 .
" خفّت عقولكم ، و سفهت حلومكم " روى الكشيّ في سفيان الثوري أنّ قوما أتوا الصادق عليه السّلام يسألونه عن الحديث : فقال لرجل منهم : هل سمعت ، الحديث من غيري ؟ قال : نعم . و حدّثه بأحاديث موضوعة عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمّد فقال عليه السّلام له : من أيّ البلاد أنت ؟ قال : من أهل البصرة قال : هذا الّذي تحدّث عنه ، و تذكر اسمه جعفر بن محمّد هل تعرفه ؟ قال : لا قال : فهل سمعت منه شيئا قط ؟ قال : لا . قال : فهذه الأحاديث عندك حقّ ؟ قال : نعم . قال :
فمتى سمعتها ؟ قال : لا أحفظ إلاّ انّها أحاديث أهل مصرنا منذ دهر لا يمترون فيها . فقال عليه السّلام له : لو رأيت هذا الرجل الّذي تحدّث عنه فقال لك هذه الّتي ترويها عنّي كذب و لا أعرفها ، و لم احدّث بها هل كنت تصدّقه ؟ قال : لا . قال :
و لم ؟ قال : لأنّه شهد على قوله رجال لو شهد أحدهم على عنق رجل لجاز قوله إلى أن قال .
قال عليه السّلام : أعجب حديثهم عندي الكذب عليّ و الحكاية عنّي ما لم أقل ،
و قولهم لو أنكر الأحاديث ما صدّقناه . ما لهؤلاء لا أمهل اللّه لهم إنّ عليّا عليه السّلام لمّا أراد الخروج من البصرة قام على أطرافها ، و قال : لعنك اللّه يا أنتن الأرض ترابا ،
و أسرعها خرابا ، و أشدّها عذابا . فيك الداء الدويّ . قيل : ما هو ؟ قال : كلام القدري الّذي فيه الفرية على اللّه ، و بغضنا أهل البيت ، و استحلالهم الكذب علينا . . . 2 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 89 .
-----------
( 2 ) اختيار معرفة الرجال : 396 و 397 و النقل بتلخيص .
[ 520 ]
" فأنتم غرض " أي : هدف .
" لنابل " أي : رامي النبل ، و هو السهم .
" و اكلة لآكل ، و فريسة " أي : مصيدة .
" لصائل " أي : من حمل عليكم ، و من أراد شاهدا لكلامه عليه السّلام راجع التاريخ في وقائع صاحب الزنج و غيره بها ، و كانوا أيام ابن الزبير أرادوا الخروج عنها خوفا من الخوارج حتّى تصدّى المهلّب لحربهم و آمنها حتّى قيل بصرة المهلب .
و تغلّب عليها إسماعيل بن أرسلان جق عشر سنين نافذ الأمر حتّى أخذها منه سيف الدولة صدقة صاحب الحلة في سنة ( 499 ) و استناب بها مملوكا لجده دبيس بن مزيد . فاجتمع ربيعة و غيرهم من العرب فقاتلوه فهزموه و لم يقدر أهل البصرة على حفظها . فدخلوها بالسيف و أحرقوا الأسواق ، و الدور الحسان و نهبوا ما قدروا عليه ، و أقاموا ينهبون و يحرقون ثلاثة و ثلاثين يوما ، و تشرّد أهلها في السواد ، و نهبت خزانة كتب وقفها أبو الفرج بن أبي البغاء إلى أن أرسل محمّد بن ملكشاه عميدا إليها . فعاد أهلها و شرعوا في عمارتها .
و في سنة ( 513 ) استولى عليها عليّ بن سكمان أحد أمراء بلدقية الترك و كان أوّلا أمير حاجّهم فسيّر السلطان محمود في سنة ( 514 ) عسكرا إليه فأخذها منه .
و لمّا انهزم دبيس بن صدقة أمير الحلة من المسترشد العباسي ، و سبي نساءه في سنة ( 517 ) و نجا وحده بفرسه و سلاحه ، رحل الى المنتفق على قصد البصرة ، و أخذها . فساروا إليها و دخلوها و نهبوها ، و قتل سختكمان مقدم عسكرها و أجلى أهلها منها .
و سار أيضا في سنة ( 523 ) إلى العراق ، و بذل ثلاثمئة حصان منعلّة
[ 521 ]
بالذهب ، و مئتي ألف دينار ليرضي السلطان محمود السلجوقي . فلم يجبه .
فقصد البصرة و أخذ منها أموالا كثيرة ، و ما هناك للخليفة و السلطان من الدخل ثمّ دخل البرية .
و لمّا قتل المستنجد العباسي منكوبرس مقطع البصرة قصد ابن شيكا صهره ، البصرة و نهب قراها في سنة ( 561 ) و عاودها في سنة ( 562 ) فنهبها و خربها من الجهة الشرقية .
و نهب بنو عامر في سنة ( 588 ) أيضا البصرة ، و فارقها أهلها ، و جرت امور عظيمة ذكر ذلك كلّه الجزري في ( تاريخه ) 1 .
هذا و أما ما نقله ابن ميثم في الخطبة زيادة على ما نقله الرضي من قوله " قارئكم أقرأ الناس ، و زاهدكم أزهد الناس " 2 فعدّة من القرّاء السبعة ، و الزهاد الثمانية من أهل البصرة ، و من أهل البصرة الحسن في علمائهم ، و الأحنف في حلمائهم ، و أبو العيناء في ادبائهم ، و المازني في نحاتهم ، و الأصمعي في لغويّيهم ، و الجاحظ في متكلّميهم .
و قوله " أموالكم أكثر الأموال " في ( المعجم ) بعد ذكر تكلّم و فد مكّة و المدينة و الكوفة عند عبد الملك في وصف بلادهم قام خالد بن صفوان وافد البصرة ، و قال : يغدو قانصنا . فيجيء هذا بالشبوط و الشيم ، و يجيء هذا بالظبي و الظليم ، و نحن أكثر الناس عاجا ، و ساجا ، و خزّا ، و ديباجا ، و برذونا هملاجا ، و خريدة مغناجا ، بيوتنا الذهب ، و نهرنا العجب أوّله الرطب ، و أوسطه العنب ، و آخره القصب 3 .
-----------
( 1 ) الكامل 10 : 402 و 559 و 609 و 655 و 11 : 322 و 328 و 12 : 80 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 1 : 292 .
-----------
( 3 ) معجم البلدان 1 : 438 .
[ 522 ]
و قوله : " و نساؤكم أقنع الناس " فيه : دخل فتى من أهل المدينة البصرة .
فلمّا انصرف قال له أصحابه : كيف رأيت البصرة ؟ قال : خير بلاد اللّه للجائع و الغريب و المفلس . أمّا الجائع فيأكل خبز الارز و الصحناءة . فلا ينفق في شهر إلاّ درهمين ، و أما الغريب فيتزوّج بشق درهم 1 .
و قوله : " ثمرتكم أكثر الثمار " فيه : قال الأصمعي سمعت الرشيد يقول :
" نظرنا فإذا كلّ ذهب و فضّة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة " 2 .
" سخر لكم الماء يغدو عليكم ، و يروح صلاحا لمعاشكم ، و البحر سببا لكثرة أموالكم " فيه : قال الجاحظ : بالبصرة ثلاث اعجوبات ليست في غيرها من البلدان ، منها أنّ عدد المدّ و الجزر فيها شيء واحد في جميع الدهر . فيقبل عند حاجتهم إليه ، و يرتدّ عند استغنائهم عنه ثمّ لا يبطىء عنها إلاّ بقدر هضمها و استمرائها و جماحها و استراحتها . لا يقتلها عطشا و لا غرقا ، و لا يغبّها ظمأ ،
يجيء على حساب معلوم ، و تدبير منظوم ، و حدود ثابتة ، و عادة قائمة . يزيدها القمر في امتلائه كما يزيدها في نقصانه . فلا يخفى على أهل الغلاّت متى يتخلّفون ، و متى يذهبون و يرجعون ، بعد أن يعرفوا موضع القمر ، و كم مضى من الشهر . فهي آية و اعجوبة ، و مفخر و احدوثة ، لا يخافون المحل ، و لا يخشون الحطمة .
و قال الحموي في بيانه و شرحه : إنّ دجلة و الفرات يختلطان قرب البصرة و يصيران نهرا يجري من ناحية الشمال إلى ناحية الجنوب فهذا يسمّونه جزرا ثمّ يرجع من الجنوب إلى الشمال و يسمّونه مدّا ، يفعل ذلك في كلّ يوم و ليلة مرّتين يزيد في أوّل كلّ شهر و وسطه أكثر من سائره ، و ذاك أنّه
-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 : 436 .
-----------
( 2 ) معجم البلدان 1 : 439 .
[ 523 ]
إذا انتهى في أوّل الشهر إلى غايته في الزيادة و سقى المواضع العالية و الأراضي القاصية أخذ يمدّ كلّ يوم و ليلة أنقص من اليوم الّذي قبله ، و ينتهي غاية نقص زيادته في آخر يوم من الأسبوع الأوّل ثمّ يمدّ في كلّ يوم أكثر من مدّه في اليوم الّذي قبله حتّى ينتهي غاية زيادة مدّه في نصف الشهر ثمّ يأخذ في النقص إلى آخر الاسبوع ثمّ في الزيادة في آخر الشهر هكذا أبدا 1 .
12
من الخطبة ( 100 ) و منه فِتَنٌ كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ لاَ تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ وَ لاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَ يَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ اَلْمُتَكَبِّرِينَ فِي اَلْأَرْضِ مَجْهُولُونَ وَ فِي اَلسَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ فَوَيْلٌ لَكِ يَا ؟ بَصْرَةُ ؟ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اَللَّهِ لاَ رَهَجَ لَهُ وَ لاَ حِسَّ وَ سَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ اَلْأَحْمَرِ وَ اَلْجُوعِ اَلْأَغْبَرِ من الخطبة ( 126 ) و من كلام له ع فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة يَا ؟ أَحْنَفُ ؟ كَأَنِّي بِهِ وَ قَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ اَلَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَ لاَ لَجَبٌ وَ لاَ قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَ لاَ حَمْحَمَةُ خَيْلٍ يُثِيرُونَ اَلْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ اَلنَّعَامِ ( يومئ بذلك إلى ؟ صاحب الزنج ؟ ثُمَّ قَالَ ع ) : وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ اَلْعَامِرَةِ وَ اَلدُّورِ اَلْمُزَخْرَفَةِ اَلَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ اَلنُّسُورِ وَ خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ اَلْفِيَلَةِ مِنْ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ لاَ يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ وَ لاَ
-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 : 439 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 524 ]
يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ أَنَا كَابُّ اَلدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَ قَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَ نَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا أقول : قال ابن ميثم بعد العنوان الأوّل : نبّه عليه السّلام في هذا الفصل على ما سيقع بعده من الفتن ، و يختص منها فتنة صاحب الزنج بالبصرة إلى أن قال و قال عليه السّلام بعد فصل في غرق البصرة و قيام الأحنف إليه عليه السّلام و قوله له متى يكون ذلك " يا أبا بحر إنّك لن تدرك ذلك الزمان ، و إنّ بينك و بينه لقرونا ،
و لكن ليبلّغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلّغوه إخوانهم ، إذا هم رأوا البصرة قد تحولّت أخصاصها دورا ، و آجامها قصورا فالهرب الهرب . فإنّه لا بصرة لكم يومئذ ثم التفت عن يمينه فقال كم بينكم و بين الابلّة فقال له المنذر بن الجارود : أربعة فراسخ . فقال عليه السّلام له صدقت فو الّذي بعث محمّدا و أكرمه بالنبوّة ، و خصّه بالرسالة ، و عجّل بروحه إلى الجنّة ، لقد سمعت منه كما تسمعون منّي إن قال : يا عليّ هل علمت أنّ بين الّتي تسمّى البصرة ، و الّتي تسمّى الابلّة أربعة فراسخ ، و سيكون في الّتي تسمّى الابلّة موضع أصحاب العشور يقتل في ذلك الموضع من امّتي سبعون ألف شهيد هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر ؟
فقال له عليه السّلام المنذر : و من يقتلهم ؟
قال : عليه السّلام : يقتلهم إخوان الجن ، و هم جيل كأنّهم الشياطين ، سود ألوانهم ، منتنة أرواحهم ، شديد كلبهم ، قليل سلبهم . طوبى لمن قتلهم ، و طوبى لمن قتلوه . ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم أذلّة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان . مجهولون في الأرض معروفون في السماء ، يبكي السماء عليهم و سكّانها ، و الأرض و سكّانها . ثمّ هملت عيناه بالبكاء ثم قال : و يحك يا بصرة و يلك يا بصرة من جيش لا رهج له و لا حسّ .
فقال له المنذر : و ما الّذي يصيبهم من قبل الغرق في ما ذكرت و ما
[ 525 ]
الويح ، و ما الويل ؟
قال عليه السّلام : هما بابان . فالويح باب الرحمة ، و الويل باب العذاب . يا ابن الجارود نعم . تارات عظيمة منها عصبة يقتل بعضها بعضا ، و منها فتنة تكون منها إخراب منازل ، و خراب ديار ، و انتهاك أموال ، و قتل رجال ، و سبي نساء يذبحن ذبحا ، يا ويل أمرهن به حديث عجيب ، و منها أن يستحلّ بها الدجّال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى ، و الاخرى كأنّها ممزوجة بالدم لكأنّها في الحمرة علقة تأتي الحدقة كهيئة حبّة العنب الطافية على الماء . فيتبعه من أهلها عدّة من قتل بالابلّة من الشهداء ، أنا جيلهم في صدورهم ، يقتل من يقتل ،
و يهرب من يهرب . ثمّ رجف ثمّ قذف ثمّ خسف ثمّ مسح ، ثمّ الجوع الأغبر ، ثمّ الموت الأحمر ، و هو الغرق . . . 1 .
قلت : إنّه و إن كان قوله في روايته " يقتلهم إخوان الجن ، و هم جيل كأنّهم الشياطين ، سود ألوانهم ، منتنة أرواحهم ، شديد كلبهم ، قليل سلبهم " ينطبق على أصحاب صاحب الزنج لأنّهم كانوا زنوجا ، و كذلك قوله : " ويلك يا بصرة من جيش لا رهج له و لا حسّ " فإنّه نظير قوله عليه السّلام في الثاني الوارد فيهم بالاتفاق " و قد سار بالجيش الّذي لا يكون له غبار ، و لا لجب ، و لا قعقعة لجم ،
و لا حمحمة خيل " إلاّ أنّه لا يوافقه قوله " يقتل في ذلك الموضع ( أي الابلّة ) من امتّي سبعون ألف شهيد ، هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر " فإنّه و إن ذكر التاريخ " أنّ في رجب سنة ( 256 ) دخل الزنج الابلّة و قتلوا فيها خلقا كثيرا و أحرقوها و كانت مبنية بالساج فأسرعت النار فيها ، و حووا الأموال العظيمة ، و كان ما أحرقت النار أكثر من الّذي نهب " 2 إلاّ أنّ المقتولين كانوا عامة عمياء ، و كذلك
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 15 16 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الكامل 75 : 236 ، سنة 256 .
[ 526 ]
لا يوافقه قوله في رواية المصنف : " يجاهدهم في سبيل اللّه قوم أذلّة عند المتكبرين في الأرض مجهولون و في السماء معروفون " و زيادته في رواية ابن ميثم " يبكي السماء عليهم . . . " فإنّ المحاربين مع أصحاب الزنج كانوا ناصبة سفيانية من جنس من قال الأبي في كتابه ( نثر الدرر ) : أنّه لمّا ادخل المعتضد رأس صاحب الزنج إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله . قال العلاء بن صاعد فلمّا صرنا بباب الطاق صاح قوم من درب من دروب الأسواق رحم اللّه معاوية و زاد حتّى علّت أصوات العامة بذلك . فتغيّر وجه المعتضد ، و قال لي : ألا تسمع ما أعجب هذا و ما الّذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت ، و اللّه لقد بلغ أبي إلى الموت ، و ما نجوت إلاّ بعد مشارفته ، و لقينا كلّ جهد و بلاء حتّى أنجينا هؤلاء الكلاب من عدوّهم ، و حصّنّا حرمهم و أولادهم ، فتركوا أن يترحموا على العباس ، و ابن عباس ، و من ولد من الخلفاء ، و تركوا الترحم علي علي عليه السّلام و حمزة ، و جعفر ، و الحسن و الحسين عليه السّلام . و اللّه لا برحت أو أؤدب هؤلاء . . . 1 .
و الظاهر أنّه وقع في الرواية خلط من الرواة أو النساخ ، و أنّه عليه السّلام ذكر فتن البصرة و محنها بعد عصره عليه السّلام إلى الأبد مرّة بعد مرّة كما يشهد له قوله عليه السّلام : " يا ابن الجارود نعم تارات عظيمة ، منها كذا و منها كذا " و أنّ قوله عليه السّلام " يقتل . . . " و قوله عليه السّلام " يجاهدهم . . . " كانا مذكورين في غير فتنة الزنج ، و خلطا بقوله عليه السّلام " إخوان الجن . . . " و قوله عليه السّلام " و من جيش . . . " . و ممّا يدلّ على أنّهما روايتان ، أنّ الحموي في ( البلدان ) روى أنّه عليه السّلام قال بالبصرة في خطبة له : يستشهد عند مسجد جامعها ، و موضع عشورها ثمانون ألف شهيد إلى أن قال و في رواية اخرى أنّه قال : ليأتين عليها يوم لا يرى منها إلاّ
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 340 ، شرح الخطبة 126 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 527 ]
شرفات جامعها كجؤجؤ السفينة في لجة البحر ، ثم قال : و يحك يا بصرة ،
و يلك من جيش لا غبار له . . . 1 فترى أنّه جعل رواية شهداء الابلّة غير رواية صاحب الزنج .
و بعد ما استظهرنا من الخلط ، لا يبعد أن يكون قوله عليه السّلام " فتن إلى قوله قليل سلبهم " من العنوان الأوّل وصف التتار لا أصحاب الزنج . فإن وصف الأتراك بكونهم شديدا كلبهم قليلا سلبهم معروف ، ذكره الجاحظ في رسالته في ( مناقب الأتراك ) 2 ، و في ( الكامل ) : " سمعت عن بعض أكابر الكرج قال : من حدّثكم أن التتر انهزموا و اسروا فلا تصدّقوه ، و إذا حدّثتم أنّهم قتلوا فصدّقوا . فإنّ القوم لا يفرّون أبدا ، و لقد أخذنا أسيرا منهم . فألقى نفسه من الدابة ، و ضرب رأسه بالحجر إلى أن مات " 3 و كذلك كلّ فقرة منه من قوله " لا تقوم . . . " و قوله " لا ترد . . . " و قوله " يحفزها " انطباقها على التتار واضح دون الزنج . نعم قوله عليه السّلام " فويل لك يا بصرة . . . " وصف الزنج . كما أنّ قوله " ثمّ الموت الأحمر و هو الغرق " في رواية أبن ميثم 4 محرف " ثمّ الموت الأحمر ثمّ الغرق " فإنّ الموت الأحمر إنّما هو القتل بالسيف و تصحيح ابن ميثم له خطأ .
و يشهد لما قاله عليه السّلام من الغرق في تارات البصرة ما في ( تاريخ الطبري ) أنّ في ذي القعدة من سنة ( 255 ) جمع أهل البصرة لصاحب الزنج ، و حشدوا له و انتدب لذلك رجل من أهل البصرة يعرف بحماد الساجي و كان من غزاة البحر في الشذا و له علم بركوبها و الحرب فيها فجمع المطّوّعة ، و رماة الأهداف و أهل المسجد الجامع ، و من خفّ معه من حزبي البلاليّة و السعديّة ،
-----------
( 1 ) معجم البلدان 1 : 436 .
-----------
( 2 ) مناقب الأتراك : 26 .
-----------
( 3 ) الكامل لابن الأثير الجزري 12 : 384 ، سنة 617 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 16 .
[ 528 ]
و من أحبّ النظر من غير هذه الأصناف من الهاشميّين ، و القرشيّين ، و سائر أصناف الناس فشحن ثلاثة مراكب من الشذا من الرماة ، و جعلوا يزدحمون في الشذا حرصا على حضور ذلك المشهد ، و مضى جمهور الناس رجّالة ،
منهم من معه السلاح ، و منهم نظّارة لا سلاح معهم . فدخلت الشذا و السفن النهر المعروف بامّ حبيب بعد زوال الشمس ، و مرّت الرجّالة و النظّارة على شاطئ النهر قد سدّوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفا و كثرة ، و كان صاحب الزنج مقيما بموضعه من النهر المعروف بشيطان ، و لمّا أتته طلائعه بذلك وجّه زريقا و أبا الليث الإصبهاني في جمع في الجانب الشرقي كمينا ، و الحسين الحمّامي في جمع في الجانب الغربي كذلك ، و أمر عليّ بن أبان و من بقي معه بتلقّى القوم ، و أمر نساء الزنج بجمع الآجر و امداد الرجال به إلى أن قال :
و خرج الكمينان عن جنبتي النهر من وراء السفن و الرجّالة ، و خبطوا من ولّى من الرجالة و النظّارة الّذين كانوا على شاطئ النهر . فغرقت طائفة ، و قتلت طائفة . و هربت طائفة نحو الشط طمعا في النجاة . فأدركها السيف فمن ثبت قتل ، و من رجع إلى الماء غرق ، و لجأ من كان على شاطىء النهر من الرّجالة الى النهر . فغرقوا ، و قتلوا حتّى ابير أكثر ذلك الجمع ، و لم ينج منهم إلاّ الشريد و كثر المفقودون بالبصرة ، و علا العويل من نسائهم .
و هذا يوم الشذا الّذي ذكره الناس و أعظموا ما كان فيه من القتل ، و قتل من بني هاشم جمع من ولد جعفر بن سليمان ، و أربعون من الرماة المشهورين ، و جمعت له الرؤوس فذهب إليه جماعة من أوليائهم ، فأخذوا ما عرفوا منها 1 .
كما يشهد لقوله عليه السّلام في رواية ابن ميثم " ثمّ خسف " في تارات البصرة
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 7 : 564 566 ، سنة 255 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 529 ]
و هو في غير مورد صاحب الزنج ما في ( الكامل ) أنّ في سنة ( 289 ) هبت ريح عاصف بالبصرة . فقلعت كثيرا من نخلها ، و خسف بموضع منها هلك فيه ستة آلاف نفس 1 .
كما يشهد لقوله عليه السّلام في روايته أيضا " يذبحن ذبحا " ما في ( المروج ) ذكر انّ امرأة من الزنج قد احتضرت ، و عند اختها و قد احتوشوها ينظرون أن تموت . فيأكلوا لحمها . فما ماتت حتّى ابتدروها فقطعوها ، و أكلوها ، و قد جاءت اختها و معها رأسها و هي تبكي . فقيل لها : و يحك مالك تبكين ؟ قالت : إجتمعوا على اختي فما تركوها حتّى تموت موتا حسنا حتّى قطعوها . فظلموني فلم يعطوني من لحمها شيئا إلاّ رأسها هذا 2 .
كما يشهد لقوله عليه السّلام في روايته أيضا " يا ويل أمرهنّ به حديث عجيب " ما في ( المروج ) أيضا أنّه بلغ من أمر عسكر صاحب الزنج أنّه كان ينادي فيه على المرأة من ولد الحسن و الحسين و العباس و غيرهم من ولد هاشم و قريش ، و غيرهم من ساير العرب تباع الجارية منهم بالدرهمين و الثلاثة ،
و ينادى عليها بنسبها : هذه ابنة فلان الفلاني لكلّ زنجي منهم العشرة و العشرون و الثلاثون يطؤهنّ الزنج ، و يخدمن النساء الزنجيات كما تخدم الوصائف 3 .
قول المصنّف " و منه " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( منها ) كما في ( ابن ميثم و الخطية ) 4 .
" فتن كقطع الليل المظلم " في الشدّة و عدم الاهتداء فيها إلى حيلة .
-----------
( 1 ) الكامل 7 : 522 سنة 289 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 4 : 120 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 4 : 120 .
-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 14 .
[ 530 ]
" لا تقوم لها قائمة " أي : لا تقدر قائمة على القيام في قبالها .
" و لا تردّ لها راية " لعدم وجود مقاوم لها .
" تأتيكم " تلك الفتن .
" مزمومة " كدابة جعل لها زمام .
" مرحولة " كناقة انتخبت راحلة .
" يحفزها " أي : يدفعها شديدا .
" قائدها " القيّم بأمرها .
" و يجهدها " كما في الثلاثة 1 ، و أما " و يجدّها " كما في ( المصرية ) فغلط أي : يحملها على الجهد و المشقة .
" راكبها " حتّى يبلغ قريبا مقصده .
" أهلها قوم شديد كلبهم . قليل سلبهم " قد عرفت انطباق هذا الكلام على التتار دون الزنج كما ادعاه ابن ميثم 2 .
" و يجاهدهم في سبيل اللّه " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( في اللّه ) كما ( في ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .
" قوم أذلّة عند المتكّبرين ، في الأرض مجهولون ، و في السماء معروفون " روى المدائني في ( صفينه ) كما في ( ابن أبي الحديد ) عند قوله عليه السّلام : " يا أهل العراق " أنّه عليه السّلام خطب بعد النهروان . فذكر طرفا من الملاحم . فقال عليه السّلام : " إذا كثرت فيكم الأخلاط إلى أن قال فيا ابن خيرة الآباء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من رب رحيم ، ألا فويل للمتكبّرين عدد حصاد الحاصدين ، و قتل
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 195 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 14 مثل المصرية .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 14 .
-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 195 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 14 مثل المصرية .
[ 531 ]
الفاسقين عصاة ذي العرش العظيم . فبأبي و امي من عدّة قليلة أسماؤهم في الأرض مجهولة قد دنا حينئذ ظهورهم " 1 .
ثمّ قد عرفت عدم انطباق هذا الكلام كسابقه على صاحب الزنج كما ادعاه ابن ميثم ، لكن لا ينطبق على التتار أيضا ، و كان سابقه قابلا للانطباق على التتار ، و أما الآتي فينطبق جميعه على صاحب الزنج احتمالا .
" فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم اللّه " جيش من نقمه تعالى يمكن أن يكونوا على الحقّ فيكون الكلام إشارة إلى جيش الغضب أصحاب القائم عليه السّلام ، و يؤيّده سابقه ، و يمكن أن يكونوا على الباطل فقد قال تعالى و كذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون 2 فيحتمل إرادة صاحب الزنج به و يؤيّده ما بعده .
" لا رهج له " أي : لا غبار له .
" و لا حسّ " أي : و لا صوت .
" و سيبتلى أهلك بالموت الأحمر " أي : القتل . قال المسعودي : قد كان أتى صاحب الزنج بالبصرة في وقعة واحدة على قتل ثلاثمئة ألف 3 ، و في رسالة ابن القارح : قتل علوي البصرة في موضع بها يقال له العقيق أربعة و عشرين ألفا عدّوهم بالقصب و حرّق جامعها 4 .
و قال الجزري : نادى أصحاب صاحب الزنج في البصرة : من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم بن يحيى المهلّبي . فحضروا حتّى ملأوا الرحائب ،
فلمّا رأى اجتماعهم انتهز الفرصة فأمر بقتلهم . فكان السيف يعمل فيهم ،
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 49 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 2 ) الأنعام : 129 .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 4 : 119 .
-----------
( 4 ) رسالة ابن القارح ، ضمن رسائل البلغاء : 199 .
[ 532 ]
و أصواتهم مرتفعة بالشهادة 1 .
" و الجوع الأغبر " أي : القحط ، وصف عليه السّلام الجوع بالأغبر لأنّ الجائع لا يقدر على النهوض ، فيسقط على التراب فيكون مغبرا ، كما وصف عليه السّلام الموت بالأحمر لأنّ من يقتل بالسيف يصير محمرا من الدم .
في ( المروج ) : كان المهلّبي من عليّة أصحاب الزنج بعد تلك الوقعة بالبصرة ينصب منبرا بالموضع المعروف بمقبرة بني يشكر ، و يصلّي يوم الجمعة بالناس ، و يخطب لصاحبه ، و يترحّم بعد ذلك على أبي بكر و عمر ، و لا يذكر عثمان و لا عليّا عليه السّلام في خطبته ، و يلعن جبابرة بني العباس ، و أبا موسى الأشعري ، و عمرو بن العاص ، و معاوية . فركن من بقي بالبصرة من الناس إلى هذا الفعل منه . فاجتمعوا في بعض الجمع . فوضع فيهم السيف . فمن ناج سالم ، و من مقتول و من غريق ، و اختفى كثير من الناس في الدور و الآبار .
فكانوا يظهرون باللّيل فيأخذون الكلاب . فيذبحونها و يأكلونها ، و الفيران و السنانير فأفنوها حتّى لم يقدروا منها على شيء . فكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه و عدموا مع ذلك الماء العذب 2 .
قول المصنّف في الثاني " في ما يخبر به من الملاحم " جمع الملحمة الوقعة العظيمة في الفتنة بالبصرة .
قوله عليه السّلام " يا أحنف " قال الخوئي : إنّ أحنف شهد الجمل ، و لم يشهد صفين ، و كان يكنّى أبا بكر " 3 .
قلت : بل شهد . صفين و لم يشهد الجمل و كنيته أبو بحر لا أبو بكر .
-----------
( 1 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري 7 : 245 ، سنة 257 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 119 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) شرح الخوئي 4 : 37 .
[ 533 ]
" كأنّي به ، و قد سار بالجيش الّذي لا يكون له غبار ، و لا لجب " أي : صوت .
" و لا قعقعة لجم و لا حمحمة خيل " أشار عليه السّلام إلى صاحب الزنج . قال الطبري : و في النصف من شوال من سنة ( 255 ) ظهر في فرات البصرة رجل زعم انّه ( علي بن محمّد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين ) و جمع إليه الزنج الّذين كانوا يكسبون السباخ إلى أن قال كان رجوعه إلى البصرة في شهر رمضان سنة ( 255 ) إلى أن قال فذكر عن ريحان بن صالح أحد غلمان الشورجييّن ، و هو أوّل من صحبه منهم : قال : كنت موكّلا بغلمان مولاي أنقل الدقيق اليهم من البصرة ، و أفرّقه فيهم . فحملت ذلك اليهم كما كنت أفعل . فمررت به ، و هو مقيم ببرنخل في قصر القرشي . فأخذني أصحابه فصاروا بي إليه و أمروني بالتسليم عليه بالإمرة ففعلت فسألني عن الموضع الّذي جئت منه . فأخبرته أنّي أقبلت من البصرة إلى أن قال فسألني عن أخبار غلمان الشورجيّين ، و ما يجري لكلّ غلام منهم من الدقيق ، و السويق ، و التمر ، و عمّن يعمل في الشورج ، من الأحرار و العبيد . فأعلمته ذلك . فدعاني إلى ما هو عليه . فأجبته فقال لي : احتل في من قدرت عليه من الغلمان . فأقبل بهم إليّ ، و وعدني أن يقوّدني على من آتيه به منهم ، و أن يحسن إلي ثمّ رجعت إليه ، و قد قدم عليه رفيق بشبل بن سالم من غلمان الدباسيين ، و بحريرة كان أمره بابتياعها ليتّخذها لواء . فكتب فيها بحمرة و خضرة : إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم . . . و كتب اسمه و اسم أبيه و علّقها في رأس مردي ، و خرج في السحر لليلتين بقيتا من شهر رمضان . فلمّا صار إلى مؤخر القصر الّذي كان فيه ، لقيه غلمان رجل من الشورجييّن يعرف بالعطّار متوجّهين إلى أعمالهم . فأمر بأخذهم . فأخذوا و كتف وكيلهم . إلى أن قال : و اخذ معهم مكتوفا و كانوا في نهر يعرف بنهر المكاثر ثمّ مضى إلى موضع السيرافي . فأخذ منه خمسين و مئة غلام فيهم
[ 534 ]
زريق ، و أبو الخنجر ثمّ صار إلى موضع ابن عطاء . فأخذ طريقا و صبيحا الاعسر ، و راشد المغربي ، و راشدا القرماطي ، و أخذ معهم ثمانين غلاما ، ثم أتى موضع إسماعيل المعروف بغلام سهل الطحان ، ثمّ لم يزل يفعل ذلك كذلك في يومه حتّى اجتمع إليه بشر كثير من غلمان الشورجيّين . ثمّ جمعهم ،
و قام فيهم خطيبا فمنّاهم ، و وعدهم أن يقوّدهم و يرئّسهم ، و يملّكهم الأموال إلى أن قال :
ثمّ دعا مواليهم ، فقال : قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون إلى هؤلاء الغلمان الّذين استضعفتموهم إلى أن قال :
ثمّ سار حتى وافي دجيلا . فوجد سفن سماد تدخل في المد فركبوها ،
و صاروا إلى نهر ميمون ، و أقام هناك يجتمع إليه السودان إلى يوم الفطر فصلّى بهم و خطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال ، و أنّ اللّه قد استنقذهم به إلى أن قال :
فلمّا كثر من اجتمع إليه من الزنج قوّد قوّاده ، فانتهى إليه أن الحميري و عقيلا مع خليفة ابن أبي عون قد أقبلوا نحوه و ليس في عسكره يومئذ إلاّ ثلاثة أسياف : سيفه ، و سيف عليّ بن أبان ، و سيف محمّد بن سلم إلى أن قال :
فقال له علي بن أبان قد كنّا نرى من ورائنا بارقة ، و نسمع حسّ قوم يتّبعونا فلم يستتم كلامه حتّى لحق القوم ، و تنادى الزنج : السلاح ، و كان فتح الحجّام يأكل فلمّا نهض تناول طبقا كان بين يديه و تقدّم فلقيه رجل يقال له :
بلبل فحمل عليه و حذفه بالطبق الّذي كان في يده . فرمى بلبل بسلاحه ، و ولّى هاربا و انهزم أصحابه و كانوا أربعة آلاف فذهبوا على وجوههم و قتل من قتل منهم ، و مات بعضهم عطشا ، و اسر منهم قوم . فأتى بهم صاحب الزنج فأمر بضرب أعناقهم فضربت ، و حملت الرؤوس على بغال كان أخذها من
[ 535 ]
الشورجيّين ، و أتى قرية تعرف بحبّى فأهدى له رجل فرسا كميتا . فلم يجد سرجا و لا لجاما . فركبه بحبل و سنفه بليف إلى أن قال :
أتاه يحيى بن يحيى المعروف بالزبيري رئيس وكلاء الهاشميين في سيب بمئتين و خمسين دينارا ، و ألف درهم فكان هذا أوّل مال صار إليه ثمّ سأله عن دوابّ وكلاء الهاشميين . فدلّه على ثلاثة براذين : كميت ، و أشقر ،
و أشهب فدفع أحدها إلى ابن سلم ، و الآخر الى يحيى بن محمّد ، و أعطى مشرقا الثالث و وجد بعض السودان لبعض بني هاشم دارا فيها سلاح ، فانتهبوه .
فصار في أيدي الزنوج سيوف و بالات و زقايات و تراس إلى أن قال :
و أمر بانتهاب القادسية و الشيفيا ، فانتهب منهما مالا عظيما عينا و ورقا ، و جوهرا ، و حليّا ، و أواني ذهب ، و فضة ، و سبي منهما يومئذ غلمانا و نسوة ، و ذلك أوّل سبي سبي إلى أن قال :
أعلمه أحدهم أنّ أصحابه قد شغلوا بخمور و أنبذة و جدوها في القادسية فصار اليهم ، و أعلمهم أنّ ذلك ممّا لا يجوز لهم ، و حرّم النبيذ في ذلك اليوم عليهم ، و قال لهم : إنّكم تلاقون جيوشا تقاتلونهم فدعوا شرب النبيذ ،
و التشاغل به ، فأجابوه إلى ذلك .
و روى أنّه لاقاه أبو هلال الترك مع زهاء أربعة آلاف ، و في مقدمته قوم عليهم ثياب مشهرة ، و أعلام و طبول . فحملوا عليهم ، و ألقى صاحب علمهم بخشبتين كانتا معه عليه . فصرعه . فانهزموا ، و أفلت أبو هلال على دابة اخرى ،
و قتل من أصحابه زهاء ألف و خمسمئة ثمّ حال بينهم الليل . فأمر في الصبح بتتبّعهم . فجاءوا برؤوس و أسرى فقتلهم 1 .
و قال المسعودي : تكلّم الناس في مقدار ما قتل صاحب الزنج في أيّامه
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 7 : 543 ، سنة 255 ، و النقل بتلخيص .
[ 536 ]
و المقلل يقول : أفنى من الناس خمسمئة ألف نفر 1 .
" يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النعام " لم يذكر أحد أنّ الزنوج كانوا يثيرون الأرض بأقدامهم ، و الظاهر أنّه لمّا كان الإخبار بهم ، و بالتتار في خطبة واحدة كما يأتي حصل الخلط ، و أنّ الأصل كان " تثير خيولهم الأرض بأقدام كأنّها أقدام النعام " فقال الجزري في التتار : " و أما دوابّهم الّتي يركبونها . فإنّها تحفر الأرض بحوافرها ، و تأكل عروق النبات لا تعرف الشعير " 2 .
قول المصنّف : " يومئ بذلك إلى صاحب الزنج " لا ريب أنّ العنوان إلى قوله " و لا حمحمة خيل " إشارة إلى صاحب الزنج ، و أما قوله " يثيرون الأرض ،
بأقدام كأنّها أقدام النعام " فقد عرفت الاشكال فيه ، و استظهار كونه من كلامه عليه السّلام في التتار ، و حصل الخلط .
هذا و في رسالة ابن القارح إلى المعرّي في كلام علي عليه السّلام " تهلك البصرة بالزنج " فصحفّوه و قالوا : قال " تهلك البصرة بالريح " 3 .
ثمّ قال عليه السّلام " ويل لسكككم العامرة ، و الدور المزخرفة الّتي لها أجنحة " جمع جناح .
" كأجنحة النسور ، و خراطيم " جمع خرطوم .
" كخراطيم الفيلة " في ( الطبري ) : لمّا أخرب صاحب الزنج البصرة ،
و انتهى اليه عظيم ما فعله أصحابه فيها ، كان الخبيث يقول : دعوت على أهل البصرة ، و قال : تولّت الملائكة إخرابها دون أصحابي ، و لو كان أصحابي
-----------
( 1 ) مروج الذهب 4 : 120 .
-----------
( 2 ) الكامل 12 : 360 ، سنة 617 .
-----------
( 3 ) رسالة ابن القارح : 199 ، و النقل بالمعنى .
[ 537 ]
تولّوا ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم الّذي يحكى عنها 1 .
و في ( المروج ) : كانت مدّة أيام صاحب الزنج أربع عشرة سنة ، و أربعة أشهر يقتل الصغير و الكبير ، و الذكر و الانثى ، و يحرّق و يخرّب 2 .
و في ( الكامل ) : احرقت البصرة في عدّة مواضع : منها المربد ، و زهران ،
و غيرهما ، و اتسع الحريق من الجبل إلى الجبل ، و عظم الخطب ، و عمّها القتل و النهب و الإحراق 3 .
" من أولئك " متعلّق بقوله عليه السّلام " ويل " ، و في رسالة ابن القارح ، قال صاحب الزنج لأصحابه : إنّكم قد اعنتم بقبح مظهر . فاشفعوه بقبح مخبر .
إجعلوا كلّ عامر قفرا ، و كلّ بيت قبرا 4 .
" الذين لا يندب قتيلهم ، و لا يفتقد " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( و لا يفقد ) كما في الثلاثة 5 .
" غائبهم " في الكامل أوقع سعيد الحاجب في رجب ( 257 ) بجماعة من الزنج . فهزمهم و استنقذ ما معهم من النساء و النهب ، و بلغه الخبر بجمع آخر منهم . فسار إليهم فهزمهم فكانت المرأة من تلك الناحية تأخذ الزنج فتأتي به عسكر سعيد فلا يمتنع عليها 6 .
و فيه بعد ذكر أمر صاحب الزنج المهلبي لكبس عسكر الموفق و انهزام الزنج و قتل بعضهم و غرقهم و أسر أكثرهم " فأمر المعتضد أن
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 7 : 607 ، سنة 257 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 4 : 119 .
-----------
( 3 ) الكامل 7 : 245 ، سنة 257 .
-----------
( 4 ) رسالة ابن القارح : 199 .
-----------
( 5 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 310 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 137 مثل المصرية .
-----------
( 6 ) الكامل 7 : 241 ، سنة 257 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 538 ]
يحمل الأسرى و رؤوس القتلى و يعبر بهم على مدينة صاحبهم ، و بلغ الموفق أنّ الخبيث قال لهم : إنّ الأسرى من المستأمنة إليهم و إنّ الرؤوس تمويه عليكم . فأمر بإلقاء الرؤوس ، في منجنيق إليهم . فلمّا رأوها عرفوها . فأظهروا الجزع و البكاء ، و ظهر لهم كذب الخبيث " 1 فترى تضمن الكلام أنّ جمعا منهم قتلوا و لم يتفقدهم أحد و لا ندب عليهم ، و ذلك لعدم كونهم أقارب و إنّما تجمعهم الزنجية و بكاؤهم بعد مشاهدة رؤوس جمع منهم إنّما كان خوفا على نفوسهم .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد : قال الطبري : إنصرف الموفق لليلتين خلتا من صفر من سنة ( 270 ) من نهر أبي الخصيب و رأس الناجم أي صاحب الزنج منصوب بين يديه على قناة في شذاة ، و الناس من جانبي النهر ينظرون اليه حتّى وافي قصره بالموفقية .
و ذكر المسعودي في ( مروجه ) : " أنّ الناجم ارتثّ و حمل إلى أبي أحمد و هو حيّ . فسلّمه إلى أبنه المعتضد ، و أمر بتعذيبه . فجعله كردناجا على النار و جلده يتفرقع حتّى هلك " .
و الصحيح رواية الطبري ، و إنّما الذي جعل كردناجا هو قرطاس الّذي رمى الموفق بسهم .
قال التنوخي في ( نشوار المحاضرة ) : كان الزنج يصيحون لما رمى الموفق بالسهم ، و تأخّر لعلاج جراحته عن الحرب ملّحوه ملّحوه أي قد مات ، و أنتم تكتمون موته ، فاجعلوه كاللحم المكسود و كان قرطاس الرامي للموفق يصيح بالمعتضد في الحرب إذا أخذتني فاجعلني كردناجا يهزأ به فلمّا ظفر به أدخل في دبره سيخا من حديد فأخرجه من فيه و جعله
-----------
( 1 ) الكامل 7 : 354 ، سنة 267 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 539 ]
على النار كردناجا 1 .
قلت : لم يذكر المسعودي أنّ المعتضد جعل صاحب الزنج كردناجا على النار حتّى ينافي قول الطبري بقتله في الحرب ، و انّما قال المسعودي انّ المعتضد جعل محمّد بن الحسن بن سهل أوّل من كتب أخبار صاحب الزنج كردناجا على النار 2 و لكن ابن أبي الحديد خلط .
هذا ، و خرج الزنج بالبصرة مرتين قبل تلك المرّة المعروفة أولاهما في آخر أيام مصعب بن الزبير . فأفسدوا ، و تناولوا الثمار . فشكا الناس ذلك إلى و اليهم فأرسل إليهم جيشا . فتفرّقوا ، و أخذ بعضهم فقتل و صلب .
و الثانية في أيام الحجاج لمّا وثب ابن الجارود مع جمع على الحجّاج لمّا أراد نقص عطائهم . فاجتمع منهم خلق كثير بالفرات و أمرّوا عليهم رجلا ملقبا شير زنج ، فلمّا فرغ الحجّاج من أمر ابن الجارود أمر شرطة البصرة أن يرسل إليهم جيشا فهزمهم و قتلهم . و مراده عليه السّلام تلك المعروفة .
" أنا كابّ الدنيا لوجهها ، و قادرها بقدرها ، و ناظرها بعينها " قال ابن أبي الحديد : هو مثل الكلمات المحكية عن عيسى عليه السّلام : أنا الّذي كببت الدنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت ، و لا بيت يخرّب ، وسادي الحجر ، و فراشي المدر ،
و سراجي القمر 3 .
قلت : كونه مثله غير معلوم . فهو عليه السّلام قال " كابّ الدنيا لوجهها " و كلام عيسى عليه السّلام " كابّ الدنيا على وجهها " فالظاهر أنّه عليه السّلام لمّا قال ذلك بعد اخباره عن المغيبات قال إنّه محيط بظاهر الدنيا و باطنها كمن يقلّب الشيء و يكبّه
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 340 ، و تاريخ الطبري 8 : 141 ، سنة 270 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 4 : 155 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 311 .
[ 540 ]
لوجهه . فينظر بعينه إلى جميعه . فالظاهر أنّه نظير ما ورد عن عترته عليه السّلام في إحاطة الإمام بما في الدنيا . فروى الصفار عن حمزة الجعفي قال : دخلت على الرضا عليه السّلام و معي صحيفة أو قرطاس فيه عن جعفر عليه السّلام أنّ الدنيا مثّلت لصاحب هذا الأمر في مثل فلقة الجوز . فقال : يا حمزة ذا و اللّه حقّ 1 .
13
من الخطبة ( 126 ) منها في وصف ؟ الأتراك ؟
كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ اَلْمَجَانُّ اَلْمُطَرَّقَةُ يَلْبَسُونَ اَلسَّرَقَ وَ اَلدِّيبَاجَ وَ يَعْتَقِبُونَ اَلْخَيْلَ اَلْعِتَاقَ وَ يَكُونُ هُنَاكَ اِسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حَتَّى يَمْشِيَ اَلْمَجْرُوحُ عَلَى اَلْمَقْتُولِ وَ يَكُونَ اَلْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ اَلْمَأْسُورِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ عِلْمَ اَلْغَيْبِ فَضَحِكَ ع وَ قَالَ لِلرَّجُلِ وَ كَانَ كَلْبِيّاً يَا أَخَا ؟ كَلْبٍ ؟ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ وَ إِنَّمَا عِلْمُ اَلْغَيْبِ عِلْمُ اَلسَّاعَةِ وَ مَا عَدَّدَهُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اَللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسَّاعَةِ 1 28 31 : 34 اَلْآيَةَ فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا فِي اَلْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَ قَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَ سَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ وَ مَنْ يَكُون فِي النَّارِ حَطَباً أَوْ فِي اَلْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً فَهَذَا عِلْمُ اَلْغَيْبِ اَلَّذِي لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلاَّ اَللَّهُ وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اَللَّهُ نَبِيَّهُ ص فَعَلَّمَنِيهِ وَ دَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي أقول : جميع ما مضى و يأتي من إخباره عليه السّلام عن المستقبل يمكن لمشكّك أن يشكّك فيها ببعض الشبهات بأنّا لم نجده في غير النهج في كتاب
-----------
( 1 ) بصائر الدرجات : 428 ح 2 .
[ 541 ]
كان مقدّما على وقوعه ، و أما هذا فلا مجال للتشكيك فيه . ففرغ الرضي من النهج في ( 400 ) و توفي في سنة ( 406 ) و كان أوّل واقعة التتار في سنة ( 617 ) .
و مرّ في سابقه أنّ قوله عليه السّلام في ذاك بنقل المصنّف " يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النعام " كان جزء هذا لكونهما في خطبة واحدة . فخلطهما الرواة مع تحريف ، و أنّ الأصل " خيولهم تثير الأرض بأقدام كأنّها أقدام النعام " .
و مرّ في سابقه أيضا أنّ قوله عليه السّلام في عنوان آخر " فتن كقطع الليل المظلم لا تقوم لها قائمة ، و لا ترد لها راية . تأتيكم مزمومة مرحولة . يحفزها قائدها و يجهدها راكبها . أهلها قوم شديد كلبهم ، قليل سلبهم " ينطبق على التتار .
قول المصنّف " منها " أي : من خطبة الملاحم ، و لكن في ( ابن أبي الحديد و الخطية ) " و منه " و في ( ابن ميثم ) " و من كلام له عليه السّلام " 1 .
" و يومئ بذلك الى وصف التتار " و في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد ) :
" يومئ به إلى وصف الأتراك " 2 .
قال الجزري : كان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا من بلادهم حدود الصين قديما ، و نزلوا وراء بلاد تركستان ، و كان بينهم و بين الخطا عداوة و حروب . فلمّا سمعوا بما فعله خوارزمشاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشليخان إلى أن قال بعد ذكر الاختلاف بين كشليخان و خوارزمشاه و إرادته حربه ثمّ اتّفق خروج هؤلاء التتر الآخر الّذين خربوا الدنيا و ملكهم جنگيزخان النهرجي على كشليخان التتري الأوّل . فاشتغل بهم كشليخان عن خوارزم شاه 3 .
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن ميثم 3 : 138 ، لكن في شرح ابن أبي الحديد 2 : 341 " منها " .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن ميثم 3 : 138 ، لكن في شرح ابن أبي الحديد 2 : 341 " في وصف الأتراك " .
-----------
( 3 ) الكامل 12 : 269 271 ، سنة 604 .
[ 542 ]
و للجاحظ رسالة في الترك قال فيها نقلا عن حميد بن عبد الحميد قال :
التركي يرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوّق الخارجي سهما واحدا ، و تركض دابته منحدرا من جبل أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر ممّا يمكن الخارجي على بسيط الأرض .
و للتركي أربعة أعين عينان في وجهه ، و عينان في قفاه ، و إذا أدبر فهو السم الناقع لأنّه يصيب بسهمه و هو مدبر كما يصيب به و هو مقبل ، و لو حصّلت مدّة عمر التركي ، و حسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض ، و ليس في الأرض أحد إلاّ و بدنه ينتقص على اقيتات اللحم وحده غيره ، و كذلك دابته تكتفي بالعنقر و العشب و الشجر لا يظلّها من شمس ، و لا يكنّها من برد .
و التركي هو الراعي ، و هو السائس ، و هو الرائض ، و هو النخّاس ، و هو البيطار ، و هو الفارس .
فالتركي الواحد امّة على حدة ، و إذا سار في غير عساكره و ساروا عشرة أميال سار عشرين ، لأنّه ينقطع عن العسكر يمنة و يسرة ، و يصعد في ذرى الجبال و يستبطن قعور الأودية في طلب الصيد ، و هو في ذلك يرمي كلّ ما دبّ ، و درج ، و طار و وقع ، و إنّ بلغوا و اديا . فازدحموا على مسلكه أو قنطرته بطن التركي برذونه فأقحمه . ثمّ طلع من الجانب الآخر كأنّه كوكب ، و إن انتهوا إلى عقبه صعبة ترك السنن ، و ذهب في الحبل صعدا ثمّ تدلّى من موضع يعجز عنه الوعل .
و ليس في الأرض قوم إلاّ و التساند في الحروب و الاشتراك في الرياسة ضار لهم إلاّ الأتراك . فإنّهم إذا صادفوا جيشا فإن كان في القوم موضع عنوة فكلّهم قد أبصرها و عرفها ، و إن لم يكن هناك عورة ، و لم يكن فيهم مطمع و كان الرأي الانصراف فكلّهم قد رأى ذلك الرأي ، و عرف الصواب فيه ،
[ 543 ]
و خواطرهم واحدة ، و دواعيهم مستوية باقبالهم ، و ليس لبدن التركي على ظهر الدابة ثقل ، و لا لمشيه على الأرض وقع ، و إنّه ليرى و هو مدبر ما لا يرى الفارس منّا ، و هو مقبل ، و هو يرى الفارس منّا صيدا ، و يعدّ نفسه فهدا ، و يعدّ غيره ظبيا ، و انّه لو رمي به في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة .
و التركي ينال الكفاف غصبا ، أحبّ إليه من أن ينال الملك عفوا ، و لم يتهنّ تركي بطعام قط إلاّ أن يكون صيدا أو مغنما .
و قال ثمامة بن أشرس : " التركي لا يخاف إلاّ مخوفا ، و لا يطمع في غير مطمع ، و لا يكفّه عن الطلب إلاّ اليأس صرفا ، و لا يدع القليل حتّى يصيب أكثر منه ، و إن قدر أن يجمعهما لم يفرط في واحد منهما ، و الباب الّذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئا ، و الباب الّذي يحسنه قد أحكمه بأسره ، و خفيّه عنده كظاهره ،
و لا يتشاغل بشيء ليس فيه شيء ، و نومه مشوب باليقظة ، و يقظته سليمة من الوسنة 1 .
و في المأثور من الخبر : " اتركوا الترك ما تركوكم " 2 و بقوله :
" اتركوهم " سمّوا الترك ، و ما ظنك بقوم لم يعرض لهم ذو القرنين بعد أن غلب على جميع الأرض قسرا و عنوة و قهرا .
قوله عليه السّلام : " كأنّي أراهم قوما كأنّ وجوههم المجانّ " جمع المجنّ و هو الترس .
" المطرّقة " هذا صفة مطلق الترك قال المبرد في ( كامله ) في خبر رأيت عليّا ( يعني ابن عبد اللّه بن عباس ) مضروبا بالسوط يدار به على بعير و وجهه ممّا يلي ذنب البعير ، و صائح يصيح عليه هذا عليّ بن عبد اللّه الكذّاب . فأتيته
-----------
( 1 ) مناقب الأتراك : 25 36 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) اخرجه الطبراني في معجمه الكبير ، عنه الجامع الصغير 1 : 8 .
[ 544 ]
فقلت : ما هذا الّذي نسبوك فيه إلى الكذب ؟ قال : بلغهم قوله " إنّ هذا الأمر سيكون في ولدي . و اللّه ليكوننّ فيهم حتّى يملكهم عبيدهم الصغار العيون ،
العراض الوجوه الذين كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة . . . 1 و كان يقول ذلك عن اخباره عليه السّلام .
فروى المبرد : أنّه لمّا ولد على ذاك أتى به أبوه ابن عباس إليه . فأخذه و ردّه إلى أبيه ، و قال له : خذه إليك أبا الأملاك 2 .
و في ( التنبيه و الاشراف للمسعودي ) : من كان من الترك و اغلا في الشمال فلبعدهم من مدار الشمس في حال طلوعها و غروبها كثرت الثلوج فيهم ، و غلبت البرودة و الرطوبة على مساكنهم . فاسترخت أجسامهم ،
و غلظت و لانت فقارات ظهورهم ، و خرز أعناقهم حتّى تأتّى لهم الرمي بالنشاب في كرّهم و فرّهم ، و غارت مفاصلهم لكثرة لحومهم . فاستدارت وجوههم و صغرت أعينهم لاجتماع الحرارة في الوجه حين تمكّنت البرودة من أجسادهم 3 .
و مراده عليه السّلام هنا ترك التتار ، و ما صدر منهم مع الناس الّذي أثبته التاريخ . قال الجزري في عنوان سنة ( 617 ) و خروج التتار إلى بلاد الإسلام :
لقد بقيت عدّة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها . فأنا اقدّم إليه رجلا ، و أؤخّر اخرى . فمن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الاسلام و المسلمين ، و من الّذي يهون عليه ذكر ذلك . فياليت امّي لم تلدني ،
و يا ليتني متّ قبل هذا ، و كنت نسيا منسيّا إلاّ أنني حثّني جماعة من الأصدقاء
-----------
( 1 ) كامل المبرد 5 : 198 .
-----------
( 2 ) كامل المبرد 5 : 196 .
-----------
( 3 ) التنبيه و الاشراف : 22 .
[ 545 ]
على تسطيرها ، و أنا متوقف ثم رأيت أنّ ترك ذلك لا يجدي نفعا . فنقول : هذا الفصل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى ، و المصيبة الكبرى التي عقمت الأيّام و الليالي عن مثلها ، عمّت الخلائق و خصّت المسلمين . فلو قال قائل إنّ العالم مذ خلق اللّه تعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا . فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ، و لا ما يدانيها .
و من أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني اسرائيل من القتل و تخريب بيت المقدس ، و ما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء من البلاد الّتي كلّ مدينة منها أضعاف بيت المقدس ، و ما بنو بني إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا . فإنّ أهل مدينة واحدة ممّن قتلوا أكثر من بني إسرائيل ، و لعلّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم ، و تفنى الدنيا إلاّ يأجوج و مأجوج . و أما الدجّال فإنّه يبقي على من اتّبعه ، و يهلك من خالفه ، و هؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء و الرجال ، و الأطفال و شقّوا بطون الحوامل ،
و قتلوا الأجنّة فإنّا لله و إنّا إليه راجعون لهذه الحادثة التي استطال شررها ،
و عمّ ضررها ، و سارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح . فإنّ قوما خرجوا من أطراف الصين . فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر ، و بلاساغون ثمّ منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند ، و بخارا ، و غيرهما فيملكونها و يفعلون بأهلها ما نذكره ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا و تخريبا و قتلا و نهبا ثمّ يتجاوزونها إلى الري ، و همدان ، و بلد الجبل ، و ما فيه من البلاد إلى حدّ العراق . ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان و أرانية ، و يخربونها ،
و يقتلون أكثر أهلها ، و لم ينج إلاّ الشريد النادر في أقلّ من سنة . هذا ما لم يسمع بمثله ، ثمّ لما فرغوا من آذربيجان و أرانية ساروا إلى دربند شروان . فملكوا مدنه ، و لم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم ، و عبروا عندها إلى بلد اللان و اللكز ،
و من في ذلك الصقع من الامم المختلفة فأوسعوهم قتلا و نهبا و تخريبا ، ثمّ
[ 546 ]
قصدوا إلى بلاد قفجاق و هم من أكثر الترك عددا . فقتلوا كلّ من وقف لهم فهرب الباقون إلى الغياض ، و رؤوس الجبال ، و فارقوا بلادهم ، و استولى هؤلاء التتر عليها . فعلوا هذا في أسرع زمان لم يلبثوا إلاّ بمقدار مسيرهم لا غير ، و مضى طائفة اخرى غير هذا الطائفة إلى غزنة و أعمالها ، و ما يجاورها من بلاد الهند ، و سجستان ، و كرمان . ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء ، و أشدّ هذا ما لم يطرق الأسماع مثله . فإنّ الإسكندر الّذي اتفق المؤرّخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة إنّما ملكها في نحو عشر سنين ، و لم يقتل أحدا إنّما رضي من الناس بالطاعة ، و هؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض ،
و أحسنه و أكثره عمارة و أهلا ، و أعدل أهل الأرض أخلاقا و سيرة ، في نحو سنة ، و لم يبت أحد في البلاد الّتي لم يطرقوها إلاّ و هو خائف يتوقعهم ،
و يترقب و صولهم . ثمّ إنّهم لم يحتاجوا إلى ميرة و مدد يأتيهم فإنّهم معهم الأغنام ، و البقر و الخيل ، و غير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير . و أما دوابهم الّتي يركبونها فإنّها تحفر الأرض بحوافرها ، و تأكل عروق النبات لا تعرف الشعير . فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج .
و أمّا ديانتهم فإنّهم يسجدون للشمس عند طلوعها ، و لا يحرّمون شيئا .
فإنّهم يأكلون جميع الدواب حتّى الخنازير و الكلاب ، و لا يعروفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال . فإذا جاء الولد لا يعرف أباه إلى أن قال و استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع لأنّ خوارزمشاه محمّدا كان قد استولى على البلاد ، و قتل ملوكها ، و أفناهم ، و بقي هو وحده سلطان البلاد جميعها . فلمّا انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم ، و كان مدّة ملك خوارزمشاه ( 21 ) سنة ، و شهورا و اتّسع ملكه ، و أطاعه العالم بأسره ، و لم يملك بعد السلجوقية أحد مثل ملكه ملك من حدّ العراق إلى تركستان ، و ملك بلاد غزنة ، و بعض الهند ، و ملك سجستان ، و كرمان و طبرستان ، و جرجان ،
[ 547 ]
و بلاد الجبال ، و خراسان ، و بعض فارس ، و فعل بالخطا الأفاعيل العظيمة ،
و ملك بلادهم . و لمّا ملك التتار خوارزم و قتلوا كلّ من فيه و نهبوا كلّ ما فيه فتحو السكر الّذي يمنع ماء جيحون عن البلد . فدخله الماء . فغرق البلد جميعه ،
و تهدمت الأبنية ، و بقي موضعه ماء ، و لم يسلم من أهله أحد . فمن اختفى أغرقه الماء أو قتله الهدم 1 .
و قال ابن أبي الحديد : إنّ جنگيز خان سيّر عشرين ألفا في طلب خوارزمشاه ، و قال لهم اطلبوه و لو تعلّق بالسماء . ففرّ منهم فوصل إلى بحر طبرستان . فنزل هو و أصحابه في سفن ، و وصل التتار . فلمّا عرفوا نزوله البحر آيسوا .
و اختلف في أمره فقوم يحكون أنّه أقام بقلعة له في بحر طبرستان منيعة . فتوفّي بها ، و قوم يحكون أنّه غرق في البحر . فهلك ، و قوم يحكون أنّه غرق و نجا عريانا . فصعد إلى قرية من طبرستان فعرفوه . فقال : إحملوني في مركب إلى الهند إلى شمس الدين الملك نسيبه من جهة زوجته . فيقال : وصل إليه و قد تغير عقله ممّا اعتراه من خوف التتار . فكان يقول : هاهم قد خرجوا من هذا الباب . . . قد هجموا من هذه الدرجة ، و يرعد و تحوّل لونه .
و حكي انّه لمّا تغيّر عقله لهج بأن يقول : " قراتتر كلدي " أي : جاء التتر السود .
و في التتر صنف سود يشبهون الزنوج لهم سيوف عريضة جدّا على غير صورة هذه السيوف يأكلون لحوم الناس و رقى به شمس الدين إلى قلعة من قلاع الهند شاهقة لا يعلوها الغيم أبدا ، و إنّما يمطر السحاب من تحتها ،
و قال له كن آمنا . قال : لا أقدر على المقام لأنّ التتر يطلبونني و يقدمون إلى
-----------
( 1 ) الكامل 12 : 358 372 و 394 ، سنة 617 ، و النقل بتلخيص .
[ 548 ]
هاهنا ، و لو شاء و الوضعوا سروج خيلهم واحدا على واحد تحت القلعة ، فبلغت إلى ذروتها ، و صعدوا عليها فأخذوني قبضا باليد ، فعلم الملك أنّ عقله قد تغيّر .
فقال : فما الّذي تريد ؟ قال : تحملني في البحر الى كرمان فحمله ثمّ خرج إلى أطراف بلاد فارس . فمات هناك ، و اخفي موته لئلاّ يقصده التتر 1 .
" يلبسون السرق و الديباج " في ( الكامل ) في وقايع سنة ( 628 ) و هي آخر تاريخه أنّ في تلك السنة أطاع جميع أهل بلاد آذربيجان للتتر و حملوا إليهم الأموال و الثياب الخطائي ، و الخوئي ، و العتابي ، و أرسل الملك إلى تبريز و هو أصل بلاد آذربيجان يهدّدهم إن امتنعوا عليه . فأرسلوا إليه المال الكثير و التحف من أنواع الثياب الأبريسمي ، و غيرها .
ثمّ طلب أن يحضروا عنده من صنّاع الثياب الخطائي ، و غيرها ليستعمل لملكهم الأعظم . فأحضروا الصناع فاستعملوهم في ما أرادوا ، و طلب أيضا خركاه لملكهم فعلموا له خركاه لم يعمل مثلها ، و عملوا غشاءها من الأطلس الجيد الزركش ، و عملوا من داخلها السمور ، و القندر فجاءت عليهم بجملة كثيرة 2 .
هذا و في ( الكامل ) أيضا : لم يبقوا على مدينة إلاّ خرّبوا كلّ ما مرّوا عليه و أحرقوه و نهبوه ، و ما لا يصلح لهم أحرقوه . فكانوا يجمعون الأبريسم تلالا ،
و يلقون فيه النار 3 .
" و يتعقبون الخيل العتاق " قد عرفت في ما تقدّم قول الجزري " معهم الأغنام و البقر و الخيل و غير ذلك . . . " و لعله محرّف " يعتقبون الخول العتاق "
-----------
( 1 ) شرح ابن ابي الحديد 2 : 345 346 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الكامل 12 : 502 503 ، سنة 628 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) الكامل 12 : 376 ، سنة 617 .
[ 549 ]
أي يجيئون معهم باسارى يجعلونها خولا لهم . فقال الجزري : و كانت عادتهم إذا قاتلوا مدينة قدّموا من معهم من اسارى المسملين بين أيديهم يزحفون و يقاتلون فإن عادوا قتلوهم فكانوا يقاتلون كرها و هم المساكين كما قيل كالأشقر إن تقدّم ينحر ، و إن تأخّر يعقر ، و كانوا هم يقاتلون وراء المسلمين .
فيكون القتل في المسلمين الاسارى و هم بنجوة منه 1 .
و قال بعد ذكر فتح بخارى إستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى اسارى فساروا بهم مشاة على أقبح صورة فكلّ من أعيا و عجز قتلوه .
فلمّا قاربوا سمرقند قدّموا الخيّالة و تركوا الرجّالة ، و الاسارى و الأثقال وراءهم حتّى تقدّموا شيئا فشيئا فيكون أرعب لقلوب المسلمين . فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه فلما كان اليوم الثاني وصل الاسارى و الرجالة و الأثقال و مع كلّ عشرة من الاسارى علم . فظنّ أهل البلد أنّ الجميع عساكر 2 .
" و يكون هناك استحرار قتل " كان استحرار القتل أوّلا في الطرفين لما ذهب خوارزمشاه إليهم قبل أن يعلم حقيقة الأمر . فوصل إلى بيوتهم ، و لم يكن فيها غير نسائهم و أطفالهم و كانوا ساروا إلى محاربة كشلوخان فسبى النساء و الأطفال فأدركوهم كما في ( الكامل ) قبل أن يخرج من بيوتهم ،
و تصافّوا و بقوا في الحرب ثلاثة أيّام بلياليها . فقتل من الطائفتين ما لا يعدّ ،
و اشتدّ بهم الأمر حتّى أن أحدهم كان ينزل عن فرسه و يقاتل قرنه راجلا ،
و يتضاربون بالسكاكين ، و جرى الدم على الأرض حتى صارت الخيل تزلق من كثرة الدم ، و أحصى من قتل من المسلمين فكانوا عشرين ألفا 3 .
-----------
( 1 ) الكامل 12 : 377 ، سنة 617 .
-----------
( 2 ) الكامل 12 : 367 ، سنة 617 .
-----------
( 3 ) الكامل 12 : 364 سنة 617 .
[ 550 ]
هذا ، و قال ابن أبي الحديد : قد لاح لي من فحوى كلامه عليه السّلام أنّه لا بأس على بغداد و العراق منهم ، و أنّ اللّه تعالى يكفي هذه المملكة شرّهم و يرّد عنها كيدهم ، و ذلك من قوله عليه السّلام " و يكون هناك استحرار قتل " فأتى بالكاف ، و لو كان لهم استحرار قتل في العراق لما قال " هناك " بل كان يقول " هنا " لأنّه عليه السّلام خطب بهذه الخطبة في البصرة و معلوم أنّ البصرة و بغداد شيء واحد ،
و كانوا جاءوا إلى بغداد ، و رجعوا ، و كان ما جرى من دلائل النبوّة لأنّه عليه السّلام وعد هذه الملة بالظهور إلى يوم القيامة ، و لو حدث على بغداد منهم حادثة كما جرى على غيرها لانقرضت ملّة الإسلام 1 .
قلت : ما ذكره خطأ فإنّ " هناك " في قوله عليه السّلام نحو " هنا لك " في قوله تعالى هنالك تبلوا كلّ نفس ما أسلفت 2 و الإسلام ليس بسلطنة بل ديانة و قد وعد صلّى اللّه عليه و آله و سلم امتّه ببقاء دينه لا سلطنة المسلمين ، و كيف ، و قد تسلّط هولاكو حفيد جنگيز خان على بغداد ، و قتل خليفتهم و ختم بسلطنتهم .
و نظيره في الخطأ قول الجزري المتقدّم " و من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام و المسلمين " فعلى قوله لم يكن إسلام أيام كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مكّة قبل هجرته بل صار دخول اولئك التتار الّذين وصفهم في بلاد الاسلام سببا إلى دخولهم في الاسلام كمحمّد خدابنده منهم ، و جمع آخر منهم ، و إنّما كان فعلهم ما فعل عقوبة من اللّه تعالى للناس بتركهم حقيقة الاسلام و اكتفائهم باسمه ، بل إتيانهم بكلّ منكر باسم الاسلام ، و كونهم خلفاء الاسلام مع انّهم لم يكونوا إلاّ جبابرة لئاما . و قد وصف عليه السّلام صاحب الزنج ،
و ما عمل أصحابه بكونهم جيشا من نقم اللّه تعالى كما مرّ ، و قد قال تعالى لبني
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 351 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) يونس : 30 .
[ 551 ]
إسرائيل و قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرّتين و لتعلنّ علوّا كبيرا فإذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا اولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار و كان وعدا مفعولا إلى أن قال فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة و ليتبّروا ما علو تتبيرا 1 .
و من الغريب أنّ هذا الرجل ذكر في تاريخه ما فعل بنو اميّة أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الطفّ بأهل بيت نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قتلا لرجالهم و سبيا لنسائهم و إرادتهم استيصالهم ، و لا يقول : ياليت امّي لم تلدني ، و يقوله هنا لكن لم يقل ثمّة لأنّه أسس لهم ذلك صدّيقهم و فاروقهم .
" حتّى يمشي المجروح على المقتول ، و يكون المفلت " أي : الناجي .
" أقلّ من المأسور " ذكر الجزري في ملك التتار مراغة من آذربيجان : قتل منهم ما يخرج عن الحد و الإحصاء ، و اختفى بعض الناس منهم فكانوا يأخذون الاسارى ، و يقولون لهم : نادوا في الدروب أنّ التتر قد رحلوا . فإذا نادى اولئك خرج من اختفى فيؤخذ و يقتل . و سمعت أنّ رجلا من التتر دخل دربا فيه مئة رجل فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتّى أفناهم ، و لم يمدّ أحد يده إليه بسوء 2 .
و ذكر في دخولهم كرخ : فأخذهم السيف ، فلم يسلم منهم إلاّ الشريد 3 .
و قال في دربند شروان : صعدوا سورا بالسلاليم و قيل : بل جمعوا كثيرا من الجمال ، و البقر ، و الغنم ، و غير ذلك ، و من قتلى الناس منهم ، و من غيرهم ، و ألقوا
-----------
( 1 ) الاسراء : 4 7 .
-----------
( 2 ) الكامل 12 : 378 ، سنة 617 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) الكامل 12 : 383 ، سنة 617 .
[ 552 ]
بعضه فوق بعض . فصار مثل التل و صعدوا عليه . فأشرفوا على المدينة ،
و قاتلوا أهلها 1 .
و قال في أهل مرو : و أمر باحصاء القتلى . فكانوا نحو سبعمئة ألف قتيل و قيل لهم : إنّ قتلاهم سلم منهم كثير ، و نجوا إلى بلاد الاسلام ، فأمروا بأهل نيسابور أن تقطع رؤوسهم لئلاّ يسلم من القتل أحد ، و فعلوا بطوس كذلك ،
و خربوا المشهد الذي فيه عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام 2 .
و قال في خوارزم : لمّا ملكوا البلد قتلوا كلّ من فيه ، و نهبوا كلّ ما فيه و فتحوا السكر الّذي يمنع ماء جيحون عن البلد . فغرق البلد جميعه ، و تهدمت الأبنية ، و بقي موضعه ماء و غير خوارزم قد كان سلم بعض أهله . فمنهم من يختفي و منهم من يهرب ، و منهم من يخرج ثمّ يسلم ، و منهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو ، و أما أهل خوارزم . فمن اختفى أغرقه الماء أو قتله الهدم 3 .
و قال في دخول التتر ديار بكر : بلغني أنّ إنسانا منهم أخذ رجلا ، و لم يكن مع التتري ما يقتله به . فقال له : ضع رأسك على الأرض و لا تبرح . فوضع رأسه على الأرض و مضى التتري فأحضر سيفا . فقتله به .
قال : و حكى لي رجل قال : كنت أنا و معي سبعة عشر رجلا في طريق فجاءنا فارس من التتر ، و قال لنا حتّى يكتّف بعضنا بعضا . فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم . فقلت لهم : هذا واحد . فلم لا نقتله و نهرب ؟ فقالوا : نخاف .
فقلت : هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعلّ اللّه يخلّصنا . فو اللّه ما جسر أحد يفعل . فأخذت سكّينا و قتلته و هربنا فنجونا 4 .
-----------
( 1 ) الكامل 12 : 384 ، سنة 617 .
-----------
( 2 ) الكامل 12 : 393 ، سنة 617 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) الكامل 12 : 394 ، سنة 617 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) الكامل 12 : 501 ، سنة 628 .
[ 553 ]
" فقال له بعض أصحابه عليه السّلام : لقد اعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك عليه السّلام " قال ابن أبي الحديد : النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أو الولي إن تجدّدت عنده نعمة لله سبحانه و عرف الناس وجاهته يضحك . و روى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ضحك في مناسب هذا الحال لما استسقى فسقى و أسرف درور المطر . فسألوه أن يحبسه عنهم . فأشار بيده إلى السحاب . فأنجاب حول المدينة كالإكليل فضحك صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى بدت نواجذه ، و قال : أشهد أنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم 1 .
" و قال للرجل و كان كلبيا يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب و إنّما هو تعلّم من ذي علم " قال شيخنا المفيد في ( مقالاته ) في عنوان القول في علم الأئمة عليه السّلام بالضمائر و الكائنات و إطلاق القول عليهم بعلم الغيب : " إنّ الأئمة من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد ، و يعرفون ما يكون قبل كونه ، و ليس ذلك بواجب في صفاتهم ، و لا شرطا في إمامتهم و إنّما أكرمهم اللّه تعالى به ، و أعلمهم إيّاه للطف في طاعتهم ، و التمسك بإمامتهم ، و ليس ذلك بواجب عقلا لكنّه واجب لهم من جهة السماع ، فأمّا إطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب فهو منكر بيّن الفساد ، لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقّه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد ، و هذا لا يكون إلاّ للّه عزّ و جلّ و على قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلاّ من شذّ منهم من المفوّضة ، و من انتمى اليهم من الغلاة 2 .
" و إنّما علم الغيب علم الساعة ، و ما عدّد اللّه سبحانه بقوله " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( و ما عدّده اللّه سبحانه بقوله ) : إنّ اللّه عنده علم الساعة . . . هكذا في ( المصرية و ابن أبي الحديد و الخطية ) ، و لكن في ( ابن
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 342 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) اوائل المقالات : 77 .
[ 554 ]
ميثم ) إنّ اللّه عنده علم الساعة و ينزّل الغيث و يعلم ما في الأرحام 1 .
" فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر و انثى " هكذا في ( المصرية ) ،
و الصواب : ( أو اثنى ) كما في ( ابن أبي الحديد و غيره ) 2 .
" و قبيح أو جميل ، و سخي أو بخيل ، و شقي أو سعيد " و هو معنى الخبر " السعيد سعيد في بطن امّه ، و الشقي شقيّ في بطن امّه " 3 بمعنى أنّه تعالى يعلم أنّه يكون سعيدا أو يكون شقيّا .
" و من يكون في النار حطبا " إشارة إلى قوله تعالى : و أمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطبا 4 .
" أو في الجنان للنبيّين مرافقا " إشارة إلى قوله تعالى : و من يطع اللّه و الرسول فاولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا 5 .
" فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه أحد إلاّ اللّه " و لكن ورد في أخبار إخبارهم عليه السّلام بكون الحمل ذكرا أو انثى ، و غير ذلك 6 .
" و ما سوى ذلك " من علم الساعة و غيرها الّذي ذكر معها .
" فعلم علّمه اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و سقطت التصلية من ( المصرية ) .
" فعلّمنيه و دعا لي بأن يعيه " أي : يجعل له و عاء .
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 341 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 139 مثل المصرية أيضا .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 341 ، و شرح ابن ميثم 3 : 139 .
-----------
( 3 ) اخرجه الطبراني في المعجم الصغير ، عنه الجامع الصغير 2 : 37 . و ابن قتيبة في تأويل المختلف : 128 ، و الكليني في الكافي 8 : 81 ح 39 ، و الصدوق في التوحيد : 356 ح 3 و غيرهم بفرق يسير بين الألفاظ .
-----------
( 4 ) الجن : 15 .
-----------
( 5 ) النساء : 69 .
-----------
( 6 ) روى احاديث في علومهم ( ع ) بالغيب المجلسي في بحار الأنوار 26 : 18 226 .
[ 555 ]
" صدري " في ( مناقب الكنجي الشافعي ) روى الحاكم عن بريدة الأسلمي قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعليّ عليه السّلام : انّ اللّه تعالى أمرني أن ادنيك ، و لا اقصيك ، و أن اعلّمك ، و أن تعي ، و حقّ على اللّه أن تعي . فنزل قوله تعالى : و تعيها اذن واعية 1 .
" و تضطمّ " افتعال من الضم .
" عليه جوانحي " في ( الصحاح ) : الجوانح الأضلاع الّتي تحت الترائب ،
و هي ممّا يلي الصدر كالضلوع ممّا يلي الظهر ، الواحدة : جانحة 2 .
14
الخطبة ( 47 ) و من كلام له ع في ذكر ؟ الكوفة ؟ :
كَأَنِّي بِكِ يَا ؟ كُوفَةُ ؟ تُمَدِّينَ مَدَّ اَلْأَدِيمِ اَلْعُكَاظِيِّ تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ اِبْتَلاَهُ اَللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ " كأنّي بك يا كوفة " في ( المعجم ) : قال ابن الكلبي : سمّيت الكوفة كوفة بجبل صغير في وسطها كان يقال له : كوفان ، و عليه اختطّت مهرة موضعها ،
و قيل : سمّيت بموضعها لأنّ كلّ رملة يخالطها حصباء تسمّى كوفة ، و قيل :
لأنّ جبل ساتيد ما يحيط بها كالكفاف عليها ، و قيل : لاجتماع الناس بها من قولهم " تكوّف الرّمل " و قيل : لاستدارتها من قولهم رأيت كوفانا و كوفانا للرملة المستديرة 3 .
-----------
( 1 ) رواه الكنجي في كفاية الطالب : 40 ، و الحديث لم يخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك بل أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 2 : 281 ح 1020 . و الآية 12 من سورة الحاقة .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 1 : 360 ، مادة ( جنح ) .
-----------
( 3 ) معجم البلدان 4 : 490 491 ، و النقل بتصرف .
[ 556 ]
و في ( الفتوح ) : قال بشر القرشي : كان قدر الكوفة ستّة عشر ميلا و ثلثي ميل . و في ( المعجم ) : كان ظهر الكوفة يدعى خدّ العذراء ينبت الخزامى ،
و الأقحوان ، و الشيح ، و القيصوم ، و الشقائق 1 .
و في ( المروج و المعجم ) : لمّا فرغ الحجّاج من دير الجماجم و فد على عبد الملك و معه أشراف أهل الكوفة و البصرة فتذاكروا البلدان . فقال محمّد بن عمير بن عطارد : إنّ الكوفة أرض ارتفعت عن البصرة و حرّها و عمقها ،
و سفلت عن الشام ، و وبائها ، و جاورها الفرات . فعذب ماؤها ، و طاب ثمرها إذا أتتنا الشمال ذهبت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور ، و إذا هبّت الجنوب جاءتنا ريح السواد و ورده و ياسمينه و اترنجه . ماؤنا عذب و عيشنا خصب . فقال خالد بن صفوان : نحن أوسع منهم برية ، و أسرع منهم في السرية ، و أكثر منهم قندا ، و عاجا ، و ساجا . ماؤنا صفو ، و خيرنا عفو لا يخرج من عندنا إلاّ قائد أو سائق أو ناعق .
فقال الحجّاج : إنّي بالبلدين خبير و قد وطئتهما جميعا .
فقال له عبد الملك : قل . فأنت عندنا مصدّق .
فقال : أمّا البصرة فعجوز شمطاء ، دفراء بخراء ، اوتيت من كلّ حليّ و زينة ، و أمّا الكوفة فشابة حسناء جميلة لا حليّ لها ، و لا زينة .
فقال عبد الملك : فضّلت الكوفة على البصرة 2 و أمّا قول زياد " لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن دلّني عليها " فعصبية .
و في ( الكامل ) : لمّا أراد عمر طوف البلدان بعد طاعون عمواس قال :
أشيروا عليّ . فقال له عليّ عليه السّلام : إنّ الكوفة للهجرة بعد الهجرة ، و إنّما هي لقبة
-----------
( 1 ) اشتبه على الشارح بل ما نقله عن الفتوح فهو في معجم البلدان 4 : 492 ، و ما عن المعجم ففي فتوح البلدان : 277 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 151 ، و معجم البلدان 4 : 492 .
[ 557 ]
الإسلام ليأتينها يوم لا يبقى مسلم إلاّ و حنّ عليها ، و لينتصرن بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط 1 .
و في ( أخبار الدينوري ) : سار عليّ عليه السّلام من البصرة إلى الكوفة . فلمّا أشرف عليها قال : و يحك يا كوفان ما أطيب هواءك ، و أغذى تربتك ، الخارج منك بذنب و الداخل إليك برحمة . لا تذهب الأيام و الليالي حتى يجيء اليك كل مؤمن ، و يبغض المقام بك كلّ فاجر ، و تعمرين حتّى أنّ الرجل من أهلك ليبكر الى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة 2 .
و في ( المعجم ) كان عليّ عليه السّلام يقول : الكوفة كنز الايمان ، و حجّة الإسلام ،
و سيف اللّه و رمحه يضعه حيث يشاء ، و الّذي نفسي بيده لينتصرن اللّه بأهلها في شرق الأرض و غربها كما انتصر بالحجاز ، و كان إذا أشرف على الكوفة قال :
يا حبذا مقامنا بالكوفة
أرض سواء سهلة معروفة
تعرفها جمالنا العلوفة
و كان سلمان الفارسي يقول : أهل الكوفة أهل اللّه ، و هي قبّة الإسلام " 3 .
و في ( صفين نصر بن مزاحم ) : قال عليّ عليه السّلام و أشار إلى قبر عظيم في النخيلة يدفن اليهود موتاهم حوله ما يقول الناس فيه ؟ فقال الحسن عليه السّلام :
يقولون هذا قبر هود النبيّ عليه السّلام لمّا أن عصاه قومه جاء فمات هاهنا فقال عليه السّلام :
كذبوا لأنا أعلم به منهم هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بكر يعقوب ثمّ قال : هاهنا أحد من مهرة . قال فاتي بشيخ كبير . فقال : أين منزلك ؟
-----------
( 1 ) الكامل 2 : 561 ، سنة 18 .
-----------
( 2 ) الاخبار الطوال : 161 .
-----------
( 3 ) معجم البلدان 4 : 492 493 .
[ 558 ]
قال : على شاطئ البحر . قال : أين من الجبل الأحمر ؟ قال : قريب منه . قال : فما يقول قومك فيه ؟ قال : يقولون : قبر ساحر . قال : كذبوا ذاك قبر هود عليه السّلام ، و هذا قبر يهودا بن يعقوب بكره ، يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفا على غرة الشمس يدخلون الجنّة بغير حساب 1 .
و قال ابن أبي الحديد : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : الكوفة مدينتنا و مقرّ شيعتنا ، يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفا وجوههم على صورة القمر 2 .
و في ( المعجم ) : ورد في مسجد الكوفة فضائل روى حبة العرني قال :
كنت جالسا عند عليّ عليه السّلام فأتاه رجل . فقال : يا أمير المؤمنين هذه راحلتي و زادي اريد هذا البيت يعني بيت المقدس فقال عليه السّلام : كل زادك ، و بع راحلتك ،
و عليك بهذا المسجد يعني مسجد الكوفة فإنّه أحد المساجد الأربعة ركعتان فيه تعدلان عشرا في ما سواه من المساجد ، و البركة منه إلى اثني عشر ميلا من حيث ما أتيته ، و هي نازلة من كذا ألف ذراع ، و في زاويته فار التنور ، و عند الاسطوانة الخامسة صلّى إبراهيم عليه السّلام ، و قد صلّى فيه ألف نبيّ ،
و ألف وصي ، و فيه عصا موسى ، و الشجرة اليقطين ، و فيه هلك يغوث ،
و يعوق ، و هو الفاروق ، و فيه مسير لجبل الأهواز ، و فيه مصلّى نوح عليه السّلام ،
و يحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا ليس عليهم حساب ، و وسطه على روضة من رياض الجنّة ، و فيه ثلاث أعين من الجنّة تذهب الرجس ، و تطهّر المؤمنين ،
لو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبوا 3 .
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 126 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 286 . و النقل بتصرف .
-----------
( 3 ) معجم البلدان 4 : 492 .
[ 559 ]
و رواه ابن قتيبة في ( غريب حديثه ) مختصرا ، و فيه " فيه ثلاث أعين أنبتت بالضغث تذهب الرجس ، و تطهّر المؤمنين : عين من لبن ، و عين من دهن ،
و عين من ماء ، جانبه الأيمن ذكر ، و جانبه الأيسر مكر ، و لو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه و لو حبوا " و قوله عليه السّلام " أنبتت بالضغث " أحسبه أراد الضغث الّذي ضرب أيوب أهله ، و العين الّتي ظهرت لما ركض بالأرض رجله ،
و قوله عليه السّلام " في جانبه الأيمن ذكر " أي صلاة ، و قوله " في جانبه الأيسر مكر " أراه أراد المكر باللوذ به حين قتل في المسجد 1 .
و في المعجم قال السيّد الحميري في مسجد الكوفة :
لعمرك ما من مسجد بعد مسجد
بمكّة ظهرا أو مصلّى بيثرب
بشرق و لا غرب علمنا مكانه
من الأرض معمورا و لا متجنّب
بأبين فضلا من مصلّى مبارك
بكوفان رحب ذي أراس و مخصب
مصلّى به نوح تأثل و ابتنى
به ذات حيزوم و صدر محنّب
و فار به التنّور ماء و عنده
له قيل أيا نوح في الفلك فاركب
و باب أمير المؤمنين الّذي به
ممر أمير المؤمنين المهذّب 2
" تمدين مدّ الأديم " و جمعه أدم ، و أدمة .
" العكاظي " عكاظ إسم سوق للعرب بناحية مكّة يجتمعون بها في كلّ سنة شهرا يتبايعون .
" تعركين " أي : تدلكين .
" بالنوازل " جمع النازلة شدّة تنزل .
" و تركبين بالزلازل " في فتن بني اميّة و بني العباس .
-----------
( 1 ) غريب الحديث لابن قتيبة 2 : 105 .
-----------
( 2 ) معجم البلدان 4 : 493 .
[ 560 ]
" و أنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبّار سوء إلاّ ابتلاه اللّه بشاغل و رماه بقاتل " قال ابن أبي الحديد : قال جعفر بن محمّد عليه السّلام : الكوفة تربة تحبّنا و نحبّها اللّهمّ ارم من رماها ، و عاد من عاداها .
قال : و قال المنصور له عليه السّلام : لقد هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها ، و يجمّر نخلها ، و يستصفي أموالها ، و يقتل أهل الريبة منها . فأشر عليّ . فقال : " إنّ المرء ليقتدي بسلفه ، و لك أسلاف ثلاثة : سليمان أعطي فشكر ،
و أيوب ابتلي فصبر ، و يوسف قدر فغفر . فاقتد بأيّهم شئت " فصمت قليلا ثمّ قال : قد غفرت . قال : و في ( منتظم ابن الجوزي ) : لمّا حصب أهل الكوفة زيادا و هو يخطب ، قطع أيدي ثمانين منهم ، و همّ أن يخرّب دورهم فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد و الرحبة ليعرضهم على البراءة من عليّ عليه السّلام و علم أنّهم سيمتنعون فيحتجّ بذلك على استيصالهم ، و إخراب بلدهم .
قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري : فإنّي لمع نفر من قومي و الناس يومئذ في أمر عظيم إذ هوّمت تهويمة . فرأيت شيئا أقبل طويل العنق مثل عنق البعير ، أهدر أهدل . فقلت : ما أنت ؟ قال : " أنا النقّاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر " فانتبهت فزعا . فقلت لأصحابي : هل رأيتم ما رأيت ؟ قالوا : لا فأخبرتهم . و خرج علينا خارج من القصر . فقال : انصرفوا فإنّ الأمير يقول :
" إنّي عنكم اليوم مشغول " و إذا الطاعون قد ضربه فكان يقول : إنّي لأجد في جسدي حرّ النار حتّى مات . فقال عبد الرحمن :
ما كان منتهيا عمّا أراد بنا
حتّى تناوله النّقاد ذو الرقبه
فأثبت الشقّ منه ضربة عظمت
كما تناول ظلما صاحب الرحبه
قال : يعني بصاحب الرحبة أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّه كان يجلس معظم
[ 561 ]
زمانه في رحبة المسجد يحكم بين الناس 1 .
قلت : و رواه ( المروج ) مع أدنى اختلاف 2 . و في ( تاريخ اليعقوبي ) : روى أنّ زيادا كان أحضر قوما بلغه أنّهم شيعة لعليّ عليه السّلام ليدعوهم إلى سبّه و البراءة منه ، أو يضرب أعناقهم و كانوا سبعين رجلا فصعد المنبر ، و جعل يتكلّم بالوعيد و التهديد . فنام بعض القوم و هو جالس فقال له بعض أصحابه : تنام و قد أحضرت لتقتل ؟ فقال : من عمود إلى عمود فرجان لقد رأيت في نومتي هذه عجبا . رأيت رجلا أسود يضرب رأسه السقف دخل المسجد : فقلت : من أنت يا هذا ؟ فقال : النقّاد ذو الرقبة . قلت : و أين تريد ؟ قال :
أدّق عنق هذا الجبار الّذي يتكلّم على هذه الأعواد .
فبينا زياد يتكلّم على المنبر ، إذ قبض على إصبعه ثمّ صاح : يدي . و سقط عن المنبر مغشيا عليه ، فادخل القصر ، و قد طعن في خنصره اليمنى . فأحضر الطبيب ، و قال له : إقطع يدي . قال : أخبرني عن الوجع الّذي تجده في يدك أو في قلبك . قال : في قلبي . قال : فعش سويا .
فلمّا نزل به الموت كتب إلى معاوية إنّي كتبت و أنا في آخر يوم من الدنيا و أوّل يوم من الآخرة . . . 3 .
و في ( تاريخ الطبري ) قال أبو مخنف : لمّا قتل يوسف بن عمر زيد بن علي أقبل حتّى دخل الكوفة ، فصعد المنبر . فقال : يا أهل المدرة الخبيثة إنّي و الله ما تقرن بي الصعبة ، و لا يقعقع لي بالشنان ، و لا اخوّف بالذئب . هيهات حبيت بالساعد الأشد . أبشروا يا أهل الكوفة بالصّغار و الهوان ، لا عطاء لكم
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 286 و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 26 .
-----------
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 235 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 562 ]
عندنا و لا رزق ، و لقد هممت أن أخرب بلادكم و دوركم و أحرمكم أموالكم . أم و الله ما علوت منبري إلاّ أسمعتكم ما تكرهون عليه . فإنّكم أهل بغي و خلاف ،
ما منكم إلاّ من حارب اللّه و رسوله إلاّ حكيم بن شريك المحاربي ، و لقد سألت الخليفة أن يأذن لي فيكم . و لو أذن لقتلت مقاتلتكم ، و سبيت ذراريكم 1 .
هذا و قال الخوئي : قال أبو الحسن الكيذري في شرحه : فمن الجبابرة الذين ابتلاهم الله بشاغل ، زياد . أصابه الفالج ، و ابنه عبيد الله أصابه الجذام ،
و الحجّاج قد تولّدت الحيات في بطنه حتّى مات ، و عمر بن هبيرة ، و ابنه يوسف ، و قد أصابهما البرص ، و خالد القسري ، و قد حبس حتّى مات جوعا .
و أما الّذين رماهم اللّه بقاتل . فعبيد الله ، و مصعب ، و أبو السرايا قتلوا جميعا ، و يزيد بن المهلب قتل على أسوء حال الى أن قال و زاد ابن ميثم عليهم المختار ، و لا وجه لعدّه في الجبابرة 2 .
قلت : العجب منهم جميعا فإنّهم عن التاريخ و معرفة الرجال بمعزل .
فقول الأوّلين عمر بن هبيرة ، و ابنه يوسف ، و تقرير الأخير لهم مضحك . فإنّ يوسف الّذي أراد سوء بالكوفة كما عرفت ممّا نقلنا من الطبري لم يكن ابن عمر بن هبيرة الفزاري بل ابن عمر بن محمّد بن الحكم الثقفي إبن ابن عم الحجّاج فهو الحجاج بن يوسف بن الحكم بل لم يكن لعمر بن هبيرة ابن مسمى بيوسف بل بيزيد ولي العراقين لمروان بن محمّد كما وليهما أبوه ليزيد بن عبد الملك . مات عمر بن هبيره بالشام ، و قتل يزيد غدرا من المنصور بعد أمانه له ، و اصابتهما بالبرص غير معلومة . فعنون معارف ابن قتيبة
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 507 ، سنة 123 .
-----------
( 2 ) هكذا في شرح الخوئي 2 : 74 ، و شرح ابن ميثم 2 : 125 ، و شرح الكيذري 1 : 341 ، لكن ذكر الكيذري ايضا المختار .
[ 563 ]
الأبرصين من الأشراف ، و لم يذكرهما فيهم 1 . كما أنّ قولهم بموت خالد القسري جوعا في الحبس غلط . فلم يقل ذلك أحد بل عذّب حتّى مات .
قال الطبري : قال يوسف بن عمر للوليد بن يزيد أنا أشتري منك خالدا بخمسين ألف ألف . فأرسل الوليد إلى خالد إن كنت تضمن ما قال ، و إلاّ دفعتك إليه . فقال ، ما عهدت العرب تباع و رفع عودا و قال : و الله ما أضمن هذا ، فدفعه إلى يوسف ، فنزع ثيابه و درّعه عباءة و لحّفه باخرى ، و حمله في محمل بغير و طاء إلى أن قال و عذّبه عذابا شديدا . فمكث يوما في العذاب ثمّ وضع على صدره المضربة فقتله من الليل ، و دفن في عباءته الّتي كان فيها 2 .
كما أنّ قولهم بموت زياد بالفالج أيضا خطأ بل ابتلي بطاعونة و آكلة كما عرفته من ( تاريخ اليعقوبي و غيره ) ، و قال الطبري : خرجت طاعونة على إصبع زياد فأرسل إلى شريح يستشيره في قطع يده . فقال : لا تفعل فإن عشت صرت أجذم و إن هلكت كنت جانيا على نفسك . فقال : أنام و الطاعون في لحاف فعزم أن يفعل . فلمّا نظر إلى النار و المكاوي جزع فتركه 3 .
كما أنّ قولهم : إنّ عبيد اللّه أصابه الجذام لم أقف على من ذكره ، فعنون ( معارف ابن قتيبة ) جذامى الأشراف ، و لم يذكره فيهم 4 ، و ببالي أنّي رأيت و لم أذكر موضعه أنّه أصاب فخذه قطرة من دم رأس الحسين عليه السّلام فثقبه ،
و تعفّن فكان يستعمل المسك ، و به عرفه إبراهيم بن الأشتر .
ففي ( تاريخ الطبري ) : لمّا قتل إبراهيم عبيد الله قال لأصحابه : قتلت رجلا
-----------
( 1 ) المعارف : 580 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 562 ، سنة 126 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 215 ، سنة 53 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 4 ) المعارف : 584 .
[ 564 ]
وجدت منه رائحة المسك فالتمسوه . . . 1 .
كما أنّ قولهم : و يزيد بن المهلب قتل على أسوأ حال ، غلط . فإنّه خرج على يزيد بن عبد الملك ، و مع انهزام أصحابه ثبت و قاتل حتّى قتل ، و قد عدّوه في أباة الضيم ، و قال الشاعر فيه :
" إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن
عارا عليك و رب قتل عار "
و أكثر ولايته أيّام الحجاج ، و أيام سليمان كان على خراسان لا الكوفة ،
و إنّما خرج بالبصرة . فتركه أهلها و انهزموا عنه . فقال : إضربوا وجوه من ينهزم . ففعلوا ذلك حتّى كثروا عليه . فقال : دعوهم ترحهم اللّه غنم عدا في نواحيها الذئب .
كما أنّ اقتصار الخوئي في إنكاره على ابن ميثم عدّ المختار في الجابرة غلط ، بل عدّه في أصل من أراد سوء بالكوفة خطأ ، فإنّه إنّما تتبّع قتلة الحسين عليه السّلام من أهل الكوفة ، و كيف و أنصاره شيعة الكوفة .
كما أنّ مصعبا لم يرد سوء بالكوفة ، بل قتل أصحاب المختار ، و خذله أهل الكوفة في حربه مع عبد الملك ، و غدروا به .
و من المضحك عدّهم أبا السرايا فيهم ، فهل كان أصحابه إلاّ أهل الكوفة .
ففي ( مقاتل أبي الفرج ) : خرج مع أبي السرايا أكثر أهل الكوفة زهاء مئتي ألف و أكثر . . . ، و إنّما كاد جيش العباسيين أصحابه من أهل الكوفة فلامهم على ذلك كما كاد جيش معاوية أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام من أهل الكوفة فلامهم عليه السّلام 2 .
ففي ( المقاتل ) : بعث أبو السرايا عليّ بن محمّد بن جعفر المعروف
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 555 ، سنة 67 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 366 ، و النقل بالمعنى .
[ 565 ]
بالبصري في جيل و أمره أن يأتي هرثمة من ورائه . فمضى لوجهه و لم يشعر هرثمة حتّى قرب منه فصاح هرثمة يا أهل الكوفة على ما تسفكون دماءنا و دماءكم إلى أن قال ، و إن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس . فانصبوا إمامكم و اتفقوا معنا نتناظر فيه ، فامتنع أهل الكوفة عن القتال ، و قالوا : لا يحلّ لنا قتالهم ، فغضب أبو السرايا . فقال : يا أهل الكوفة يا قتلة عليّ عليه السّلام . و خذلة الحسين عليه السّلام إنّ المغتر بكم لمغرور ، و إنّ المعتمد على نصركم لمخذول ، و إنّ الذليل لمن أعززتموه ، و الله ما حمد عليّ عليه السّلام أمركم في حمده ، و لا رضي مذهبكم في رضاه ، و لقد حكمكم فحكمتم عليه ، و ائتمنكم فخنتم أمانته ، و وثق بكم فحلتم عن ثقته ثم لم تنفكّوا عليه مختلفين . . . 1 .
فإن أرادوا به هذا فهو كما ترى إنّما لامهم بمعاملتهم مع أمير المؤمنين عليه السّلام ما عاملوه به ، و أي ربط لذلك بما قالوا ، و قد شكا من أهل الكوفة كلّ برّ و فاجر .
قال البلاذري : إنّ عمر استعمل على أهل الكوفة سعدا . فشكوه بأنّه لا يحسن الصلاة . فاستعمل عليهم عمّارا . فشكوه بأنّه ضعيف لا علم له بالسياسة ، فقال : من عذيري من أهل الكوفة ؟ إن استعملت عليهم القويّ فجّروه ، و إنّ ولّيت عليهم الضعيف حقّروه ، ثمّ دعا المغيرة . فقال : إن ولّيتك الكوفة أتعود إلى شيء ممّا قرفت به ؟ فقال : لا . . . 2 .
و مراد عمر بقوله للمغيرة : " أ تعود إلى شيء ممّا قرفت به ؟ " زناه بالبصرة حتّى عزله عنها . فاستعمله على الكوفة كما أسقط الحدّ عنه . فصار سخرية بين الناس في قولهم : غضب الله عليك كما غضب عمر على المغيرة ،
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيّين : 363 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) فتوح البلدان : 277 278 .
[ 566 ]
عزله عن البصرة و استعمله على الكوفة كما مرّ في سابقه 1 .
و بالجملة ، فكلامهم في غاية السقوط . فإنّ مراده عليه السّلام من أراد سوء بالكوفة من حيث كونها معدن الشيعة و المحقق من المنخرط في العنوان زياد و كذا منصور كما عرفتهما من ( ابن أبي الحديد ) و يوسف بن عمر بن محمّد الثقفي الّذي ذكرناه ، و في ( 66 ) من باب الكتب في كتابه عليه السّلام إلى أهل الكوفة و اصفا لهم بجبهة الأنصار ، و سنام العرب .
هذا ، و في ( تاريخ الطبري ) : أنّ أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم ، و تظلموا على أميرهم ، و تكلموا كلاما فيه طعن على سلطانهم فرفع ذلك إلى المنصور . فقال للربيع : اخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة فقل لهم إن الخليفة يقول لكم : لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقنّ رؤوسهما و لحاهما ، و لأضربن ظهورهما . فالزموا منازلكم ، و أبقوا على أنفسكم . فخرج إليهم الربيع بهذه الرسالة . فقال له ابن عيّاش : يا شبه عيسى بن مريم و كان الربيع لم يعرف له أب أبلغ الخليفة عنّا كما أبلغتنا عنه . فقل له : و الله مالنا بالضرب طاقة فأما حلق اللحى . فإذا شئت و كان ابن عيّاش منتوفا فأبلغه فضحك و قال : قاتله اللّه ما أدهاه و أخبثه 2 .
15
الخطبة ( 57 ) و من كلام له ع لأصحابه أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ اَلْبُلْعُومِ مُنْدَحِقُ اَلْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَ يَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ أَلاَ وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي
-----------
( 1 ) رواه ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 : 216 ، و قد مر في العنوان 11 من هذا الفصل .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 6 : 322 ، سنة 158 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 567 ]
وَ اَلْبَرَاءَةِ مِنِّي فَأَمَّا اَلسَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَ لَكُمْ نَجَاةٌ وَ أَمَّا اَلْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّءُوا مِنِّي فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى اَلْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَى اَلْإِيمَانِ وَ اَلْهِجْرَةِ قوله عليه السّلام : " أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل " و ذلك عقوبة تركهم له و اتّباعهم معاوية أخيرا كتركهم له و اتّباعهم أبا بكر أوّلا . روى نصر بن مزاحم في ( صفينه ) عن أبي سنان الأسلمي قال : خطب عليّ عليه السّلام أصحابه إلى أن قال و أيم اللّه ما اختلفت امّة قط بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها . قال أبو سنان : أشهد لقد سمعت عمّار بن ياسر يقول للناس : أمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فقد أعلمكم أنّ الامّة لم تستقم عليه أوّلا ، و انّها لن تستقيم عليه آخرا . ثمّ تفرّق الناس و قد نفذت أبصارهم في قتال عدوّهم 1 .
و في ( مقاتل أبي الفرج ) قال الشعبي : خطب معاوية حين بويع له . فقال :
" ما اختلفت امّة بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها " ثمّ إنّه انتبه فندم .
فقال : إلاّ هذه الامّة فإنّها و إنّها 2 .
و في ابن أبي الحديد روى قيس بن الربيع عن يحيى بن هاني المرادي عن زياد بن فلان المرادي قال : كنّا في بيت عليّ عليه السّلام نحن و شيعته و خواصّه ،
فالتفت فلم ينكر منّا أحدا . فقال : إنّ هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون أيديكم ، و يسملون أعينكم . فقال رجل منّا : و أنت حيّ يا أمير المؤمنين ؟ قال :
أعاذني الله من ذلك ، فالتفت فإذا واحد يبكي . فقال له : يا ابن الحمقاء أتريد اللذات في الدنيا و الدرجات في الآخرة ؟ إنّما وعد اللّه الصابرين 3 .
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 224 .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 45 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 373 .
[ 568 ]
" رحب البلعوم " أي : واسع الحلق . قال الوليد بن عقبة معرضا بمعاوية :
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد
بها أبدا مادام فيها الجراضم
بصير بما في البطل بالبقل عالم
حزون لما التفّت عليه اللهازم
" مندحق البطن " في ( الجمهرة ) : ناقة داحق و هي الّتي يخرج رحمها بعد النتاج 1 .
قالوا : كان معاوية إذا جلس يقعد بطنه على فخذيه .
و في ( المروج ) : قال معاوية يوما و عنده صعصعة و كان قدم عليه بكتاب عليّ عليه السّلام و عنده وجوه الناس الأرض للّه ، و أنا خليفة اللّه . فما آخذ من مال اللّه فهو لي ، و ما تركت منه كان جائزا لي . فقال صعصعة :
تمنّيك نفسك ما لا يكو
ن جهلا معاوي لا تأثم
فقال معاوية : يا صعصعة : تعلّمت الكلام . قال : العلم بالتعلّم ، و من لا يعلم يجهل ، قال معاوية : ما أحوجك إلى أن اذيقك و بال أمرك . قال : ليس ذلك بيدك بل بيد الّذي لا يؤخّر نفسا إذا جاء أجلها . قال : و من يحول بيني و بينك ؟
قال : الّذي يحول بين المرء و قلبه . قال معاوية : إتسع بطنك للكلام كما اتّسع بطن البعير للشعير . قال : إتسع بطن من لا يشبع ، و دعا عليه لا يجمع " 2 .
" يأكل ما يجد " روى ( صفين نصر بن مزاحم ) عن بليد بن سليمان ، عن الأعمش ، عن عليّ بن الأقمر قال : وفدنا على معاوية و قضينا حوائجنا ثمّ قلنا لو مررنا برجل قد شهد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عاينه . فأتينا عبد اللّه بن عمر . فقلنا يا صاحب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حدّثنا ما شهدت : قال : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أرسل إلى هذا يعني معاوية يدعوه و كان يكتب بين يديه فجاء الرسول . فقال : هو يأكل .
-----------
( 1 ) جمهرة اللغة 3 : 445 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 43 .
[ 569 ]
فقال : لا أشبع اللّه بطنه . فهل ترونه يشبع . . . 1 ، و ضرب به المثل في ذلك . قال الشاعر :
و صاحب لي بطنه كالهاوية
كأنّ في أحشائه معاوية
هذا ، و من الأكولين : ميسرة الرأس ، و الفيل . استدعاهما المهدي العباسي و جعل يرمي لكلّ واحد منهما رغيفا . فامتنع الفيل من تمام المئة ،
و أكل ميسرة تمام المئة و زاد عليها .
و منهم أبو السرايا فكان كما في ( المقاتل ) يؤتى بمكوكي شعير فيطرح أحدهما بين يديه ، و الاخرى بين يدي فرسه ، فيستوفي الشعير قبل فرسه 2 .
و منهم العلاّف أبو أبي بكر بن العلاّف . ركب الى الوزير المهلبي على حمار . فأمر الوزير أن يؤخذ حماره ، و يذبح فيطبخ بماء و ملح . ثمّ قدّم له على مائدة الوزير فأكل و هو لا يظنّه ، و يستطيبه حتّى أتى عليه . فلمّا خرج ليركب طلب الحمار . فقيل له : حمارك في جوفك .
" و يطلب ما لا يجد " قالوا كان معاوية يأكل فيكثر . ثمّ يقول : إرفعوا فو اللّه ما شبعت ، و لكن مللت 3 .
و في ( سفيانية الجاحظ ) قال معاوية لأبي ذر : يا عدّو اللّه و عدوّ رسوله تأتينا في كلّ يوم فتصنع ما تصنع و كان أبو ذر يأتي كلّ يوم باب دار معاوية و يصرخ " آتتكم القطار . تحمل النار . اللّهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له . اللّهمّ العن الناهين عن المنكر المرتكبين له " فقال أبو ذر : ما أنا
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 220 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 368 .
-----------
( 3 ) روى هذا المضمون الطبري في تاريخه 8 : 186 ، سنة 284 .
[ 570 ]
بعدّو للّه و لرسوله بل أنت و أبوك عدوان للّه و لرسوله أظهرتما الإسلام ،
و أبطنتما الكفر ، و لقد لعنك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دعا عليك مرّات أن لا تشبع . سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " إذا ولي الامة الأعين الواسع البلعوم الّذي يأكل و لا يشبع .
فلتأخذ الامّة حذرها منه " .
فقال معاوية : ما أنا ذاك الرجل . قال أبو ذر : بل أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سمعته يقول و قد مررت به " اللّهمّ العنه و لا تشبعه إلاّ بالتراب " و سمعته صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يقول " است معاوية في النار " فضحك معاوية و أمر بحبسه 1 .
و في ( مقاتل أبي الفرج ) بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال : أتيت الحسن بن علي عليه السّلام حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره و عنده رهط . فقلت :
السلام عليك يا مذلّ المؤمنين . فقال : عليك السلام يا سفيان . إنزل . فنزلت .
فعقلت راحلتي ثمّ أتيته فجلست إليه . فقال : كيف قلت يا سفيان ؟ فقلت : السلام عليك يا مذلّ رقاب المؤمنين . فقال : ما جرّ هذا منك إلينا ؟ فقلت : " أنت و اللّه بأبي أنت و امّي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة ، و سلّمت الأمر الى اللعين ابن اللعين ابن آكلة الأكباد ، و معك مائة ألف كلّهم يموت دونك ، و قد جمع اللّه لك أمر الناس " .
فقال : يا سفيان إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به ، و إنّي سمعت عليّا عليه السّلام يقول : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : " لا تذهب الليالي و الأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل واسع السرم ، ضخم البلعوم ، يأكل و لا يشبع ،
و لا ينظر اللّه إليه ، و لا يموت حتّى لا يكون له في السماء عاذر ، و لا في الأرض
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 356 ، شرح الخطبة 131 .
[ 571 ]
ناصر ، و انّه لمعاوية ، و إنّي عرفت أنّ اللّه بالغ أمره " 1 .
هكذا وجدت و الظاهر وقوع تحريف ، و أنّ الأصل " في السماء ناصر و لا في الأرض عاذر " .
و روى نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال : أتيت مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و الناس يقولون : نعوذ باللّه من غضب اللّه ، و غضب رسوله . فقلت : ما هذا ؟
قالوا : معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لعن اللّه التابع و المتبوع ، ربّ يوم لامتي من معاوية ذي الاستاه قالوا : يعني العجز الكبير 2 .
و من الخبرين يظهر وصف معاوية بذي الاستاه ، و واسع السرم كوصفه برحب البلعوم و ضخمه .
" فاقتلوه و لن تقتلوه " و كيف كانوا يقتلونه بأمره عليه السّلام ، و قد جحدوا إمامته علانية ، و قد كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرهم بقتله قبله عليه السّلام : و لم يمتثلوه مع إقرارهم بنبوّته ظاهرا .
و روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) عن ابن مسعود قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه . قال الحسن :
فما فعلوا ، و لا أفلحوا .
و عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه . قال أبو سعيد : فلم نفعل ، و لم نفلح 3 .
ثمّ الغريب أنّهم لم يقتصروا على عدم امتثال أمر نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم بل حرّفوا كلامه و جعلوه مدحا له . فنقله الخطيب الناصبي في عنوانه محمّد بن
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 44 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 363 ، شرح الخطبة 57 .
-----------
( 3 ) وقعة صفين : 216 .
[ 572 ]
إسحاق بن مهران هكذا : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فإنّه أمين مأمون 1 فتراه حرّف و زاد تصحيحا لتحريفه .
و روى ( الثقفي في غاراته ) عن الأعمش عن أنس بن مالك قال : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول " سيظهر على الناس رجل من امّتي عظيم السرم ، واسع البلعوم يأكل و لا يشبع ، يحمل و زر الثقلين يطلب الامارة يوما فإذا أدركتموه فابقروا بطنه " و كان في يد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قضيب قد وضع طرفه في بطن معاوية 2 .
" ألا و انّه سيأمركم بسبّي و البراءة منّي " قال ابن أبي الحديد : قال الجاحظ :
كان معاوية يقول في آخر خطبة الجمعة : اللّهمّ إنّ أبا تراب ألحد في دينك ،
و صدّ عن سبيلك . فالعنه لعنا و بيلا ، و عذّبه به عذابا أليما و كتب بذلك الى الآفاق . فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز .
قال : و روى أنّ قوما من اميّة قالوا لمعاوية : إنّك قد بلغت ما أمّلت فلو كففت عن لعن هذا الرجل . فقال : لا و اللّه حتى يربو عليها الصغير ، و يهرم عليها الكبير ، و لا يذكر له ذاكر فضلا ، و أمر المغيرة و كان أمير الكوفة من قبل معاوية حجر بن عدي أن يقوم في الناس . فيلعن عليّا عليه السّلام فأبي ذلك . فتوعده فقال : أيّها الناس إنّ أميركم أمرني أن ألعن عليّا . فالعنوه . فقال أهل الكوفة :
لعنه اللّه . فأعاد الضمير إلى المغيرة بالقصد 3 .
و في ( تاريخ الطبري ) : في مقتل حجر بن عدي في سنة ( 51 ) لمّا ولى
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 1 : 259 .
-----------
( 2 ) رواه عن الغارات ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 372 لكن لم يوجد في النسخة المطبوعة .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 356 و النقل بتقطيع .
[ 573 ]
معاوية المغيرة الكوفة قال له : أردت إيصاءك بأشياء كثيرة و أنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني ، و يسعد سلطاني ، و لست تاركا إيصاءك بخصلة . لا تتحمّ عن شتم عليّ و ذمّه ، و الترحّم على عثمان و العيب على أصحاب عليّ و إقصائهم و اطراء شيعة عثمان و إدنائهم . فقال المغيرة : قد جرّبت و جرّبت و عملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع ، و لا رفع ، و لا وضع فستبلو إلى أن قال و أقام على الكوفة سبع سنين و أشهرا و هو من أحسن شيء سيرة غير أنّه لا يدع ذمّ عليّ عليه السّلام و الوقوع فيه و الدعاء لعثمان و التزكية لأصحابه . فكان حجر إذا سمع ذلك قال : بل إيّاكم فذمّم اللّه و لعن ثمّ يقوم و يقول إنّ اللّه تعالى يقول : كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه 1 و أنا أشهد أنّ من تذمّون لأحقّ بالفضل ، و من تزكّون أولى بالذم إلى أن قال .
حتّى كان في آخر امارته فقام و قال في عليّ و عثمان كما كان يقول :
فقام حجر فنعر نعرة سمعها من كان خارجا و قال : إنّك لا تدري بمن تولع من هرمك إلى أن قال :
فقالوا للمغيرة : علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة فإنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له . فقال لهم المغيرة : انّي قد قتلته إنّه سيأتي أمير بعدي فيحبسه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة . إنّه قد اقترب أجلي و لا احبّ أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم ، و سفك دمائهم . فيسعدوا بذلك و أشقى ، و يعزّ في الدنيا معاوية ،
و يذلّ يوم القيامة المغيرة . . . 2 .
و في ( العقد ) : سبّ معاوية عليّا عليه السّلام على المنبر ، و كتب إلى عمّاله أن
-----------
( 1 ) النساء : 135 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 188 سنة 51 ، و النقل بتلخيص .
[ 574 ]
يلعنوه على المنابر . ففعلوا فكتبت امّ سلمة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى معاوية : إنّكم تسبّون اللّه و رسوله على منابركم و ذلك أنّكم تسبون عليّا و من أحبّه و أنا أشهد أن اللّه تعالى أحبّه و رسوله 1 .
و تبع المروانيون غير عمر بن عبد العزيز منهم معاوية في الأمر بسبّه عليه السّلام و البراءة منه لتشييد ملكهم .
قال ابن أبي الحديد : و روى أهل السيرة أنّ الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر عليّا عليه السّلام فقال : " لعنه اللّه بالجر كان لص ابن لصّ . فعجب الناس من لحنه في ما لا يلحن فيه أحد و من نسبته عليّا عليه السّلام إلى اللصوصية .
قال : و ذكر ( المبرد في الكامل ) : أنّ خالد القسري لمّا كان أمير العراق في خلافة هشام كان يقول على المنبر " اللهمّ العن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر النبيّ على ابنته ، و أبا الحسن و الحسين " ثمّ يقبل على الناس فيقول : هل كنيت .
قال : و ذكر الجاحظ أنّ هشاما لمّا حجّ خطب بالموسم . فقام إليه إنسان فقال : إنّ هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب . فقال : اكفف فما لهذا جئنا 2 .
و في ( المعجم ) في عنوان المدائني : أمر المأمون أحمد بن يوسف بإدخالي عليه . فلمّا دخلت ذكر عليّا عليه السّلام فحدّثته فيه بأحاديث إلى أن ذكر لعن بني اميّة له . فقلت : حدّثني أبو سلمة المثنى الأنصاري قال قال لي رجل : كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمّى عليّا و لا حسنا و لا حسينا ، و إنّما أسمع معاوية ، و يزيد و الوليد . فمررت برجل جالس على باب داره و قد عطشت
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 108 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 356 ، و كامل المبرد 6 : 76 ، و النقل بتصرف .
[ 575 ]
فاستسقيته . فقال : يا حسن إسقه . فقلت له : أسميت حسنا . فقال : أي و اللّه إنّ لي أولادا أسماؤهم حسن و حسين ، و جعفر . فإنّ أهل الشام يسمّون أولادهم بأسماء خلفاء اللّه ، و لا يزال أحدنا يلعن ولده و يشتمه و إنّما سمّيت أولادي ،
بأسماء أعداء اللّه . فإذا لعنت إنّما ألعن أعداء اللّه . فقلت له : ظننتك خير أهل الشام و إذا جهنّم فيها شرّ منك . فقال المأمون : لا جرم قد ابتعث اللّه عليهم من يلعن أحياءهم و أمواتهم ، و يلعن من في أصلاب الرجال و أرحام النساء منهم يعني الشيعة 1 .
و في ( نقض الاسكافي ) : كان دعيّ لبني اميّة يقال له : خالد بن عبد اللّه لا يزال يشتم عليّا عليه السّلام فلمّا كان يوم جمعة و هو يخطب الناس قال : و اللّه إن كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليستعمله و انّه ليعلم ماهو ، و لكنّه كان ختنه ، و قد نعس سعيد بن المسيب ففتح عينيه ثمّ قال : و يحكم ما قال هذا الخبيث ؟ رأيت القبر انصدع و النبّي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : كذبت يا عدوّ اللّه .
و فيه : أقبل بالمدينة رجل على بعير فوقف فسبّ عليّا عليه السّلام فحفّ به الناس ينظرون إليه ، فبينا هو كذلك إذ أقبل سعد بن أبي وقاص فقال : اللّهمّ إن كان سبّ عبدا لك صالحا فأر المسلمين خزيه . فما لبث أن نفر به بعيره فسقط فاندقّ عنقه 2 .
و في ( الأغاني ) : دخل فراس بن جعدة بن هبيرة على خالد القسري و بين يديه نبق . فقال له : إلعن عليّا و لك بكلّ نبقة دينار ، و رأى يوما عكرمة مولى ابن عباس ، و على رأسه عمامة سوداء . فقال : إنّه بلغني أنّ هذا العبد يشبه عليّا و إنّي لأرجو أن يسوّد اللّه وجهه كما سوّد وجه ذاك ، و قال ابن شهاب : قال لي
-----------
( 1 ) معجم الادباء 14 : 128 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه عن النقض ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 259 ، شرح الخطبة 190 .
[ 576 ]
خالد القسري اكتب لي السيرة فقلت له : فإنّه يمرّ بي الشيء من سير عليّ فأذكره ؟ فقال : لا . إلاّ أن تراه في قعر الجحيم . قال : لعن اللّه خالدا ، و من ولاّه و قبّحهم ، و صلوات اللّه على أمير المؤمنين 1 .
و في ابن أبي الحديد : روى الكلبي عن أبيه عن عبد الرحمن بن سائب قال الحجاج يوما لعبد اللّه بن هاني و هو رجل من بني أود شهد معه مشاهده :
و اللّه ما كافأتك بعد ثمّ أرسل إلى أسماء بن خارجة سيّد بني فزارة أن زوّج بنتك من عبد اللّه . فقال : لا و اللّه . فدعا له بالسياط . فقال : نعم ثمّ بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني ان زوّج ابنتك من عبد اللّه . فقال : لا و اللّه . فدعا بالسيف فزوّجه .
فقال له الحجّاج : قد زوّجتك بنت سيد فزارة ، و بنت سيّد همدان ، و ما أود هناك . فقال : إنّ لنا مناقب ليست لأحد من العرب . قال : و ما هي ؟ قال : ما سبّ عبد الملك في ناد لنا قط ، و منّا نسوة نذرن إن قتل الحسين أن ينحر كلّ واحد عشرة قلائص ، و ما منّا رجل عرض عليه شتم أبي تراب إلاّ فعل و زاد ابنيه حسنا و حسينا و امّهما فاطمة .
و كان الحجاج يقول له كلّ مرّة : منقبة و اللّه . فقال : و ما أحد من العرب له من الصباحة و الملاحة ما لنا . فضحك الحجاج و قال : أمّا هذه فدعها . و كان دميما مجدورا ، في رأسه عجر ، مائل الشدق ، أحول 2 .
" امّا " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( فأمّا ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .
-----------
( 1 ) الأغاني 22 : 15 و 16 و 18 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 357 ، شرح الخطبة 57 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 355 ، و شرح ابن ميثم 2 : 149 أيضا نحو المصرية .
[ 577 ]
" السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة و لكم نجاة " قال ابن أبي الحديد : الزكاة النماء ، و الزيادة ، و معنى كون السبّ زكاة له عليه السّلام إمّا ما ورد في الخبر أنّ سبّ المؤمن زكاة له و زيادة في حسناته ، و إمّا أنّ سبّهم لي لا ينقص قدري بل أزيد به شرفا و علوّ قدر و شياع ذكر ، و هكذا كان . فإنّ اللّه تعالى جعل الأسباب الّتي حاولت أعداؤه بها الغضّ منه عللا لانتشار صيته في مشارق الأرض و مغاربها 1 .
و في ( الإرشاد ) : و من آياته و بيناته التي انفرد بها ممّن عداه ، ظهور مناقبه في الخاصة و العامة ، و تسخير الجمهور لنقل فضائله ، و ما خصّه اللّه به من كرائمه و تسليم العدّو من ذلك بما فيه الحجّة عليه . هذا مع كثرة المنحرفين عنه و الأعداء له ، و توفر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله ، و جحد حقّه ، و كون الدنيا في يد خصومه ، و انحرافها عن أوليائه ، و ما اتّفق لأضداده من سلطان الدنيا ، و حمل الجمهور على إطفاء نوره و دحض أمره . فخرق اللّه العادة بنشر فضائله ، و ظهور مناقبه ، و بتسخير الكلّ للاعتراف بذلك ، و الإقرار بصحته ،
و اندحاض ما احتال به اعداؤه في كتمان مناقبه ، و جحد حقوقه ، حتّى تمّت الحجّة ، و ظهر البرهان بحقّه .
و لمّا كانت العادة جارية بخلاف ما ذكرناه في من اتّفق له من أسباب خمول أمره ما اتّفق لأمير المؤمنين عليه السّلام فانخرقت العادة فيه ، دلّ ذلك على بينونته من الكافة بباهر الآيه على ما وصفناه .
و قد شاع الخبر عن الشعبي أنّه كان يقول : لقد كنت أسمع خطباء بني اميّة يسبّون عليّا عليه السّلام على منابرهم و كأنّما يشال بضبعه إلى السماء ، و كنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم ، و كأنّما يكشفون عن جيفة .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 373 374 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 578 ]
و قال الوليد بن عبد الملك لبنيه يوما : عليكم بالدين فإنّي لم أر الدين بنى شيئا فهدمته الدنيا ، و رأيت الدنيا قد بنت بنيانا ، فهدمه الدين . ما زلت أسمع أهلنا يسبّون عليّا ، و يدفنون فضائله ، و يحملون الناس على شنآنه . فلا يزيده ذلك من القلوب إلاّ قربا ، و يجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق . فلا يزيدهم من القلوب إلاّ بعدا الى أن قال :
و كانت الولاة الجورة تضرب بالسياط من ذكره بخير ، بل تضرب الرقاب على ذلك و تعرض الناس على البراءة منه ، و العادة جارية في من اتّفق له ذلك ألاّ يذكر على وجه بخير ، فضلا عن أن تذكر له فضائل ، و إذا كان ظهور فضائله على ما قدّمنا ذكره من شياع ذلك في الخاصة و العامة ، و تسخير العدوّ ، و الولي لنقله ، ثبت خرق العادة فيه ، و بان وجه البرهان في معناه بالآية الباهرة .
ثمّ أمره عليه السّلام أصحابه بسبّه عند أمر الجبابرة لهم بذلك لكونه زكاة له عليه السّلام و نجاة لهم أمر إباحة لاستثنائه من الحظر . لا أمر إيجاب ، و كان يجوز لهم الاستسلام للهلكة و تركه بل هو أحسن و كونه أرفع درجة 1 .
و روى الكشّي عن الباقر عليه السّلام أنّ الحجّاج قال ليحيى ابن أمّ الطويل :
إلعن أبا تراب . فأبي . فأمر بقطع يديه و رجليه و قتله 2 .
و روى ذيل الطبري أنّ الحجّاج كتب إلى محمّد بن القاسم الثقفي . أن ادع عطية فإن لعن عليّا و إلاّ فاضربه 3 .
و روى الطبري في صيفي بن فسيل من رؤوس أصحاب حجر بن
-----------
( 1 ) الإرشاد : 163 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) اختيار معرفة الرجال 123 ح 195 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) منتخب ذيل المذيل : 128 .
[ 579 ]
عدي أنّ زيادا قال له : يا عدوّ اللّه ما تقول في أبي تراب ؟ قال : ما أعرف أبا تراب . قال : ما أعرفك به قال : ما أعرفه . قال : أما تعرف عليّ بن أبي طالب ؟ قال :
بلى . قال : فذاك أبو تراب . قال : كلاّ ذاك أبو الحسن و أبو الحسين عليه السّلام . فقال له صاحب الشرطة : يقول لك الأمير هو أبو تراب و تقول أنت لا . قال له : ان كذب الأمير أتريد أن أكذب ، و أشهد له على باطل كما شهد . قال زياد : عليّ بالعصا .
فاتى بها قال : ما قولك فيه ؟ قال : أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد اللّه المؤمنين . قال : اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض . فضرب حتّى لزم الأرض . ثمّ قال : أقلعوا عنه . إيه ما قولك في عليّ ؟ قال : و اللّه لو شرحتني بالمواسي و المدى ما قلت إلاّ ما سمعت منّي . قال : لتلعننّه أو لأضربن عنقك .
قال : اذن تضربها و اللّه قبل ذلك . . . 1 .
ثمّ مع جوازه يجب عليه التورية إن أمكنه ذلك ، روى الكشي أنّ معاوية قال لصعصعة بن صوحان : اصعد المنبر و العن عليّا . فصعده و قال : أيّها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب . فالعنوا من لعن علي بن أبي طالب فضجّوا بآمين . فلمّا خبّر معاوية قال : لا و اللّه ما عنى غيري .
أخرجوه لا يساكنني في بلد . فأخرجوه 2 .
و روى ( العقد ) عن الأعمش قال : رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى ضربه الحجّاج و أوقفه على باب المسجد ، فجعلوا يقولون له : العن الكاذبين عليّ بن أبي طالب ، و عبد اللّه بن الزبير ، و المختار بن أبي عبيد . فقال : لعن اللّه الكاذبين ثمّ قال عليّ بن أبي طالب إلى أن قال فعرفت حين سكت ثمّ ابتدأ فرفع أنّه ليس يريدهم 3 .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 198 ، سنة 51 .
-----------
( 2 ) اختيار معرفة الرجال : 68 ح 123 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 3 ) العقد الفريد 5 : 269 .
[ 580 ]
هذا ، و روى ( الكافي ) : أنّ أبا الصباح الكناني قال للصادق عليه السّلام : إنّ لنا جارا يجلس الينا ، فنذكر فضل عليّ عليه السّلام فيقع فيه . أفتأذن لي فيه . فقال عليه السّلام :
دعه فستكفى . فلّما رجعت إلى الكوفة قيل لي بعد ثمانية عشر يوما انّ الرجل ايقظ فإذن هو مثل الزق المنفوخ ميّتا فذهبوا يحملونه . فإذا لحمه يسقط عن عظمه . فجمعوه في نطع فإذا تحته أسود 1 .
" و أمّا البراءة فلا تتبرأوا منّي " قال ابن أبي الحديد : لا فرق عند أصحابنا بين السبّ و التبرّي في جواز فعلهما مع التقية ، و تركهما إعزازا للدين ، و إنما استفحش عليه السّلام البراءة لأنّ هذه اللفظة ما وردت في القرآن إلاّ عن المشركين مثل قوله تعالى : براءة من اللّه و رسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين 2 فصارت الكلمة بالعرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصة ، و أما الإمامية فتروي عنه عليه السّلام أنّه قال : إذا عرضتم على البراءة منّا فمدّوا الأعناق . و يقولون :
لا يجوز التبرّي منه إن كان الحالف صادقا و إنّ عليه الكفارة و يقولون : إنّ حكم البراءة من اللّه تعالى و من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و من أحد الأئمة عليه السّلام واحد ،
و يقولون : إنّ الإكراه على السبّ يبيح إظهاره ، و لا يجوز الاستسلام للقتل معه ،
و أمّا الإكراه على البراءة فإنّه يجوز معه الاستسلام للقتل ، و يجوز إظهار التبري ، و الأولى الاستسلام 3 .
قلت : كلامه كلّه خلط و خبط . أما قوله صارت كلمة البراءة بالعرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصة فجزاف ، فأيّ دلالة للآية على ما قال بعد التصريح فيها بأنّ اللّه و رسوله بريء من المشركين .
-----------
( 1 ) أخرجه السروي في مناقبه 4 : 239 ، و لم يوجد في الكافي و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) التوبة : 1 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ابي الحديد 1 : 374 375 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 581 ]
و أما قوله فتروي الإمامية عنه عليه السّلام " إذا عرضتم على البراءة منّا فمدوا الأعناق " فبهتان . فالأصل في الرواية العامة و تبعهم المصنّف و قبله شيخه المفيد غفلة فقال في ( ارشاده ) ما استفاض عنه عليه السّلام من قوله : " إنّكم ستعرضون من بعدي على سبّي فسبّوني فإن عرض عليكم البراءة منّي فلا تبرأوا منّي فإنّي ولدت على الاسلام فمن عرض عليه البراءة منّي فليمدد عنقه .
فمن تبرأ منّي فلا دنيا له و لا آخرة " 1 و أما الإماميّة فرووا تكذيب ما نسبوا إليه من أنّه عليه السّلام قال لا تتبرأوا منّي .
روى الكليني في ( باب تقية كافيه ) ، و الحميري في ( قرب إسناده ) عن مسعدة ابن صدقة أنّه قيل لجعفر بن محمّد عليه السّلام : إنّ الناس يروون أنّ عليّا عليه السّلام قال على منبر الكوفة : " أيّها الناس انّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تتبرّأوا منّي " . فقال ، ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ عليه السّلام . إنّما قال : " إنّكم ستدعون الى سبّي فسبّوني ثم ستدعون إلى البراءة منّي و إنّي لعلى دين محمّد " و لم يقل " و لا تتبرأوا منّي " . فقال له السائل : أ رأيت إن اختار القتل دون البراءة . فقال : و اللّه ما ذلك عليه ، و ماله إلاّ ما مضى عليه عمّار حيث أكرهه أهل مكة و قلبه مطمئن بالايمان . فأنزل اللّه فيه إلاّ من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان 2 فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عندها : يا عمّار ان عادوا فعد فقد أنزل اللّه تعالى عذرك 3 .
و روى إبراهيم الثقفي في ( غاراته ) و قد نقله ابن أبي الحديد نفسه عن يوسف بن كليب المسعودي ، عن يحيى بن سليمان العبدي ، عن أبي مريم
-----------
( 1 ) الإرشاد : 169 .
-----------
( 2 ) النمل : 106 .
-----------
( 3 ) رواه الكليني في الكافي 2 : 219 ح 10 ، و الحميري في قرب الاسناد : 8 .
[ 582 ]
الأنصاري عن محمّد بن علي الباقر عليه السّلام قال : خطب عليّ عليه السّلام على منبر الكوفة .
فقال " سيعرض عليكم سبّي و ستذبحون عليه فإن عرض عليكم سبّي فسبّوني ، و إن عرض عليكم البراءة منّي فإنّي على دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و لم يقل فلا تبرأوا منّي .
و عن أحمد بن المفضل عن الحسن بن صالح عن جعفر بن محمّد عليه السّلام قال : قال عليّ عليه السّلام : و اللّه لتذبحنّ على سبّي و أشار بيده إلى حلقه ثمّ قال " فإن أمروكم بسبّي فسبّوني ، و إن أمروكم أن تبرأوا منّي فإنّي على دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و لم ينههم عن إظهار البراءة 1 . فهذه ثلاثة أخبار : خبران عن الصادق عليه السّلام و خبر عن الباقر عليه السّلام أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لم ينههم عن اظهار البراءة ، و إن نسبة النهي إليه عليه السّلام من العامة .
و بالجملة ، المحقّق من الفرق بين السبّ و البراءة انّه عليه السّلام في السب قال " فسبّوني " ، و أمّا في البراءة فلم يقل " فتبرأوا منّي " و إنّما اقتصر على قوله عليه السّلام " فإنّي على دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم " فتوهّموا انّه نهى فدفع عترته عليه السّلام التوهّم بأنّه اقتصر على ذاك ، و هو أعم من النهي و قد كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له " الايمان مخالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي " 2 .
و وجه تفريقه عليه السّلام أنّ من يأمرهم بالسبّ يأمرهم لهوى نفسه فلا يقبل جوابه ، و أمّا من يأمرهم بالتبرّي فإنّما يأمرهم بالتبرّي منه عليه السّلام أي من دينه .
فعلّمهم عليه السّلام كيف يجيبونهم بأنّ دين عليّ عليه السّلام دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هم كانوا في الظاهر مقرّين به و لا يمكنهم انكاره .
-----------
( 1 ) رواه عن الغارات ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 372 ، شرح الخطبة 57 ، لكن لم يوجد في النسخة المطبوعة .
-----------
( 2 ) أخرجه في ضمن حديث الثقفي في المعرفة عنه أعلام الورى : 186 ، و ابن المغازلي في مناقبه : 237 ح 285 ،
و الصدوق في أماليه : 86 ح 1 ، المجلس 21 ، و الكراجكي في كنز الفوائد : 281 و غيرهم .
[ 583 ]
روى الطبري أنّ شرطة معاوية لمّا قتلوا حجرا مع خمسة من أصحابه لعدم قبولهم التبرّي قال عبد الرحمن بن حسان العنزي ، و كريم بن عفيف الخثعمي : إبعثوا بنا إلى معاوية فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته . فبعثوا بهما إليه فقال الخثعمي له : اللّه اللّه يا معاوية فإنّك منقول من هذ الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ثمّ مسؤول عمّا أردت بقتلنا ، و فيم سفكت دماءنا . فقال له معاوية : ما تقول في عليّ ؟ قال : أقول فيه قولك أتبرأ من دين عليّ الّذي كان يدين اللّه به 1 .
و في ( الإرشاد ) : روى أصحاب السيرة من طرق مختلفة أنّ الحجاج قال لقنبر : إبرأ من دين عليّ . قال . فإذا برئت من دينه تدلّني على دين أفضل من دينه . قال : إنّي قاتلك . فقال له : إنّه عليه السّلام أخبرني أن منيتي تكون ذبحا ظلما بغير حقّ . فأمر به فذبح 2 .
و في ( كامل المبرد ) ، و من شعر علي عليه السّلام الّذي لا اختلاف فيه أنّه قاله و كان يردّده :
يا شاهد اللّه علي فاشهد
أنّي على دين النبيّ أحمد
من شك في اللّه فإنّي مهتدي 3
و في كتاب الحسين عليه السّلام إلى معاوية كما في ( رجال الكشّي و خلفاء القتيبي ) : أو لست صاحب الحضرميّين الّذين كتب فيهم ابن سميّة انّهم كانوا على دين عليّ فكتبت إليه ان اقتل كلّ من كان على دين عليّ . فقتلهم ، و مثّل بهم بأمرك ، و دين عليّ و اللّه الّذي كان يضرب عليه أباك و يضربك ، و به جلست
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 206 ، سنة 51 .
-----------
( 2 ) الإرشاد : 173 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) كامل المبرد 7 : 109 .
[ 584 ]
مجلسك الّذي جلست ، و لو لا ذلك لكان شرفك ، و شرف أبيك الرحلتين 1 .
و حجر بن عدي مع أصحابه كانوا أربعة عشر تبرّأ نصفهم و هم كريم بن عفيف ، و عبد اللّه بن حوية ، و عاصم بن عوف ، و ورقاء بن سمي ، و الأرقم بن عبد اللّه ، و عتبة بن الأخنس ، و سعد بن نمران ، فنجوا ، و أبي نصفهم فقتلوا ، و هم حجر ، و عبد الرحمن العنزي ، و شريك بن شدّاد ، و صيفي بن فسيل ، و قبيصة بن ضبيعة ، و محرز بن شهاب ، و كدام بن حيان .
و روى النسوي أنّ عليّا عليه السّلام قال : يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود 2 .
و في ( المروج ) : لمّا صار حجر و أصحابه إلى مرج عذراء على اثني عشر ميلا من دمشق تقدّم البريد بخبرهم إلى معاوية . فبعث برجل أعور .
فلمّا أشرف عليهم قال رجل من أصحاب حجر : إن صدق الزجر فإنّه يقتل منّا النصف ، و ينجو الباقون فقيل له و كيف ذلك ؟ قال : أما ترون الرجل المقبل مصابا بإحدى عينيه . فلمّا وصل اليهم قال لحجر إنّ الخليفة أمرني بقتلك يا رأس الضلال ، و معدن الكفر و الطغيان ، و المتولي لأبي تراب إلاّ أن ترجعوا عن كفركم ، و تلعنوا صاحبكم ، و تبرأوا منه . فقال حجر و جماعة من أصحابه إنّ الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا ممّا تدعونا إليه ، و أجاب نصفهم إلى البراءة منه عليه السّلام . فلمّا قدّم حجر ليقتل قال دعوني اصلّي ركعتين . فجعل يطول في صلاته . فقيل له : أجزعا من الموت . فقال : لا و لكنّي ما تطهرت للصلاة قط إلاّ صليت و ما صلّيت قطّ أخفّ من هذه ، و كيف لا أجزع ، و انّي لأرى قبرا محفورا
-----------
( 1 ) رواه الكشي في معرفة الرجال اختياره : 50 ، و ابن قتيبة في الامامة و السياسة 1 : 180 ، و الطبرسي في الاحتجاج 2 :
297 .
-----------
( 2 ) رواه عن تاريخ النسوي السروي في مناقبه 2 : 272 .
[ 585 ]
و سيفا مشهورا ، و كفنا منشورا ، ثمّ قدّم فنحر ، و الحق به من وافقه منهم 1 .
و في ( تاريخ الطبري ) : لمّا أرادوا قتل حجر قال لمن حضره ، من أهله : لا تطلقوا عنّي حديدا ، و لا تغسلوا عنّي دما . فإنّي الاقي معاوية غدا على الجادة فكان محمّد بن سيرين إذا سئل عن الشهيد هل يغسّل حدّثهم حديث حجر ،
و قال بلغنا أنّ معاوية لمّا حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ، و يقول يومي منك يا حجر طويل 2 .
و فيه قال معاوية لعبد الرحمن العنزي : ما قولك في عليّ قال : لا تسألني خير لك قال : لا أدعك حتّى تخبرني . قال : أشهد انّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا ،
و من الآمرين بالحقّ ، و القائمين بالقسط ، و العافين عن الناس . قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : هو أوّل من فتح باب الظلم ، و أرتج ابواب الحقّ . فبعث معاوية به إلى زياد ، و كتب إليه اقتله شرّ قتلة . فبعث به زياد إلى قسّ الناطف فدفن به حيّا 3 .
و ممّن عرض عليه البراءة فأبى و قتل رشيد الهجري ، و ميثم التمّار .
روى الكشي عن قنواء بنت رشيد عن أبيها قال : قال لي أمير المؤمنين عليه السّلام كيف صبرك إذا أرسل اليك دعيّ بني أميّة . فقطع يديك و رجليك و لسانك ؟
قالت : فو اللّه ما ذهبت الأيّام حتّى أرسل إليه عبيد اللّه بن زياد الدعيّ فدعاه إلى البراءة منه عليه السّلام فأبى أن يبرأ . . . 4 .
و عن ميثم قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعيّ بني اميّة ابن دعيّها عبيد اللّه بن زياد إلى البراءة منّي ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 4 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 190 ، سنة 51 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 306 ، سنة 51 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 4 ) اختيار معرفة الرجال : 75 ح 131 ، و النقل بتلخيص .
[ 586 ]
أنا و اللّه لا أبرأ منك . قال : إذن و اللّه يقتلك و يصلبك . قلت : أصبر فذاك في اللّه قليل . . . 1 .
و كيف يصحّ ما قاله من أنّ الإماميّة تروي أنّه لا يجوز التبرّي منه و قد روى الكليني في باب تقيته أنّه قيل للباقر عليه السّلام : رجلان من أهل الكوفة اخذا فقيل لهما : ابرءا من عليّ . فبرىء واحد منهما ، و أبي الآخر . فخلّى سبيل الّذي برىء ، و قتل الآخر . فقال : أمّا الذي برىء فرجل فقيه في دينه ، و أما الّذي لم يبرأ فرجل تعجّل إلى الجنّة .
و عن الصادق عليه السّلام ما منع ميثم رحمه اللّه من التقية فو اللّه لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمّار و أصحابه إلاّ من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان 2 . و مرّ أنّ ميثما دعي الى البراءة .
هذا ، و روى ( ذيل الطبري ) : أنّ الحجاج قال للحسن البصري : ما تقول في أبي تراب ؟ قال : و ما عسى أن أقول إلاّ ما قال اللّه تعالى . قال : و ما قال ؟ قال : قال :
و ما جعلنا القبلة الّتي كنت عليها إلاّ لنعلم من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه و إن كانت لكبيرة إلاّ على الّذين هدى اللّه 3 و كان عليّ ممّن هدى اللّه .
فغضب ، ثمّ أكبّ ينكت الأرض ، و خرجت لم يعرض لي أحد ، فتواريت تسع سنين حتّى مات 4 .
و أمّا قوله : " و يقولون لا يجوز التبرّي منه إن كان الحالف صادقا و انّ عليه الكفّارة . . . " فخلط منه ، فإنّ كلامنا في الإكراه على التبرّي منه عليه السّلام ، و ما ذكره أمر آخر ، و هو عدم جواز الحلف بالبراءة لمن كان صادقا ، و هو لا
-----------
( 1 ) اختيار معرفة الرجال : 83 ح 139 .
-----------
( 2 ) الكافي 2 : 220 و 221 ح 1 و 21 ، 15 . و الآية 106 من سورة النحل .
-----------
( 3 ) البقرة : 143 .
-----------
( 4 ) منتخب ذيل المذيل : 126 .
[ 587 ]
يناسب هنا بل كلامه عليه السّلام في احلاف الظالم و المبطل بالبراءة من اللّه تعالى حتّى يعجل تعالى منه الانتقام .
" فإنّي ولدت على الفطرة " قال ابن أبي الحديد : ولد عليه السّلام لثلاثين من عام الفيل و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث لأربعين منه ، و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليلة ولادته عليه السّلام :
" لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح اللّه علينا به أبوابا كثيرة من النعمة و الرحمة " .
و يمكن أن يكون مراده عليه السّلام بالفطرة العصمة ، و أنّه عليه السّلام منذ ولد لم يواقع قبيحا ، و لا كان كافرا طرفة عين ، و لا مخطئا ، و لا غالطا في شيء من الأشياء المغلقة ، و هذا تفسير الإمامية 1 قلت : و رواه العامة أيضا .
ففي ( مسند أحمد بن حنبل ) عن سليمان قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : كنت أنا و عليّ نورا بين يدي اللّه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام . فلمّا خلق اللّه آدم قسّم ذلك النور جزأين : فجزء أنا و جزء عليّ 2 .
و رواه ابن المغازلي ، و في آخره بعد قوله " جزأين " " جزء في صلب عبد اللّه ، و جزء في صلب أبي طالب ، فأخرجني نبيّا و أخرج عليّا وصيّا " 3 .
و عن ابن مسعود قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : أوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم انّي جاعلك للناس إماما إلى أن قال قال : قال " و من ذرّيتي " الى أن قال قال تعالى لا أعطيك لظالم من ذريّتك . قال إبراهيم عندها " و اجنبني و بنيّ أن نعبد الأصنام " قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فانتهت الدعوة إليّ و إلى عليّ لم يسجد أحدنا لصنم قط . فاتخذني اللّه نبيّا و اتّخذ عليّا وصيّا 4 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 375 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) رواه عن مسند أحمد : ابن طاووس في الطرائف 1 : 15 ح 1 ، و لم يوجد فيه بل اخرجه أحمد في الفضائل ، عنه تذكرة الخواص : 46 .
-----------
( 3 ) مناقب ابن المغازلي : 89 ح 132 .
-----------
( 4 ) مناقب ابن المغازلي : 276 ح 322 .
[ 588 ]
" و سبقت إلى الإيمان " قال المأمون كما في ( العقد ) لإسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد في ما حاجّه في إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام : هل علمت أحدا سبق عليّا عليه السّلام إلى الاسلام ؟ قال إسحاق : إنّ عليّا أسلم و هو حديث السنّ لا يجوز عليه الحكم ، و أبو بكر أسلم و هو مستكمل يجوز عليه الحكم .
قال له المأمون : أخبرني أيّهما أسلم قبل ثمّ أناظرك بعد في الحداثة . قال إسحاق : عليّ أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة . قال له المأمون : أخبرني عن إسلام عليّ عليه السّلام حين أسلم لا يخلو من أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعاه إلى الاسلام ، أو يكون إلهاما من اللّه تعالى . فأطرق .
فقال له المأمون : لا تقل إلهاما فتقدّمه على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعرف الإسلام حتّى أتاه جبرئيل عليه السّلام عن اللّه تعالى . قال إسحاق : بل دعاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
قال المأمون : فهل يخلو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين دعاه من أن يكون دعاه بأمر اللّه أو تكلّف ذلك من نفسه . فأطرق .
قال له المأمون : لا تنسب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى التكلّف فإنّ اللّه تعالى يقول و ما أنا من المتكلّفين 1 قال إسحاق : أجل بل دعاه بأمر اللّه تعالى .
قال له المأمون : هل من صفة الجبّار جلّ ذكره أن يكلّف رسله دعاء من لا يجوز عليه الحكم ؟ و في قياس قولك " أسلم عليّ و هو صبي لا يجوز عليه حكم " قد كلّف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون ، فهل يدعوهم الساعة ، و يرتدّون بعد ساعة . فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء ، و لا يجوز عليهم حكم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أترى عندك جائزا أن تنسب هذا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟
قال إسحاق : أعوذ باللّه .
-----------
( 1 ) ص : 86 .
[ 589 ]
قال له المأمون : فأراك يا إسحاق إنّما قصدت لفضيلة فضّل بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا عليه السّلام على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرفوا فضله ، و لو كان اللّه أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليّا . . . 1 .
" و الهجرة " قال ابن أبي الحديد : يمكن أن يريد عليه السّلام بسبقه في هجرته غير هجرة المدينة فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم هاجر عن مكّة مرارا يطوف على أحياء العرب ،
و ينتقل من أرض قوم إلى غيرها ، و كان عليّ عليه السّلام معه دون غيره إلى أن قال و أما هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى بني عامر بن صعصعة و إخوانهم من قيس عيلان . فإنّه لم يكن معه إلاّ عليّ عليه السّلام وحده ، و ذلك عقيب وفاة أبي طالب أوحى تعالى إليه أخرج منها فقد مات ناصرك ، فخرج إلى بني عامر ، و معه عليّ عليه السّلام وحده . فعرض نفسه عليهم ، و سألهم النصر ، و تلا عليهم القرآن فلم يجيبوه .
فعاد إلى مكّة و كانت مدّة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيّام ، و هي أوّل هجرة هاجرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه 2 .
16
الخطبة ( 71 ) و من كلام له ع قاله ؟ لمروان بن الحكم ؟ ؟ بالبصرة ؟
قَالُوا : أُخِذَ ؟ مَرْوَانُ بْنُ اَلْحَكَمِ ؟ أَسِيراً ؟ يَوْمَ اَلْجَمَلِ ؟ فَاسْتَشْفَعَ ؟ اَلْحَسَنَ ؟
وَ ؟ اَلْحُسَيْنَ ع ؟ إِلَى ؟ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ع ؟ فَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَقَالاَ لَهُ يُبَايِعُكَ يَا ؟ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ ع أَ وَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ ؟ عُثْمَانَ ؟ لاَ حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بَايَعَنِي بِكَّفِّهِ لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ اَلْكَلْبِ أَنْفَهُ وَ هُوَ أَبُو اَلْأَكْبُشِ
-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 319 320 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 378 379 .
[ 590 ]
اَلْأَرْبَعَةِ وَ سَتَلْقَى اَلْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ " قالوا أخذ مروان بن الحكم " روى ( الروضة ) عن الصادق عليه السّلام قال :
خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من حجرته و مروان و أبوه يستمعان إلى حديثه . فقال له :
الوزغ ابن الوزغ . فمن يومئذ يرون أنّ الوزغ يسمع الحديث .
و عن الباقر عليه السّلام : لمّا ولد مروان عرضوا به للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يدعو له فأرسلوا به إلى عائشة ليدعو له . فلمّا قرّبته منه قال : أخرجوا عنّي الوزغ ابن الوزغ قال زرارة : لا أعلم إلاّ أنّه قال ، و لعنه 1 .
و في ( حياة الحيوان ) للدميرى : روى الحاكم في ( الفتن و الملاحم من مستدركه ) عن عبد الرحمن بن عوف قال : كان لا يولد لأحد مولود إلاّ أتى به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيدعو له فأدخل عليه مروان . فقال : هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون .
و عن محمّد بن زياد قال : لمّا بايع معاوية لابنه يزيد قال مروان : سنّة أبي بكر و عمر . فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : سنّة هرقل و قيصر . فقال له مروان : أنت الّذي أنزل اللّه فيك و الذي قال لوالديه افّ لكما فبلغ ذلك عائشة . فقالت : كذب و اللّه ما هو به و لكنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعن أبا مروان و مروان في صلبه 2 .
و في ( نقض عثمانية الاسكافي ) : كان مروان مجاهرا بالإلحاد ، هو و أبوه ، و هما الطريدان اللعينان . كان أبوه عدوّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يحكيه في مشيه ،
و يغمز عليه عينه ، و يدلع لسانه ، و يتهكّم به ، و يتهانف عليه هذا و هو في قبضته و تحت يده ، و هو يعلم أنّه قادر على قتله أيّ وقت شاء . فهل يكون هذه إلاّ من
-----------
( 1 ) الكافي 8 : 338 ح 323 324 .
-----------
( 2 ) حياة الحيوان 2 : 399 ، و المستدرك 4 : 479 و 481 .
[ 591 ]
شانئ شديد البغضة حتّى أفضى أمره إلى أن طرده النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سيّره إلى الطائف و أمّا مروان ابنه فأخبث عقيدة و أعظم الحادا و كفرا 1 .
و في ( الاستيعاب ) في هند بن أبي هالة عن هند قال : مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأبي مروان فجعل يغمزه . فالتفت فقال " اللّهمّ اجعل به وزغا " و الوزغ :
الارتعاش فرجف مكانه 2 .
و روى المدائني خبرا طويلا في محاجّة ابن عباس في مجلس معاوية مع مروان و غيره إلى أن قال فقال مروان : يا ابن عباس انّك لتصرف بنابك و توري نارك كأنّك ترجو الغلبة و تؤمّل العافية ، و لو لا حلم معاوية عنكم لتناولكم بأقصر أنامله فأوردكم منهلا بعيدا صدره ، و لعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقّه منكم ، و لئن عفا عن جرائركم . فقديما نسب إلى ذلك .
فقال ابن عباس : و إنّك لتقول ذلك يا عدوّ اللّه ، و طريد رسول اللّه و المباح دمه ، و الداخل بين عثمان و رعيته بما حملهم على قطع أوداجه ، و ركوب أثباجه . اما و اللّه لو طلب معاوية ثأره لأخذك به ، و لو نظر في أمر عثمان لوجدك أوّله و آخره 3 .
و في ( الاحتجاج ) : قال الحسن عليه السّلام لمروان في مجلس معاوية : و ما زادك اللّه يا مروان بما خوّفك إلاّ طغيانا كبيرا و صدق اللّه و صدق رسوله يقول اللّه تعالى و الشجرة الملعونة في القرآن و نخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغيانا كبيرا 4 .
و فيه : عن محمّد بن السائب قال مروان يوما للحسين عليه السّلام : لو لا فخركم
-----------
( 1 ) لم يوجد في النسخة المطبوعة من النقض .
-----------
( 2 ) الاستيعاب 3 : 603 .
-----------
( 3 ) رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 106 ، شرح الخطبة 82 .
-----------
( 4 ) الاحتجاج 1 : 279 . و الآية 60 من سورة الاسراء .
[ 592 ]
بفاطمة بم كنتم تفتخرون علينا ؟ فوثب الحسين عليه السّلام و كان شديد القبضة فقبض على حلقه فعصره و لوى عمامته على عنقه حتّى غشي عليه ثم تركه و أقبل الحسين عليه السّلام على جماعة من قريش فقال : أنشدكم باللّه ان صدّقتموني إن صدقت . أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم منّي و من أخي أو على ظهر الأرض ابن بنت نبيّ غيري و غير أخي . قالوا : اللّهمّ لا .
قال : و إنّي لا أعلم أنّ في الأرض ملعونا ابن ملعون غير هذا و أبيه طريدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . و اللّه ما بين جابرس و جابلق أحدهما بباب المشرق و الآخر بباب المغرب رجلا ممّن ينتحل الإسلام أعدى لله و لرسوله و لأهل بيته منك و من أبيك إذا كان ، و علامة قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤك من منكبك ، قال : فو اللّه ما قام مروان من مجلسه حتى غضب فانتفض و سقط ردائه عن عاتقه 1 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : ذكر هشام الكلبي عن محمّد بن إسحاق قال : بعث مروان و كان واليا على المدينة رسولا إلى الحسن عليه السّلام فقال له : يقول لك مروان : أبوك الّذي فرّق الجماعة ، و قتل عثمان ، و أباد العلماء و الزهاد يعني الخوارج و أنت تفخر بغيرك . فإذا قيل لك : من أبوك تقول :
خالي الفرس . فجاء الرسول إلى الحسن عليه السّلام فقال له : أتيتك برسالة ممّن يخاف سطوته ، و يحذر سيفه . فإن كرهت لم أبلغك و وقيتك بنفسي .
فقال الحسن عليه السّلام : لا بل تؤديها ، و نستعين عليه باللّه . فأدّاها فقال له :
تقول لمروان : إن كنت صادقا فاللّه يجزيك بصدقك ، و ان كنت كاذبا فاللّه أشدّ نقمة . فخرج الرسول من عنده . فلقيه الحسين عليه السّلام فقال : من أين أقبلت . فقال :
من عند أخيك الحسن عليه السّلام . فقال : و ما تصنع ؟ قال : أتيت برسالة من عند
-----------
( 1 ) الاحتجاج 2 : 299 .
[ 593 ]
مروان . فقال : و ما هي ؟ فامتنع الرسول من أدائها . فقال : لتخبرني أو لأقتلنّك .
فسمع الحسن عليه السّلام فخرج ، و قال لأخيه : خلّ عن الرجل . فقال : لا و اللّه حتّى أسمعها فأعادها الرسول عليه . فقال له الحسين عليه السّلام : قل له يقول لك الحسين بن علي و ابن فاطمة : " يا ابن الزرقاء الداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز ،
و صاحبة الراية بسوق عكاظ ، و يا ابن طريد الرسول و لعينه إعرف من أنت ،
و من أبوك ، و من امّك " .
فجاء الرسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا . فقال للرسول : ارجع إلى الحسن و قل له : أشهدك أنّك ابن الرسول ، و قل للحسين : أشهد أنّك ابن عليّ بن أبي طالب .
فقال الحسين عليه السّلام للرسول : قل لمروان كلاهما لي رغما لك . قال الأصمعي : أمّا قول الحسين عليه السّلام : " يا ابن الداعية إلى نفسها " فذكر ابن إسحاق ان امّ مروان اسمها اميّة و كانت من البغايا في الجاهلية ، و كانت لها راية مثل راية البيطار تعرف بها ، و كانت تسمّى امّ حنبل الزرقاء ، و كان مروان لا يعرف له أب و إنّما نسب إلى الحكم كما نسب عمرو إلى العاص .
و أما قوله يا ابن طريد الرسول : يشير إلى الحكم بن أبي العاص بن اميّة بن عبد شمس أسلم يوم الفتح ، و سكن المدينة ، و كان ينقل أخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الكفار من الاعراب ، و غيرهم ، و يتجسّس عليه .
قال الشعبي : و ما أسلم إلاّ لهذا ، و رآه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوما و هو يمشي و يتخلج في مشيته يحاكي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال له كذلك . فما زال يمشي كأنّه يقع على وجهه و نفاه إلى الطائف ، و لعنه . فلمّا توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كلّم عثمان أبا بكر أن يردّه لأنه كان عمّه . فقال أبو بكر : هيهات شيء فعله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و اللّه لا اخالفه أبدا . فلمّا ولي عمر بعده كلّمه ، فقال : و اللّه لا كان هذا أبدا . فلمّا ولي عثمان بعده ردّه في اليوم الّذي تولى فيه ، و قرّبه و أدناه ، و دفع له مالا عظيما ،
[ 594 ]
و رفع منزلته . فقام المسلمون على عثمان ، و أنكروا عليه ، و هو أوّل ما أنكروا عليه . فامتنع جماعة من الصحابة من الصلاة خلف عثمان لذلك . ثمّ توفّي الحكم في خلافته . فصلّى عليه و مشى خلفه . فشقّ ذلك على المسلمين ، و قالوا ما كفاك ما فعلت حتّى تصلّي على منافق ملعون لعنه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و نفاه ،
فخلعوه و قتلوه .
و أعطى عثمان ابنه مروان خمس غنائم أفريقيّة خمسمئة ألف دينار ،
و لما بلغ ذلك عائشة أرسلت إلى عثمان : أما كفاك أنّك رددت المنافق حتّى تعطيه أموال المسلمين ، و تصلّي عليه و تشيّعه ، و بهذا السبب قالت : اقتلوا نعثلا قتله اللّه فقد كفر ، و كان مروان يشتم عليّا عليه السّلام يوم الجمعة على المنبر ،
و كان الحسن عليه السّلام يقعد في حجرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى يفرغ ثمّ يخرج فيصلّي خلفه 1 .
و في ( الصحاح ) : خيط باطل هو الّذي يقال له لعاب الشمس ، و مخاط الشيطان و كان مروان يلقّب بذلك لأنّه كان طويلا مضطربا 2 .
و في ( المروج ) : لمّا قتل عبد الملك عمرو بن سعيد الأشدق قالت اخته :
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل
و كلّكم يبني البيوت على غدر 3 .
و في ( تاريخ الطبري ) بعد ذكر أنّ الوليد رخّص للحسين عليه السّلام في الانصراف لمّا دعاه لبيعة يزيد قال مروان للوليد : إحبس الرجل ، و لا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه . فوثب عند ذلك الحسين عليه السّلام فقال : يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو ؟ إلى أن قال :
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 207 209 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 2 : 1125 1126 ، مادة ( خيط ) .
-----------
( 3 ) مروج الذهب 3 : 306 .
[ 595 ]
فقال مروان للوليد : عصيتني . فقال له الوليد : اخترت لي التّي فيها هلاك ديني . و اللّه إنّي لأظنّ أمرءا يحاسب بدم الحسين عليه السّلام لخفيف الميزان عند اللّه يوم القيامة . فقال له مروان : فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت في ما صنعت يقول له هذا و هو غير حامد له على رأيه 1 .
و في ( الأغاني ) : إستأذن اسماعيل بن يسار النسائي على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما . فحجبه ساعة ثمّ أذن له . فدخل يبكي . فقال له الغمر : مالك تبكي ؟ فقال : و كيف لا أبكي و أنا على مروانيتي و مروانية أبي احجب عنك .
فجعل يعتذر إليه . و هو يبكي . فما سكت حتّى وصله الغمر بجملة لها قدر . ثمّ خرج من عنده فلحقه رجل : فقال له : ويلك يا اسماعيل أيّ مروانية كانت لك أو لأبيك . قال : بغضنا إيّاهم فامرأته طالق إن لم تكن امّه تلعن مروان و اللّه كلّ يوم مكان التسبيح ، و إن لم يكن أبوه حضره الموت فقيل له : قل : لا إله إلاّ اللّه . فقال :
لعن اللّه مروان . تقربا بذلك إلى اللّه تعالى و إبدالا له من التوحيد ، و إقامة له مقامه 2 .
و فيه زعم أهل اليمامة و عكل و غيرهم أنّ ثلاثة نفر أبو حفصة جدّ مروان بن أبي حفصة الشاعر ، و رجل من تميم ، و رجل من سليم أتوا مروان فباعوا أنفسهم منه في مجاعة نالتهم ، فاستعدى أهل بيوتاتهم عليهم فأقرّ السلمي أنّه من العرب و أنّه إنّما أتى مروان فباعه نفسه . فدسّ إليه مروان من قتله . فلمّا رأى ذلك الآخران ثبتا على أنّهما موليان لمروان 3 .
" أسيرا يوم الجمل . فاستشفع الحسن و الحسين عليه السّلام إلى أمير
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 251 ، سنة 60 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) الأغاني 4 : 410 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) الأغاني 10 : 73 .
[ 596 ]
المؤمنين عليه السّلام فكلّماه فيه فخلّى سبيله " في ( المروج ) : دخل عليّ عليه السّلام على عائشة بعد أن بعث ابن عباس اليها يأمرها بالخروج إلى المدينة ، و معه الحسن و الحسين عليه السّلام و باقي أولاده ، و أولاد إخوته ، و فتيان أهله من بني هاشم ، و غيرهم من شيعته فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه ، و قلن : يا قاتل الأحبة . فقال عليه السّلام : لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت و أشار إلى بيت من البيوت قد اختفي فيه مروان ، و عبد اللّه بن الزبير ، و عبد اللّه بن عامر ،
و غيرهم فضرب من كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لمّا علموا من في البيت مخافة أن يخرجوا فيغتالوهم إلى أن قال فسألته عائشة أن يؤمّن ابن اختها عبد اللّه بن الزبير فآمنه ، و تكلّم الحسن و الحسين عليه السّلام في مروان فآمنه 1 .
و لكن روى ( الخرائج ) : أنّ ابن عباس استشفع له ، فروى عن رجل من مراد قال كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين عليه السّلام يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال . فقال : إنّ لي حاجة . فقال عليه السّلام : ما أعرفني بالحاجة الّتي جئت فيها تطلب الأمان لابن الحكم . قال : ما جئت إلاّ لتؤمنه . قال : قد آمنته ، و لكن اذهب و جئني به و لا تجئني به إلاّ رديفا فإنّه أذلّ له . فجاء به ابن عباس مردفا خلفه كأنّه قرد . . . 2 و كذا رواه ( جمل المفيد ) عن الواقدي فقال : قال لمّا فرغ عليّ عليه السّلام من أهل الجمل جاء فتيان من قريش يسألونه الأمان ، و أن يقبل منهم البيعة .
فاستشفعوا إليه بعبد اللّه بن العباس فشفّعه ، و أمر لهم في الدخول عليه . فلمّا مثلوا بين يديه قال لهم : ويلكم يا معشر قريش علام تقاتلونني ؟ على أن
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 368 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الخرائج و الجرائح 1 : 186 .
[ 597 ]
حكمت فيكم بغير عدل ؟ أو قسمت بينكم بغير سوية ؟ أو استأثرت عليكم ؟ أو لبعدي عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ أو لقلّة بلاء منّي في الإسلام ؟ فقالوا : نحن إخوة يوسف فاعف عنّا ، و استغفر لنا . فنظر إلى أحدهم فقال : من أنت ؟ قال : أنا مساحق بن مخرمة معترف بالزلّة ، مقرّ بالخطيئة ، تائب من ذنبي . فقال عليه السّلام :
قد صفحت عنكم ، و ايّم اللّه إنّ فيكم من لا ابالي بايعني بكفّه أو باسته ، و لئن بايعني لينكثن ، و تقدم إليه مروان ، و هو متّكئ على رجل فقال له : ما بك ؟ هل بك جراحة ؟ قال : نعم ، و ما أراني إلاّ لما بي . فتبسّم عليّ عليه السّلام و قال : لا و اللّه ما أنت لما بك ، و ستلقى هذه الامّة منك و من ولدك يوما أحمر 1 .
و ظاهر خبر أبي مخنف عدم استشفاع أحد فيه ، و في جمع آخر معه .
ففي ( جمل المفيد ) أيضا : روى أبو مخنف عن العدوي عن أبي هشام ،
عن البريد عن عبد اللّه بن المخارق ، عن هاشم بن مساحق القرشي ، عن أبيه قال : لما انهزم الناس يوم الجمل إجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان .
فقال بعضهم لبعض : و اللّه لقد ظلمنا هذا الرجل ، و نكثنا بيعته من غير حدث ،
و اللّه لقد ظهر علينا . فما رأينا قط أكرم سيرة منه ، و لا أحسن عفوا منه بعد الرسول . تعالوا حتّى ندخل عليه ، و نعتذر إليه في ما صنعناه . فصرنا إلى بابه .
فاستأذنّاه . فأذن لنا . فلمّا مثلنا بين يديه جعل متكلّما يتكلّم . فقال عليّ عليه السّلام :
أنصتوا أكفكم إنّما أنا بشر مثلكم فإن قلت حقّا فصدّقوني ، و إن قلت باطلا ردّوا عليّ . انشدكم اللّه أتعلمون أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبض و أنا أولى الناس به و بالناس من بعده . قالوا : اللهمّ نعم ، قال : فعدلتم عنّي و بايعتم أبا بكر فأمسكت ، و لم أحبّ أن أشقّ عصا المسلمين ، و افرّق بين جماعاتهم . ثمّ إنّ أبا بكر جعلها لعمر من بعده . فكففت و لم اهيّج الناس ، و قد علمت أنّي كنت أولى
-----------
( 1 ) الجمل 220 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 598 ]
الناس باللّه و برسوله ، و بمقامه . فصبرت حتّى قتل و جعلني سادس ستّة .
فكففت ، و لم احبّ أن افرّق بين المسلمين . ثمّ بايعتم عثمان فطعنتم عليه ،
و قتلتموه ، و أنا جالس في بيتي و أتيتموني و بايعتموني كما بايعتم أبا بكر و عمر . فما بالكم و فيتم لهما و لم تفوا لي ؟ و ما الّذي منعكم من نكث بيعتهما ،
و دعاكم إلى نكث بيعتي ؟ فقالوا له : كن يا أمير المؤمنين كالعبد الصالح إذ قال لا تثريب عليكم اليوم 1 . فقال عليه السّلام : لا تثريب عليكم اليوم ، و إنّ فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث باسته يعني مروان بن الحكم 2 .
هذا ، و كما أطلق عليه السّلام مروان بعد أسره مع عداوته تلك ، أطلق الوليد بن عقبة مع كونه مثل مروان في العداوة له .
ففي ( كنايات الجرجاني ) : أتى علي عليه السّلام بالوليد بن عقبة أسيرا يوم الجمل ، فقال لمّا رآه :
هنيدة قد حللت بدار قوم
هم الأعداء و الأكباد سود
هم أن يظفروا بي يقتلوني
و إن أظفر فليس لهم جلود
" فقالا له يبايعك يا أمير المؤمنين فقال عليه السّلام : أ و لم يبايعني بعد قتل عثمان " و ما في ( المصرية ) " قبل قتل عثمان " غلط واضح .
في ( تاريخ اليعقوبي ) : بايع الناس بعد عثمان عليّا عليه السّلام إلاّ ثلاثة من قريش مروان ، و سعيد بن العاص ، و الوليد بن عقبة و كان لسان القوم فقال الوليد له عليه السّلام : يا هذا إنّك و ترتنا جميعا . أمّا أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر ، و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، و أما مروان فشتمت أباه ، و عبت على عثمان حين ضمّه إليه إلى أن قال :
-----------
( 1 ) يوسف : 92 .
-----------
( 2 ) الجمل : 222 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 599 ]
فقال الوليد : تبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا ، و تعفي لنا عمّا في أيدينا ، و تقتل قتلة صاحبنا . فغضب عليّ عليه السّلام و قال : أمّا ما ذكرت من و تري إيّاكم . فالحقّ و تركم ، و أما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن اضيع حقّ اللّه ،
و أمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان للّه و للمسلمين فالعدل يسعكم ، و أما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا ، و لكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه ، و سنّة نبيّه . فمن ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق ، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم . فقال مروان بل نبايعك ، و نقيم معك فترى و نرى 1 .
" لا حاجة لي في بيعته إنّها كفّ يهوديّة لو بايعني بكفه " هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( بيده ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 2 .
" لغدر بسبته " أي : باسته . في خبر ( الخرائج ) المتقدم " فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفّه عن كفّ مروان فنزها و قال : لا حاجة لي فيها ، إنّها كفّ يهودية لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث باسته . . . " 3 .
و قد عرفت من خبر أبي مخنف " و أنّ فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث باسته " و من خبر الواقدي " و ايم اللّه إنّ فيكم من لا ابالي بايعني بكفه أو باسته ،
و لئن بايعني لينكثن " . قال ابن أبي الحديد : كان الغادر من العرب إذا عزم على الغدر بعد عهده حبق استهزاء 4 .
قال عليه السّلام ذلك لأنّه يعرف ضميره ، و كيف كان يفي ببيعته ، و قد كان كتب الى معاوية ، و يعلى بن منبة قبل قتل عثمان " و إني خائف إن قتل يعني عثمان أن تكون أي الخلافة من بني اميّة بمناط الثريا إن لم نصر كرصيف
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 178 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 53 ، لكن في شرح ابن ميثم 2 : 203 أيضا " بكفه " .
-----------
( 3 ) الخرائج و الجرائح 1 : 186 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 54 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 600 ]
الأساس المحكم ، و لئن و هى عمود البيت لتتداعينّ جدرانه ، و الّذي عيب عليه إطعامكما الشام و اليمن إلى أن قال :
و أما أنا فمساعف كلّ مستشير ، و معين كلّ مستصرخ ، و مجيب كل داع أتوقع الفرصة . فأثب و ثبة الفهد . أبصر غفلة مقتنصة .
و كتب الى معاوية بعد قتل عثمان مشيرا إليه عليه السّلام و أصحابه و لقد طويت أديمهم على نغل يحلم منه الجلد كذبت نفس الظان بنا ترك المظلمة ، و حبّ الهجوع إلاّ تهويمة الراكب العجل إلى أن قال و كتابي إليك و أنا كحرباء السبسب في الهجير ترقب عين الغزالة . هذا ، و قال الشاعر :
" إنّ احيحا هي صئبان السّه " 1
و السه : أيضا الاست ، و الصئبان : جمع الصؤابة بيضة القملة .
هذا ، و قال الأخطل و كان شاعرا نصرانيا ، و من المنقطعين إلى بني اميّة في بشر بن مروان :
فلا تجعلنيّ يا ابن مروان كامرئ
غلت في هوى آل الزبير مراجله
يبايع بالكف التي قد عرفتها
و في قلبه ناموسه و غوائله
" أما إنّ له إمرة " قال ابن أبي الحديد : و روى هذا الخبر من طرق كثيرة ،
و رويت فيه زيادة هكذا : " يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه ، و إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه " 2 و قال الشاعر في امارة مروان ، و قد عرفت أنّه كان يلقب بخيط الباطل :
لحا اللّه قوما أمرّوا خيط باطل
على الناس يعطي من يشاء و يمنع 3
-----------
( 1 ) أورده لسان العرب 13 : 495 ، مادة ( سه ) .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 53 .
-----------
( 3 ) نقله ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 55 .
[ 601 ]
و قد وقعت إمارته كما أخبر عليه السّلام قال المسعودي : أراد مروان بعد موت يزيد أن يلحق بابن الزبير . فمنعه من ذلك عبيد اللّه بن زياد عند لحاقه بالشام و قال له : إنك شيخ بني عبد مناف إلى أن قال :
قال عمرو بن سعيد الأشدق لمروان أدعوا الناس اليك ، و آخذها لك على أن يكون لي من بعدك .
فقال مروان : بل بعد خالد بن يزيد بن معاوية فرضي الأشدق بذلك ،
و دعا الناس إلى بيعة مروان فأجابوا ، و كانت أيّامه تسعة أشهر و أيّاما قلائل و قيل ثمانية أشهر و اختلف في سبب وفاته فمنهم من رأى أنّه مات مطعونا ، و منهم من رأى انّه مات حتف أنفه ، و منهم من رأى أنّ فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة امّ خالد بن يزيد هي الّتي قتلته ، و ذلك أنّ مروان حين أخذ البيعة لنفسه و لخالد بن يزيد بعده ، و عمرو بن سعيد بعده .
ثم بداله في ذلك فجعلها لابنه عبد الملك بعده ثم لابنه عبد العزيز ، و دخل عليه خالد بن يزيد فكلّمه ، و أغلظ له فغضب من ذلك ، و قال : أتكلمني يا ابن الرطبة و كان مروان قد تزوّج بامّه فاختة ليذلّه بذلك و يضع منه فدخل خالد على امّه فقبّح لها تزوجها بمروان ، و شكا إليها ما نزل به منه . فقالت : لا يعيبك بعدها . فمنهم من رأى أنّها وضعت على نفسه و سادة ، و قعدت فوقها مع جواريها حتى مات ، و منهم من رأى انّها أعدّت له لبنا مسموما فلما دخل عليها ناولته إيّاه فشربه . فلما استقرّ في جوفه وقع يجود بنفسه ، و أمسك لسانه فحضره عبد الملك ، و غيره من ولده ، فجعل مروان يشير إلى امّ خالد يخبرهم أنّها قتلته و امّ خالد تقول : بأبي أنت حتّى عند النزع لم تشتغل عنّي انّه يوصيكم بيّ 1 .
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 85 89 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 602 ]
" كلعقة الكلب أنفه " فقد عرفت أنّ إمرته كانت تسعة أشهر أو ثمانية أشهر .
هذا ، و في ( أنساب البلاذري ) كان ابن همام حين حصر ابن مطيع في القصر أي في الكوفة من قبل ابن الزبير لمّا ظهر المختار فتدلّى منه مع ناس تدلّوا أيضا فقال : لما رأيت القصر اغلق بابه ، و تعلقت همدان بالأسباب . و رأيت أفواه الأزقّة حولنا ملئت بكلّ هراوة ، و ذباب ، و رأيت أصحاب الدقيق كأنّهم حول البيوت ثعالب الأسراب أيقنت أنّ أمارة ابن مضارب لم يبق منها فيش اير ذباب 1 .
و مما قيل في قصر المدّة قول ابن عباس في مدّة امارة عائشة في الجمل .
ففي ( العقد ) قال ابن عباس لها بعد هزيمتها إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الّذي خرجت منه . قالت : رحم اللّه أمير المؤمنين . إنّما كان عمر ابن الخطاب . فقال لها بل عليّ بن أبي طالب . فقالت : أبيت أبيت فقال لها : ما كان إباؤك إلاّ فواق ناقة بكيئة . ثمّ صرت ما تحلين ، و لا تمرّين و لا تأمرين ، و لا تنهين . فبكت حتّى علا نشيجها 2 .
" و هو أبو الأكبش الأربعة " في ( إعلام الورى ) عن ابن مرهب بعد ذكر ورود مروان على معاوية ، و تركه حاجة له فورد ابنه عبد الملك إلى معاوية فكلّمه فلما أدبر عبد الملك قال ( معاوية لابن عباس و كان عنده ) : أنشدك اللّه يا ابن عباس أما تعلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذكر هذا . فقال : أبو الجبابرة الأربعة ؟ قال ابن عباس : اللّهم نعم 3 .
-----------
( 1 ) أنساب الأشراف 5 : 230 ، و ما نقل عن ابن همام فهو شعر في أربعة أبيات .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 72 ، و فتوح ابن اعثم 2 : 336 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) إعلام الورى : 35 .
[ 603 ]
و في ( حيوان الدميري ) قال مصعب الزبيري : زعموا أنّ عبد الملك بن مروان رأى في منامه أنّه بال في المحراب أربع مرّات . فدسّ من سأل سعيد بن المسيب و كان يعبرّ الرؤيا فقال : يملك من صلبه أربعة . فكان آخرهم هشام 1 .
و قال ابن أبي الحديد : فسّروا الأكبش الأربعة ببني عبد الملك الوليد ،
و سليمان ، و يزيد ، و هشام ، و لم يل الخلافة من بني اميّة ، و لا من غيرهم أربعة إخوة إلاّ هؤلاء و يجوز عندي أن يريد عليه السّلام ولد مروان لصلبه عبد الملك ، و عبد العزيز ، و بشر ، و محمّد ، و كانوا كباشا أبطالا أنجادا وليّ عبد الملك الخلافة ،
و وليّ بشر العراق ، و ولي محمّد الجزيرة ، و ولى عبد العزيز مصر و لكلّ منهم آثار مشهورة 2 .
قلت : و كان لمروان ولد آخر أحمق ، معاوية بن مروان ، و هو الّذي قال للطحان : أرأيت إن قام حمارك و حركّ رأسه ليصوت جلجله ما علمك ؟ فقال :
و من له بمثل عقل الأمير . و الأظهر ما عليه الأكثر من كون المراد بني عبد الملك الأربعة الّذين و لو الخلافة ، و كيف كان . فمروان كان أبا عشرة .
هذا ، و في ( كامل الجزري ) : ولي الخلافة في الأخوين المسترشد ،
و المقتفي ابنا المستظهر ، و الهادي و الرشيد ابنا المهدي ، و الواثق و المتوكّل ابنا المعتصم ، و في الاخوة الثلاثة ، الأمين ، و المأمون ، و المعتصم بنو هارون ،
و المكتفي ، و المقتدر و القاهر بنو المعتضد ، و الراضي ، و المتقى ، و المطيع بنو المقتدر ، و أما أربعة إخوة فليس إلاّ الوليد ، و سليمان ، و يزيد ، و هشام بنو عبد الملك 3 .
-----------
( 1 ) حياة الحيوان 1 : 71 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 54 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 3 ) ذكره كلا في موضعه من الكامل .
[ 604 ]
و كما أخبر عليه السّلام بهؤلاء الأكبش الأربعة أخبر عليه السّلام أنّ كبشا آخر و هو ابن الزبير يستحلّ حرمة الكعبة .
ففي ( تاريخ الطبري ) : قال عبد اللّه بن سليم ، و المذري بن المشمعل الأسديان : سمعنا ابن الزبير و هو يقول للحسين عليه السّلام يوم التروية بين الحجر و الباب : إن شئت أن تقيم أقمت . فوليت هذا الأمر فآزرناك ، و ساعدناك ،
و نصحنا لك ، و بايعناك . فقال عليه السّلام " إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشا يستحلّ حرمتها فما أحبّ أن أكون ذلك الكبش " 1 و يأتي خبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ولد أبي العاص جدّ مروان كعثمان .
" و ستلقى الامّة منه و من ولده يوما أحمر " و في خبر الخرائج المتقدّم بعد قوله عليه السّلام في مروان : لو بايعني بيده عشرين مرّة لنكث باسته ثم قال عليه السّلام :
هيه يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة ؟ كلاّ و اللّه حتّى يخرج من صلبك فلان ، و فلان يسومون هذه الامّة خسفا ، و يسقونهم كأسا مصبرة 2 .
و قال ابن أبي الحديد " و في ( الاستيعاب ) نظر علي عليه السّلام يوما إلى مروان .
فقال له : ويل لك ، و ويل لأمّة محمّد منك ، و من بنيك ، اذا شاب صدغاك " 3 قلت :
الّذي وجدت في ( الاستيعاب ) " ويلك و ويل امّة محمّد منك ، و من بنيك إذا ساءت درعك " 4 و الظاهر كون كلّ منهما تصحيفا ، و أنّ الأصل في قول " و أشاب ذراعاك " و قول " إذا ساءت درعك " " إذا شاب صدغاك " كما مرّ في خبر .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 288 ، سنة 60 .
-----------
( 2 ) الخرائج و الجرائح 1 : 186 .
-----------
( 3 ) شرح ابن ابي الحديد 2 : 55 .
-----------
( 4 ) الاستيعاب 3 : 425 .
[ 605 ]
و في الجزري يقال لمروان و لولده : بنو الزرقاء و زرقاء بنت موهب جدة مروان لأبيه كانت من ذوات الرايات في البغاء قال ابن الأشعث لمّا أجمع أهل العراق على خلع عبد الملك بدير الجماجم إنّ بني مروان يعيرون بالزرقاء و اللّه ما لهم نسب أصحّ منه إلاّ أنّ بني أبي العاص أعلاج من أهل صفوريّة 1 .
قال ابن أبي الحديد : و في ( أغاني أبي الفرج ) : قال مروان لمعاوية لمّا عزله عن الامارة : رويدا رويدا ، فقد بلغ بنو الحكم ، و بنو بنيه نيفا و عشرين ،
و إنّما هي أيّام قلائل حتّى يكملوا أربعين ثم يعلم امرؤ ما يكون منهم حينئذ .
ثمّ هم للجزاء بالحسني و السوء بالمرصاد .
قال أبو الفرج : هذا رمز إلى قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم " إذا بلغ بنو أبي العاص ،
أربعين رجلا اتّخذوا مال اللّه دولا ، و عباد اللّه خولا " فكان بنو أبي العاص يذكرون انّهم سيلون أمر الامّة إذا بلغوا إلى هذه العدّة . فغضب معاوية و قال :
يا ابن الوزغ لست هناك ، فقال مروان : هو ما قلت لك ، و إنّي الآن لأبو عشرة و أخو عشرة ، و عمّ عشرة ، و قد كاد ولد أبي أن يكمّلوا العدّة يعني أربعين و لو قد بلغوها لعلمت أين تقع منّي . فانخذل معاوية . فقال الأحنف لمعاوية : ما رأيت لك سقطة مثلها ما هذا الخضوع لمروان ؟ و أيّ شيء يكون منه و من بني أبيه إذا بلغوا أربعين ؟ و ما الّذي تخشاه منهم ؟ فقال : ان الحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع امّ حبيبة لمّا زفّت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و هو يتولىّ نقلها إليه ،
فجعل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يحدّ النظر إليه . قيل له : لقد أحددت النظر إلى الحكم . فقال :
" ذاك رجل إذا بلغ بنو أبيه ثلاثين أو أربعين ملكوا الأمر من بعدي " فو اللّه لقد تلقّاها مروان من عين صافية .
-----------
( 1 ) الكامل 4 : 194 و 471 ، سنة 65 و 82 .
[ 606 ]
فقال له الأحنف : رويدا لا يسمع هذا منك أحد . فإنّك تضع من قدرك و قدر ولدك بعدك ، و إن يقض اللّه أمرا يكن . فقال له معاوية : اكتمها عليّ . فقد لعمرك صدقت و نصحت 1 .
قلت : و في ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : إشتكى عمرو بن عثمان .
فكان العوّاد يدخلون عليه . فيخرجون ، و يتخلّف عنده مروان فيطيل . فانكرت ذلك رملة بنت معاوية امرأة عمرو . فخرجت كوّة . فاستمعت على مروان . فإذا هو يقول : ما أخذ هؤلاء يعني حرب بن اميّة الخلافة إلاّ باسم أبيك . فما يمنعك أن تنهض بحقك . فلنحن أكثر منهم رجالا . منّا فلان ، و منهم فلان و عدّد فضول رجال أبي العاص على رجال بني حرب فلمّا برأ عمرو تجهّز للحج ، و تجهّزت رملة في جهازه . فلما خرج عمرو خرجت رملة إلى أبيها بالشام فأخبرته ، و قالت له : ما زال يعدّ فضل رجال أبي العاص على بني حرب حتّى عدّ ابني عثمان و خالدا ابني عمرو . فتمنيت أنّهما ماتا . فكتب معاوية إلى مروان :
أو اضع رجل فوق اخرى تعدّنا
عديد الحصى ما ان تزال تكاثر
و امّكم تزجي تؤاما لبعلها
و امّ أخيكم نزرة الولد عاقر
إشهد يا مروان أنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتّخذوا مال اللّه دولا ، و دين اللّه دخلا ، و عباد اللّه خولا " . فكتب إليه مروان :
أما بعد يا معاوية فإنّي أبو عشرة ، و أخو عشرة ، و عم عشرة 2 .
ثمّ الخبر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ورد تارة في الحكم أبي مروان كما عرفته من معاوية على رواية مصعب الزبيري ، و اخرى في أبي العاص جدّه كما عرفته
-----------
( 1 ) شرح ابن ابي الحديد 2 : 56 57 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) نسب قريش : 110 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 607 ]
من خبر أبي الفرج الإصبهاني ، و الثاني يشمل عثمان أيضا ، و قد استند إليه أبو ذر في قباله ، و قد شهد له أيضا الدراية .
و لقد لقيت الامّة منه ، و من ولده يوما أحمر كما قال عليه السّلام فكان مروان و ابنه عبد الملك سببا لغلبة مسلم بن عقبة يوم الحرة على أهل المدينة ، و فعله تلك الشنائع الّتي لم تكن بعد واقعة الطف أشنع منها . فكتب مسلم بن عقبة إلى يزيد يشكره و يشكر ابنه .
و لما حضر ابنه عبد الملك الوفاة قال لابنه الوليد : لا تعصر علي عينيك كالأمة الوكساء إذا أدليتني في حفرتي اخرج إلى الناس ، و البس لهم جلد النمر ،
واقعد على المنبر ، و ادع الناس إلى بيعتك . فمن مال بوجهه عنك فقل له بالسيف كذا . فلما توفّي دعا الوليد الى البيعة . فلم يختلف عليه أحد ، و كان أوّل ما ظهر من أمره أن أمر بهدم كلّ دار من دار أبيه إلى قبره . فهدمت من ساعتها و سوّيت بالأرض لئلاّ يعرج بسرير عبد الملكّ يمينا و شمالا ذكر ذلك خلفاء ابن قتيبة ) 1 .
و لقي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أبيه الحكم ما لقى من محاكاته له في مشيته و تجسسه أخباره لأعدائه حتى ألجأه إلى نفيه إلى الطائف ، و لقى الناس منه فكان يثبّطهم عن الإسلام .
ففي ( العقد ) قال مروان لحويطب بن عبد العزّى و كان كبيرا مسنّا تأخّر إسلامك أيّها الشيخ حتّى سبقك الأحداث .
فقال : اللّه المستعان ، و اللّه لقد هممت بالإسلام غير مرّة كلّ ذلك يعوقني عنه أبوك و ينهاني ، و يقول : تضع من قدرك تترك دين آبائك
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 2 : 58 ، و النقل بتلخيص .
[ 608 ]
لدين محدث ، و تصير تابعا 1 .
و لقى الناس من ولد ابنه الأربعة ما لقوا لا سيّما الأوّل منهم الوليد كان جبّارا عنيدا ، و الأخير هشام كان فظّا غليظا شحيحا .
قال المسعودي في ( مروجه ) كان هشام بن عبد الملك أحول خشنا فظّا غليظا يجمع الأموال ، و يعمّر الأرض ، و يتسجيد الخيل ، و أقام الحلبة . فاجتمع له فيها من خيله ، و خيل غيره أربعة آلاف فرس ، و لم يعرف ذلك في جاهلية ،
و لا في إسلام لأحد من الناس ، و سلك الناس جميعا في أيّامه مذهبه ، و منعوا ما في أيديهم فقلّ الإفضال و انقطع الرفد ، و لم ير زمان أصعب من زمانه ،
و عرض يوما الجند بحمص . فمرّ به رجل من أهل حمص ، و هو على فرس نفور . فقال له هشام : ما حملك على أن تربط فرسا نفورا . فقال الحمصى : لا و الرحمن الرحيم ما هو بنفور ، و لكنّه أبصر حولتك . فظنّ أنّه عين غزوان البيطار و كان غزوان نصرانيا ببلاد حمص كأنّه هشام في حولته و كشفته فقال له هشام : تنحّ فعليك و على فرسك لعنة اللّه 2 .
و لقد أخبر صلّى اللّه عليه و آله و سلم به بالخصوص . ففي ( الإرشاد ) في إخباره عليه السّلام عنه :
" و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة ، إنّ من ورائكم الأعور الأدبر ، جهنّم الدنيا لا تبقي و لا تذر " 3 و كان كما قال عليه السّلام حريصا على جمع أموال الناس . فكان يأخذ ضياع الناس و عقارهم و نفائسهم ، و قد عرفت كونه أعور أحول .
و أخبر عليه السّلام بالوليد بن يزيد ابن ثالثهم . ففي ( الإرشاد ) بعد ما مرّ " و من بعده النّهاس الفرّاس " 4 أما نهاسيته ، فقالوا : إنّ ابن عائشة القرشي غنّاه :
-----------
( 1 ) العقد الفريد 4 : 102 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 205 و 209 .
-----------
( 3 ) الإرشاد : 148 .
-----------
( 4 ) المصدر نفسه .
[ 609 ]
إنّي رأيت صبيحة النحر
حورا نفين عزيمة الصبر
مثل الكواكب في مطالعها
عند العشاء أطفن بالبدر
و خرجت أبغي الأجر محتسبا
فرجعت موقورا من الوزر
فقال له الوليد : أحسنت و اللّه يا أمير المؤمنين أعد بحقّ عبد شمس .
فأعاد فجعل يتخطّى من أب إلى أب ، و يأمره بالإعادة حتّى بلغ نفسه . فقال : أعد بحياتي . فأعاد . فقام الوليد إليه . فأكبّ عليه ، و لم يبق عضوا من أعضائه إلاّ قبّله و أهوى إلى إيره . فجعل ابن عائشة يضمّ ذكره بين فخذيه . فقال له الوليد : و اللّه لا زلت حتّى اقبّله . فقبّل رأسه ، و قال : و اطرباه و اطرباه و نزع ثيابه ، فالقاها على ابن عايشة ، و بقي مجردا إلى أن أتوه بثياب غيرها و دعاله بألف دينار ، و حمله على بغلة ، و قال : اركبها على بساطي ، و انصرف فقد تركتني على أحرّ من جمر الغضى 1 .
و أما فراسيته ففي ( المروج ) : كان الوليد مغرى بالخيل و حبّها ، و جمعها ،
و إقامة الحلبة ، و كان السندي فرسه جواد زمانه ، و كان يسابق به في أيّام هشام ، و كان يقصر عن فرس هشام المعروف بالزائد ، و أجرى الخيل بالرصافة ، و أقام الحلبة ، و هي يومئذ ألف قارح ، و وقف بها ينتظر الرائد ، و معه سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ، و كان له فيها جواد يقال له الوضاح ،
و خشى الوليد أن تسبق فرس سعيد ، فركض فرسه حتّى ساوى الوضاح .
فقذف بنفسه عليه ، و دخل سابقا فكان الوليد أوّل من فعل ذلك 2 .
و لقد أخبر عليه السّلام بعمر بن عبد العزيز منهم ، و كونه من بين ولد مروان أخف وطأة فقال عليه السّلام في خطبته كما في ( الإرشاد ) أيضا : " ثمّ ليتوارثنكم من
-----------
( 1 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 3 : 215 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب 3 : 217 .
[ 610 ]
بني اميّة عدة ما الآخر بأرأف بكم من الأوّل ما خلا رجلا واحدا " 1 .
هذا ، و أخبر عليه السّلام عمر بن سعد بقتلة ابنه الحسين عليه السّلام ففي ( كامل الجزري ) : قال ابن سيرين قال عليّ عليه السّلام لعمر بن سعد : " كيف أنت اذا قمت مقاما تخيّر فيه بين الجنّة و النار فتختار النار " 2 أشار عليه السّلام إلى تخيير ابن زياد له بين ردّه كتاب عهده على الري أو خروجه إلى قتال الحسين عليه السّلام و قتله ،
فاختار الثاني و قال في ذلك :
أ أترك ملك الري و الري رغبتي
أم أرجع مذموما بقتل حسين
و في قتله النار الّتي ليس دونها
حجاب و ملك الري قرّة عيني
هذا ، و نقل ابن أبي الحديد عند قوله عليه السّلام " أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم " عن الإسكافي أنّ رأس الحسين عليه السّلام لمّا وصل إلى المدينة كان مروان أميرها ، فحمل الرأس على يديه ، و قال :
يا حبّذا بردك في اليدين
و حمزة تجري على الخدين
كأنّما بتّ بمسجدين ثمّ رمى بالرأس نحو قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : و قال : يا محمّد يوم بيوم بدر . ثمّ قال ابن أبي الحديد : مروان لم يكن أمير المدينة يومئذ بل كان أمير المدينة عمرو بن سعيد ، و لم يحمل إليه الرأس ، و إنما كتب إليه ابن زياد يبشّره بقتل الحسين عليه السّلام فقرأ كتابه على المنبر ، و أنشد الرجز المذكور و أومأ إلى القبر :
يوم بيوم بدر . فأنكر عليه قوله قوم من الأنصار . ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب ( المثالب ) 3 .
قلت : ردّ ابن أبي الحديد و هم ، فإنّ مراد الإسكافي لم يكن بعد القتل من
-----------
( 1 ) الإرشاد : 148 .
-----------
( 2 ) الكامل 4 : 242 ، سنة 66 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 361 .
[ 611 ]
الكوفة من ابن زياد بل بعد ذلك بإرسال يزيد من الشام . ففي ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) قال كاتب الواقدي : إنّ رأس الحسين عليه السّلام دفن بالمدينة عند امّه .
و ذكر الشعبي أنّ مروان كان بالمدينة . فأخذ الرأس ، و تركه بين يديه ،
و تناول أرنبة أنفه و قال : " يا حبّذا الرجز و اللّه لكأني أنظر إلى أيّام عثمان . . . 1 و أخبار ابن زياد كتابة عمرو بن سعيد و الى المدينة بقتل الحسين عليه السّلام لم ينحصر نقله بأبي عبيدة بل ذكره الطبري و غيره 2 و تعبير ابن أبي الحديد بالتبشير غلط .
17
من الخطبة ( 99 ) أَيُّهَا اَلنَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي 4 6 11 : 89 وَ لاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَ لاَ تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ إِنَّ اَلَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ ؟ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ ص ؟ مَا كَذَبَ اَلْمُبَلِّغُ وَ لاَ جَهِلَ اَلسَّامِعُ وَ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ ؟ بِالشَّامِ ؟ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي ؟ كُوفَانَ ؟ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ اِشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي اَلْأَرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ اَلْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا وَ مَاجَتِ اَلْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَ بَدَا مِنَ اَلْأَيَّامِ كُلُوحُهَا وَ مِنَ اَللَّيَالِي كُدُوحُهَا فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ وَ قَامَ عَلَى يَنْعِهِ وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ اَلْفِتَنِ اَلْمُعْضِلَةِ وَ أَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ اَلْبَحْرِ اَلْمُلْتَطِمِ هَذَا وَ كَمْ يَخْرِقُ ؟ اَلْكُوفَةَ ؟ مِنْ قَاصِفٍ وَ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ اَلْقُرُونُ بِالْقُرُونِ وَ يُحْصَدُ اَلْقَائِمُ وَ يُحْطَمُ اَلْمَحْصُودُ
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 265 266 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 356 ، سنة 61 .
[ 612 ]
" أيّها الناس لا يجرمنّكم " أي : لا يوقعكم في الجرم .
" شقاقي " أي : خلافي و عداوتي ، و الأصل في قوله عليه السّلام " لا يجرمنّكم شقاقي " قول شعيب عليه السّلام و يا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح 1 الآية .
" و لا يستهوينكم عصياني " في ( الصحاح ) استهواه الشيطان ، أي :
استهامه 2 .
" و لا تتراموا بالأبصار " أي : لا يرمي هذا بصره إلى ذاك ، و ذاك إلى هذا .
" عند ما تسمعونه منّي " بأن تقولوا هو كذب . روى المدائني في ( صفّينه ) أنّ عليّا عليه السّلام خطب بعد النهروان . فذكر طرفا من الملاحم إلى أن قال قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه : أشهد أنّه كاذب على اللّه و رسوله . قال الكوفي : و ما يدريك ؟ قال : فو اللّه ما نزل ( عليّ عليه السّلام ) عن المنبر حتّى فلج الرجل فحمل إلى منزله في شق محمل . فمات من ليلته 3 .
" فو الذي فلق الحبة و برأ " أي : الخلق .
" النسمة " أي : الإنسان .
" إنّ الذي أنبّئكم به عن النبيّ الامّي صلّى اللّه عليه و آله و سلم " و النبّي يقول عن اللّه تعالى فلا يمكن وقوع خلاف واقع منه .
" ما كذب المبلّغ " أي : النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال تعالى : يا أيّها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك 4 .
" و لا جهل السامع " أي : هو عليه السّلام .
-----------
( 1 ) هود : 89 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 6 : 2538 ، مادة ( هوى ) .
-----------
( 3 ) رواه عن صفين المدائني ابن ابي الحديد في شرحه 2 : 49 50 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 4 ) المائدة : 67 .
[ 613 ]
روى الطبراني في معجمه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعليّ عليه السّلام لما نزلت و تعيها اذن واعية : سألت اللّه تعالى أن يجعلها اذنك يا عليّ قال عليه السّلام : فما نسيت شيئا بعد 1 .
" و لكنّي " هكذا في ( المصرية ، طبع الاستقامة ) ، و الصواب : ( لكأنّي ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 2 .
" أنظر إلى ضلّيل " مبالغة في الضالّ قال ابن أبي الحديد مراده عليه السّلام بالضلّيل عبد الملك لأنّ هذه الصفات ، و الأمارات فيه أتمّ منها في غيره لأنّه قام بالشام حين دعا إلى نفسه و هو معنى نعيقه إلى أن قال و هو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك و ثقل و طأته ، و حينئذ صعب الأمر جدا ، و تفاقمت الفتن مع الخوارج و عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث . فلمّا كمل أمر عبد الملك ، و هو معنى " أينع زرعه " هلك و عقدت رايات الفتن المعضلة من بعده كحروب أولاده مع بني المهلّب ، و كحروبهم مع زيد بن عليّ عليه السّلام ، و كالفتن الكائنة بالكوفة أيّام يوسف بن عمر ، و خالد القسري ، و عمر بن هبيرة ، و غيرهم ، و ما جرى فيها من الظلم ، و استيصال الأموال ، و ذهاب النفوس ، و قيل : كنّى عليه السّلام عن معاوية ، و ما حدث في أيّامه من الفتن و ما حدث بعده من فتنة يزيد 3 .
قلت : الأصحّ و إن كان ما قال من إرادة عبد الملك لانطباق الفقرات عليه إلاّ أنّه ليس المراد بقوله عليه السّلام " أينع زرعه " انقضاء أمر عبد الملك ، و لا المراد بقوله عليه السّلام " عقدت رايات الفتن المعضلة " حروب أولاده مع من قال ، بل المراد بالأوّل انقضاء أمر بيته من زمن هشام ابنه الرابع إلى مروان بن محمّد ابن أخيه آخر الامويّة ، و المراد بالثاني الرايات
-----------
( 1 ) رواه عن الطبراني الكنجي في كفاية الطالب : 40 .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 193 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 10 مثل المصرية .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 194 .
[ 614 ]
العباسية المقبلة من خراسان .
و في ( كامل المبرد ) : روى أنّ عبد الملك كان له صديق و كان من أهل الكتاب يقال له : يوسف فأسلم فقال له عبد الملك يوما ، و هو في عنفوان نسكه و قد مضت جيوش يزيد مع مسلم بن عقبة المرّي من مرّة غطفان يريد المدينة : أ لا ترى خيل عدوّ اللّه قاصدة لحرم رسوله . فقال له يوسف : جيشك و اللّه إلى حرم اللّه أعظم من جيشه . فنفض عبد الملك ثوبه ثم قال : معاذ اللّه . فقال له يوسف : ما قلت شاكّا ، و لا مرتابا و إنّي لأجدك بجميع أوصافك . قال له عبد الملك : ثمّ ماذا ؟ قال : ثمّ يتداولها رهطك . قال : إلى متى ؟ قال : إلى أن تخرج الرايات السود من خراسان .
و فيه أيضا : و تزعم الرواة أنّ رجلا من أهل الكتاب و كان موصوفا بقراءة الكتب و فد على معاوية فقال له معاوية : أتجد نعتي ؟ قال : نعم إلى أن قال فقال الرجل لمعاوية : حتّى يفضي الأمر إلى رجل أعرف نعته ببيع الآخرة الدائمة بحظّ من الدنيا مخوس . فيجتمع عليه ، و هو من آلك و ليس منك ، لا يزال لعدوّه قاهرا ، و على من ناواه ظاهرا ، و يكون له قرين لعين . قال : أفتعرفه إن رأيته ؟ قال : لشدّ ما أعرفه . فأراه معاوية من بالشام من بني أميّة . فقال ، ما أراه هاهنا . فوجّه به إلى المدينة مع ثقات من رسله فإذا عبد الملك يسعى مؤتزرا في يده طائر . فقال للرسل : ها هو ذا . . . 1 .
و هو أوّل من توعد أن يقال له اتّق اللّه . حجّ في سنة ( 75 ) فدخل المدينة فقال " و إنّي لا أداوي هذه الامّة إلاّ بالسيف حتّى تستقيم لي قناتكم ، و إنّكم تأمروننا بتقوى اللّه ، و تنسون ذلك من أنفسكم ، و اللّه لا يأمرني بتقوى اللّه بعد
-----------
( 1 ) كامل المبرد 7 : 169 ، 172 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 615 ]
مقامي هذا أحد إلاّ ضربت عنقه " 1 .
و قال الجاحظ كان عبد الملك أوّل خليفة من بني امية منع الناس من الكلام عند الخلفاء و تقدّم فيه ، و توعّد عليه ، و قال إنّ جامعة عمرو بن سعيد عندي ، و إني و اللّه لا يقول أحد هكذا إلاّ فعلت به هكذا . و قال : إنّه خطب : فقال :
و إني و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف يعني عثمان و لا أنا بالخليفة المداهن يعني معاوية و لا بالخليفة المأفون يعني يزيد 2 .
و في ( الكامل ) : كان من أكثر الناس علما ، و أبرعهم أدبا ، و أحسنهم في شبيبته ديانة . فقتل عمرو بن سعيد ، و تسمى بالخلافة ، فسلّم عليه بها أوّل تسليمة ، و المصحف في حجره . فأطبقه ، و قال : هذا فراق بيني و بينك 3 .
و روى ( أنساب البلاذري ) عن ابن عباس لمّا بلغه قتل عبد الملك عمرا الأشدق قال : أيّها الناس إنّ عبد الملك قتل ابن عمّه ، و ابن عمته بعد أن آمنه . فلا تأمنوه ، و لا تصدّقوه . و قالوا : كان ابن الحنفية قد شخص يريد عبد الملك . فلمّا بلغه قتله عمرا بعد الّذي أعطاه من المواثيق ، استوحش فانصرف إلى الحجاز 4 .
و كان بخيلا . فكان يقال له رشح الحجارة لذلك . و كان أبخر فكان يقال له أبو ذبّان لذلك . قال تيجان التيمي من جيش ابن الأشعث : " خلعت أبا ذبّان كخلعي قميصي " .
" قد نعق " الأصل في النعق صوت الراعي .
" بالشام " في ( المروج ) : كان عبد الملك سار من دمشق إلى زفر بن
-----------
( 1 ) رواه ابن الأثير في الكامل 4 : 391 ، سنة 75 .
-----------
( 2 ) البيان و التبيين 2 : 273 .
-----------
( 3 ) كامل المبرد 7 : 171 .
-----------
( 4 ) انساب الأشراف 4 : ق 2 : 144 .
[ 616 ]
الحرث الكلابي بقرقيسا ، و خلّف عمرو بن سعيد . فبلغه أنّ عمرا دعا إلى بيعته بدمشق . فكرّ راجعا إليها ، و قال له ارجع إلى بيعتك ، فإنّي سأجعل لك العهد فرضى ، و دخل عبد الملك و عمرو متحيّز منه في نحو خمسمئة يزولون حيث زال فقتله عبد الملك ، و اختلفوا في كيفية قتله . فقيل : إنّ عبد الملك قال لحاجبه :
ويحك أتستطيع إذا دخل عمرو أن تغلق الباب ؟ قال : نعم . قال : فافعل و كان عمرو رجلا عظيم الكبر لا يلتفت وراءه إذا مشى إلى أحد . فلمّا فتح الحاجب الباب دخل عمرو . فأغلق الحاجب الباب دون أصحابه ، و مضى عمرو ، و لا يلتفت ، و هو يظنّ أنّ أصحابه قد دخلوا معه . فعاتبه عبد الملك طويلا ، و قد كان وصىّ صاحب حرسه أبا الزعيزعة أن يضرب عنقه . فضربه فقتله ، و قال له عبد الملك : إرم برأسه إلى أصحابه . فلمّا رأوا رأسه تفرّقوا ثمّ خرج عبد الملك .
فصعد المنبر ، و ذكر عمرا . فوقع فيه ، و ذكر خلافه و شقاقه . و نزل و هو يقول :
أدنيته منّي لتسكن نفره
فأصول صولة حازم متمكن
غضبا و محماة لديني إنّه
ليس المسيء سبيله كالمحسن
و قيل : إنّ عمرا خرج من منزله يريد عبد الملك . فعثر بالبساط . فقالت له امرأته : انشدك اللّه ألاّ تأتيه . فقال لها : دعيني عنك لو كنت نائما ما أيقظني . . . 1 .
و في ( تاريخ الطبري ) : دخل عمرو على عبد الملك . فأمر بالأبواب فغّلقت .
فرحّب به و أجلسه معه على السرير ، و جعل يحدّثه طويلا ثمّ قال : يا غلام خذ السيف منه فقال عمرو : إنّا لله . فقال له عبد الملك : أو تطمع أن تجلس معي متقلّدا سيفك . فأخذ عنه ، ثمّ تحدّثا ما شاء اللّه . ثمّ قال له عبد الملك : إنّك حيث خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك أن أجمعك في جامعة . فأخرج من تحت فراشه جامعة . ثم قال يا غلام قم فاجمعه فيها . فقام فجمعه فيها . فقال عمرو :
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 102 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 617 ]
اذكّرك اللّه أن تخرجني فيها على رؤوس الناس . فقال عبد الملك : أ مكرا عند الموت ما كنّا لنخرجك في جامعة على رؤوس الناس . ثمّ اجتبذه اجتباذه أصاب فمه السرير . فكسر ثنيته فقال عمرو : أغدرا يا ابن الزرقاء إلى أن قال :
و أذّن المؤذن العصر . فخرج عبد الملك . فصلىّ بالناس ، و أمر أخاه عبد العزيز أن يقتله ، و صلىّ صلاة خفيفة ، و رجع . فوجد عمرا حيّا . فقال لعبد العزيز : ما منعك أن تقتله ؟ قال : ناشدني اللّه و الرحم فرققت له . فقال له عبد الملك : اخزى اللّه امّك البوّالة على عقبيها . فإنّك لم تشبه غيرها ، و قال : يا غلام إيتني بحربة . فأتاه بها . فهزّها ثمّ طعنه بها . فلم تجز . ثمّ ثنّى فلم تجز . فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مسّ الدرع . فضحك ، و قال : و دارع أيضا إن كنت لمعدّا . يا غلام إيتني بالصمصامة فأتاه بسيفه . ثمّ أمر بعمرو فصرع و جلس على صدره فذبحه و هو يقول :
يا عمرو إن لا تدع شتمي و منقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني 1 و في ( المروج ) : كان عبد الملك سار في جيوش أهل الشام . فنزل بطنان ينتظر ما يكون من ابن زياد و كان ذهب إلى حرب إبراهيم بن الأشتر فأتاه خبر مقتله و مقتل من كان معه ، و هزيمة الجيش ، و أتاه في تلك الليلة مقتل حبيش بن دلجة و كان على جيش أرسله إلى المدينة لحرب ابن الزبير ثمّ جاءه خبر دخول بابل بن قيس فلسطين من قبل ابن الزبير ، و مسير مصعب من المدينة إلى فلسطين ثمّ جاء مسير ملك الروم لاوي بن فلقط و نزوله المصيصة يريد الشام . ثمّ جاءه خبر دمشق ، و أنّ عبيدها ، و أوباشها ،
و دعّارها قد خرجوا على أهلها ، و نزلوا الجبل . ثمّ أتاه أنّ من في السجن بدمشق فتحوا السجن ، و خرجوا منه مكابرة ، و انّ خيل الأعراب أغارت على
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 560 598 ، سنة 69 ، و النقل بتلخيص .
[ 618 ]
حمص و بعلبك ، و غير ذلك ممّا نمى إليه من المفظعات في تلك الليلة . فلم ير عبد الملك في ليلة قبلها أشدّ ضحكا ، فترك اظهار الفشل ، و بعث بأموال و هدايا إلى ملك الروم ، فشغله و هادنه ، و سار إلى فلسطين و بها بابل بن قيس على جيش ابن الزبير . فالتقوا بأجنادين . فقتل بابل و عامة أصحابه و انهزم الباقون ،
و نمى خبر جيشه إلى مصعب ، و هو في الطريق . فولىّ راجعا ، و رجع عبد الملك إلى دمشق فنزلها 1 .
" و فحص " الأصل في الفحص بحث القطا في الأرض بما يستقر فيه .
" براياته في ضواحي " جمع الضاحية : الناحية البارزة .
" كوفان " في ( الكامل ) لمّا قتل عبد الملك عمرو بن سعيد وضع السيف .
فقتل من خالفه . فصفا له الشام . فلمّا لم يبق له مخالف فيه أجمع المسير إلى مصعب ابن الزبير بالعراق . فاستشار اصحابه . فأشار عمّه يحيى بن الحكم أن يقنع بالشام إلى أن قال :
فلمّا عزم على المسير ودّع زوجته عاتكة بنت يزيد . فبكت و بكى جواريها لبكائها . فقال : قاتل اللّه كثير عزّه لكأنّه يشاهدنا حيث يقول :
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه
حصان عليها عقد درّ يزينها
نهته فلمّا لم تر النهي عاقه
بكت و بكى ممّا عناها قطينها
و لمّا بلغ مصعبا و كان بالبصرة مسير عبد الملك سار إلى الكوفة ،
و معه الأحنف بن قيس . فتوفّي بها ، و سار عبد الملك . فنزل بمسكن قريبا من عسكر مصعب ، و بين العسكرين ثلاثة فراسخ أو فرسخان ، و كتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه و من لم يكاتبه ، و بذل لجميعهم اصبهان طعمة ،
و قيل : انّ كلّ من كاتبه طلب إمرة اصبهان . فقال : أيّ شيء اصبهان هذه حتّى
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 97 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 619 ]
كلّهم يطلبها إلى أن قال :
فلمّا رأى عبد الملك رأس مصعب سجد فأمر بدفن مصعب ، و ابنه عيسى ، و قال : كانت الحرمة بيينا قديمة ، و لكن الملك عقيم ، و كانا يتحدّثان إلى حبّي و هما بالمدينة . فقيل لها : قتل مصعب . فقالت : تعس قاتله . فقيل : قتله عبد الملك . قالت : وا بأبي القاتل و المقتول . ثمّ دعا عبد الملك جند العراق إلى بيعته .
فبايعوه ، و سار حتّى دخل الكوفة . فأقام بالنخيلة أربعين يوما و خطب الناس بالكوفة . فوعد المحسن و توعّد المسيء إلى أن قال :
ثمّ ولّى قطن بن عبد اللّه الحارثي الكوفة ثمّ عزله فاستعمل أخاه بشرا ثمّ استعمل محمّد بن عمير على همدان ، و يزيد بن رويم على الري ، و لم يف لأحد شرط له اصبهان ، و صنع عمرو بن حريث له طعاما كثيرا ، و أمر به إلى الخورنق ، و أذن إذنا عاما . فدخل الناس و أخذوا مجالسهم . فدخل عمرو بن حريث . فأجلسه معه على سريره . ثمّ جاءت الموائد فأكلوا . فقال عبد الملك : ما ألذ عيشنا لو دام ملكنا كما قال الأوّل :
و كلّ جديد يا اميم إلى بلى
و كلّ امرئ يوما يصير إلى كان 1
" فإذا فغرت فاغرته " أي : فتح فاه . قال :
فغرت لدى النعمان لمّا لقيته
كما فغرت للحيض شمطاء عارك 2
" اشتدّت شكيمته " الحديدة المعترضة في فم الفرس الّتي فيها الفاس .
" و ثقلت في الأرض وطأته " وضع القدم ضغطة .
" غضّت الفتنة أبناءها بأنيابها " جمع الناب ، الأسنان المحدّدة .
" و ماجت الحرب بأمواجها و بدا من الأيام كلوحها " تكشّر في عبوس .
-----------
( 1 ) هذا مختصر كلام ابن الاثير في الكامل 4 : 323 332 ، سنة 71 .
-----------
( 2 ) أورده لسان العرب 5 : 60 ، مادة ( فغر ) .
[ 620 ]
" و من الليالي كدوحها " أي : خدوشها و قيل : الكدح اكثر من الخدش .
في ( الأغاني ) لمّا قتل عبد الملك مصعبا خطب الناس بالنخيلة . فقال : أيّها الناس دعوا الأهواء المضلّة ، و الآراء المتشتّتة ، و لا تكلّفونا أعمال المهاجرين ،
و أنتم لا تعلمون بها . فقد جاريتمونا إلى السيف . فرأيتم كيف صنع اللّه بكم ،
و لا أعرفنّكم بعد الموعظة تزدادون جرأة . فإني لا أزداد بعدها إلاّ عقوبة ، و ما مثلي و مثلكم إلاّ كما قال أبو قيس بن الأسلت :
من يصل ناري بلا ذنب و لا ترة
يصلى بنار كريم غير غدّار
أنا النذير لكم منّي مجاهرة
كيلا ألام على نهي و أعذار
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا
أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لتتركنّ أحاديثا و ملعبة
عند المقيم و عند المدلج الساري
و صاحب الوتر ليس الدهر مدركه
عندي و إنيّ لطلاّب لأوتار
أقيم عوجته إن كان ذا عوج
كما يقوّم قدح النبعة الباري
و في ( الكامل ) : لمّا قتل عبد الملك مصعبا ، و أتى الكوفة وجّه منها الحجّاج في ألفين من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير و كان الحجّاج قال لعبد الملك : قد رأيت في المنام أنّي أخذت ابن الزبير و سلخته . فولّني قتاله فسار في جمادى الاولى سنة ( 72 ) و نزل الطائف ، و كان يبعث الخيل إلى عرفة ، و يبعث ابن الزبير . فينهزم خيل ابن الزبير ، و يعود خيل الحجّاج بالظفر فكتب إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم ، و حصر ابن الزبير . فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو الّذي كان بعثه إلى وادي القرى ليمنع عمال ابن الزبير من الانتشار ، و يأمره باللحاق بالحجاج فقدم المدينة ، و أخرج عامل ابن الزبير عنها ، و جعل عليها رجلا من أهل الشام . فكان ذاك الرجل يخرج المخّ و هو على منبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم يأكله ، و يأكل عليه التمر ليغيظ أهل المدينة ، و قدم طارق بمكّة على الحجّاج في ذي الحجّة في خمسة آلاف . فحصر الحجّاج ابن
[ 621 ]
الزبير و نصب المنجنيق على أبي قبيس ، و رمى به الكعبة و كان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد و قال ابن عمر للحجاج : إمنع من الرمى حتّى يقضي الناس ما يجب عليهم بمكّة .
فلمّا فرغ الناس من طواف الزيارة نادى منادي الحجّاج : إنصرفوا إلى بلادكم فانا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد ، و أوّل ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة أرعدت المساء و أبرقت ، و علا صوت الرعد على الحجارة . فأعظم ذلك أهل الشام و امسكوا ، فأخذ الحجّاج بيده حجارة المنجنيق . فوضعها فيه ،
و رمى بها معهم . فلمّا أصبحوا جاءت الصواعق . فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا .
فقال الحجّاج : يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإنّي ابن تهامة ، و هذه صواعقها ، و هذا الفتح قد حضر . فلمّا كان الغد جاءت الصاعقة . فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة .
فقال الحجّاج لأهل الشام : أ لا ترون أنّهم يصابون و أنتم على الطاعة و هم على خلافها ، و لم يزل القتال بينهم فغلت الأسعار عند ابن الزبير ، و أصاب الناس مجاعة شديدة حتّى ذبح فرسه و قسّم لحمها في أصحابه ، و بيعت الدجاجة بعشرة دراهم ، و المدّ من الذرة بعشرين درهما ، و إنّ بيوت ابن الزبير لمملوّة قمّحا و شعيرا و ذرّة و تمرا ، و لا ينفق منه إلاّ ما يمسك الرمق ، و يقول :
أنفس أصحابي قوية ما لم تفن إلى أن قال :
فقتلوه في جمادى الثانية ، و حمل رأسه إلى الحجّاج فسجد ، و كان قبل قتله يستعمل الصبر و المسك لئلاينتن . فلمّا صلب ظهرت منه رائحة المسك .
فقيل إنّ الحجّاج صلب معه كلبا ميتا فغلب على ريح المسك ، و قيل بل صلب معه سنورا . فلمّا فرغ الحجّاج من أمره دخل مكّة فبايعه أهلها لعبد الملك ، و أمر بكنس المسجد من الحجارة و الدم و سار إلى المدينة ، و كان عبد الملك قد
[ 622 ]
استعمله على مكّة و المدينة . فلمّا قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين . فأساء إلى أهلها و استخفّ بهم و قال : أنتم قتلة عثمان ، و ضمّ أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمّة ، منهم جابر بن عبد اللّه ، و أنس بن مالك ، و سعد بن سعد ، ثمّ عاد إلى مكّة فقال حين خرج : الحمد للّه الّذي أخرجني من امّ نتن أخبث بلد ، و اغشّه للخليفة ، و اللّه لو لا ما كانت تأتيني كتبه فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعوذون بها ، و رمّة قد بليت يقولون منبر الرسول و قبر الرسول 1 .
و فيه : ولّى عبد الملك في سنة ( 75 ) الحجّاج على العراق . فسار في اثني عشر راكبا على النجائب من المدينة حتّى دخل الكوفة فجأة . فبدأ بالمسجد .
فصعد المنبر و هو متلثم بعمامة خز حمراء ، و كان محمّد بن عمير تناول حصباء ليحصبه بها . فلمّا تكلّم جعلت الحصباء تنتثر من يده ، و هو لا يعقل ثمّ كشف الحجّاج عن وجهه ، و قال :
أنا ابن جلا و طلاّع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
و قال : و إنّي لأرى رؤوسا قد أينعت ، و قد حان قطافها . إنّي لأنظر إلى الدماء بين العمائم و اللحى . إنّ الخليفة عبد الملك نثر كنانته فعجم عيدانها .
فوجدني أمرّها عودا ، و أصلبها مكسرا . فوجّهني إليكم ، و رمى بي في نحوركم ، فو اللّه لاذيقنّكم الهوان ، و اللّه لتستقيمنّ أو لأضربنّكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى و الولدان يتامى ، و قد بلغني رفضكم المهلّب ، و إنّي اقسم باللّه لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلاّ ضربت عنقه ، و نهبت داره . ثمّ أمر بكتاب عبد الملك فقرئ . فلمّا قال القارئ " أما بعد سلام عليكم " قال : يا عبيد العصا يسلّم عليكم الخليفة . فلا يردّ منكم رادّ ، ثمّ قال : إقرأ فلمّا قرأ " سلام
-----------
( 1 ) هذا مختصر كلام ابن الأثير في الكامل 4 : 349 359 ، سنة 73 .
[ 623 ]
عليكم " قالوا بأجمعهم " سلام على الخليفة و رحمة الله و بركاته " .
و فيه : قال الشعبي : كان الرجل إذا أخلّ بوجهه الّذي يكتب إليه زمن عمر و عثمان و عليّ عليه السّلام نزعت عمامته ، و يقام للناس ، و يشهر أمره . فلمّا ولي مصعب قال : ما هذا بشيء ، و أضاف إليه حلق الرؤوس و اللحى . فلمّا ولي بشر بن مروان صار يرفع الرجل عن الأرض و يسمر في يده مسمارا في حائط .
فربما مات و ربما خرق المسمار كفه فسلم . فقال شاعر :
لو لا مخافة بشر أو عقوبته
و إن ينوّط في كفيّ مسمار
إذن لعطّلت ثغري ثمّ زرتكم
إنّ المحب لمن يهواه زوّار
فلمّا كان الحجّاج قال : هذا لعب ، اضرب عنق من تخلى مكانه من الثغر ،
و أتاه عمير بن ضابي . فقال : أنا شيخ كبير عليل ، و هذا ابني بدلي . فقتله و أمر أن ينادى أنّ عميرا أتى بعد ثلاثة . فأمرنا بقتله فازد حموا على الجسر للخروج إلى المهلب . فقال المهلب : قدم اليوم العراق ذكر . و خرج في تلك السنة من الكوفة إلى البصرة . فخطبهم و توعّد من رآه بعد ثلاثة ، و لم يلحق بالمهلّب فأتاه شريك اليشكري الأعور الّذي يضع على عينه كرسفة . فقال : إنّ بي فتقا ، و قد عذرني بشر ، و هذا عطائي مردود . فأمر به فضربت عنقه فلم يبق أحد إلاّ لحق بالمهلب 1 .
و فيه : كتب الحجّاج في سنة ( 81 ) الى عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث يلحّ عليه بالتوغّل في بلاد رتبيل . فقام عبد الرحمن ، و قال : أتاني كتاب الحجّاج يأمرني بتعجيل الولوغ بكم في أرض العدوّ ، و هي البلاد الّتي هلك فيها إخوانكم بالأمس ، و إنّما أنا رجل منكم أمضي إن مضيتم ، و آبى إن أبيتم .
فقالوا : بل نأبى على عدوّ اللّه و كان أوّل من تكلّم أبو الطفيل فقال : إنّ الحجّاج
-----------
( 1 ) هذا مختصر كلام ابن الأثير في الكامل 4 : 374 379 ، سنة 75 .
[ 624 ]
يرى بكم ما رأى القائل الأوّل " إحمل عبدك على الفرس فإن هلك فلك و إن نجا فلك . إنّ الحجّاج ما يبالي أن يخاطر بكم . فيقحمكم بلايا كثيرة فإن ظفرتم أكل البلاد ، و حاز المال ، و كان ذلك زيادة في سلطانه ، و إن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الّذين لا يبالي عنتهم ، و لا يبقي عليهم " . فخلعوه و أقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة . فبايعه جميع أهلها قرّاؤها ، و كهولها ، و كان السبب في سرعة اجابتهم أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه أنّ الخراج قد انكسر ،
و أنّ أهل الذمة قد أسلموا و لحقوا بالأمصار . فكتب إلى البصرة و غيرها " إنّ من كان له أصل من قرية فليخرج إليها " فأخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية .
فجعلوا يبكون ، و ينادون " يا محمّداه يا محمّداه " و لا يدرون أين يذهبون ،
و جعل قرّاء البصرة يبكون لما يروى إلى أن قال بعد ذكر هزيمتهم بدير الجماجم ، و كانت مدّة حربهم مئة يوم و ثلاثة أيّام فإن قالوا : كفرنا بايعهم ،
و إلاّ قتلهم . فأتاه رجل من خثعم كان معتزلا للناس جميعا فسأله عن حاله .
فأخبره باعتزاله ، و لم يشهد بالكفر . فقتله فلم يبق أحد من أهل العراق و الشام إلاّ رحمه 1 .
و فيه : انّه ذكر عند عمر بن عبد العزيز ظلم الحجّاج و غيره من الولاة أيام الوليد فقال عمر : الحجّاج بالعراق ، و الوليد بالشام ، و قرّة بمصر ، و عثمان بالمدينة ، و خالد بمكّة : اللّهمّ قد امتلأت الدنيا ظلما و جورا 2 .
و فيه ولّى خالد القسري مكّة سنة ( 89 ) فخطب و قال : و اللّه لم تعلموا فضل الخليفة يعني الوليد و كان حفر بئرا بثنيه طوى فكانت عذبا إلاّ أنّ ابراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا اجاجا يعني زمزم و استسقى
-----------
( 1 ) هذا مختصر كلام ابن الأثير في الكامل 4 : 461 481 ، سنة 81 83 .
-----------
( 2 ) الكامل 4 : 583 ، سنة 95 .
[ 625 ]
الخليفة فسقاه عذبا فراتا يعني تلك البئر و كان ينقل ماءها و يضعه في حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم . فغارت فلا يدري أين هو اليوم 1 .
" فإذا أينع " أي : نضج .
" زرعه ، و قام على ينعه ، و هدرت " من هدر البعير ردّد صوته في حنجرته .
" شقاشقه " جمع الشقشقة : شيء كالرئة يخرجه الفحل العربي عند الهياج ، و جعل ( ابن ميثم ) له بمعني البرق و صفة السحاب ، و هم .
" و برقت بوارقه ، عقدت رايات الفتن المعضلة " أي : الشديدة .
" و أقبلن كالليل المظلم ، و البحر الملتطم " إشارة إلى أنّه لمّا قدّر من اللّه انقضاء أمرهم ، و صاروا كزرع آن حصاده عقدت رايات معضلة لهلاكهم من خراسان من دعاة العباسيّين .
و في ( المروج ) : قال ابن بنت ذي الكلاع ، و كان مؤانسا لسليمان بن هشام بن عبد الملك ، و كان أمر المسودة بخراسان و المشرق قدبان ، و نطق العدوّ بما احب في بني اميّة قال كنت مع سليمان ، و كان يشرب حذاء رصافة أبيه في آخر أيّام يزيد الناقص ، و عنده حكم الوادي يغّنيه بشعر العرجي :
إنّ الحبيب تروّحت إحماله
أصلا فدمعك دائم إسباله
اقن الحياة فقد بكيت بعولة
لو كان ينفع باكيا أعواله
فشرب و شربنا حتّى توسّدنا أيدينا فلم انتبه إلاّ بتحريك سليمان إيّاي .
فقمت إليه مسرعا ، فقلت : ما شأن الأمير ؟ فقال : على رسلك رأيت كأنّي في مسجد دمشق ، و كأنّ رجلا في يده خنجر ، و عليه تاج أرى بصيص ما فيه ، من جوهر و هو رافع صوته بهذه الأبيات :
-----------
( 1 ) الكامل 4 : 536 ، سنة 89 ، و النقل بتلخيص .
[ 626 ]
أ بني اميّة قددنا تشتيتكم
و ذهاب ملككم و أن لا يرجع
و ينال صفوته عدوّ ظالم
للمحسنين إليه ثمة يفجع
بعد الممات بكلّ ذكر صالح
ياويله من قبح ما قد يصنع
فقلت : بل لا يكون ذلك فوجم ساعة ثمّ قال : بعيد ما يأتي به الزمان قريب فما اجتمعنا بعد ذلك على شراب 1 .
و فيه في عنوان السبب في العصبية بين النزارية و اليمانية قال عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب للكميت : إنّي رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما نحب .
فقال الكميت قصيدته الّتي يذكر فيها مناقب مضر ، و ربيعة ، و اياد ، و أنمار بني نزار ، و أنّهم أفضل من قحطان و نمي قوله و افتخرت نزار على اليمن و افتخرت اليمن على نزار ، و أدلى كلّ فريق بما له من المناقب ، و تحزّبت الناس ، و ثارت العصبية في البدو و الحضر . فنتج بذلك أمر مروان بن محمّد ، و تعصبّه لقوله من نزار على اليمن ، و انحرف اليمن عنه إلى الدعوة العبّاسية ، و تغلغل الأمر إلى انتقال الدولة عن بني اميّة إلى بني هاشم . ثمّ ماتلا ذلك من قصّة معن بن زائدة باليمن ، و قتله أهلها تعصبّا لقومه من ربيعة ، و غيرها من نزار ، و قطعه الحلف الّذي كان بين اليمن و ربيعة في القدم ، و فعل عقبة بن سالم بعمان و البحرين و قتله عبد القيس و غيرهم من ربيعة إلى أن قال إنّ نصر بن سيّار ضعف أمره بخراسان فخرج فمات بساوة كمدا ،
و لما كان بين الري و خراسان كتب إلى مروان بن محمّد :
انّا و ما نكتم من أمرنا
كالثور إذ قرّب للناخع
أو كالّتي يحسبها أهلها
عذراء بكرا و هي في التاسع
-----------
( 1 ) مروج الذهب 4 : 227 .
[ 627 ]
كنّا نرفيها فقد مزّقت
و اتّسع الخرق على الراقع
كالثوب إذ أنهج فيه البلى
أعيا على ذي الحيلة الصانع
و كان كتب أيضا قبل ذلك إليه :
أرى بين الرماد و ميض جمر
و يوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى
و إنّ الحرب أوّله الكلام
أقول من التعجّب ليت شعري
أ أيقاظ اميّة أم نيام
فأجابه : " الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " فقال نصر لأصحابه : أعلمكم صاحبكم ألاّ نصر عنده إلى أن قال .
و سار مروان حتّى نزل على الزاب الصغير و عقد عليه الجسر ، و أتاه عبد اللّه بن عليّ في عساكر أهل خراسان . فالتقيا فانهزم مروان ، و قتل و غرق من أصحابه خلق عظيم ، و غرق ثلاثمائة من بني اميّة ذاك اليوم غير باقي الناس ، و نزل عبد اللّه على باب حرّان . فهدم قصر مروان و احتوى على خزائن أمواله ، و نزل عبد الله على نهر أبي فطرس . فقتل من بني اميّة هناك بضعا و ثمانين رجلا و رحل صالح بن عليّ في طلب مروان فلحقه بمصر فقتله .
و ذكر المدائني أنّ مروان حين نزل على الزاب ، جرّد من رجاله من اختاره من سائر جيشه من أهل الشام و الجزيرة و غيرهم مئة ألف فارس . فلمّا أشرف عبد الله بن عليّ في المسودة و في أوائلهم البنود السود يحملها الرحال على الجمال البخت ، و قد جعلت أقتابها من خشب الصفصاف و الغرب قال مروان لمن قرب منه : أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظا ؟ أما ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع من الغمام سود ؟ فبينا هو كذلك إذ طار من اترجة هنالك قطعة من الغرابيب السود . فاجتمعت على أوّل رايات عبد اللّه بن عليّ و اتّصل سوادها بسواد تلك الرايات و البنود ، و مروان ينظر . فتطيّر من ذلك .
فقال : أما ترون السواد قد اتّصل بالسواد و كان الغرابيب كالسحب
[ 628 ]
سودا ثمّ نظر إلى أصحابه المحاربين و قد استشعروا الجزع و الفشل . فقال :
إنّها لعدّة و ما تنفع العدّة إذا انقضت المدّة 1 .
و في ( العقد ) : لما سمّ أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية . نزل بمحمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس ، و قال : يا ابن عم إنّي ميّت و قد صرت إليك و أنت صاحب هذا الأمر و ولدك القائم ثمّ أخوه بعده ، و الله ليتمنّ الله هذا الأمر حتّى تخرج الرايات السود من قعر خراسان ثمّ ليغلبنّ ما بين حضرموت ، و أقصى إفريقية ، و ما بين غابة ، و أقصى فرغانة . فعليك بهؤلاء الشيعة . . .
و عن بكير مولى مسلم قال : لم نزل نسمع بخروج الرايات السود من خراسان ، و زوال ملك بني اميّة حتّى صار ذلك 2 .
" هذا و كم يخرق الكوفة من قاصف " يقال : ريح قاصف و رعد قاصف أي :
شديد .
" و يمرّ عليها من عاصف " يقال : ريح عاصف أي : شديدة . و من ذلك ولاية زياد عليها الّذي قتل الشيعة و كان يعرفهم تحت كلّ حجر و مدر ، و يقطع أيديهم و أرجلهم ، و يسمل أعينهم ، و يصلبهم على جذوع النخل خمس سنين ،
و ولاية الحجّاج عليها عشرين سنة و قد أكل خضرتهم ، و أذاب شحمتهم و من ذلك حالهم في أيّام خلافة المنصور فكان إذا اتّهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن المثنى أمر سلما مولى قحطبة بطلبه . فكان يمهله حتّى إذا غسق الليل و هدأ الناس نصب سلّما على منزل الرجل فطرقه في بيته حتّى يخرجه فيقتله ، و يأخذ خاتمه . فقيل لابنه لو لم يورثك أبوك إلاّ خواتيم من قتل من أهل الكوفة كنت أيسر الأبناء . و كان المنصور يشير إلى
-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 230 و 231 و 232 و 240 و 243 و 245 و 250 ، و النقل بتقطيع كثير .
-----------
( 2 ) العقد الفريد 5 : 204 ، و النقل بتلخيص .
[ 629 ]
الكوفة و يقول : هذه المدرة السوء ما هي بحرب فاحاربها و لا هي بسلم فاسالمها .
و لمّا انهزم جند الخليفة من أبي طاهر القرمطي في سنة ( 312 ) دخل الكوفة و أقام ستة أيّام بظاهرها يدخل البلد نهارا ، و يخرج يبيت في عسكره ،
و حمل منه ما قدر من الأموال و الثياب ، و غير ذلك و استولى عليها أيضا سنة ( 315 ) .
" و عن قليل تلتفّ القرون بالقرون " قال تعالى : و كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا 1 .
" و يحصد القائم و يحطم المحصود " قال تعالى : مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح 2 .
هذا و قال ابن أبي الحديد : " إنّ قوله عليه السّلام " و عن قليل . . . " كناية عن الدولة العباسية الّتي ظهرت على الدولة الاموية 3 . و هو كما ترى . فإنّ الظاهر أنّ مراده عليه السّلام جميع دول الدنيا الاموية و العباسية و من بعدهم إلى القيامة .
-----------
( 1 ) مريم : 98 .
-----------
( 2 ) الكهف : 45 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 94 .
[ 630 ]
فهرس المطالب
العنوان رقم الصفحة
تتمّة الفصل الثّامن في الإمامة الخاصّة 1
العنوان 31 من الخطبة 3 : " أمّا و اللّه لقد تقمّصها فلان . . . " 1
العنوان 32 من الخطبة 200 : " السّلام عليك يا رسول اللّه عني . . . " 282
العنوان 33 من الكتاب 45 : " بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء . . . " 308
العنوان 34 من الكتاب 65 : " أمّا بعد ، فقد آن لك أن تنفتح باللّمح الباصر . . . " 341
الفصل التّاسع في إخباره عليه السّلام بالملاحم و ما يأتي من الأزمنة 355
العنوان 1 الحكمة 369 : " يأتي على النّاس زمان لا يبقى فيه من القرآن . . . " 357
العنوان 2 الحكمة 468 : " يأتي على النّاس زمان عضوض . . . " 363
العنوان 3 من الخطبة 91 : " أمّا بعد أيّها النّاس ، فأنا فقأت عين الفتنة . . . " 368
العنوان 4 من الخطبة 187 : " أيّها النّاس سلوني قبل أن تفقدوني . . . " 409
العنوان 5 من الخطبة 173 : " و اللّه لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم . . . " 415
العنوان 6 الحكمة 185 : " ما كذبت و لا كذّبت و لا ضللت و لا ضلّ بي . . . " 436
العنوان 7 من الخطبة 36 : " فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النّهر و . . . " 440
من الخطبة 58 : " أصابكم حاصب ، و لا بقى منكم آبر . . . " 441
العنوان 8 من الخطبة 59 : " مصارعهم دون النّطفة . . . " 458
العنوان 9 الحكمة 323 : " بؤسا لكم ، لقد ضرّكم من غرّكم . . . " 466
من الخطبة 59 : " . . . كلاّ و الله إنّهم نطف في أصلاب الرجال . . . " 466
العنوان 10 من الخطبة 179 : " أ آمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا ؟ . . . " 478
من الخطبة 44 : " قبّح الله مصقلة . فعل فعل السّادات و فرّ فرار العبيد . . . " 478
العنوان 11 من الخطبة 13 : " كنتم جند المرأة . و أتباع البهيمة . . . " 497
من الخطبة 14 : " أرضكم قريبة من الماء . . . " 497
العنوان 12 من الخطبة 100 : " فتن كقطع اللّيل المظلم لا تقوم لها قائمة . . . " 523
من الخطبة 126 : " يا أحنف كاني به و قد سار بالجيش . . . " 523
العنوان 14 من الخطبة 126 : " كأنىّ أراهم قوما كانّ وجوههم المجانّ المطرّقة . . . " 540
العنوان 14 من الخطبة 47 : " كاني بك يا كوفة تمدين مدّ الأديم العكاظيّ . . . " 555
العنوان 15 من الخطبة 57 : " أما أنّه سيظهر عليكم بعدي رجل . . . " 566
العنوان 16 من الخطبة 171 : " أو لم يبايعني بعد قتل عثمان لا حاجة لي . . . " 589
العنوان 17 من الخطبة 99 : " أيّها النّاس لا يجرمنّكم شقاقي . . . " 611